حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 096 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 096 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .


2017-04-18

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، اللهم صلِ وسلم وزد وبارك على سيدنا محمد الصادق الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين .
 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الأكارم في مجلس العلم والإيمان مع فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور الداعية الكبير الشيخ محمد راتب النابلسي حياكم الله أستاذنا وشيخنا .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
 أهلاً وسهلاً دكتور محمد ، دكتورنا الكريم ، عن الأمر بالمعروف ، وعن النهي عن المنكر تدور دقائق هذه الحلقة في الحوار ، ويقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 نريد بداية دكتور أن نتحدث مع فضيلتك عن هذه القضية ، لماذا أمرنا في شريعتنا الإسلامية بالأمر بالمعوف والنهي عن المنكر ؟

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو علة وجودنا :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أيها الأخ الكريم ، بارك الله بكم ، ونفع بكم ، نقطة دقيقة جداً وهي أن الأمر بالمعروف ، وأن النهي عن المنكر هو علة وجودنا لقوله تعالى ، الآية دقيقة جداً :

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 لأول مرة معنى كنتم في هذه الآية ، معناها أصبحتم يا أيتها الأمة ، أنتم بهذه البعثة بعثة النبي الكريم ، بهذه الرسالة رسالة سيد الأنبياء والمرسلين ، أصبحتم بهذه النعمة وتلك الرسالة :

﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 عُبر عن هذا المصطلح بكلمة خيرية الأمة ، فأمتنا تتمتع بالخيرية ، إلا أن هذه الخيرية لها سبب .

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 لكن الكلام المؤلم ، وهو الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح : كيف بنا إذا لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر ؟ فقيل هذا لبعض الصحابة :

((كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا : يا رسول الله ، وإنَّ ذلك لكائن ؟ نعم ، وأشدُ ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا : يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم ، وأَشدُّ منه سيكون ، قالوا : وما أشدّ منه ؟ قال : كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ؟))

[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 حالة تعد من أشد الحالات المرضية التي تصيب الأمة ، أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ، بتعبير معاصر : تبدل القيم ، مثلاً شاعر يدخل السجن في عهد سيدنا عمر لأنه قال بيتاً ، عد هذا البيت أهجا بيت قالته العرب ، دخل السجن ، الزبرقان ، قال :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

انسحاب الأكثرية من الشأن العام أكبر ذنب تقترفه الأمة :

 أنا أقول لك ولا أبالغ : هذا شعار كل إنسان الآن ، ما دام بيته ملكه ، دخله معقول ، سيارته على الباب ، ليس عنده مرض عضال ، ليس عنده مشكلة نفسية اجتماعية ، لا يهتم بالشأن الآخر ، وأنا أقول كلمة دقيقة جداً : حينما ينسحب المسلمون أحياناً من الاهتمام من الشأن العام فقدوا خيرية الأمة ، حينما تنسحب الأكثرية في بلد ما من الشأن العام ، واكتفوا بالشأن الخاص ، دخل كبير ، مصنع فعال ناجح جداً ، تجارة رابحة ، مكانة اجتماعية كبيرة ، أدوات الرفاه كلها في البيت ، فإذا اهتم المسلمون بشأنهم الخاص ، ولم يهتموا بالشأن العام يدفعون الثمن ملايين الأضعاف ، لذلك انسحاب الأكثرية من الشأن العام في بعض البلاد يعد أكبر ذنب تقترفه الأمة ، هذا الذنب دفع ثمنه أضعاف مضاعفة ، فلذلك علة وجودنا العمل الصالح ، ومن أهم الأعمال الصالحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
المذيع :
 دكتور ، هل لنا أن نوضح هذه المفاهيم لمن لا يعرفها من المستمعين الكرام ، ما معنى كلمة المعروف ؟
الدكتور راتب :
 أنت تملك عقلاً تدرك به الحقائق ، وتملك نفساً ترقى أو تسقط ، وتملك فطرة ، الفطرة البرمجة الإلهية للإنسان ، هذه البرمجة الإلهية أنت مبرمج على المعروف ، يعرف المعروف ابتداءً من دون تعليم ، مثلاً ، إنسان ما تلقى درس علم بحياته ، من كل الأديان ، معه طعام نفيس ، جاء إلى البيت وأمه جائعة مثله ، أكل الطعام وحده ، ألا يشعر بضيق لا يحتمل ؟ مع أنه ما تلقى أي توجيه ديني إطلاقاً .
المذيع :
 هذه الفطرة .

الإنسان إذا ترك تطبيق الأمر وترك النهي فقد فطرته السليمة :

الدكتور راتب :
 الفطرة هذه :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم : 30]

