الدرس : 04 - سورة غافر - تفسير الآيتان 10 - 13 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 04 - سورة غافر - تفسير الآيتان 10 - 13


1993-07-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... مع الدرس الرابع من سورة غافر، ومع الآية العاشرة وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ

1 ـ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا

كيف يكون الكافر حين يكشف الحقيقة يوم القيامة ؟

 يبدو أن الإنسان يوم القيامة حينما يرى مصيره الأبدي، وحينما يرى أنه خسر كل شيء، خسر نفسه التي هي أمانةٌ في عنقه، لم يزكها، بل دسَّاها، وقد قال الله عزَّ وجل:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

( سورة الشمس )

 حينما يرى الإنسان الحقيقة التي كان غافلاً عنها، حينما يصبح بصره حديداً أي نافذاً، حينما يكشف له الغِطاء، حينما تضح الحقائق، حينما يبدو ما كان خافياً عنه، يصيبه من الألم ما لا سبيل إلى وصفه، حتى إنه ورد في كتاب الجامع الصغير:

 

(( إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر إلي مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ))

 

[ الجامع الصغير عن جابر، وفي إسناده ضعف ]

 فإضافةً إلى عذاب الحريق، وإلى عذاب النار المادي، هناك عذابٌ نفسي لا يحتمل، فهؤلاء الذين كفروا، معنى كفروا أي كذبوا بالحق لما جاءهم، كذبوا وأعرضوا، الإيمان تصديق وإقبال، الكفر تكذيب وإعراض، هؤلاء الذين كفروا يصيبهم من الألم ما لا سبيل إلى وصفه، حتى أن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾

 

( سورة البقرة )

لا يحتمل الندم والخسارة أحدٌ:

 أيها الإخوة... مشاعر الندم صعبة جداً، الإنسان إذا اكتشف فجأةً أنه خسر خسارةً كبيرة، الخسارة في الدنيا صعبة، خسارة المال صعبة، يكون التاجر يتمتع بصحةٍ تامَّة، وله بيت، وله مركبة، وله متجر، وله مستودعات، ومعه أموال طائلة، يعقد صفقة من الصفقات فيخسر أرباحها، وقد يخسر جزءاً من رأس ماله، تراه بأحوالٍ لا توصف، الخسارة مؤلمة، خسارة جزءٍ من المال مؤلمة فكيف خسارة المال كله.
 أطباء القلوب عندهم حالات كثيرة، أزمات قلبية حادة أساسها فقد المال، والإنسان يوم القيامة لم يفقد ماله، بل فقد نفسه، رأس ماله الوحيد لدخول الجنة تزكية نفسه، جاء إلى الدنيا وغفل عن الكون الذي سخَّره الله تسخير تعريف، استخدم عقله على خلاف ما خلق له ـ كما قلت في الدرس السابق ـ استخدم عقله بخلاف ما خلق له، لم يعبأ بفطرته، نادته فطرته: لا تفعل، يا عبد الله لا تفعل. لم يستجب لنداء الفطرة، ولم يستمع لصرخة العقل، ولم ينظر إلى عظمة الكون، ولم يعبأ بهذا التشريع، ولم يستخدم حظوظه إلا في خلاف ما خلقت له، استخدم الشهوات لا ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، بل ليهوي بها إلى أسفل سافلين.
 هذا حينما يكتشف الحقيقة ماذا يحصل له ؟ فتصور إنسانا باع بيته الذي في أرقى أحياء دمشق، وباع البُستان مع كل مستلزمات قضاء الإجازات، باع معمله، باع مركبته، باع المحلات، وقبض أثمانها عملةً، وذهب ليضعها في المصرف فإذا هي مزيَّفة، ففي هذه اللحظة بماذا يشعر ؟ الصعقة لا تحتمل، الخسارة صعبة جداً، الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا.
 هذا العمر ثمين، ربنا عزَّ وجل أقسم بالعصر، لأن الإنسان زمن، والإنسان يستهلكه الزمن، كلما مضت الأيام والأسابيع والشهور والسنوات استهلك الإنسان، فإذا اكتشف بعد فوات الأوان أنه خسر كل شيء، خسر نفسه التي بين جنبيه، هذه النفس كان من الممكن أن يعرفها بالله، كان من الممكن أن يحمِلها على طاعة الله، كان من الممكن أن يستخدم ماله، ووقته، وصحته، وعقله، ولسانه، وبيانه، وذكاءه، وخبرته في الأعمال الصالحة التي هي ثمن الجنة، كل هذا لم يحصل، جاء إلى الدنيا، وكان في غفلةٍ شديدة، انهمك في الشهوات، ثم فوجئ أن الله سبحانه وتعالى سيحاسبه عن كل شيء، الألم الذي يتحمله هذا الإنسان لا سبيل إلى وصفه، بل إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾

 يا أيها الإخوة، الإنسان صحا في الوقت المناسب فهذه نعمةٌ لا تقدر بثمن، فما من نعمةٍ أثمن من أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان، ما دمنا أحياء نُرْزَق، ما دام القلب ينبِض، ما دام في العمر فُسْحَة، فنحن مدعوون إلى معرفة خطر مهمتنا.

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا(72) ﴾

( سورة الأحزاب )

 ما كان ظلوماً جهولاً حينما حملها، أما إذا حملها، ولم يؤدِّها كان ظلوماً جهولاً.
 يا أيها الإخوة... كل شيءٍ يعرفنا بالله ؛ الكون، القرآن، العقل، الفطرة، الحوادث، الحالة النفسية، كل شيءٍ يعرفنا بالله عزَّ وجل، فإذا غفل الإنسان عن الله، وكذب بالحق لما جاءه، وأعرض عن الله عزَّ وجل.

