الدرس : 03 - سورة غافر - تفسير الآيات 4 - 9 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 03 - سورة غافر - تفسير الآيات 4 - 9


1993-06-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سورة غافر، ومع الآية الرابعة من هذه السورة، يقول الله سبحانه و تعالى:

﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴾

مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَاد

1 ـ العقل أداة بحسب الاستعمال:

 ذكرت لكم في الدرس الماضي أن العقل البشري أعظم شيءٍ خلقه الله في الكَون، إنما خلقه من أجل أن يكون أداةً لمعرفة الله، فكيف يستخدمه الإنسان أداةً لتغطية الانحراف، وفلسفة الشرك، وترويج الباطل، وتبرير الخطيئة ؟ ذكرت مثلاً لعلَّه يوضِّح تلك الآية:
 لو أن جهازاً طابعاً ـ آلةً طباعة ملوَّنةً ـ أي أنها تُعَدُّ قمَّةً في بابها، لو أُعطيت لمهندسٍ فاستخدمها في اختصاصه لقفزت أعماله قفزةً نوعيَّة، ولكانت هذه الآلة الطابعة الملوَّنة ـ التي تظهر أدقَّ الألوان ـ معواناً له في عمله، ولارتقى عمله درجاتٍ كبيرة ؛ ولو أن إنساناً اشترى هذه الآلة، واستخدمها في تزوير النَقد، ووقع تحت طائلة القانون والعقوبات، فأودِعَ في السجن، فالآلة هي هِي، عندما استخدِمَت لما صُنِعَت له، فارتقى َمن استخدمها، وحقَّق أرباحاً طائلةً، ولمع اسمه، واستخدمها إنسانٌ سيئ بأبشعِ استغلال، واستخدمها لغير ما صُنِعَت له، فأودِعَ في السجن وصُودرت أمواله كلها، فالآلة رفعت الأول، والآلة أهلكت الثاني.
 فكيف يستخدم الإنسان عقله الذي هو في الأصل من أجل معرفة الله، من أجل أن يرقى إلى الله، من أجل أن يصل إلى الله، من أجل أن يتفنَّن في خدمة الخلق، من أجل أن يُعْمِلَهُ في الأعمال الصالحة، من أجل أن يكون العقل أداةً لسعادةٍ أبديَّة، العقل هوَ هو نفسه إذا استُخْدِمَ لغير ما صُنِعَ له، لغير ما خُلِقَ له، يغدو أداة شرٍ مستطير، وينحدر بصاحبه دركاتٍ في جهنَّم.
إذاً: حيثما ورددت كلمة مجادلة فاعلم أنّه إنسان سيئ، اختار الدنيا، واختار الشهوة، فوجِئ أو رأى أن بيده عقلاً، بإمكان هذا العقل أن يقلِب الحق إلى باطل والخير إلى شر، فاستخدم العقل في فلسفة الشرك، وفي تبرير الخطيئة، وفي تغطية الانحراف، فكانت المجادلة، فالمجادل إنسان ذكي، لكن يستخدم عقله لغير ما صُنع له، يستخدمه في وظيفةٍ لم يُخْلَقْ من أجلها ـ هذه الآلة الطابعة الملوَّنة، الغالية جداً ـ حدَّثني عنها أخ فقال لي: إن ثمنها مليون ليرة، آلة طابعة ملوَّنة تظهر أدقَّ الأوان، لو أن مهندساً يعمل في تصميم الأشكال عن طريق الأجهزة الحاسبة، فهذه التصاميم يتم إنجازها في دقائق، ثم إن أرسلها إلى تلك الطابعة يغْدُ هذا التصميم مجسَّداً ملوَّناً، فبهذا يكون المهندس قد ارتقى عمله، وقفز قفزات سريعة جداً، فحقَّق أرباحًا طائلة، وحقَّق اسمًا في البلد، وتألَّق نجمه من خلال هذا الجهاز البالغ التعقيد، بينما هذا الجهاز نفسه لو استخدمه مزوِّر عملةٍ، وأتقن التزوير، وضُبِطَ متلبِّساً بجرمه، وأُودِعَ السجن، كانت هذه الآلة التي أعانته على التزوير سبباً لهلاكه.

