حياة المسلم 3 - موضوعات متنوعة 2 – الحلقة : 13 - فضل ذي الحجة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 3 - موضوعات متنوعة 2 – الحلقة : 13 - فضل ذي الحجة


2020-07-23

مقدمة :

الدكتور راتب :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المذيع :
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في مجلس العلم والإيمان مع الدكتور محمد راتب النابلسي شيخنا الكريم ، مرحباً بفضيلتكم ..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم .
المذيع :
 شيخنا الكريم أهلاً وسهلاً بفضيلتكم ، سوف نتحدث في هذه الحلقة عن موسم من مواسم الله تعالى عن عشر ذي الحجة والفجر وليال عشر ، وقال جمع من العلماء في تفسيرها أن المقصود بها هي العشر من ذي الحجة ، وتحدث النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأيام من أحبّ الأيام التي يقوم بها الإنسان المسلم بالأعمال الصالحة ، فأكثروا فيهن من التحميد والتهليل والتكبير ، لكن قبل أن نشرع في هذا الموضوع أثار الجدل ونحب أن نستمع إلى تعليق فضيلتكم حول هذا الموضوع قضية مسجد آيا صوفيا ، وتحويله من متحف في السابق إلى مسجد ، القضية أثارت جدلاً كثيراً دكتور ، الذي استخدم هذا المصطلح بعض الناس أن هذا عمل غير حضاري ، نحب أن نستمع إلى رأي حضرتكم في هذا الموضوع ؟

كلمة الأب مانويل مسلّم حول آيا صوفيا :

الدكتور راتب :
 رجل دين مسيحي اسمه الأب مانويل مسلّم ، رئيس الهيئة الشعبية العالمية لعدالة وسلامة القدس يقول : إن تحويل المتحف إلى جامع رفع قدر وكرامة لآيا صوفيا ، حيث حولها من متحف تدوسه أقدام الأمم إلى جامع يسبح فيه اسم الله الأعظم ويمجد ، وترتقي فيه النفوس غغغغغالمؤمنة إلى بارئها ، وربها ، وإلهها الواحد الأحد ، والفرد الصمد ، صاحب الأسماء الحسنى والصفات العلا ، واستعرض مانويل مسلّم الأب في المقابل كوارث تاريخية حلت بالكنائس والمساجد الفلسطينية وقال : نحن الفلسطينين - مسلمون ومسيحون - في صراع وإعصار بل في عين الإعصار مع الصهيونية من حروب ، ومجازر ، وسجون ، وإعدامات ، وحرق ، وهدم، وقتل ، وتهجير ، وتدنيس ، وتسفيه لكنائسنا وجوامعنا ، وتهويد وسلب لآثارنا الفلسطينية ، وثقافتنا ، وفي فيديو بثه على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك الأب رجل الدين المسيحي حديث عدّ مانويل مسلّم كوارث حلت بمساجد فلسطينية ، وكنائس مسيحية جرى تحويلها إلى أغراض أخرى ككنس يهودية ، أو إلى متاحف ، بل وإلى حظائر للماشية ، وصالات للأفراح ، وملاه ليلية ، وزرائب للخنازير ، واستعرض الأب مانويل نماذج لبعض مآسي هذه التحويلات ، وعلى سبيل المثال تحويل مسجد سوق اليونسي في صفد إلى متحف ، وتحويل مسجد الشعرة في صفد إلى كنيس يهودي ، وتحويل مسجد عين الزيتونة في صفد إلى حظيرة للماشية ، ومسجد الخالصة في صفد إلى متحف ، والمسجد الأحمر إلى قاعة أفراح ، وبداخله منصة وغرفة لتعاطي الخمور ، بل ويتحول معظمها في بعض المناسبات إلى ملاه ليلية.
هذا النص ، فلذلك البطولة أن تكون موضوعياً .