 

الكفر بين المفهوم الواسع والمفهوم الضيق:

 

 أيها الإخوة ما دام الحديث عن الكفر، الحقيقة أن الكفر مصطلح واسع جداً، له مفهوم واسع، ومفهوم ضيِّق.
توضيحاً لهذه الحقيقة: كلمة سيارة لها مدلول واسع، ولها مدلول ضيِّق، إذا قال واحد: أنا اشتريت سيارة، ماذا نفهم ؟ أنه اشترى مركبة مصنوعة من الحديد لها محرك، تعمل على الوقود السائل، لها مقود، هذا معنى سيارة، فكيف ربنا قال:

﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ﴾

( سورة يوسف: من الآية 19)

 هذه السيارة بالمعنى الواسع، أي شيءٍ يسير اسمه سيَّار، ومؤنثه سيارة، إذاً: الكلمة لها معنى واسع، ولها معنى ضيق.

 

الكفر الاعتقادي:

 

 فكلمة الكفر معناها الضيِّق أن تكفر بوجود الله، أن تكذِّب بوجوده، أو أن تكذب بأحد أسمائه، أو أن تكذب بكماله، أو أن تكذب بوحدانيَّته، لا أعتقد على وجه الأرض إلا قلةٌ قليلة تنفي وجود الله عزَّ وجل، ومع ذلك في ضمائرهم، وفي عقلهم الباطن، وفي فطرتهم شعورٌ أن الله موجود، ولكن هذا الذي يؤمن بوجود الله، ولا يؤمن بوحدانيته ؛ يرى آلهةً كثيرةً، كل شخص مهم يراه إلهاً، كل شخص قوي يراه إلهاً، يعبده من دون الله، فهذا أحد أنواع الكفر الذي أساسه الشِرك.
 كفر، فما رأى أن الله سبحانه وتعالى إضافةً إلى أنه موجود هو واحد، إلهٌ في السماء، وإلهٌ في الأرض، ما رأى هذه الحقيقة، رأى آلهةً من دون الله، خاف منها، أطاعها في معصية الله، عبدها من دون الله، رجا رضاها، سعى إليها، ثم يكتشف فجأةً بعد فوات الأوان أنها لم تكن شيئاً، لم تكن شيئاً على الإطلاق، لا إله إلا الله، لا رافع ولا خافض، ولا معزَّ ولا مذل، ولا معطي ولا مانع، ولا قابض ولا باسط إلا الله، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
 فهذا الكفر، الكفر بوجود الله، أو الإيمان بالله والكفر بوحدانيته، أو الإيمان بالله والكفر بكماله، أو الكفر ببعض أسمائه، هذا كله كفر، لكن الكفر يأخذ دائرة واسعة جدا ودائرة أضيق، أحد أنواع الكفر أن يُعْرِضَ الإنسان عن ربه، أن يغفل عنه، قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

( سورة التوبة: من الآية 80)

﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا(142) ﴾

( سورة النساء )

 هذه الآية تشير إلى معنى واسع جدا من معاني الكفر، الإعراض عن الله عزَّ وجل، أي أراد الدنيا ولم يرد الآخرة، أراد الشهوة ولم يرد نداء العقل، أراد المُتْعَة ولم يرد السعادة التي تتأتَّى من الاتصال بالله عزَّ وجل، فالكفر يفهم بشكلٍ ضيق من أنكر وجود الله، من أنكر وحدانيته، من أنكر كماله، من أنكر بعض أسمائه، من أنكر بعض أوامره، والإنسان إذا رأى أن الصلاة مضيعةٌ للوقت فهو كافر، إذا رأى أن للذكر مثل حظ الأنثيين شيء لا يتوافق مع روح العصر، أين العدالة ؟ هذا كفر.
 عندنا كفر اعتقادي، عندنا كفر سلوكي، لو أنه أمسك بالمصحف، وألقاه على الطاولة بشكلٍ مهين فقد كفر، هناك كفر اعتقادي، وكفر سلوكي، فموضوع الكفر يحتاج إلى تفصيل، وقد عولج في مدارج السالكين في بعض دروس جامع العثمان، الكفر له تعاريف، له حدود، له أنواع، له دوائر، له مستويات، على كلٍ أضيق تعاريفه أن يكفر الإنسان بوجود الله، أو أن يكفر بوحدانيته أو بكماله، أو أن يكفر ببعض أسمائه، أو أن يكفر بأوامره.
 تارك الصلاة يسمى تارةً عاصياً، وتارةً يسمى كافراً، إذا ترك الصلاة إنكاراً لفرضيتها فهو كافر، وإذا ترك الصلاة تساهلاً وتقصيراً ونسياناً فهو عاصٍ، وشتان بين المرتبتين، فكلمة كفر لا ينبغي أن نستخدمها بلا تحفُّظ، كلمة كبيرة جداً، ومن أدق ما يفعله بعض الناس هم أنهم، أو من أبشع ما يفعله بعض الناس حينما يستخدمون هذه الكلمة من دون تحديد، فالتكفير سلوكٌ غوغائي، السرعة في تكفير الناس سلوكٌ لا يتَّسم بالمنطق ولا بالتؤدة، ولا بالتعقُّل، ولا بالموضوعية، فالكفر كلمة واسعة جدا، كما أن كلمة سيارة يمكن أن تطلق على كل شيءٍ يتحرك.