2 ـ المنحرف يفلسف انحرافه بعقله:

 فإذا رأيت في القرآن الكريم آيات تشير إلى المجادلة والمشاحنة، هؤلاء الذين يقلبون الحق إلى باطل، هؤلاء الذي يبرِّرون أغلاطهم بذكاءٍ بارع، هؤلاء الذين يفلسفون المعاصي ويعطونها أسماء غير أسمائها، فإذا نافق الإنسان يسمَّى مرنًا، وإذا كان متفلِّتًا يسمى حضارة وحرية، وإذا كانت له أساليب ملتوية في جمع الأموال يسمَّى ذكيًا ماهرًا، وإذا كان مجتمع فيه اختلاط يقول لك: هذا مجتمع راقٍ مخملي، فهذه كلُّها أسماء من ابتداع العقل البشري، وأحياناً يعطونك فلسفة لكل معصية، وتبريرًا لكل خطيئة، وتغطية لكل انحراف، هذا الذي يجادل، هذا الذي يتحرَّك بعقله حركةً معاكسةً للقرآن الكريم هذا مجادل، هذا إنسان منحرف كمزوَّر العملة، عثر على آلة تصوير ملوَّنة رفيعة المستوى، فأعانته على عمله الإجرامي، فلمَّا ضُبِطْ كانت هذه الآلة سبيلاً إلى دخوله السجن، لهذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴾

3 ـ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا

 هو الذي كَفَر بالله، وكفر باليوم الآخر، وآمن بالدنيا، وآمن بالمادَّة، وآمن بالمال فقط، واتخذ سبيل الشهوة طريقاً له، وجعل إلهه هواه، ولديه عقل، معه عقل مبدع خلاق، فاستخدم العقل لغير ما خُلِقَ له، استخدم العقل لجمع الأموال عن طريقٍ غير مشروع، استخدم العقل للوصول إلى رغباته الدنيئة ؛ فنصَب الحيل، ونصَب الشباك. إذاً العقل إنْ يستخدم استخداماً مشروعاً يرقَ بصاحبه، وإنْ يستخدم استخداماً غير، مشروعٍ يهْوِ بصاحبه. العقل صار درجاتٌ إلى الجنَّة، أو دركاتٌ إلى النار، سلَّمٌ ترقى به أو منزلقٌ تهوي به، والعقل هوَ هو.

الحظوظ الدنيوية حيادية:

 وهذا يذكِّرنا مرَّةً ثانية بأن كل الحظوظ التي آتاك الله إيَّاها في الدنيا ؛ كحظِّ العقل الراجح، وحظ المال، وحظ الجاه، وحظ القوَّة، وحظ الذكاء، وحظ الوسامة، كل هذه الحظوظ حياديَّة ترقى بها أو تهوي بها، طريقٌ إلى الجنَّة أو منزلقٌ إلى النار، ولذلك فالإنسان مخيَّر.

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3) ﴾

( سورة الإنسان )

 بل إن من المعاني الدقيقة التي أكرم الله بها المؤمنين، أن كلمة ( الشكر ) من معانيها: أنْ تستخدم النعمة في الحق.فأنت إنسان لك ميِّزات كثيرة، لأنك أنت إنسان عاقل، إنسان قوي في مقتبل حياتك، إنسان ذو مال، إنسان ذو جاه، إنسان ذو ذكاء، إنسان ذو بيان، طليق اللسان، قويُّ الحجَّة، دقيق المعاني، كل هذه الحظوظ التي أكرمك الله بها بإمكانك أن ترقى بها إلى الجنة، والجنة تحتاج إلى عمل، والعمل هو استخدام الحظوظ ؛ فهذا إنسان يرقى إلى الله بإتقان صنعته، هذا يرقى إلى الله بإنفاق ماله، هذا يرقى بإنتاجه العقلي، يستخدم عقله في التعريف بالله عزَّ وجل، هذا يستخدم قلمه الأدبي في تأليف كتبٍ تدلُّ على الله عزَّ وجل، فهذه نقطة مهمَّة جداً، فليس في الوجود إنسان بلا حظوظ.
 إنّ أصح من ذلك أن مجموع الحظوظ متفاوتة، الحظوظ منوَّعة، هي متفاوتة بين الناس، لكن لو أجريت دراسة دقيقَة دقيقة، متأنيَّة متأنية، صابرة أو صبورة، لرأيت أن الإنسان في مجموعِ حظوظه يكافئ مجموع أي إنسانٍ آخر ؛ فراحة البال حظ، والدخل حظ، فإذا ارتفع الدخل قلَّت معه راحة البال، وإذا انخفض الدخل ارتفعت معه راحة البال، فلو أعطينا راحة المال درجات، وأعطينا الدخل درجات، وجمعنا هذه الدرجات، لكان المجموع متكافئا عند معظم الناس.
 ربنا عزَّ وجل جعل الدنيا دار ابتلاء، ولم يَجعلها دار جزاء، لو جعلها دار جزاء لكان هيناً عليه أن يعطي كل إنسان كل الحظوظ في أعلى درجاتها، في درجاتها المُطْلَقَة، فأحياناً تجد امرأةً تجمع بين النسب، والجمال، والغنى، وربَّما كان اجتماع هذه الحظوظ لديها وبالاً عليها، فأن يصل الإنسان إلى المُطْلَق في الدنيا ربَّما كان هذا سبب البلاء، فربنا عزَّ وجل هو الذي وزَّع الحظوظ.