 أي أمر أمرت به إطلاقاً ، وأي نهي نهيت عنه أنت مبرمج في نفسك على محبة الأمر وبغض المعصية ، فلذلك هذا اسمه الكآبة ، يوجد عندنا الآن في العالم الغربي مرض اسمه الكآبة ، وكان عندنا دكتور في الجامعة من كبار علماء النفس ، قال : نسب الكآبة في العالم الغربي مئة واثنان وخمسون بالمئة ، نحن عجبنا لهذه النسبة! النسبة بالعادة مئة بالمئة ، تسعون بالمئة ، خمسون ، سبعون ، مئة واثنان وخمسون بالمئة ؟! فكانت إجابته: مئة معهم كآبة، واثنان وخمسون معهم كآبتان .
 فالإنسان إذا خالف مبادئ فطرته ، الله فطره على حب الخير ، على حب الجمال والكمال والنوال ، فإذا ما أعطى ألغى النوال ، وما تجمل بالعمل الطيب ألغى الجمال ، وما طبق وصية الله عز وجل ألغى الطاعة ، فالإنسان إذا ترك تطبيق الأمر ، وترك النهي فقد فطرته السليمة .
المذيع :
 إذاً المعروف دكتور هو كل عمل صالح ، وكل خير .
الدكتور راتب :
 يعرف ابتداءً من دون تعليم ، معروف بأصل الفطرة ، أنت مركوز بنفسك ، آتي بمثل أدق : شخص دخل لبيته الساعة الثانية عشرة ، والدته مريضة ، قالت له : هذا الدواء يلزمني ، ماذا قال لها ؟ قال لها : كله مغلق الآن ، لا يوجد أحد ، فسكتت ، لكنه يعلم أنه يوجد صيدلية مناوبة ، فإذا اكتفى بهذه الإجابة ، وهي سكتت ما أحرجته ، ينام متضايقاً ، الآن تصور ، لو ذهب الساعة الثانية عشرة إلى الصيدلية المناوبة ، هذا الدواء غير موجود ، بالحالتين والدته ما أخذت الدواء ، بالحالة الأولى يوجد انقباض ، في الثانية أدى الذي عليه ، ذهب ولكن الدواء مفقود في الصيدلية المناوبة الوحيدة ، فالقضية مع النفس دقيقة جداً ، فالإنسان يعلم يقيناً أنه مخطئ أو مصيب .

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم : 30]

 أن تقيم وجهك لله حنيفاً هذا ما فطرت عليه ، هذا ما ولفت عليه ، هذا ما برمجت عليه .
المذيع :
 هل المعروف دكتور ، آياتنا الكريمة :

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 هل المعروف كل الفطرة أم فقط الأعمال الصالحة ؟

المعروف يعرف ابتداءً :

الدكتور راتب :
 ما دام الله سماه معروفاً إذاً هو يعرف ابتداءً .
المذيع :
 الإنسان مثلاً دكتور يولد يحب المال ، هل البحث عن المال جزء من المعروف ؟
الدكتور راتب :
 طبعاً لا مشكلة .

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾

[ سورة آل عمران : 14]

 لكن هذه الشهوة تتحرك مئة وثمانين درجة ، تقدر ، إلا أن المسموح مئة وعشر درجات ، كل ما تفعله من الصفر إلى المئة وعشرة لا مشكلة عندك أبداً .
 إنسان تزوج ، وكان في لقاء زوجي ، واستيقظ الساعة الثالثة ليلاً ، صلى قيام الليل ، وبكى في الصلاة ، كيف بكى في الصلاة ؟ هو لم يرتكب أي غلط إطلاقاً ، عمل الذي سمح الله له به .

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم : 30]

المذيع :
 إذاً المعروف دكتور :

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 هو أوسع من مجرد العبادات الشعائرية من صلاة ، وصدقة ، وصيام ؟
الدكتور راتب :
 العبادة الشعائرية خمسة بنود ، أما التعاملية ولا أبالغ مئة ألف بند ، كيف تكسب مالك ؟ دين هذا ، كيف تنفق مالك ؟ دين ، كيف تعامل والدتك ؟ دين ، تعامل والدك ؟ تعامل زوجتك ؟
المذيع :
 وهل هذا يشمله الأمر بالمعروف ؟

البطولة والذكاء والعقل والتوفيق في طاعة الله :

الدكتور راتب :
 لكن الدين واسع جداً ، الدين كل حركاتك وسكناتك من وقت الاستيقاظ وحتى النوم خاضعة لمنهج الله .
المذيع :
 وأنا مأمور أن آمر الناس بكل هذه التفاصيل .
الدكتور راتب :
 في كل ما يتعلق بهذا الأمر ، في حدود ما تعلم ومع من تعرف .
المذيع :
 هذا المعروف دكتور ، ماذا عن المنكر ؟
الدكتور راتب :
 المنكر هو الشيء الذي إذا فعلته تنكره أنت قبل كل إنسان ، تنكره نفسياً ، تتألم منه ، هذا الانقباض .

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه :124]

 شخص سأل أحد العلماء سؤالاً محرجاً ، قال له : فما بال الأقوياء والأغنياء ؟ الذي معه مثل بلكيت تسعين مليار دولار ، أي انقباض ؟ أي شقاء ؟ الذي عنده أموال لا تأكلها النيران ، الذي وصل إلى أعلى مناصب الأرض ، ما معنى هذه الآية ؟

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه :124]

 فكان الجواب : ضيق القلب ، الإنسان حينما يعصي الله يأتيه ضيق ، أنا أسميه تسمية مجازية : هو عقاب الفطرة ، عقاب فطرتك السليمة ، حينما عصيت الله حاسبتك فطرتك ، فكل شيء اسمه قلق ، اسمه تشاؤم ، شدة نفسية ، عذاب ، قد يكون الإنسان بأعلى درجة من المال أو القوة ، ومع ذلك إن لم يطبق منهج الله يشعر بكآبة ، والكآبة تتنامى مع تقدمه في السن ، من نقلة مخيفة ، من بيت قد يكون جيد جداً ، من زوجة ، أولاد ، بنات ، لقاءات ، سهرات ، حفلات ، ولائم ، سياحة إلى قبر ، من هو الذكي ؟ أقسم لك بالله ما وجدت على ظهر الأرض كلها أذكى ممن أطاع الله ، بهذه الطاعة نشأ عنده توازن ، لو اقتربت منيته ، أين سيذهب ؟ إلى الله ، إلى الذي خافه طوال حياته ، إلى الذي أحبه ، قدم له كل ما يملك ، قدم له عمره ، وماله ، ونشاطه ، وخبرته ، وذكاء ، فلذلك الإنسان المؤمن حينما يرى مقامه في الجنة يقول : لم أرَ شراً قط ، والإنسان الآخر لو كان مليارديراً وبأعلى درجة من القوة ، حينما يرى مكانه في النار يقول : لم أرَ خيراً قط ، البطولة ، والذكاء ، والعقل ، والتوفيق ، والنجاح ، والفلاح ، في طاعة الله .
المذيع :
 إذاً دكتور يمكن أن نلخص ما تفضلت فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن المعروف هو كل فعل وافق شرع الله وسنة رسوله الكريم ، ووافقت الفطرة في داخل الإنسان ، والمنكر ما خالف كتب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام .

الإنسان إذا ألِف المعصية انقلبت من عمل مؤلم بالنفس إلى عمل مريح :

الدكتور راتب :
 وأنكرته النفس ابتداءً .
المذيع :
 سبحان الله! فاستمرار البشرية بشكل مستقيم يعتمد على دعمنا لهذا الأمر ، أي وهو الأمر والنهي .
الدكتور راتب :
 حتى أن بعض العلماء قال : هي الفريضة السادسة .
المذيع :
 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذاً نتحدث دكتور عن حكمها ، هل هي فريضة عين أو هي فريضة كفاية ؟
 نتحدث عما سماه العلماء الفريضة السادسة كما علمتنا دكتور ، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قبل أن ننتقل إلى أحكامها أريد أن أرجع إلى الحديث النبوي الشريف الذي ذكرته في مطلع الحلقة :

((كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟))

[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 الحديث هنا دكتور ذكر ثلاث درجات ، الأصل أن المسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، النبي قدم حالة ستأتي في الواقع استغربها الصحابة وهي أننا ابتعدنا عنها ، لم نأمر ، ثم يبدو أن من وقع فيها ساقته إلى كبيرة ، أو إلى مضرة أخرى ، وأنه بات يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف ، ومن وقع فيها أيضاً زلت قدمه إلى أكثر من ذلك وهو أن يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً ، هل هي خطوات تدريجية لمن يقع بالأولى دكتور إن لم ينتبه سيقع بالثانية ؟
الدكتور راتب :
 طبعاً ، إذا ألف المعصية استمر بها ، وانقلبت من عمل مؤلم بالنفس إلى عمل مريح.
المذيع :
 يألفها ، يقبلها ويقع بالمزيد .
 دكتور ، كنا نتحدث بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذكرت لنا أن بعض العلماء اعتبروها فريضة سادسة ، هل هي فريضة ؟

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف :

الدكتور راتب :
 أولاً هي فريضة عين في حدود ما تعلم ، ومع من تعرف ، أولاً : ما تعلم ، أنا حضرت درس علم ، هذا العمل لا يجوز ، عرفتها ، دخلت إلى علمي ، أنا لست مكلفاً أن أحجز قاعة أدعو إليها خمسمئة شخص ، وألقي محاضرة ، لا ، أنا في بيتي ، ابني ، أخي ، أختي ، بيت أهلي ، والدتي ، عمتي ، خالتي ، الأقارب ، الآن زملاء العمل ، عندك الأقارب والزملاء والرفقاء والأصدقاء ، هؤلاء والدائرة الصغرة التي حولك ، ضمن هذه الدائرة يجب أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر ، في حدود ما تعلم ، ومع من تعرف .
المذيع :
 تعد هذه فرضية عين أي على كل إنسان ، كل رجل وامرأة .
الدكتور راتب :
 يجب أن تقيم الإسلام في نفسك أولاً ، ثم في بيتك ثانياً ، ثم في عملك ثالثاً ، وهنا انتهت المسؤولية ، لا تحاسب إلا على ثلاث دوائر تملكها ، دائرة نفسك ، دائرة بيتك ، دائرة عملك ، هذه الدوائر الثلاث التي تحاسب عليها ، لذلك الكلمة الدقيقة جداً :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147 ]

 لأن هذا الكون مسخر تسخير تعريف ، والموقف الكامل من تسخير التعريف أن تؤمن ، وهذا الكون مسخر تسخير تكريم ، والموقف الكامل من تسخير التكريم أن تشكر ، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك كلياً ، وعندئذٍ قطعاً تتوقف جميع المعالجات الإلهية إنطلاقاً من قوله تعالى :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147 ]

 هذا الواجب الفردي ، في حدود ما تعلم ، ومع من تعرف .
المذيع :
 دكتور سؤال لتوضيحها؛ هل أنا مأمور شرعاً عند كل منكر يحصل مثلاً في دائرة بيتي أن أنهى عنه ؟ كل منكر ؟

ما من عطاء إلهي يفوق أن تكون حكيماً من الله :