 

﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ ﴾

 

( سورة يوسف: من الآية 19 )

 هذا المفهوم الواسع للسيارة، مفهومها الضيِّق هذه المركبة الآلية التي تعمل بمحركٍ انفجاريٍ أساسه الوقود السائل، فالكفر يتسع هذا المفهوم ليشمل المعرض عن الله.
 فلو فرضنا مدرِّسا ملء السمع والبصر، طويل القامة عظيم الهامة، واضح النبرة، طليق اللسان، جذَّاب الشخصية، يقف ويشرح الدرس، وطالب يتلهَّى عن درسه، وعن شرحه، وعن بيانه بألعابٍ سخيفةٍ يجريها على ورقٍ أمامه، نقول: هذا الطالب المُتَلَهِّي عن قيمة هذا المدرس كافرٌ بقيمة درسه، لأنه لا يعبأ بهذا الدرس، وينصرف عنه إلى أعمالٍ أخرى، فهذا معنى واسعٌ جداً من معنى الكفر.
 الإعراض عن الله عزَّ وجل والالتفات إلى الدنيا، عدم الاهتمام بأمر الله ونهيه وعده ووعيده، عدم المبالاة بالحرام والحلال، عدم المبالاة بكسب المال، عدم المبالاة بإنفاق المال، عدم المبالاة بإقامة الحدود، عدم المبالاة بالائتمار بما أمر، وترك ما نهى الله عزَّ وجل، هذا معنى موسَّع من معاني الكفر.
 المعنى الضيق الذي أنكر وجود الله، أو أنكر وحدانيته، أو أنكر كماله، أو أنكر أحد أسمائه، أو أنكر فرضية أحد أوامره.
عندما يقول لك الإنسان: لماذا نوزِّع الإرث بين الذكر والأنثى بنسبة واحد إلى اثنين، هذا شيء غير منطقي وغير عادل ؟ هل تدري أن هذا الكلام يعني الكفر، لأن الله عزَّ وجل حينما يقول:

﴿ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ﴾

( سورة النساء: من الآية 176 )

 هذا تشريع من قِبَل خالق الكون، وأنت تقول: هذا تشريع غير منطقي، وغير واقعي، ولا يتناسب مع العدالة الاجتماعية، مع أن المرأة تشكِّل نصف المجتمع، هذا كفر.

 

الكفر العملي:

 

 عندنا شيء آخر، هذا الكفر اعتقادي، وعندنا كفر قولي فالإنسان أحياناً من دون أن ينبس ببنت شفة، من دون أن ينطق بكلمةٍ واحدة، لو أنه يصلي، ويصوم، ويفعل كل الطاعات، لكن إذا اعتقد أن ما يجري في هذا الكون لا عدالة فيه، ولا رحمة فيه، وأن القوي يأكل الضعيف، وأن الضعيف لا مكان له في هذا العالم، إذا أصابته هذه الأفكار السوداوية بسماعه أخبار ما يجري في العالم، المسلم مضطهد، المسلم لن تقوم له قائمة بعد اليوم، العالم كله يفعل ما يفعل ضد المسلمين، أين الله ؟ أين رحمته ؟ أين عدالته ؟ أين وعده ؟ أين كذا ؟ مشى في هذا الطريق، واعتقد هذا الاعتقاد فو الله الذي لا إله إلا هو هذا الاعتقاد نوعٌ من الكفر، كفرت بأنه إله، عددت أقوياء العالم هم الآلهة كفرت بأن الله سبحانه وتعالى عادل، فعددت أن الحق ليس لصاحب الحق، ولكن للقوي، وأن الضعيف مقهور ومأكول.
 لذلك هناك خطر شديد أن الإنسان يتلقى معلومات دون أن يعرضها على القرآن الكريم، دون أن يعرضها على الذكر الحكيم، دون أن يعرضها على كلام رب العالمين، فهناك خطر كبير أن يتصور الإنسان أن ليس في الكون عدالة، الله عزَّ وجل قال:

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا ﴾

( سورة الأنعام: من الآية 59 )

(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

[ الجامع الصغير عن البراء ]

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

( سورة الشورى )

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

( سورة الزلزلة )

﴿ فَوَ رَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

( سورة الحجر )

﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42) ﴾

( سورة إبراهيم )

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197) ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44) ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح: من الآية 10 )

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف: من الآية 84 )

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26) ﴾

( سورة الكهف )

 هذا الإيمان، هذا القرآن.

 

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

 

[ مسند أحمد عن أبي الدرداء ]

 لا تقل: لو أني فعلت كذا، وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنك كلمة لو تفتح عمل الشيطان.
معنى الكفر معنى خطير، يضيق حتى ينصب على من ينكر وجود الله، أو ينكر وحدانيته، أو ينكر أسماءه، أو ينكر كماله، أو ينكر بعض أوامره، هذا كفر اعتقادي.
 وهناك كفر قولي، فما قولكم عن الذي يقول: الله عزَّ وجل يعطي الحلاوة للذي ليس له أضراس، هذه كلمة يقولها معظم الناس، هل تصدقون أن هذه الكلمة كفر ؟ إنك تتهم عدالة الله، تتهم حكمة الله، تتهم عِلم الله، قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان، فعندنا كفر اعتقادي، في كفر قولي.