الحظوظ الدنيوية موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، ويوم القيامة توزَّع توزيع جزاء:

 ولكن هذا يعطينا معنىً آخر، وهو أن الحظوظ في الدنيا موزَّعة، لكن توزيعها توزيع ابتلاء، وسوف توزَّع في الآخرة، لكن توزيع الآخرة توزيع جزاء، وأوضح مَثَلٍ الغنى والفقر، إنسان عاش ثمانين سنة ـ وهو عمر عالٍ، بينما النموذجي ستون سنة، الواقعي خمسة وخمسون سنة، سنأخذ إذًا عمر ستين سنة لمثالنا هذا ـ إنسانان غنيٌ وفقير، عاش كل منهما ستين عاما ًوتزامنا في فترة واحدة، واحد منهما تمتَّع بالغنى الذي لا حدود له، فأكل ما لذَّ وطاب، وسكن أفخر البيوت، وركب أجمل المراكب، وسافر، وتجوَّل، أعطى نفسه كل شهواته ؛ وإنسان عاش في حرمانٍ وفقرٍ مدقع، فحياته خشنةٌ، طعامه خشن، بينه قميء، ثيابه رثَّة.
 إنسانان، الأول امتحن بالغنى والثاني امتحن بالفقر، الغنى في حق الأول ابتلاء، والفقر في حق الثاني ابتلاء، لو تصوَّرنا أن الغنيّ امتحن بالغنى فلم ينجح، فتاهَ بماله على عباد الله، وأنفق ماله على شهواتٍ لا ترضي الله، ومنعه أهلهَ ومستحقيه، والمال جعل صاحبه يزهو على عباد الله ؛ والفقير رضي بقسمة الله له، واستقام على أمر الله، واتَّقى الله في كل حياته، إلى أن وافت المنيَّة الرجلين.
 ففي الآخرة ستنعكس الآية، الذي كان فقيراً، ونجح سيغدو غنياً إلى أبد الآبدين ؛ والذي كان غنياً فرسب سيغدو فقيراً إلى أبد الآبدين، هذا معنى قول سيدنا علي: << الغنى والفقر بعد العرض على الله >>.
 لكن ما الذي يمنع من أن ينجح الغني في غناه في الدنيا فيغدو غنياً إلى أبد الآبدين ؟ ما الذي يمنعه ؟ ليس الفقير الصابر بأعظم أجراً من الغني الشاكر.
 الإنسان يحتاج إلى تفكير، إلى أن يُعْمِلَ عقله، سيدنا نُعَيْم بن مسعود ـ نحن نقول: سيدنا من دون أن نشعر، جاء مع جيش أبي سفيان ليحارب المسلمين في المدينة، ثم أسلم، وصار صحابيًا جليلاً، وإنسانًا عظيمًا ـ إذًا: جاء مع الأحزاب ليقاتل النبي يوم الخندق، وقد بقي الحصار مستمرًّا عشرين ليلةً، وفي إحدى الليالي أصابه أرقٌ، فخاطب نفسه، أجرى حوارًا ذاتيًا، قال:  << يا نعيم، إنَّك رجلٌ لبيب، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ لماذا جئت تقاتل هذا الرجل الصالح ؟ إلامَ يدعو هذا الرجل ؟ هل انتهك لك عرضاً فجئت تقاتله ؟ هل اغتصب مالاً فأتيت تقاتله، ماذا فعل ؟ إنه دعا إلى الله، إن أصحابه أناسٌ طيِّبون أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر >>، وهذه محاكمة لم تستغرق إلا دقائق، هذه المحاكمة انتهت إلى أنه اتخذ قراراً بأن يُسْلِم، قام في جُنح الظلام، وتسلل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فلمَّا رآه قال: " نعيم بن مسعود ؟ " قال: " نعم يا رسول الله، جئتك مسلماً "، وأسلم، واللهُ عزَّ وجل أجرى على يده وحده نصًار مؤزَّرًا.
 معركة الخندق من دون مبالغة تمَّ فيها النصر على يدِ نعيم بن مسعود، كان ذكياً عاقلاً استخدم ذكاءه في أعلى درجة، فرَّق الأحزاب وأوقع بينهم، وجعل بعضهم يشك ببعض، وجاءت الرياح فقلبت القدور، واقتلعت الخيام، وأطفأت النار، وكفى الله المؤمنين القتال.
 لذلك هذا العقل الذي نتحدَّث عنه به تسعد، وبه تشقى، تذكَّر مثل الآلة، آلة غالية جداً، وفيها ألوان دقيقة جداً، يمكن أن تجني منها مئات الألوف بل والملايين، ويمكن أن تودعك السجن، والآلة هي نفسها، إن استخدمتها فيما صُنعت له ارتقيت، وإن استخدمتها فيما لم تصنع له، فزوَّرت بها العملة، ربَّما أودى بك هذا العمل إلى السجن والهلاك.

﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ(4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ

1 ـ معركة الحق والباطل قديمة مستمرة:

 الحقيقة معركة الحق مع الباطل معركةٌ قديمةٌ ومستمرَّة، الإنسان لا يفاجأ، فبالحياة حقٌ وباطل، هناك حٌّق اعتقادي، وحق سلوكي، وباطل اعتقادي ؛ آراء، ومذاهب، ونظريَّات، وفلسفات كلُّها باطلة، وهناك سلوك أساسه الحق والاستقامة، وسلوك أساسه الانحراف، هناك معركةٌ قديمةٌ ومستمرَّةٌ وأبديَّةٌ بين الحق والباطل، فإذا كذَّب كفَّار قريش النبيَّ عليه الصلاة والسلام، ينبغي ألاّ يحزن النبي، و إن حَزِن فالله سبحانه وتعالى يواسيه، قال:

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾

 فلست وحدك المكذَّب، فيا أيها الأخ الكريم ؛ إذا دعوت إلى الله، ورأيت معارضةً، ورأيت من يسفِّه رأيك، رأيت من يخوَِّفك، رأيت من يقلَّل من شأنك، هذه معركة قديمةٌ ومستمرَّة، الحق دائماً يناهض الباطل، والباطل يناهض الحق.

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ ﴾

 كل الذين تحزَّبوا على أنبيائهم هم الأحزاب، هذه لا تعني أن الأحزاب كانوا فقط في عهد النبي، فالمفسِّرون قالوا:  الأحزاب، كل من تحزَّب على نبيٍ ٍفهو من الأحزاب.

 

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ﴾

 

2 ـ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ

 ليأخذوه ؛ إما ليقتلوه، وإما ليخرجوه، وإما لينهوا دعوته، أو يطفئوا نور الله في الأرض، أيْ أنّ أهل الباطل لا يتمنون الأماني فقط، بل يريدون أن تُطفَأ كلمة الحق، لا يريدون للحق أن ينتشر، لا يريدون للفضيلة أن تعُم، لا يحبون الخير، إنهم يحبون الضلال، ويحبون الإضلال، يحبون الفساد، ويحبون الإفساد، هذا شأن أهل الباطل ؛ وشأن أهل الحق أنهم يحبون الخير للناس جميعاً، فربنا عزَّ وجل يواسي النبي، يطمئنه، يخفِّف عنه، يسَرِّي عنه، قال له:

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ﴾

 لكن الله عزَّ وجل بالمرصاد.

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾

( سورة المائدة: من الآية 67)

﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾

3 ـ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ

 كذلك حال أهل الباطل فهم أحياناً لا يكافحون الحق مجاهرةً، ولكن يواجهونه بأساليب ذكيَّة جداً، هناك أسلوب أن يُجابه الرجل عدوه مجابهة، وأسلوب آخر أن يُفجِّر الشرّ من الداخل، أي تجعل أهل الحق يتخاصمون فيما بينهم، إنسان يندسُّ بينهم ؛ يحرِّف الحق، يزوِّر الحقيقة، ويدَّعي أنه من أهل الحق، فهناك أساليب ماكرة وخبيثة وذكيَّةٍ من أجل إطفاء نور الله عزَّ وجل، ومن أجل إنهاء أهل الحق.

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾

4 ـ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

 لو أن إنسانًا تيسّر له أن يطَّلع على تاريخ الفِرَق الضالَّة في التاريخ الإسلامي بشكل واسع، لرأى أنها أكثر من أن تُعَد، وأكثر من أن تحصى، وكل فرقة بنت اعتقادها على فلسفة معيَّنة، وعلى أدلَّة معيَّنة، وعلى كلام مُزَخْرَف، ونمَّقوا، وزخرفوا، وأفْسَدوا، وفي النهاية بقي الحق شامخاً، وكل هذه الفرق تداعت كبيت العنكبوت، الباطل باطل.. وليطمئن أهل الإيمان إلى إيمانهم وسلامة نهجهم:

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81) ﴾

( سورة الإسراء )

 كان زهوقاً، بمعنى أن من شأن الباطل أنه زهوق، ما قال: كان زاهِقاً، بل كان زهوقًا، وزهوق على وزن فعول، هذه صيغة مبالغة، الباطل لا يقف على قدمين، للباطل جولةٌ، ثمَّ يضمحل.

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81) ﴾

 واللهُ عزَّ وجل هو الموجود، وهو الحق.

﴿ قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾

( سورة طه )

 فأين أنا ؟ معكما أسمع و أرى ؛ هذه الكلمة مطمئنة، الله موجود.

 

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) ﴾

 

( سورة إبراهيم )

 جبالٌ بأكملها تزول من مكرهم.