الدكتور راتب :
 من هو الذي سيأمر بدالك ؟ إذا كنت جالساً ، والزوجة جالسة ، وابنك ارتكب خطأ ، الأم بلغت لا بأس ، قامت به زوجتك ، فهذه المؤسسة يجب أن يؤمر بها في المعروف ، وأن ينهى عن المنكر ، قامت بها الزوجة هذا جيد ، قام به الأب أيضاً جيد .
المذيع :
 دكتور ، حينما يقف الإنسان على كل منكر ينهى عنه تصبح الحياة ضيقة هنا ؟
الدكتور راتب :
 دخلت الحكمة الآن ، الحكمة تقتضي أحياناً أن تتجاوز عن خمسة وتحاسب على السادسة ، تتجاوز التسعة وتحاسب على العاشرة ، إذا كان هناك نهي متكرر ، فقد النهي قيمته، من حين لآخر كأب ، ابنك أخطأ ، أخطأ مرة ، اثنتين ، ثلاثة ، الرابعة بابا هذا لا يمكن ، هذه فيها نهي ، وهي الآية ، أما إذا تابعه متابعة غير محتملة أعطاه حالة نفور من الدين .
المذيع :
 شرعاً ليس مطلوباً أن ينوه عن كل خطأ .
الدكتور راتب :
 بحسب الحكمة ، دخلنا بموضوع ثالث ، الحكمة ما قال الله عنها أنه من يمتلك الحكمة ، الحكمة لا تملك ، وما قال ومن يكُ حكيماً ، قال :

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة : 269]

 الحكمة تؤتى ولا تؤخذ ، تؤتى ولا تؤخذ من الله ، فأكبر عطاء إلهي على الإطلاق أن ترزق الحكمة ، أنت بالحكمة تجعل العدو صديقاً ، وبالحمق تجعل الصديق عدواً ، أنت بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة العاشرة ، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى ، أنت بالحكمة تتدبر أمرك بالمال المحدود ، ومن دون حكمة تتلف المال الكثير ، أكاد أقول لك : ما من عطاء إلهي على الإطلاق يفوق أن تكون حكيماً من الله .

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة : 269]

 مثلاً ، لو أن طفل عقب عيد الأضحى زاره خاله ، قال : يا خال أنا معي مبلغ كبير، مبلغ عظيم ، مبلغ عظيم لطفل صغير السن أنا أقدره مئة دينار فرضاً ، إذا كانت الأسرة التي حول الأب والأم في بحبوجة ، هذا أعطاه عشرة ، هذا خمسة ، جمع مئة دينار بالعيد ، المئة عند الطفل مبلغ عظيم ، قال : أنا معي يا فلان ، يا خالي ، يا عمي مبلغ عظيم ، الآن إذا قال أحد أعضاء البنتاغون الأمريكي : أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً ، أي خمسين ملياراً ، نفس الكلمة ، قالها طفل وتصورنا معه مئة دينار ، قالها مسؤول في البنتاغون قدرناها خمسمئة مليار.

الإنسان إذا غابت عنه الحقيقة الإلهية غاب عنه كل شيء :

 الآن إذا قال الله عز وجل :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113]

 بحسب السياق معناها أن تعرف الله ، أعظم عمل تصل إليه ، أعظم إنجاز تحققه ، أعظم مرتبة تصلها ، أعظم كسب تكسبه أن تعرف الله .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ حديث قدسي ]

 نكمل ، لكن دقيقة .

فــــــلو شاهدت عيناك من حسننـــا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنـــا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولــــــــو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبـنـا
ولـــــــو نسمت من قربنا لك نسمة  لمت غريب واشتياقــــاً لقربنــــــــــا
ولـــــــــــــو لاح من أنوارنا لك لائح  تركت جميع الكائنـــات لأجلنــــــــا
***

 الإنسان إذا وصل إلى الله وصل إلى كل شيء ، وإذا غابت عنه الحقيقة الإلهية غاب عنه كل شيء ، لا يوجد حل وسط .
المذيع :
 إذا وصل إلى الله وصل إلى كل شيء .
الدكتور راتب :

((اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ حديث قدسي ]

المذيع :
 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أن توصل الناس إلى الله .
الدكتور راتب :
 أبداً ، في حدود ما تعلم ، ومع من تعرف .
المذيع :
 هنا كان الحكم فريضة ، لكن كما قلت دكتور الحكمة سيد الموقف متى تأمر ، وبأي طريقة تأمر ، خارج هذه الدوائر الثلاثة نفسي ، وبيتي ، وعملي ، أو بيئتي دكتور ، مثلاً كنت أسير في الشارع ، رأيت منكراً هل أنا ملزم شرعاً أن آمر بالمعروف ؟

من أمر بالمعروف فليكن أمره بمعروف ومن نهى عن منكر فليكن نهيه بغير منكر :

الدكتور راتب :
 أحياناً تأمر بالمعروف أو تنهى عن المنكر لإنسان لا يعرف الله إطلاقاً ، يسبب مشكلة كبيرة بالمجتمع ، يسب الدين ، يسب بشكل لا يحتمل ، فأنت أسرته ، لذلك قيل : من أمر بالمعروف فليكن أمره بمعروف ، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه بغير منكر ، من دون تعنيف .
المذيع :
 كثير من الحالات دكتور ، هذه الأيام خوفاً من هذه القضية وقوع المشاكل غابت عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل كامل دكتور .
الدكتور راتب :
 إنسانة تفلتها غير محتمل ، ماذا يمكنك أن تقول لها في الطريق ، هل تستطيع أن تكلمها ؟
المذيع :
 قد تحدثها امرأة مثلاً .
الدكتور راتب :
 ممكن ، لكن أحياناً تشعر أن هذا الشخص لا يمكن أن يستجيب ، ما الدليل :

﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾

[ سورة الأعلى : 9]

 فالتذكير أمر إلهي ، لكن مرتبط بشرط .