 

الكفر السلوكي:

 

 وهناك نوعٌ من أنواع الكفر هو من أخطرها ومن أخفاها، هو الكفر السلوكي، وأوضح مثل عليه: لو أنك زرت طبيباً، وعالجك، وشخص المرض، وكتب الدواء، ووقفت معه موقفاً في غاية الأدب والاحترام والشكر والعرفان، ولكن في قرارة نفسك لم تعبأ بعلمه، ولا بمهارته، فامتنعت عن شراء الدواء، هل تصدق أن عدم شراء الدواء نوعٌ من أنواع الكفر بهذا الطبيب، ما قلت شيئاً، ولم تنطق بكلمة، ولم تنبس ببنت شفة، بل امتنعت عن شراء الدواء.
 فإلهنا وربنا، وخالقنا يقول:

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾

( سورة البقرة: من الآية 221 )

 عبد مؤمن، ولا يوجد الآن عبد، أي لو جاءك إنسان فقير، إنسان أخلاقه عالية، إيمانه عالٍ، وخطب ابنتك، لم تعبأ لا بأخلاقه، ولا بإيمانه، ولا باستقامته ؛ بل أردت المال، فلما جاءك خاطبٌ آخر رأيت عنده المال الكثير والجاه العريض، ولم تعبأ برقة دينه، ولا بتركه للصلاة، فزوجته، هل تدري أنك لم تقل: صدق الله العظيم، الله عزَّ وجل ينبئك أن المؤمن ولو كان عبداً خيرٌ من الكافر ولو كان غنياً، لم تعبأ بهذا، فكيف تقول: صدق الله العظيم ؟ فحينما يقول الله عزَّ وجل:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

( سورة النور: من الآية 30 )

 فإذا قلت: أين أذهب بعيني ؟ ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة: من الآية 286 )

 كأن الله سبحانه وتعالى كلَّفك ما لا تطيق، وكأنك تكذب هذه الآية:

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ﴾

 إذا توسعنا بمفهوم الكفر وجدنا شيئًا مخيفا، فإذا اعتقد الإنسان، أو تكلم، أو سلك سلوكا ينطوي على تكذيبٍ بما في القرآن الكريم، فلو اعتقد وقال: والله داروين معه حق، فانظر كيف أن المخلوقات تطورت، هل تصدقون أن الذي يؤمن بما قاله داروين هو كافر، لأن الله يقول حينما بدأ الخلق بدأه بآدم وحواء، فإذا اعتقدت أن الخلق بدأ بالقرد، فهذا نوعٌ من أنواع الكفر بكلام الله عزَّ وجل.
 تقرأ نظرية داروين، تقرأ نظرية فرويد تجده يقول لك: الجنس هو كل شيء، ونظريَّات الماديين: المادة كل شيء، وما سواها سراب، فإذا قرأ الإنسان كتبا في المذاهب، وفي المعتقدات، كتبا في علم النفس، فلو أن طبيبا في علم النفس، بعض الأطباء النفسيين يرون الصحة النفسية أن يكون لهذا الشاب صديقة ـ رفيقة ـ فينصحه أن ينطلق، أن يكون له صديقة، أن يذهب إلى السينما، أن يفعل، وأن يترك، فهذا الطبيب ماذا يفعل ؟ طبيب مختص بالنواحي النفسية، ينصح مرضاه المصابين باضطرابات نفسية أن ينطلقوا في الحياة كما يفعل أهل الغرب، فأين الدين ؟ أين القرآن ؟ أين الحديث الشريف ؟ فهذا الطبيبٌ النفساني الذي ينصح مرضاه بالانطلاق في الحياة، وبارتياد دور اللهو، وباصطحاب الفتيات لكي يتوازن، لكي يمتلك الصحة النفسية، هذا الطبيب يكفر بكلام الله عزَّ وجل، فأين غض البصر ؟ أين عدم الاختلاط ؟ أين أداء الصلوات ؟
 والله البارحة سمع عن طبيبٍ مؤمن يعالج مريضاً نفسياً قال له: أنت بحاجة إلى مجلس علم، وإلى حفظ القرآن، وإلى أن تصحب إخوة مؤمنين، وإلى أن تعمل الصَّالحات، وإلى أن تخرج من عزَّلتك، والله بقيت ساعات وأنا أثني على هذه الطبيب المؤمن، هذه هي الصحة النفسية ؛ أن تعرف الله عزَّ وجل، أن تعرف منهجه، أن تندفع إلى طاعته، أن ترتاد بيوت الله عزَّ وجل، أن تطلب العلم، أن تقرأ القرآن، أن تحفظ القرآن.
 كلمة كفر واسعة جداً، يكفي ألاَ تعتقد بصواب آيةً، أو بصواب تشريعٍ إلهي، أو بصواب توجيهٍ إلهي، أو بصواب حقيقةٍ في القرآن قد وردت، فهذا نوعٌ من أنواع الكفر.
 لذلك ليس معنى أن فلانا كافر أي علمه قليل، فكلمة كفر كلمة كبيرة جداً، حينما تعتقد أن هذه الآية غير مناسبة لهذا الزمان فهذا كفر، كفرٌ من النوع الواسع.
 مثلاً: حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106) ﴾

( سورة يوسف )

 أي شركٍ هذا ؟ هذا الشرك الخفي الذي لم ينجو منه إلا القليل، كما أن هناك شركاً خفياً يمكن أن يتلبَّس ببعض المؤمنين، كذلك هناك كفرٌ خفي، كأن يكون هذا الأمر لست قابضه بالتعبير الدارج، لم تقتنع كثيراً به، ليس معقولا، هذا نوعٌ من أنواع الكفر، ولكن ليس الكفر الأكبر الذي يصح أن نقول لصاحبه: كافر.
 مرة سئل رجل يحبِّذ التعليم المختلط، وهو محسوبٌ على أنه داعية، قال: هذا التعليم يهذِّب المشاعر، ويزيل هذه الحواجز، وهذا الشيء الكبير يصبح صغيرا، هو لا يدري ما يقول، هذا كله مخالفٌ لكلام الله عزَّ وجل، هذا أحد أنواع الكفر، وعندما تفكر تفكيرا خلاف كلام الله عزَّ وجل قطعي الثبوت، هذا اتجاه فيه كفر، ولكن لا يسمى صاحبه كافرًا، لكن هذا الكلام فيه كفر، فكما أن هناك شركا أكبر، وهو أن تعبد بوذا من دون الله، هناك شرك أصغر، وهو أن تعتمد على زيد من دون الله عزَّ وجل، هذا شرك، كذلك إنكار وجود الله عزَّ وجل كفر، إنكار وحدانيته كفر، إنكار كماله كفر، إنكار أحد أسمائه كفر، إنكار أحقية أوامره كفر، ولكن إذا لم تفهم شيئًا، لم تقنع به، هذا تفكير فيه كفر، ولكن لا يسمى صاحبه كافراً.
هؤلاء الذين ماتوا وهم كفار.
 بالمناسبة الله عزَّ وجل قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة النساء: من الآية 48 )