بطولة الإنسان أن يكون موضوعياً و الموضوعية قيمة علميّة و أخلاقيّة :

 الموضوعية قيمة أخلاقية ، وقيمة علمية ، إذا كنت موضوعياً فأنت أخلاقي ، وإذا كنت موضوعياً فأنت عالم ، والبطولة أن نعطي الأشياء بحجمها الحقيقي ، والبطولة أنك إذا كنت موضوعياً ارتقيت عند الله وعند الناس ، أما إذا كنت منحازاً إذاً كنت عنصرياً ، مَثًل من واقع المسلمين ، زوج تزوج امرأة أمضى سهرة بأكملها يستهزئ بأبيها ، أي بوالد زوجته ، فلما تكلمت في اليوم الثاني كلمة عن أمه أقام عليها الدنيا ، هذا إنسان عنصري ، ليس أخلاقياً ، ولما تعترض خمس دول بكلمة لا فيتو التغى القانون ، سبعون قانوناً لصالح الضعاف المستضعفين بفيتو واحد يلغى ، مادام هناك قياس شيء بمقياسين متناقضين هذا عين العنصرية ، مادام هناك عنصرية النزاعات في الأرض لا تقف ، فإذا كنت موضوعياً أهلاً وسهلاً ، سلمان فارسي ، ماذا قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم ؟

((... سلمان منَّا أهل البيت ))

[ الحاكم والطبراني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده ]

 صهيب رومي قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه))

[ كنز العمال عن عمر]

 بلال حبشي ، أبو لهب قرشي قال تعالى :

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

[ سورة المسد: 1]

 الموضوعية قيمة راقية جداً ، قيمة أخلاقية وقيمة علمية ، أنت موضوعي بالحجم الصحيح ، النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الأسرى الذين جاؤوا ليحاربوه ، مرّ بصهره ماذا قال ؟ والله ما ذممناه صهراً ، انظر إلى الموضوعية كان صهراً ممتازاً ، هذه الكلمة جعلته يسلم، أنت إذا كنت موضوعياً أحبك الجميع ، أما إذا كنت منحازاً تعتم على الإيجابيات و تبرز النقائص فهذا موضع اسمه قنص ، كيف عندنا قنّاص يقتل إنساناً بريئاً ، في العلم قنّاص يكتشف السلبيات في كل شيء ، ويبرزها ، ويضخمها ، أما المؤمن أما فلان فما ذممناه صهراً ، الموضوعية قيمة أخلاقية ، وقيمة علمية ، هذا إيماني وأنا لست معصوماً ، إن أصبت فلله الفضل ، وإلا هذا اجتهاد مني ، والمجتهد بين الأجر والأجرين .
المذيع :
 شيخنا نعرج في حلقتنا بدأنا منذ يوم الأمس بعشر ذي الحجة ، هذه الأيام العظيمة و المباركة ، وهذه النفحة الزمانية التي جاءت بعد انقضاء رمضان بشهرين لتكون فرصة جديدة للمسلم ليزداد إيمانه وصلته بالله ، النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله تعالى العمل فيهن من أيام العشر ... ))

 السؤال لماذا هذه الأيام دون باقي أيام العام الأعمال أحب إلى الله ؟

 

العبادة علة وجود الإنسان في الدنيا :

الدكتور راتب :
 كلمة :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 المصطلح الحديث علة وجودنا في الدنيا العبادة ، سبب وجودنا العبادة ، أرسلت ابنك إلى باريس لينال الدكتوراه من السوربون ، أكبر مدينة في أوروبا ، علة وجود ابنك الكريم في هذه المدينة الدراسة ، البطولة والذكاء ، والنجاح والتفوق ، أن أكتشف بوقت مبكر سبب وجودي في الدنيا ، إما أن أستنبطها استنباطاً أو أن أقرأها في كتاب الله :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 علة الوجود العبادة ، هناك التباس في موضوع العبادة ، عندنا عبادة شعائرية ، كالصلاة والصوم والحج والزكاة والنطق بالشهادة ، وعبادة تعاملية ، العبادة التعاملية تبدأ من أخصّ خصوصيات الإنسان من فراش الزوجية وتنتهي بالعلاقات الدولية ، منهج تفصيلي لكل حركات الإنسان وسكناته ، كسب ماله ، إنفاق ماله ، اختيار زوجته ، تربية أولاده ، علاقته بأمه وأبيه ، علاقته بمن حوله ، بالمقربين ، بالأباعد ، بالأقوياء ، منهج قد يصل إلى خمسين ألفاً ، يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية ، كلمة دين أي ندين به ، نخضع له ، أنت اشتريت مركبة حديثة وأنت قليل خبرة بالقيادة ، هناك ضوء تألق بلوحة البيانات وأنت توهمت أن هذا الضوء تزييني ، احترق المحرك ، كلفك مئة ألف ، أما إذا فهمته بحسب تعليمات الصانع أنه تحذيري أوقفت المركبة أضفت الزيت ، فالبطولة والذكاء والعقل والفلاح والنجاح وأنت أعقد آلة في الكون ، وأنت حريص على سلامتك بلا شك ، وعلى سعادتك ، وعلى استمرارك ، ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع ، الصانع هو الخبير ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