 

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) ﴾

 

﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42) ﴾

( سورة إبراهيم )

 حتى إن بعض الآيات التي وردَت في القرآن الكريم من أن الناس جميعاً بما فيهم المؤمنون سوف يَرِدون النار، ورود النار لا يعني دخولها، الورود أن تقترب منها لترى مَن فيها، مِن أجل أن يتحقَّق اسم الحق، فالإنسان كان في الدنيا، ورأى من اعتدى على حقوق الآخرين، من اعتدى على حياة الآخرين، من اعتدى على أعراض الآخرين، ربَّما لم يحاسب في الدنيا، لكن اسم الله هو الحق، وهذا مثل بسيط:
 لو أنك قرأت قصَّة، أو شهدت عملاً مُمَثَّلاً، ففي أول فصل قُتِل إنسان، وتمَّت مشكلة، ووقعت جريمة، وأُرخي الستار، هل تعتقد أن المسرحيَّة انتهت ؟ فماذا إذاً حلَّ بالقاتل ؟ ماذا حلَّ بهذا الذي فعل هذه الجريمة ؟ المسرحيَّة ناقصة، لو أن الستار أرخي فهذا فصل واحد، وبقيت فصول، فالحياة تمثِّل فصلًا واحدًا، والفصل الثاني يوم القيامة من أجل أن تسوَّى الحقوق، أن يعطى كل ذي حقٍ حقَّه، أن يؤخذ للمظلوم من الظالم، وللمعتدَى عليه من المعتدي، وأن ينال كل مظلومٍ حقَّه، لذلك فالله سبحانه وتعالى بدأ الخلق، ثم يعيده لتُجزى كل نفسٍ بما تسعى، فإعادة الخلق من أجل الجزاء.

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ ﴾

5 ـ نيَّة الكافر شرٌ من عمله:

 القضيَّة برمّتها أنّ نيَّة الكافر شرٌ من عمله، لو شققت على قلب الكافر لتمنَّى أن يفنى الحق، وهذا عين الضلال كله. وألاّ يبقى على وجه الأرض من يوحِّد الله، لتمنَّى أن يعمَّ الضلال، لتمنَّى أن يعمَّ الفسق والفجور، فنيَّة الكافر شرٌ من عمله، ونيَّة المؤمن خيرٌ من عمله، لكن الله عزَّ جل موجود، وبعضهم قال: الحمد لله على وجود الله، لأن خطَّة الكافر مستوعبةٌ في خطَّة الله عزَّ وجل، فلا يقع منها إلا الذي يأذن به الله سبحانه وتعالى، لا يقع من خطَّة الكافر إلا بالقدر الذي يأذن الله به، والله عزَّ وجل أفعاله كلها خيرٌ مطلق، ولو بدا بعضها شراً بمقياس الناس، لكن الشرَّ النسبي هو في الحقيقة خيرٌ مُطْلَق.

لا تيأس مهما عظُم العدو وطغى:

 ربنا عزَّ وجل علّمنا من خلال قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر، فسيدنا موسى يحمل الأمر التكليفي، بينما سيدنا الخضر أعطاه الله سرَّ الأمر التكويني، فالله عزَّ وجل له أمر ونهي، وله أفعال، فبعض أفعاله أطلع سيدنا الخضر على سرِّها، وعلَّم سيدنا موسى الأمر التكليفي ؛ افعل ولا تفعل، الحلال والحرام، فربنا عزَّ وجل أطلعنا على أن هذا الذي خُرِقَت سفينته، فهذا الخرق شرٌ في نظره، لكن بعد حين تكشَّف أن هذا الشر النسبي هو خيرٌ مطلق نجت من المصادرة، فيا حبَّذا هذا الخرق كي تنجو من المصادرة، وهذا الذي أنشأ بناءً من دون أن يأخذ أجرةً كان هذا هو الخير، والقصَّة بين أيديكم في سورة الكهف، تُعَلِّمنا أن الفعل التكويني خيرٌ مطلق، لكن قد يبدو للإنسان شرَّاً نسبياً، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(216) ﴾

( سورة البقرة )

 فالمؤمن مستسلم لله عزَّ وجل، فعليه أن يتقصَّى أمر الله عزَّ وجل، وهو راضٍ بقضاء الله وقدره.
 أريد من هذه الآية أنك مهما سمعت عن كيد الكافرين، وعن خططهم الجهنَّميَّة، وعن نواياهم الشريرة، وعن أعمالهم الفظيعة، مهما سمعت لا ينبغي أن تضعف همَّتك، ولا ينبغي أن تشعر بالوَهن، يقول لك: يا أخي انتهينا، لن تقوم للمسلمين قائمةٌ بعد اليوم، وتسمع منه: المستقبل مظلم، وأعداؤنا تملَّكوا زمام الأمور، أمورنا بيدهم، هذا كلام يُلقى بعيدا، هذا من عمل الشيطان.