 حتى هذه الآية أوَّلها المفسرون: ما لم يتب، إذا تاب يغفر له الشرك، الذي وردت فيه آياتٌ كثيرة من أن الله لا يغفره، كيف لا يغفره ؟ إذا مات مشركاً، فالإنسان قد يفكر فيكفر بتفكيره، قد يتكلَّم فيكفر بكلامه، هذا الصحابي ـ الذي كان صحابياً ـ ودعي إلى المشاركة في الجهاد، وكان ابن زوجته غلاماً صغيراً يافعاً ممتلئاً حماساً، ورأى أن عمه تقاعس عن الإعداد للجهاد، فذكر له قصة سيدنا عبد الرحمن بن عوف، ذكر له ما فعله عثمان بن عفان، ماذا فعل أصحاب رسول الله ؟ فما كان من هذا الذي كان صحابياً إلا أن قال ـ دققوا بما قال ـ قال: لو أن محمدا صادقٌ فيما يقول لكنا شراً من الحُمُر.
 هذه الكلمة كلمة كفر، فابن زوجته عمير قال له": والله يا عمَّاه، ما على وجه لأرض رجلٌ بعد رسول الله أحب إليّ منك، والآن قلت كلمة الكفر، وسأذهب إلى النبي لأقول له ما قلت "، لم يعبأ بقوله، تكلَّم هذا الطفل الصغير ـ عُمير ـ في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي استدعى عمه، قال له: مقالةٌ قلتها "، قال له: " ما قلت شيئاً، هذا الطفل كاذب "، ولم يمض وقتٌ قليل حتى جاء الوحي النبي عليه الصلاة والسلام، وقال:

 

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ﴾

 

( سورة التوبة: من الآية 74 )

 قال كلمة، فهناك اعتقاد كفر، وكلام كفر، وسلوك كفر، فهذا الذي يحتقر المقدَّسات، أو يحتقر كتاب الله عزَّ وجل ؛ يضعه في مكانٍ غير لائق، فهذا سلوك فيه كفر، نحن مهمتنا أن نلتمس عذراً للناس، وأن ننصحهم، لا أن نوزع عليهم ألقاب الكفر، فهذه ليست مهمَّتُنا، وأحد العلماء قال: " نحن لسنا قضاةً، ولكننا دعاة "، لسنا أوصياء على الناس، لا تفكر أبداً أن توزِّع هذا اللقب على الناس، هذا من أكبر الكبائر، من كفَّرَ مؤمناً فقد كفر، هذا ليس من شأن الناس، هذا من شأن الله، أما إذا تحدَّثنا عن أنواع الكفر ؛ الاعتقادي، والسلوكي، والقولي، فمن أجل أنفسنا، لا من أجل أن نقيم الناس بهذا، أنت عليك من نفسك، لذلك ما من مرضٍ استشرى بين المسلمين كتقاذف هذه التُهَم، وتراشق كلمة كفر، حتى إن بعض المتطرفين كفروا المجتمع الإسلامي كله، هكذا بلا تؤدة، وبلا تعقُّل.

2 ـ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ

 هؤلاء الذين ماتوا كفاراً ـ حديثنا الآن ليس على أنواع الكفر المخففة، والمفاهيم الموسعة ـ الذين ماتوا كفاراً، أي ختم عمله وهو كافر، هذه هي المشكلة، هؤلاء حينما تنكشف لهم الحقائق، وحينما يبدو لهم حجم الخسارة التي مُنُوا بها، حينما يرون مصيرهم الأبدي، حينما يرون أن الدنيا مرَّت كلمح البصر، ساعة، الدنيا ساعة جعلها معصية، جعلها كفراً، جعلها شركاً، جعلها جريمةً، جعلها انحرافاً، ساعة مضت كلمح البصر، والأبد لا ينتهي، هؤلاء يصابون بآلامٍ لا حدود لها، ينادون وهم في النار، هم ماذا فعلوا ؟ مقتوا أنفسهم.
 فتصور إنسان له محل تجاري، له بيت، عنده أولاد، عنده زوجة، عنده مركبة، مستور، يعيش حياة هادئة مستقرة، جاء إنسان فأغراه بأن يتاجر بالمخدرات، فقال له: ماذا تريد من كل هذه الأشغال، فمليون ليرة تحصل عليها في خلال أسبوع، فاقتنع، فسلك معه هذا الطريق، ألقي القبض عليه وحوكم، فحكم بالإعدام، أو حكم عليه فرضاً بالسجن ثلاثين عاما، وهو في السجن ماذا يتمنى أن يفعل بهذا الذي دلَّه على هذه التجارة ؟ يتمنى أن يمزقه إرباً إِرباً، يتمنى أن يقطعه قطعاً قطعا، هذا المقت، هذا الألم الشديد.
 لكن لو أن إنسانا لم يدله أحد على هذا، فهو ومن بنات أفكاره، فكر أن هذا العمل مربح، فسلك به، ثم وقع في مغبَّة عمله.
 بالمناسبة، وإن كان هذا التعليق خارج الدرس، صدر قانون جديد للمخدارت، يحكم بالإعدام على من يتَّجر بالمخدرات لو أن إنسانا لم يدله أحد، بل هو اختار هذا السلوك، فألقي القبض عليه، ودفع ثمن خطئه، ألا يتألَّم من نفسه ؟ ألا يشعر بغبائه ؟ ألا يشعر بجريمته ؟ ألا يشعر بأن الشيطان قد تلبَّسه ؟
 حينما تكره نفسك إذا فعلت عملاً سيئاً، هذا الألم لشديد الذي لا حدود له من الذات، أو من الإنسان الذي أضلَّك قال: هذا الألم الشديد، هذا المَقت، هذه الكراهية، هذا البُغض الذي لا حدود له.
 أحياناً يقول لك واحد: والله أتمنى أن أفرمه فرما، لأنه قد سبّب له مشكلة كبيرة.
 مرة عنده أحدهم صانع، هذا الصانع وقع في مشكلة، فطرده شر طردة، أخبر بعض الجهات على مستودعاته، فجاءوا، وجعلوه يدفع مبلغ ستمائة أو سبعمائة ألف، والقصة من عشرين سنة، فما كان منه إلا أن أطلق النار على هذا الموظَّف عنده، وارتكب جريمة من شدة الحقد الذي نشأ في نفسه تجاه هذا الموظف، معنى ذلك أن الإنسان إذا كان شعر أن هذه الجهة، أو هذا الإنسان سبب له متاعب كبيرة جداً لا حدود لها، يتألم، يتمنى أن يقطِّعه إرباً إرباً، انظر إلى الآية:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ ﴾