﴿ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾

[ سورة الأعلى : 9]

 إنسان يوجد معالم صلاح حوله ، ورأيته ارتكب معصية ، أحدثه بلطف .
المذيع :
 والإنسان الذي لا تبدو عليه ملامح الصلاح لمن نتركه دكتور إذا تخلينا عن عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟

الأمر بالمعروف يُشعر الإنسان بسعادة لا توصف :

الدكتور راتب :
 نتركه لأجهزة الإعلام ، ألا يوجد في الأجهزة الإعلامية دروس دينية مثلاً ، يوجد عندنا مناهج ، عندنا إذاعات ، عندنا فضائيات ، عندنا برامج دينية .
المذيع :
 على الأقل دكتور في كثير من الحالات أن الإنسان بات اليوم يبتعد عن هذه القضية، مثلاً جاره طبيب يتعامل مع بنك ربوي ، فهو خوفاً من أن يقال بأنني أتدخل في خصوصياته ، أتجنبه أنا ولا أنصحه ، لا أمراً ولا نهياً .
الدكتور راتب :
 أنا لست معك في هذا الشي ، لا أتجنبه ، أنا أتحدث معه على انفراد أولاً .
المذيع :
 في هذا الحال أنت مع النصيحة .
الدكتور راتب :
 نعم ، لكن على انفراد ، وبلطف بالغ ، وإذا قبلت مني فهذا فضل منك ، وإذا ما قبلت أنت حر .
المذيع :
 إذا وجدت منعاً دكتور أو صدوداً ، وقال لك : أغلق الموضوع .
الدكتور راتب :
 انتهى الأمر ، أتوقف ، أما أن ينصح إنسان شخصاً بأدب جم ، وعلى انفراد ، ولا يلقى من نفسه استجابة بالغة ، لا أعتقد ، أنا هذا إيماني .
المذيع :
 كلام مهم ، وكلام جميل جداً ، دكتور ماذا عن أمر النفس بالمعروف ونهيها عن المنكر ، هل يأمر الأنسان نفسه أم أن الأمر هنا فقط للآخرين ؟
الدكتور راتب :
 مرة قال لي صديق بعدما تزوج بشهر أو شهرين ، ووضعه المادي جيد ، فأخذ أهله أي زوجته الجديدة العروس إلى مكان جميل ، إلى منتجع ، وزوجته محجبة حجاباً كاملاً ، فطفل قال له : عم هل هذه زوجتك ؟ قال : نعم ، قال : المحل لا يناسبك ، طفل صغير مقيم بتلك البلدة الاصطيافية ، رأى أن هذا المحل كله معاصٍ وآثام ، عندما رأى هذه الزوجة محجبة، هذا الطفل الصغير وجد أن هذا الفندق غير مناسب لدخول هذا الشخص ، قال له : هذه زوجتي، قال له : لا ، اذهبا إلى مكان آخر . فهذا الأمر بالمعروف شيء كبير جداً ، حضارة ، تشعر بسعادة لا توصف .
المذيع :
 لماذا تغيب عن حياتنا بالعموم الآن دكتور ؟

المجتهد إن أصاب له أجران وإن لم يصب فله أجر :

الدكتور راتب :
 يقول لك : لا دخل لنا ، هذه كلمة شيطانية ، أقول لك كلمة أدق : عندما الأكثرية المؤمنة المسلمة تنسحب من الشأن العام ، استمع لعبارات العوام : لا دخل لنا ، يصطفلوا ، ينباعوا بالعزى ، فخار يكسر بعضه ، من أخد أمي عمي ، سلامتك يا رأسي ، هذه كلها كلمات يندفع ثمنها مليون ضعف ، مليون ضعف دفع ثمنها ، الذي حدث في بعض البلاد لا يصدق ، لأن الأغلبية انسحبت من الشأن العام ، فعندما انسحبت الأغلبية من الشأن العام ، دفع الثمن مليون ضعف ، هذه الكلمات التي ترددها الأكثرية المؤمنة في بلد ما دفع ثمنها مليون ضعف .
المذيع :
 حسناً دكتور ، من جانب شرعي في نتيجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل الأجر عند الله سبحانه وتعالى للآمر بالمعروف يكون إذا تحقق معروفه أم بمجرد عمله ؟
الدكتور راتب :
 لا ، له أجر بمجرد أن قاله ، إذا تحقق للمجتهد أجر ، المجتهد إن أصاب له أجران وإن لم يصب فله أجر ، فأنت في موضوع هذه الندوة بين الأجر والأجرين ، إن تكلمت وما استفدت لك أجر ، إن تكلمت واستفدت لك أجران ، فالعبارة الفقهية أنت بين الأجر والأجرين .
المذيع :
 جميل ، دكتور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذه مسؤولية من ؟ مسؤولية الدولة مثلاً كبعض الدول التي أنشأت لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم مسؤولية كل مسلم ؟
الدكتور راتب :
 أسمح لي بقصة جرت معي ؟ كنت في أمريكا ، ويوجد أخوة كرام ، وضع نادر ، حوالي مئة طبيب من سورية في مكان معين بأمريكا ، فأكثرهم يؤمّن ضد دعوى خطأ منه ، وفي هذه البلاد المبلغ كبير جداً ، ضد إقامة دعوى من مريض يتهم الطبيب بأنه ما أحسن معالجته ، والتعويض كبير جداً أحياناً يغرموه بثمانين مليوناً ، أي تأمين احترازي للأخطاء الطبية .