بطولة الإنسان أن يعرف الله في وقت مبكر :

 أنا أرى أن البطولة أن تعرف الله في وقت مبكر ، وأن تتحرك وفق منهجه ، بكبريات حياتك ، طبعاً يوجد أشياء صغيرة جداً ؛ اختيار الزوجة ، تربية الأولاد ، اختيار الحرفة ، هناك حرف فيها عطاء للناس ، حرف فيها أخذ ، ألصق شيء بحياة الإنسان حرفته وزوجته ، فإذا وفق في حرفة فيها عطاء التعليم ، هناك حرف كلها عطاء ، التجارة بضاعة جيدة ، لا يوجد بها غش ، ولا كذب ، ولا تلاعب بالأسعار ، والحجوم ، والأوزان ، والمقاييس ، فلذلك بين أن تتحرك وفق منهج الله أنت في ذمة الله ، وفي ضمان الله ، وفي توفيق الله ، وفي إكرام الله ، وفي إسعاد الله لك ، وهذا يكون على مدار العام كله ، لكن الله عز وجل عمل دورات مكثفة ، بالمصطلح الحديث دورة بالرياضيات لطلاب التوجيهي ، دورة أسبوعين أبرز الموضوعات طريقة حل المعادلات ، فعندنا مواسم ، الصلاة موسم ، الصلاة يومية ، موسم يومي ، الصيام موسم سنوي، والسنة بأكملها فيها طاعة لله عز وجل ، فالإنسان انطلاقاً من حبه لذاته وهناك تعبير قد يكون غير مقبول ومن أنانيته ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع ، سبل السلام أنت في سلام مع نفسك ، وفي سلام في بيتك ، ومع أخوانك ، ومع والديك ، ومع زبائنك .
المذيع :
 وفي آخرتك ، هذا على مدار العام ، وهناك مواسم الله جعل فيها عبادة مضاعفة لتزيد من همة الناس إقبالاً ، بينتم أن منهج الإنسان على مدار العام بالعبادة ، ولكن هناك أيام مخصصة يزيد الله بها الأجور لتكون تحفيزاً ..
الدكتور راتب :
 دورات استثنائية ، محفزات ، مواسم .
المذيع :
 شيخنا خير ليال العمر ، العشر من رمضان ، وخير الأيام ؟
الدكتور راتب :
 العشر الأوائل من ذي الحجة .
المذيع :
 شيخنا لماذا ؟

الله عز وجل جعل للإنسان مواسم لشحذ الهمم و الإقبال عليه :

الدكتور راتب :
 الله عز وجل أراد لهذا الإنسان الذي ألِف العبادة فبردت همته يؤديها أحياناً تأدية شكلية ، فلما تابع الأداء الشكلي كأن همته ضعفت ، وضعف إقباله على الله ، فالله جعل له مواسم تحفيزية ، جددوا إيمانكم ، أنت بموسم تدع الطعام والشراب ، تدع المباح ، تدخل لبيتك في رمضان ، والجو حرارته لا تحتمل ، وجائع جوعاً لا يحتمل ، وحالة عطش لا توصف ، لا تقدر أن تضع قطرة ماء في فمك ، أنت بهذه الطريقة تتأكد أن الله يعلم ، تتأكد أن الله سيكافئك، أي موسم للإقبال على الله ، موسم لشحذ الهمة ، موسم لفتح صفحة مع الله جديدة ، موسم لتوبة نصوح تجرف كل ما سبق ، الله جعل مواسم نتوب في رمضان ، بعيد الأضحى نضحي ، نطعم الطعام ، ننشر السلام ، نصلي بالليل والناس نيام ، نبلغ الجنة بسلام ، عمل لنا مواسم ، عمل لنا مناسبات ، تحفيزات حتى نتشوق إلى اللقاء معه ، عفواً الطفل أحياناً يكره الطعام ، وعندما يذوق طعمه يحبه ، يتابع هذا الطلب كل يوم ، كأن الله عز وجل ينتظر منا أن نذوق طعم القرب :

(( ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

الله عز وجل أصل الجمال والكمال والنوال :

 الله عز وجل أصل الجمال والكمال والنوال ، الذات الكاملة ، أي إن لم تقل - وقد سمح لك أن تتصل به - : ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ، هناك مشكلة مع الله ، أنت مع أصل الجمال ، تصور مرة كانت هولندا مهتمة بنباتات الزينة ، بالورود ، ترى حقولاً قطعة من الجمال لا تصدق ، هذا جمال الله منحه لوردة ، منحه لفاكهة ، انظر إلى لون الفاكهة ، وحجم الفاكهة ، وقوام الفاكهة ، هذا كله إكرام لنا ، الدواب تأكل نوعاً واحداً كل حياتها ، كم فاكهة بحياة الإنسان ؟ كم نوع طعام ؟ كم نوع لحم ؟ قال تعالى :

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان : 20 ]

 باطنة الأمن ، المؤمن عنده حالة أمن والله لو وزعت على أهل بلد لكفتهم ، والله ، الدليل قال تعالى :

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ ﴾

[سورة الأنعام : 81-82]

 دقق ما قال : الأمن لهم ، لو قال الأمن لهم ولغيرهم ، قال تعالى :

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 82]

 وحدهم ، لا يتمتع بنعمة الأمن إلا المؤمن ، قال تعالى :

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 82]

 وحدهم ، نعمة الأمن ، التوفيق :

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة هود : 88 ]

 الإنسان يوفق أحياناً بزواجه ، يوفق بعمل مريح ، ودخل معقول ، يوفق بأولاد أبرار ، ببنات صالحات محتشمات ، يوفق بحرفة راقية شريفة ، هناك حرف مبنية على معاص وآثام ، أحياناً يتمتع بحريته ، لا يوجد عليه مأخذ ، ليس ملاحقاً ، مشى على منهج الله فحفظه الله ، والآمر ضامن .

 

إيجابيات معرفة الله وطاعته لا تعد و لا تحصى :

 الآن إيجابيات أن تعرف الله وأن تطيعه لا تعد ولا تحصى ، ملخصها أن تقول وأنت واثق مما تقول : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني ، أنت مع القوي ، طفل صغير إذا كان ابن ملك يخاف من رجل كبير ؟ لا يخاف ، لأن والده الملك ، الله عز وجل خاطب النبي صلى الله عليه وسلم :

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور : 48 ]

 ما هذه الكلمة ؟ مثل شخص تزوج ولم ينجب ، وهو غني ويحب زوجته حباً جماً ، لا يريد أن يزعجها بزوجة ثانية ، بعد عشر سنوات أنجب طفلاً آية بالجمال ، تعلق به تعلقاً مذهلاً، فإذا أخذه إلى حديقة عينه عليه دائماً ...

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور : 48 ]