 يوم القيامة وهم في النار، وهم يستصرخون فيها.

﴿ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾

3 ـ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ

 لمَ كان ربنا يدعوكم عن طريق الأنبياء، عن طريق الدعاة، عن طريق الخطباء، عن طريق العلماء، عن طريق الآيات الكونية، الآيات القرآنية، عن طريق الحوادث، عن طريق الفِطرة، عن طريق المنامات، لمَ كان يخوفكم، يدعوكم، وأنتم لا تبالون، لا تأبهون، لا تعتبرون، غارقون في أوهامكم، في شهواتكم، في معاصيكم، ربنا عزَّ وجل رحيم، حريصٌ على هدى البشر، قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾

 تصور، ولله المثل الأعلى، أبا عاقلا عالما حكيما، له ابن، الأب خبر الحياة، وعرف حلوها ومرها، وعرف ما تنطوي إليه، دعا ابنه إلى طلب العلم، إلى الدراسة، إلى تحصيل مراتب عُليا ؛ هذا الطفل أبى، وسها، ولها، وغفل، وأمضى الوقت الثمين في أشياء سخيفة، الأب يتألم أشد الألم، يكاد يعتصر قلبه، يكاد ينطلق لسانه، وهو ساكت، بعد أن كبر هذا الطفل، رأى نفسه ضائعاً بلا عمل، بلا مكانة، بلا مرتبة، في الطرقات وأصدقاؤه في مراتب عالية، لهم بيوت، ولهم مكاتب، ولهم أعمال، ولهم مكانة، فهذا الشاب بعد أن كبر تألم ألماً لا حدود له، فشكا إلى أبيه ذلك، فقال له: يا بني، أنت الآن متألم، أنا حينما كنت أدعوك إلى طلب العلم، وإلى بناء مستقبلك، وكنت أراك غافلاً وساهياً ولاهياً كنت أتألم ألماً أضعاف ألمك، ولكنني كنت أعلم النتائج، ولكن أنت كنت في غفلة.

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾

 إذ تدعون: أي حينما كنتم تُدعون إلى الإيمان فتكفرون، فالإنسان لا يظن أن القضية سهلة، إذا حضر مجلس علم، والإنسان حدثه بالحق، عليه مسؤولية، حضرت خطبة مسجد، وهذا الكلام كان دقيقا، آيات واضحة تدل على وجوب الإيمان بالله، أعطاك حكما فقهيا، أعطاك موقف صحابي، أعطاك آية كونية، لا تقل: والله تسلينا، والله شيء جميل، والله قضينا وقتا لطيفا، لا، القضية أخطر من ذلك، قضية مصير، فلذلك:

 

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10)قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴾

 

قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ

 الموت الأول موت العدم.

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1) ﴾

( سورة الإنسان )

 والموت الثاني بعد المجيء إلى الدنيا، والحياة الأولى حياة الولادة، والحياة الثانية البعث يوم القيامة.

 

﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ﴾

 وهذا أوجه تفاسير هذه الآية:

 

 

﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴾

 ممكن ؟

 

 

﴿ ذَلِكُمْ ﴾

 

ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ

 أي ما أنتم فيه من عذاب، ما أنتم فيه من عذاب الحريق، ما أنتم تعانون من آلامٍ توصف..

﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾

1 ـ التفسير الأرضي للحوادث ينافي التوحيد:

 أي شيء إذا سمع التفسير على أن الله فعل ولم يفعل، هذا التفسير لا يعجبه، يعجبه أن زيداً فعل، وزيد لم يفعل، فإذا الأمور كلها فسرتها تفسير أرضي ؛ الدول العظمى، والدول الصغرى، وفلان وعلان، وزيد وعبيد، إذا فسرت الأمور على أن أشخاصاً يتحركون، وأن الأمر كله بيدهم، وأنهم يغضبون، وأن يرضون، وأنهم يرفعون ويخفضون، يعطون ويمنعون، يصلون ويقطعون، إذا رأيت الأمر كذلك ترضى وتؤمن، أما إذا فسرت لك الأمور تفسيراً توحيدياً إلهياً، الأمر كله بيد الله، لم تكن ترضى، تقول: هذا التفسير غيبي، هذا التفسير قديم لا يتفق مع معطيات العصر ـ شيء جميل ـ قال:

﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾

 البطولة أيها الإخوة ليست في أن تعرف ما حدث، ولكن البطولة في أن تفسِّر ما حدث، فكل إنسان بإمكانه أن يستمع لكل الأخبار، وهذا شيء سهل، فيشتري صحيفة، ويقرأ فيها كل ما جرى في العالم، يقرأه يوماً بعد يوم، لكن البطولة ليس في معرفة الأخبار، ولكن في تفسيرها تفسيراً توحيدياً، البطولة أن ترى يد الله فوق أيديهم، البطولة أن ترى يد الله تعمل في الخفاء، البطولة أن ترى عدالة الله، البطولة أن ترى أن الدنيا دار تكليف لا دار تشريف، الدنيا دار عمل لا دار جزاء، البطولة أن ترى موقع الحياة الدنيا من الآخرة الأبدية.
 القدرة على التفكير هي من أعظم منجزات المؤمن، تفكيره الصحيح لما يجري، هذا التفكير التوحيدي المبني على كلام الله وكلام رسوله هذا يريح، يريح الإنسان من الضغط، من الحيرة، يرحه من الشرك، يريحه من القهر، يريحه من الشعور بالظلم، كل هذه المشاعر تزول عن المؤمن.

 

2 ـ الشرك سبب للأمراض النفسية:

 

 الشيء الثابت الآن ما من مرضٍ عضويٍ إلا وله أسباب نفسية، وما من ألمٍ نفسيٍ أشد من أن ترى أن أمرك بيد عدوك، وأنه لن يرحمك، ولن يعطيك سؤلك، هذا الاعتقاد وحده يسبب أشد الأمراض فتكاً، أما المؤمن فيرى أن الأمر كله بيد الله، وأنه عليه أن يطيعه، وليس عليه شيءٌ آخر.

﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66) ﴾

( سورة الزمر )

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

 انتهى الأمر، أنا علي بعد أن عرفت أن الله موجود، وأن الله كامل، وأن الله واحد، عليَّ أن أتعرف إلى أمره ونهيه، فإذا طَبَّقت الأمر انتهى الأمر.
 أنا أتأَلَّم لما يصيب المسلمين، أتأَلَّم لكن لا أملك إلا أن أشعر أن الله سبحانه وتعالى أرحم مني، الأمر بيده، عليَّ أن أعمل، وأن أسعى، وأن أقدم كل معونة ؛ ولكن لا علي أن أنقم على الله عزَّ وجل، هذا دليل الجهل، ويمكن لك أن تقدم مساعدة لإنسان مصاب، أما أن ترى أن هذا المرض شيء يتنافى مع الرحمة الإلهية فهذا هو الجهل بعينه.
 الملخص: ما من إنسان على وجه الأرض إلا وبإمكانه أن يعلم ما يحدث، لكن المؤمن يتميَّز بأنه يفسر ما يحدث تفسيراً صحيحاً، العبرة بالتفسير، فأقرب مثل لنا، بعض البلاد التي بجوارنا عانت من الحروب الأهلية ما عانت، يمكن أن تفسِّر ما عانت تفسيرات كثيرة لا تنتهي، ولكن التفسير الصحيح الوحيد:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112) ﴾

( سورة النحل )

 هذا تفسير خالق الكون، وفي ألف تفسير، في تفسير عربي، تفسير دولي، تفسير طائفي، وأخيراً هناك تفسير نسواني أصابتها عين ـ هذه تفاسير كثيرة جداً، البطولة أن تعرف تفسير القرآن.

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112) ﴾

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾

( سورة الكهف: من الآية 59 )

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117) ﴾

( سورة هود )

لا يعجِز اللهَ شيءٌ:

 أقرب شيء لنا الآن مرض الإيدز، اقرأ عنه، تجد أن كل العلماء يبحثون عن مصلٍ لهذا المرض، بينما ربنا عزَّ وجل أراد من هذا المرض أن يكون عقاباً إلَهيَّاً للمنحرفين، فالعلاج ليس في المصول، بل في التوبة إلى الله عزَّ وجل، فالمهم أن تعرف حكمة الله من هذا المرض الذي تحدَّى العصر كله، عشرون مليون إنسان يحمل هذا المرض في أمريكا وحدها، والنتائج مخيفة جداً، هذا عقاب السماء للأرض.
 باخرة من أعظم البواخر في العالم ـ اسمها تيتانيك ـ بُنِيَت بناءً لا سبيل إلى وصفه، بنيت على طبقتين، وحواجز عرضية، فأي خلل أصابها يكفي القبطان أن يغلق المنافذ، وانتهى الأمر، لذلك قيل في نشرة صنعها: " إن هذه السفينة لا يستطيع القدر أن يغرقها "، هكذا كتبوا، وشاءت حكمة الله أن يركب في هذه السفينة أغنياء أوروبا، وقدروا قيمة الحلي التي على نساء الأثرياء بأرقام فلكية، فيها كل شيء، فحضارة أوروبا كلها في هذه السفينة ؛ المسابح، المطاعم، دور اللهو، المنتجعات، غرف النوم الفخمة، وفي أول رحلةٍ لها بين أوروبا وأمريكا ارتطمت بجبلٍ ثلجي شطرها شطرين، استغاثت كل السفن التي حولها، ظنوا أنها تحتفل، فلم ينجدوها، فغرقت، وقبل سنة عرفوا مكانها، فقال أحد القساوسة وقتها: هذا درسٌ بليغ من السماء إلى الأرض.
 أرسلوا مركبة حديثة جداً في رحلة فضائية ـ مركبة فضائية حديثة جداً اسمها المتحدي ـ بعد أن انطلقت بسبعين ثانية أصبحت كتلةً من اللهب، يجب أن تفهم على الله عزَّ وجل، من تتحدون ؟ الأحداث لا ينبغي أن تفهمها فهماً أرضياً، البطولة أن تفهمها فهماً توحيدياً، البطولة أن ترى أن الله بيده كل شيء، وأن هؤلاء الذين تراهم على السطح ما هم إلا دمى الله عزَّ وجل يحركهم، والدليل قوله تعالى:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾

( سورة هود )

 علاقتك فقط مع الله.
 إذاً:

﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾

 إذاً: الشرك زائد الكفر = أحد أسباب العذاب الأبدي.
 أخطر شيء على الإنسان أن يشرك، وطبعاً.

﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ﴾

 الشرك هو السبب.
 مرة ضربت مثلا، ويجب أن أعيده الآن: لو أن إنسانا له مبلغ كبير جداً في حلب، يجب أن يكون الساعة الثانية عشرة كي يقبضه، فإن لم يكن في هذا الوقت ضاع منه المبلغ، مبلغ كبير بالملايين، ذهب إلى محطة القطارات، ركب قطار حلب، فمن الممكن له أن يرتكب مائة غلطة في هذا القطار، ممكن أن يقطع درجة أولى، ويجلس درجة ثالثة، ليس منتبها، ممكن يجلس في جهة معاكسة للقطار يدوخ، يختار غرفة فيها رُكَّاب سيئو الأخلاق، ممكن، يغيب عنه أن المركبة فيها طعام، وهو يتلوى من الجوع طوال الطريق، ممكن، لكن كل هذه الأغلاط تغفر لأنه في طريقه إلى حلب، وسيقبض المبلغ، أما إذا اتجه إلى محطة القطارات، وركب قطاراً متجهاً إلى درعا مثلاً، هذه غلطة لا تغفر، لأنه يمشي بعكس اتجاهه، ولو كان القطار فخما، لو كان فيه أرقى أنواع الفخامة، لكنه ارتكب غلطة لا تغفر.
 عندما يتجه الإنسان إلى الله عزَّ وجل الله يحل له كل مشاكله، أما إذا اتجه لغيره فلا يوجد شيء عند غيره، إن الله لا يغفر أن يشرك به، ولما أشرك الإنسان أي اتجه إلى لا شيء، اتجه إلى عباد ضعاف، فقراء، بخلاء، لؤماء، فالخطأ أن تعتقد الهدف هناك، وأن تتجه اتجاهاً معاكساً، فالمشرك ليس له طريق إلى الله عزَّ وجل، لا يرى الله، يرى زيدا وعبيدا، يرى فلانا وعِلانا، يرى المال إلهًا، يرى اللذة إلهًا، يرى هذا البيت يجب أن يبقى فيه مهما كلف الأمر، ولو على حساب دينه، فالطريق إلى الله أمام المشرك مسدود، لهذا:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة النساء: من آية 48 )

﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾

3 ـ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ

 الله عليٌ علواً ما بعده علو، وكبيرٌ كبراً ما بعد كبر، فما معنى الله أكبر ؟ ليس أكبر من كل شيء فهذا المعنى بسيط جداً أما هو فأكبر مما أعرف، مهما عرفت عن الله فهو أكبر، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعرف الله إلا الله، الأنبياء أشد الخلف معرفة بالله، لكن معرفتهم نسبية، هذا معنى قولنا: الله أكبر، أي أكب مما عرفت، مهما عرفت عن الله فهو أكبر، مهما عرفت عن رحمته فهو أرحم، مهما عرفت عن قدرته فهو أقدر.
 نجم يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، وبينهما مئة وستة وخمسون كيلو مترا !! نجم يكبر الشمس بمئة مليون مرة، والشمس تكبُر الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة !! مسافات، الأرض بحجمها الحقيقي إذا دخلت في ثقبٍ أسود في الفضاء يصبح حجمها كالبيضة والوزن نفسه، الأرض كلُّها يمكن أن تضغط بحجم بيضة، كم هي الفراغات البينية في المادة ؟
 إذاً:

﴿ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾

 عليٌ علوًّا ما بعده علو، وكبيرٌ ما بعد كِبر.

 

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾

 

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ

 الناس بالبديهة والفطرة يقولون لك: الله كبير، لأنه رأى آية، نحن لو نظرنا إلى ما حولنا فحياتنا الدنيا طافحة بالآيات ؛ آيات كونية، آيات قرآنية، آيات تكونية، فالبحران:

﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ(20)فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(21) ﴾

( سورة الرحمن )

 هذه الآية حيَّرت مفسرين خلال ألف عام، أين البرزخ ؟ فهذا البحر الأحمر، وهذا المحيط الهادي، فأين البرزخ ؟ الآن اكتشف بالمراكب الفضائية حينما رأوا خطاً بين البحرين ـ خط لونيا ـ اكتشفوا أن كل بحر له مكوِّناته، له كثافته، له ملوحته، له خصائصه، وأن مياه هذا البحر لا تبغي على البحر الآخر، وبينهما حاجز وهمي لم يعرف حتى الآن طبيعته، بين الأحمر والعربي، بين الأبيض والأطلسي، بين الأسود والأبيض بالبوسفور، بمضيق باب المندب، وبمضيق جبل طارق.

 

﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ(20)فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(21) ﴾

 

( سورة الرحمن )

 الآيات لا تعدُّ ولا تحصى ؛ آيات في الكون، آيات في خلق الإنسان، آيات في النبات، آيات في الحيوان، فالله عزَّ وجل قال:

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾

 آياته، هذا الجسم أكبر آية من آياته، دقق كيفما تحولت ترى عظمة الله عزَّ وجل.

﴿ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018