الفرق بين التأمين التجاري الربوي والتأمين التعاوني :

الدكتور راتب :
 فهناك الطبيب مضطر أن يؤمن ضد دعوى تقام ضده ، في جمع من الأطباء كبير كتب البيت لزوجته ، حتى يتهرب من مشكلته مع المرضى ، فالنتيجة الذي حصل أن هؤلاء الأخوة الكرام يدفع هو مليونين ، أنا بدلت الرقم إلى العملة السورية يدفع بالسنة مليونين ، فدفع كل واحد منهم مليوناً ، هم مئة ، فاجتمع معهم مبلغ مئة مليون ، بنوا مدارس ، قاموا بأنشطة ، عملوا استهلاكيات ، إذا أصاب أحدهم شيء يدفع من هذا المبلغ ، هذا اسمه الآن التأمين التعاوني ، هذا التأمين التعاوني فضيلة بالإنسان ، هو بديل التامين العادي ، التأمين العادي حرام ، لأنك تشتري الأمن ممن لا يملكه ، وبعد انقضاء المدة ينتهي التأمين ، العام القادم تأمين جديد ، هذا التأمين التجاري اسمه ، يوجد عندنا تأمين تجاري ، وتأمين تعاوني ، نقول نحن : عندنا خمسون تاجراً ، ولديهم بضاعة ، وفي محاولات قد يتكلفوا بأشياء ابتزازية ، فعملوا صندوقاً لوحدهم ، ووضع كل شخص مثلاً مئة ألف ، معهم مبلغ ضخم ، الآن أي إنسان يصاب بضرر من هؤلاء الخمسين شخصاً يأخذ المبلغ منهم ، أما هذا المبلغ الكبير فقد استثمروه بمدارس ، بمناشط لأولادهم ، بسوبر ماركت ، وحصلوا على أرباح أيضاً ، لو المريض أقام عليه دعوى المبلغ يؤخذ من الصندوق ، هذه هو التأمين التعاوني ، والمبلغ الفائض تاجروا فيه ، واستخدموه، شيء لا يصدق ، الفرق بين التأمين التجاري الربوي والتأمين التعاوني .
 أقول لك كلمة دقيقة ، أتمنى من الأخوة الكرام المستمعين أن ينتبهوا لها : ما من شيء حرمه الله إلا وله بديل إسلامي صحيح ، لا تقلق ، هذا منهج خالق الأكوان ، الله عز وجل يعلم ما تحتاجه أنت ، تحتاج إلى أمن ، تحب أن يكون لك دخل بعد أن تتقاعد يغطي الفرق بين التقاعدية وبين حاجاتك المالية ، يوجد حل ، الحل هو التأمين التعاوني .
المذيع :
 لكن يبدو لغياب هذه التطبيقات الإسلامية كما تفضلت دكتور الناس ابتعدت عنها ، موضوع مهم جداً ، ونتوسع أكثر في قضية من يأمر بالمعروف ، ونتحدث عن أولئك الذين لم يأمروا بالمعروف ، كمن يحث الناس على الصلاة ولكنه لا يصلي .
 دكتور الحقيقة حينما يتأمل الإنسان ما ورد في الحديث عن ذلك الرجل الصالح الذي كان في القرية ، وأمر الله سبحانه وتعالى أن يبدؤوا به في العذاب ، وحينما سُئل قال : لأنه لم يكُ يتمعر وجهه إذا رأى منكراً ، يخاف الإنسان ، ما المطلوب مني كمسلم حتى لا يحل علي غضب الله ؟

من يتكلم بالحق ولا يطبقه يحرمه الله قوة التأثير :

الدكتور راتب :
 هذا الإنسان لا ينتمي إلى الجماعة ، وعندما يقول ربنا :

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 119]

 دعوة قرآنية صريحة قاطعة إلى أن تكون مع الجماعة ، مع جماعة المؤمنين .

((عليكم بالجماعةِ ، وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ ، فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعدُ ))

[الترمذيُّ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]

((فإنما يأكلُ الذِّئبُ من الغنم القاصية))

[أبو داود والنسائي عن أبي الدرداء رضي الله عنه ]

المذيع :
 دكتور ، في قضية ثانية من قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يأمر بالمعروف لكنه حقيقة هو على الصعيد الشخصي يكون بعيد عنه ، مثلاً بعض الناس يعرف أن الصلاة فرض ، ويسأله أحد عنها يجيبه ويشجعه عليها ، لكن هو على الصعيد الشخصي بعيد تماماً عن أدائها ، هل هذا جيد ؟
الدكتور راتب :
 هذا يفقد قوة التأثير ، هذا يتكلم بالحق ، ما دام ليس مطبقاً له ، يفقد قوة التأثير ، قوة التأثير عطاء إلهي ، قد تملك أعلى معلومات ، وتحفظ أعظم النصوص ، إن لم تكن مطبقاً لها، لا تملك قوة التأثير ، يحرم الله هذا الإنسان الذي يتساوى حاضره وواقعه مع منطوقه ، يحرمه قوة التأثير .
المذيع :
 هل يحاسب عند الله ؟ هل يؤثم لأنه أمر بمعروف ولم يفعله ؟
الدكتور راتب :
 طبعاً هو يحاسب على المعاصي أولاً ، على مخالفاته للدين يحاسب .
المذيع :
 لكن أقصد دكتور قول الله سبحانه وتعالى :

﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة الصف : 3]

 هل يندرج هذا الفهم القرآني على هذا الشخص ؟

المغضوب عليه هو من عرف وانحرف أما الضال فهو الذي لم يعرف وانحرف :

الدكتور راتب :
 طبعاً ، لأن الذي ما عرف الله عذابه أصلاً أخف من ذاك ، هناك :

﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[ سورة الفاتحة : 7]