 

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175) ﴾

 

( سورة آل عمران )

 فهذا الذي حدث في شرق الأرض، من كان يظن أنه يحدث قبل خمسة أعوام، والله لو أنّ أحدًا تنبَّأ بحدوثه لأودع مستشفى المجانين، ثمَّ حدث ما حدث، معنى هذا أن الله عزَّ وجل موجود.

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا(15)وَأَكِيدُ كَيْدًا(16) ﴾

( سورة الطارق )

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ﴾

( سورة الأنفال: من الآية 30 )

 مكر الله عزَّ وجل يسمونه في البلاغة مشاكلة، يس هذا مكراً كمكر أهل الكفر والضلال، بل هو تدبير حكيم، لكنَّه تدبيرُ حكمةٍ يردُّ على مكرهم، تدبيرٌ يوقفهم عند حدِّهم، تدبيرٌ يعلِّمهم أنه لا إله إلا الله.

وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ

 إخوة يوسف ماذا فعلوا ؟ بخطَّةٍ جهنَّميَّةٍ أرادوا أن يتخلَّصوا من أخيهم يوسف، طفلٌ صغير كالوردة أودِعَ في جُبٍ ليموت، احتمال الموت محقَّق.

﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾

( سورة يوسف: من الآية 19)

 وأصبح هذا الطفل المقهور شابا، ثم اكتهل، و صار عزيزَ مصر.

﴿ قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ﴾

( سورة يوسف: من الآية 19)

 ربُّنا عزَّ وجل علَّمنا فقال:

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(21) ﴾

( سورة يوسف )

 هذه آية يجب أن تكون شعار كل مسلم

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾

 مهما سمعت من كيد الكفَّار، مهما سمعت من خططهم الجهنَّميَّة، مهما سمعت من نواياهم الشريرة، مهما شعرت أنهم أقوياء، قال النبي عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم:

 

(( لعلَّه يا عدي إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنَّ أن تسمع بالمرأة البابلية تحجُّ البيت على بعيرها هذا لا تخاف، لعلَّه إنما يمنعك يا عدي من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوِّهم، وايم الله ليوشكنَّ أن ترى القصور البابليَّة مفتَّحةً لهم، لعلَّه إنما يمنعك يا عدي من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ـ أناس فقراء ـ وايم الله ليوشكنَّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ))

 

[ ورد في الأثر ]

 الحقيقة أن الخط البياني للدعوة الإسلاميَّة كان في الحضيض لما قدم الرسول إلى الطائف، فالنبي ذهب ماشيًا على رجليه، وقطع ثمانين كيلو متراً ليدعو أهل الطائف، فكذَّبوه، وسخروا منه، وتهجَّموا عليه، واعتدوا عليه. وقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله ناصر نبيِّه ))

[ ورد في الأثر ]

 في الهجرة، ونحن في ذكرى الهجرة.

(( كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ))

 فبربِّكم إنسان في دولة من دول العالم الخامس وليس الثالث، دولة متخلِّفة جداً جِداً، ليس فيها شيء، صحراء وخيام، لو قلنا لأحد أفرادها: كيف بك أن تتصدَّر البيت الأبيض ـ في واشنطن ـ بماذا يتَّهمك ؟ بالجنون، النبي عليه الصلاة والسلام وهو مطارد، دمه مباح، مئتا ناقة لمن يأتِ به حياً أو ميِّتاً، يلتقي بسراقة فيقول له:

(( كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى))

 مدينة كسرى العاصمة الأولى في العالم، والقسطنطينية العاصمة الأولى كذلك، عاصمتان للعالم فقط يوم ذاك، الأولى عاصمة كسرى: المدائن، والثانية القسطنطينيّة، والذي حدث في عهد عمر أن سراقة لبس سواري كسرى، إله يَعِدُ ويفي.

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

( سورة الرعد: من الآية 41)

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26) ﴾

( سورة الكهف)

 فإذا اللهُ عزَّ وجل وعد المؤمنين بالنصر فنحن علينا أن نطيعه فقط،، فما مهمَّتي إذًا ؟ أنا لا أملك أن أمنع قِوى الشر أن تفعل ما تفعل، هذه بيد الله عزَّ وجل، ولكني أملك أن أطيعه أولاً، فإذا أطعته ألهمني رُشْدِي، وأعانني، وقلب الموازين أمامي، أما إذا لم أطعه، وبقيت على مستوى العواطف، والثقافة الإسلاميَّة، وعاطفة إسلاميّة، ولكن بدون تطبيق إسلامي على أيّ مستوى، ليس هناك تطبيق إسلامي لا في البيت ولا في المعمل، ولا على مستوى السلوك الفردي ولا الجماعي، عندئذٍ لا نستحق النصر.