 أنت غال على الله ، كمؤمن غال عليه كثيراً ، أعطوا النبي دواء ذات الجنب فغضب غضباً شديداً ، كأنه الورم الخبيث ، قبل أن يموت قال : ذاك مرض ما كان الله ليصيبني به . ليس معنى هذا أن الإنسان إذا امتحن بهذا المرض سيئ ، لا ، لا أقصد هذا إطلاقاً ، لكن أنت كمؤمن تحس أنك غال على الله ، هناك أشياء تنهيك ، بالحياة لا يوجد شيء من هذا ، هناك إنسان له دكان ، ويؤدي زكاة ماله بالتمام والكمال ، جاء شخص قال له : احترق دكانك ، بقي مطمئناً ، قال له : عجيب ، قال له : أنا مطمئن ما كان الله ليفعل ، أنا أؤدي زكاة مالي ، والله مرة أخ من قطر مجاور ، صديقي الحميم ، راكب سيارته ، فضرب سيارة سورية ، والضرب كبير يحتاج إلى ألفين أو ثلاثة آلاف ليرة ، والله وأنا أقف ، السائق عندما وجد اللوحة ليست سورية من دولة مجاورة قال له : مسامح لا أريد شيئاً ، هذا الرجل انهمرت من عينه دمعة ، ما هذه الدمعة ؟ هو غني كبير ، هو وفر ثلاثة آلاف ليرة ، لا ، ليس كذلك ، سألته : لماذا بكيت؟ قال : أنا قبل سنتين أسرة من سوريا راكبة سيارة بيجو ، وكل النساء محجبات ، ضربت سيارتي، جاء يعمل نزهة في بيروت ، ما أحببت أن أزعجه بالنزهة ، قال له : مسامح ، بعد سنتين أنا استغربت سائق سيارة عمومي ، عندهم قوة ومجادلة قوية جداً ، لما وجدها سيارة ليست سورية من بلد مجاور قال له : مسامح ، الله كبير ، ما عُبد الله في الأرض بأعظم من جبر الخواطر .
المذيع :
 شيخنا الواقع كثير من الناس يسير على درب الله ، ويستقيم ، ويصلي ، ويصوم ، لكنه لا يشعر بهذا الجمال ، ولا بحلاوة الإيمان ، ولا بالصلة المنعقدة مع الله ، ولا يشعر بأنه أسعد الناس على وجه الأرض ، أين الخلل ؟

 

المخالفات تُفقد الإنسان السعادة و الإقبال على الله :

الدكتور راتب :
 تريد جواباً دقيقاً ، بيت مساحته حوالي أربعمئة وخمسين متراً ، فيه ثماني ثريات رشانج ، كل واحدة ثمنها مئات الألوف ، فيه كل الأجهزة ؛ الثلاجة ، والمايكروويف ، والمراوح ، والتكييف ، فيه كل شيء ، لا يوجد به كهرباء ، كله واقف ، هذا التيار الكهربائي ينقطع بمليمتر وينقطع بمتر ، مادام هناك مخالفات فقد الإقبال على الله ، فقد الاستمتاع بالصلاة ، ما دام هناك سهرة مختلطة ، مال عليه إشكال ، مبلغ رشوة ، مبلغ حرام ، متع عينه بنساء لا يحللن له، مشى في الطريق أطلق البصر .
المذيع :
 شيخنا حتى لو صام وصلى لن تنعقد الصلة ؟
الدكتور راتب :
 هذا البيت فيه كل الأجهزة لكن لا يوجد به كهرباء ، فأنت لم تستقم استقامة كما أرادها الله ، استقامة عن الكبائر ، خذ ألف بيت في عمان ، لا يوجد خمر ، نحن مسلمون ، لا يوجد زنا ، لا يوجد قمار ، لا يوجد قتل ، أين مشكلتنا ؟ بالأشياء الصغيرة ، سهرة مختلطة ، سياحة لا ترضي الله بأماكن موبوءة ، هناك الكثير من المخالفات عندما يفقد الإنسان الثقة بالله يفقد السعادة بالدين ، يصير الدين عبئاً عليه ، العبادات تصبح عبئاً ، عفواً بين أن تقول : أريحونا بالصلاة ، وبين أن تقول : أريحونا منها :

((أرحنا بها يا بلال ))

[ الطبراني عن رجل من الصحابة]

 يجوز شخص له تقصيرات أو له مخالفات يقول : الحمد لله العشاء خلصنا منه ، صلينا ، بين أرحنا بها وأرحنا منها ؟

فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائــــح  تــركت جميع الكائنات لأجلنــــــــــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــى  سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنــــــــــــا
***

المذيع :
 شيخنا الإنسان يجب أن يسير على شرع الله ، هذا الإنسان لن يشعر بجمال وحلاوة هذا الشيء إلا إذا كانت كل سلوكياته استقامة ، ليس فقط أدى الصلاة بل تجنب المال الحرام والكلمة الحرام ..