 من هو المغضوب عليه ؟ عرف وانحرف ، أما الضال فما عرف وانحرف ، فالذي عرف وانحرف عذابه أشد .
المذيع :
 هنا سيخشى الإنسان أن يأمر بالمعروف دكتور إذا كان يعرفه ، وكان مقصراً فيه .
الدكتور راتب :
 هو يرجو من الله أن يسامحه ، إذا كان يوجد تقصير .
المذيع :
 هذا مدخل يمكن في لحظة من اللحظات أن الشيطان قد تدخل ، أنني حينما يكتمل إيماني أنا سأنصح الناس .
الدكتور راتب :
 طبعاً ، هو لن يتكلم ، لن يتكلم ابتداءً ، لو سئل قد يقول الحق ، لو سُئل عن قيام الليل يقول حكم قيام الليل ، حتى لو لم يك يصلي قيام الليل ، إذا سئل يجب أن يقول الحق ولو لم يك مطبقاً له مبدئياً ، أما إذا كان هو مطبقاً للحق وتكلم ، كلامه فيه مليون ضعف تأثير ، أنت لا تؤثر فيمن حولك إلا إذا كنت مطبقاً لما تعتقد ، وهذه مكافأة المطبق ، غير المطبق لا يؤثر ولا يتأثر .
المذيع :
 لكن إنسان مثلاً مقصر في قراءته للقرآن ، يهجره كسلاً وتقصيراً ، جاءه أحد الأشخاص يسأله عن القرآن فشجعه على القرآن ، وحثه على الدوام عليه .
الدكتور راتب :
 له أجر ، لكن بعد حين ، يخجل من ربه .
المذيع :
 هنا دكتور لا يمتنع .

من يتاجر بالدين لا يعرف قيمته :

الدكتور راتب :
 لا ، عليه أن يقول الحق .
المذيع :
 ينصحه وعليه هو أن يغير .
الدكتور راتب :
 عليه أن يقول الحق ، لكن أحياناً ينشأ معه اختلال توازن بنفسه ، أنا أنصح الناس وهم يتأثرون بكلامي ، وأنا لست مطبقاً ؟ لعل هذا يكون باعثاً له على التطبيق .
المذيع :
 إذاً يستمر بالنصيحة علها تهذب ذاته .
الدكتور راتب :
 أقول لك كلمة دقيقة بينهما : لا يستطيع أن يبدأ ابتداءً بنصيحة إنسان لشيء هو لا يطبقه ، هو يستحي من الله ، أما تستحي يا عبدي ، تقول لهم : افعلوا كذا ، وأنت لا تفعله .

أما تستحي منا ويكفيك ما جرى
***

المذيع :
 لو كان حاله غير ذلك ، أي من الذين يتعمدون الأمر بالمعروف وفي ظهر الناس يأتون بمنكر ؟
الدكتور راتب :
 معنى ذلك هو يتاجر بالأمر بالمعروف ، وهذه ألعن ، يتاجر بالحق ولا ينتمي إليه .
المذيع :
 هنا دكتور أقرأ حديث وأطلب من فضيلتكم شرحه وتوضيحه :

((فَيجتَمِعُ أَهل النار عليه ، فيقولون : يا فلان ، ما شأنك ؟ أَليس كنتَ تأمُرُنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول : كنت آمُرُكم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن الشر وآتيه))

[متفق عليه عن أسامة بن زيد]

 لكن هذا متعمد يا دكتور .
الدكتور راتب :
 التناقض مريع ، هو الآن يتاجر بالدين ، لأن فيها موضوعاً آخر ، الآن يتاجر بالدين، مثلاً كمن يكون معه سبيكة ذهب ، ثمنها خمسة آلاف ويبيعها بمئة ليرة ، ألا تعرف قيمتها! فالآن تاجر بالدين ، لمجرد أن تتاجر بالدين فأنت لا تعرف قيمة الدين .
المذيع :
 فلا يقبل هذا الجانب بهذه الطريقة ، جميل جداً دكتور ، عندما نتحدث بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يخشى الإنسان من التدخل في شؤون الآخرين .

((مِنْ حُسْن إسلام المرءِ تِرْكهُ ما لا يَعنِيه))

[أخرجه زيادات رزين عن لحسين بن علي بن أبي طالب]

للدعوة عشرة مبادئ :

الدكتور راتب :
 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى حكمة ، أحياناً ليس من الحكمة أن تأمره أن يفعل كذا أو كذا ، لكن من الحكمة أن تملك قلبه أولاً ، الإحسان قبل البيان ، القدوة قبل الدعوة ، والأصول قبل الفروع ، ومخاطبة العقل والقلب معاً ، هذا موضوع دقيق جداً بالدعوة ، عندنا عشرة مبادئ بالدعوة ، القدوة قبل الدعوة ، والإحسان قبل البيان ، والأصول قبل الفروع ، والمبادئ لا الأشخاص ، والمضامين لا العناوين ، والتربية لا التعرية ، نخصص لها حلقة ثانية إن شاء الله .
المذيع :
 بمشيئة الله ، مقترح رائع جداً دكتور ، بعض الناس يأمرون ، أو يساندون المنكر لكن دون قصد ، مثال إذا خرجت فتاة من بيتها بعيدة عن فريضة الحجاب ، أو إنسان اشترى سيارة بقرض ربوي متعمد ويعرف ذلك ، فبعض الناس يشجعونه ، شيء جميل ، خطوة رائعة ، أحسنت ، هذا هو الصواب ، هل هؤلاء ممن يدعون إلى المنكر ولو عن غير بقصد ؟
الدكتور راتب :
 إذا علموا أن الدخل حرام ، طبعاً ، شجعه ، أعانه .
المذيع :
 من باب المجاملة ، أسأل فضيلتك هذه القضية اليوم مثلاً تنتشر الكترونياً ، ممكن إنسانة تضع صورة لها وهي متبرجة ، والبعض ما شاء الله صورة جميلة ، هل يساندون المعصية ؟
الدكتور راتب :
 والله يا سيدي هذه معصية كبيرة .
المذيع :
 لكن دون قصد من باب المجاملة .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتحققان تماماً إلا بالحكمة :

الدكتور راتب :
 أنا أقول لك قصة : امرأة عرضت صورها المغرية ، وهي محتشمة ، لكن صورة مثل الوجه وغير ذلك ، أتى شخص ببرنامج فوتوشوب أزال الرأس ووضعه على امرأة عارية ، هل تصدق بأنها قتلت من قبل أهلها ؟!! وهي لا علاقة لها ، فلذلك :
طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة .
 هذا فوتوشوب يمكن التلاعب به ، أنا أذكر أن شخصاً أطلعني على ملف لمنشأة ، هذا الموظف الذي يصافح المدير وهو يصافحه أدار وجهه عنه عن غير قصد ، أزالوا رأسه ووضعوا رأس شخص آخر وهو ينظر إليه .
 يوجد في الفوتوشوب أشياء قد تدعوك إلى عدم تصديق صورتك ، لا تعرف ما الذي سيحدث ، وإذا كان يوجد صورة فهناك مشكلة .
 هناك أناس ، والله أذكر أن فتاة أعادت تحديث هاتفها أي فرمتته وباعته ، ولها صور، هي ماذا فعلت ؟ فرمتت ، الذي اشتراه خبير هواتف ، أعاد الصور كلها وباعه بسبعة آلاف دولار .
طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة .
 وأنا أنصح أخواني المستمعين لا تضع على تلفونك صور نساء نهائياً ، أبداً نهائياً ، يبتز ابتزازاً لا يحتمل ، سبعة آلاف اشتروه منه في إسطنبول ، هي باعت هاتفها ، طبعاً بعد أن مسحت كل شيء فيه ، الذي اشتراه عرف كيف يرجع الصور كلها ، وبدأ يهددهم .
المذيع :
 كلام جميل جداً ، في آخر الدقائق معنا في حديثنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحد الذي يجب أن نأمر فيه بالمعروف خوفاً من التدخل في شؤون الناس أو التخاذل عن هذه القضية ؟ من لم يهتم بشأن المسلمين ليس منهم .
الدكتور راتب :
 من أمر بمعروف فليكن أمره بالمعروف ، وليس بكل شيء ، هذه هي الحكمة ، دخلنا بالحكمة ، نحن عندنا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، أعتقد أن الأمرين لا يتحققان تماماً إلا بخاصة ثالثة هي الحكمة .

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة : 269]

 أنا من غير المعقول أن أنصح إنساناً له مكانة كبيرة أمام موظفيه ، يطردني ، هذه تتم على انفراد ، بلطف ، هذا بجزئية بسيطة ، هذا بوعد ، وهذا بوعيد ، هذه هي الحكمة .
المذيع :
 هل على الابن أن يأمر والده مثلاً بالمعروف ، أو أحد الأشخاص الأكبر منه سناً ؟

زمننا زمن تبدل القيم :

الدكتور راتب :
 لكن ليس أمام أخوته ، أمام أمه ، لا يتحمل الأب ، والدي أدامك الله لا يوجد من هو أغلى منك ، والله أنا أحبك ، هذا الذي فعلته والله لا يجوز ، بينه وبينه ، لا مشكلة أبداً .
المذيع :
 وكذلك العامل لصاحب العمل ؟ إذا أراد أن يغير تاريخ بضاعته أو أي شيء آخر هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الدكتور راتب :
 أنا لا أملك إلا أن أنصحك .
المذيع :
 إذا غابت هذه العبادة عن حياتنا .
الدكتور راتب :
 أصبح هناك غش ، في موعد انتهاء البضاعة .
المذيع :
 إذا غابت عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دكتور .
الدكتور راتب :
 انتهت الأمة .

((كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا : يا رسول الله ، وإنَّ ذلك لكائن ؟ نعم ، وأشدُ ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا : يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم ، وأَشدُّ منه سيكون ، قالوا : وما أشدّ منه ؟ قال : كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ؟))

[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 هذا زمن تبدل القيم ، ونحن في هذا الزمان .
المذيع :
 هذا ما كنت أريد أن أسأل فضيلتك ، هل وصلنا لهذا ؟
الدكتور راتب :
 طبعاً لا يوجد حكم عام ، أنا عندي قاعدة أقولها دائماً : التعميم من العمى ، الله ما عمم ، قال :

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

[ سورة آل عمران : 199]

 وضع من ، أنا لا أعمم ، الحق لا يخلو من أي مكان ، لكن إما أن يكون الحق ظاهراً أو باطناً ، قوياً أو ضعيفاً .
المذيع :
 الله يفتح عليكم يا دكتور ، نستأذن فضيلتكم بدعاء لله عز وجل ، ونسأله تعالى أن يستجيب منا .

الدعاء :

الدكتور راتب :
 بارك الله بك .
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان ، واحقن دماءهم في الشام ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .

خاتمة و توديع :

المذيع :
 صلى الله عليه وسلم ، بارك الله بكم شيخنا وأستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي شكراً لكم .
 سبحانك اللهم وبحمدك ، نشهد أن لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك .
 والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018