 

السير على شرع الله و الالتزام بالتوبة :

الدكتور راتب :
 تيار متصل إذا قطعت التيار ميلي مثل المتر ، طبعاً الميلي حسابها ليس كمتر لكن بالنهاية قطع ، صار هناك حجاب ، ما دليلها ؟ والله الآية تخوف :

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[سورة المطففين : 15]

المذيع :
 شيخنا كيف يزال هذا الحجاب ؟
الدكتور راتب :
 بالتوبة ، الله يحب التوابين ، يحب المتطهرين :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الزمر : 53 ]

 ما ترك معصية ما فعلها :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر : 53 ]

 وسعت رحمتي كل شيء ، أنت شيء وأنا شيء .
المذيع :
 شيخنا وبهذه التوبة يصبح الإنسان إذا صلى ..
الدكتور راتب :
 التوبة تجب ما قبلها ، إذا تاب العبد إلى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وجوارحه وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه :

﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

[سورة البقرة : 222 ]

المذيع :
 موضوعنا عن فضل العشر من ذي الحجة شيخنا الكريم الإنسان عليه أن يستقيم على مدار العام لكن هذه المواسم رمضان وذو الحجة ليزداد همة إن فترت همته .

 

فضل العشر من ذي الحجة :

الدكتور راتب :
 الحج عبادة كبيرة جداً ، الحج فيه انتقال من مكان إلى مكان ، أنت تصلي في بيتك أو في مدينتك أو في المسجد ، وتصوم في مدينتك ، وتدفع زكاتك في مدينتك ، إلا هذه العبادة فيها سفر ، فيها مشقة ، فهذا الذي سافر إلى الله ، هذا زائر إلى الله ، يوجد إكرام كبير له ، هذا السفر يحتاج إلى صحة وإلى مال ، هذا الذي يجلس في عمان ، في الشام ، في بغداد ، في القاهرة ، ما أتيح له أن يحج ، كأن الشرع جعل له هذه الأيام العشر ليقطف ثمار الحاج لا أقول: مئة بالمئة بل ثمانين بالمئة ، صيام ، وعبادة ، وقرآن كريم ، أنت ما تمكنت أن تذهب إلى الحج صم بعض هذه الأيام أو كلها ، لكن لابد من يوم الوقفة هذا اليوم يرتقي إلى الواجب ، الواجب بين الفرض والسنة .
المذيع :
 ماذا تنصح المستمعين شيخنا في هذه الأيام ؟

الإكثار من الأعمال الصالحة في أيام العشر :

الدكتور راتب :
 قراءة القرآن ، طلب العلم ، عمل صالح ، تفقد الأهل والأقارب ، صلة الرحم ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، يكون له أخت فقيرة زوجها فقير ، بطرف المدينة ، إذا كان زوجها غنياً كلما عطس يهنئوه ، يزوروه ، هذه مهملة أين بطولتك ؟ أن تزور هذه الأخت ، التي زوجها دخله محدود ، تجبر خاطرها ، بيت فيه سعادة ، مرة أذكر إنساناً صار معه مرض بالقلب ، ولا يوجد معه ثمن العملية ولا واحد بالمليون ، والعملية تكلف أربعمئة ألف ، عالم غني كبير قال : هذه العملية على حسابي ، العملية نجحت ، والطبيب الجراح من أخواني، ناجحة جداً ، أنا أذكر : زرته بعد العملية البيت الأولاد يكادون يرقصون من فرحهم ، دفع جزءاً من ماله لإجراء عمل جراحي ، لإنسان فقير عنده خمسة أولاد ، والله عندما زرتهم أول مرة كان المرض لم يكشف ، ولا يوجد معهم ثمن العملية ، في البيت كآبة لا يعلم بها إلا الله ، لما تبرع هذا الإنسان بهذا المبلغ ، يا أخي العمل الصالح أريد أن أقول كلمة دقيقة : أنت رفعت إلى الله عملاً صالحاً ، لا تريد سمعة ، ولا تريد من يمدحك ، تريد أن يرضى الله عز وجل ، ماذا يأتيك من فوق ؟ سكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، هذه السكينة أعظم عطاء إلهي ، سيدنا يوسف وجدها في السجن كان أسعد إنسان ، سيدنا يونس في بطن الحوت ، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك ؟ وماذا فقد من وجدك ؟
المذيع :
 شيخنا هل في أيام العشر من ذي الحجة تجتمع العبادات كلها الحج والصيام ؟

الإكثار من الصيام و قراءة القرآن والانضباط في أيام العشر :

الدكتور راتب :
 لا ، صيام عشرة أيام أو صيام يوم الوقفة ، ليس فقط صام يوم الوقفة ، القرآن أكثر من قراءته ، الشاشة ليس مفتوحة ، أنا أعتقد إذا الشاشة مفتوحة وغير منضبطة هناك مشكلة كبيرة جداً ، عندك ابن شاب ، وبنت شابة ، إذا لم يكن هناك انضباط بالشاشة الطريق إلى الله غير سالك ، تنضبط على محطات إخبارية ودينية فقط .
المذيع :
 شيخنا الكريم من كان بعيداً عن الله مثلاً إنسان لا يصلي ، إنسان يتعامل بالربا ، كيف له أن يصلح ؟

 

من ذاق طعم القرب من الله لا يمكن أن يقصر :

الدكتور راتب :
 جواب :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر : 53 ]

 ما ترك معصية ما فعلها ، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .

(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ.. ))

[الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]

 سيدي الناس ما ذاقوا طعم القرب ، الله ذات كاملة ، صاحب الأسماء الحسنى والصفات العلا ، أصل الجمال والكمال والنوال ، الإنسان عندما يذوق طعم القرب من الله ليس مستعداً أن يقصر مع الله ولا ثانية ، ذاق طعم القرب .
المذيع :
 شيخنا هناك أحبة لكل إنسان قد فقدناهم ، هل في هذه الأيام الفضيلة هل له أن يقوم بعمل ويهديه للميت ؟

 

الدعاء والصدقة فقط تنفعان الميت :

الدكتور راتب :
 الذي أعرفه الدعاء والصدقة فقط ، أما لك عمل صالح أوصله لفلان فلا أقدر ، قال تعالى :

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

[سورة النجم :39]

 الآية واضحة ، هذا صلى قيام الليل ، أنا أريد أن أهب هذا الأخ النائم الذي يتابع فيلماً بالتلفاز أهبه صلاتي ، هذه لا تصح :

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

[سورة النجم :39]

المذيع :
 شيخنا لكن الدعاء والصدقة تنفع الإنسان المريض أو الميت ، هذه الأعمال الصالحة تنفعه وتصل إليه ، أيضاً في هذه الأيام المباركة كيف تحث الآخرين على أن يعبدوا الله ؟

 

كيفية حثّ الآخرين على عبادة الله :

الدكتور راتب :
 سيدي أقرب مثل لحياتنا هذا الهاتف ، قد يكون ثمنه مئة ألف ، هناك أنواع غالية جداً ، إذا ما شحنته قطعة بلاستيك فقط ، والإنسان إذا ما شحن ، أناني ، بخيل ، لئيم قطعاً ، إذا شحن ، كتلة كمال ، ملائكة ، يؤثر غيره ، دائماً يأخذ الأقل يعطي الآخر الأكبر ، الفرق بين المؤمن وغير المؤمن لا لأن المؤمن يصلي ، والله لا أبالغ يوجد مئة ألف بند يتميز بها المؤمن ، يوجد إنصاف ، رحمة ، اعتدال ، أذكر في محل أقمشة لا أنسى هذه القصة صانع يتيم عنده ، حمله أول توب والثاني والثالث ، قال له : لم أعد أستطيع ، قال له : أنت شاب ، حمله سبعة أثواب ، من المحل إلى المستودع ، والله وأنا أقف ابنه حمل توباً واحداً ، قال له : انتبه لظهرك ، هذا يسقط من عين الله ، لابنه يأتي بأساتذة ، يدفع مبلغاً فلكياً ، لكن لا يسمح لصانع عنده أن ينصرف قبل ساعة لكي يلتحق بمدرسة مسائية ليأخذ الشهادة ، قال لي : أنا لا أسمح له ، إذا حصل على شهادة يفقس ، يتركني ، يبقيه جاهلاً طوال حياته ، ابنه يصرف عليه مليون ليرة كدروس خاصة ، هذا ابن الفقير لا يسمح له أن يأخذ كفاءة ، متوسط .
المذيع :
 الله يفتح عليكم دكتور! نختم هذه الحلقة بالدعاء ، ونسأل الله تعالى القبول .

 

الدعاء :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018