 

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾

 أين هم ؟ هؤلاء الذين ائتمروا على قتل النبي أين هم ؟ قُتِلوا في بدر، هؤلاء الذين كادوا للمسلمين أين هم ؟ كل الذين كادوا للمسلمين لم تقم لهم قائمة، وبقي الدين شامخاً كالطود، الله موجود، كلَّما ضاقت نفسك قل: الحمد لله على وجود الله، اطمئن هذا دين الله، هذا دين الله لا يستطيع أحدٌ في الأرض أن ينال منه.

 

 

﴿ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾

 

هكذا ينتقم الله من أدائه وينتصر لأوليائه:

 ولماذا نحن نبتعد كثيراً ؟ فالأحداث التي من حولنا تؤكِّد هذه المعاني، أليس هناك بلاد خضراء كجنات النعيم، ذاقت حرباً أهليةً خمسة عشر عاماً ؟ ألم يقل الله عزَّ وجل:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112) ﴾

( سورة النحل )

 ألا ترى مدناً فسقت وفَجَرَتْ فأصابها زلزالٌ فهزَّ أركانها ؟ ألم تر الأعاصير تجتاح أجمل الولايات في بعض البلاد ؟  يقول لك: الخسارة بلغت ثلاثين مليارا في يومين، لم يبقَ شيءٌ على الساحل إلا وهُدِّم، إعصار واحد، ترى الكوارث الطبيعيَّة، الزلازل، البراكين، الحروب الأهليَّة، بأس الإنسان، كلها عقاب إلهيّ.

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117) ﴾

( سورة هود )

 هناك أدلَّة تاريخيَّة، وأدلَّة معاصرة، فهذا مرض الإيدز أليس آيةً من آيات الله عزَّ وجل ؟ أحدث إحصاء أن هناك عشرين مليون إنسان يحمل هذا المرض في أمريكا، ويقول الأطبَّاء: أغلب الظن أنه لن يصل الإنسان إلى مضادٍ لهذا المرض أبداً، لأنه عقابٌ إلهي لمن خرج عن فطرته الإنسانيَّة، لكن ما أكثر العبر، وما أقلَّ المُعْتَبِرين، أنت مخيَّر، إما أن تستقيم على أمر الله، ولك الاستقرار والتوازن، ولك النعيم، ولك التوفيق.

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19) ﴾

 

( سورة الأنفال )

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(36) ﴾

( سورة التوبة )

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153) ﴾

( سورة البقرة )

 هذه معيَّة خاصَّة أيها الإخوة، أي أنّه معك بالتأييد، معك بالحفظ، معك بالنصر.
 واللهِ هذه آية لا أشبع من تكرارها:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

( سورة الجاثية: من الآية 21)

 مَن منكم يحب المرض يا أيها الإخوة ؟ مَن يحب القهر ؟ من يحب الذل ؟ من يحب التعذيب ؟ من يحب الفقر المُدْقِع ؟ من يحب الشقاء الزوجي ؟ من يحب أولادًا عاقِّين ؟ هذا كله لا يحتمل، ربنا سبحانه قال:

﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

 الله يعجب !!، هل تعتقد أيها الإنسان أنني سأعامل المؤمن المستقيم كما أعامل المُنحرف ؟ أو أنني سأعامل المنحرف كما سأعامل المستقيم ؟

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21) ﴾

 الأمر واضح جداً، إن أردت أن تستقيم لك الخير، لك الطمأنينة، لك الرضى، لك التوفيق، لك الحِفْظ، لك التأييد، لك السكينة، لك السعادة ؟ وإن خرجت عن أمر الله عزَّ وجل ـ قال له: " عظني ولا تطل "، قال له:

(( قل آمنت بالله ثم استقم ))

 قال: "أريد أخفَّ من ذلك "، قال:

(( إذاً فاستعدَّ للبلاء ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾

وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ

1 ـ معنى: حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ

 قد يفهم بعضهم الآية فهماً ما أراده الله أبداً، فنحن قد قررنا في النظام الداخلي للمدارس أنّ كلّ من يتغيَّب أسبوعين عن المدرسة يفصل، المادة رقم ثلاثة في النظام الداخلي للمدارس، فقد يغيب طالب يومًا، يومين، ثلاثة، خمسة، اثني عشر، ثلاثة عشر، أربع عشرة، لكن إذا غاب خمسة عشر انطبقت عليه المادَّة الثالثة من النظام الداخلي فاستحقَّ الفصل، هذا هو المعنى بالضبط، هذا المعنى الذي يليق بجلال الله عزَّ وجل.

﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾

 فالكلمة هي القانون، القانون الإلهي يقتضي بأن الذي يكفر سوف يعذَّب في الدنيا والآخرة، ومصيره إلى النار.

 

(( إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ))

 

[ من الجامع الصغير عن جابر ]

2 ـ العذاب الدنيوي للكافر:

 لذلك كفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله، القانون الإلهي والسُنَّة الإلهيَّة أن الذي يشعر أنه خسر نفسه يدخل في عذابٍ نفسي في الدنيا لا يُحْتَمَل، ثم يدخل في عذابٍ ماديٍ لا يحتمل، هذا هو القانون الإلهي.

﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾

 فربنا عزَّ وجل حدَّثنا عن سيدنا إبراهيم:

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126) ﴾

( سورة البقرة )

 إن إنسانا في بعض المدن كان ثَمِلاً ـ شرب الخمرة حتى ثَمِل ـ فلمَّا دخل البيت قتل زوجته وأولاده الخمسة، فلمَّا صح سأل نفسه: ماذا فعلت ؟ فقتل نفسه، لأنه ما تحمَّل هذه الجريمة، نفسك لها قوانين.
 حدَّثني رجل عن إنسان يقود مركبته الساعة الثانية ليلاً، وأب أرسل ابنه ليشتري له حاجة من البقاليَّة تفتح إلى ساعة متأخِّرة من الليل، فسائق السيارة دهس هذا الطفل الصغير، وأرداه قتيلاً، وعدا لا يلوي على شيء، ما أحد عرف القاتل، ولم يُكتب ضبط، ولم يلاحق من قِبَل الشرطة، يقول هذا الذي دهس الغلام: بقيت عشرين يوماً لم أذق طعم النوم، إلى أن أتصل بطبيب نفسي، الطبيب أدرك المشكلة ـ الشعور بالذنب ـ طفل وديع، يصبح تحت عجلات السيارة، وبالطبع ما أحد أدانه، وما أحد ضبطه، هذا الطبيب كان حكيماً فقال له: لن ترتاح نفسك إلا إذا أرسلت لأهل القتيل الديَّة الكبيرة، لعلَّك إذا دفعت هذا المبلغ الكبير أن تنام الليل ـ فلا أحد يعذّب المعتدي أو المخطئ، ولكنه يعذِّب نفسه.
 هناك عذاب في جهنَّم، عذاب الحريق وهذا ثابت ويضاف إليه العذاب النفسي كذلك، أجل يضاف إلى عذاب الحريق، إلى عذاب النار التي تشوي الجلود عذاب النفس وهو شديد..

﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾

 فالإنسان أحياناً يسرف في المعصية إلى أن يصل إلى طريق مسدود.

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14) ﴾

( سورة الإسراء )

﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ

1 ـ الملائكةُ أنصحُ خلقِ الله إلى البشر، وأغشُّ خلق الله إلى البشر الشياطين:

 هؤلاء مَنْ ؟ الملائكة، أنصح خلق الله إلى البشر الملائكة، وأغشُّ خلق الله إلى البشر الشياطين من غير الإنس، أنصح مخلوقٍ لك المَلَك، وأغشُّ مخلوقٍ لك الشيطان، لذلك ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ(59)أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(60)وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(61)وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ(62)هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(63)اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ(64) ﴾

( سورة يس )

 من جهتي كلَّما رأيت إنسانًا يُشْنَق، أقول: هذا من عمل الشيطان، سار مع الشيطان فكان هذا مصيره، كلَّما رأيت إنسانًا مودعًا في السجن لاقتراف الجرائم، المخدِّرات، القتل، السرقة، أقول: هذا من عمل الشيطان، الشيطان سوَّل له هذه المعاصي فاستحقَّ هذا المصير، كلَّما وجدت شقاقًا زوجيًا غير محتمل أقول: أحد الزوجين مع الشيطان يسلك سلوك الشيطان، والشيطان يأتينا عن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن أمامنا، ومن ورائنا، عن أيماننا بالغلو في الدين، غلو الإفراط، وغلو التفريط، وغلو التعصُّب، غلو المنافسة غلو الحسد، غلو الطَعْن، غلو الاعتقاد إلى درجة أن يقولوا: إننا وحدنا على حق، هذا غلو عن أيمانهم، وعن شمائلهم المعاصي، ومن بين أيديهم التجديد والتحديث، ومن خلفهم التمسُّك بالتقاليد غير الإسلاميَّة، أربع جهات، لكن جهة العلو ـ جهة الاتصال بالله عزَّ وجل ـ فهذه طريقٌ آمنةٌ وسالكة، وكذلك جهة العبوديَّة لله جهةٌ آمنةٌ وسالكة.
 فهؤلاء الملائكة.

 

﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ﴾

 

2 ـ العرش:

 هذه الكلمة وردت في القرآن الكريم، استوى على العرش كما قال الإمام مالك: " الاستواء معلوم ـ عُلِم بهذه الآية ـ والكيف مجهول "، أيْ نَكِلُ أمر تفسير العرش إلى الله عزَّ وجل، لأننا لا نملك إمكانيَّة تفسير هذه الكلمة.
 بعضهم قال: "بيتٌ في السماء، بيتٌ معمور يطوف حوله الملائكة كما هي الكعبة في الأرض، فهذا ممكن، فأيّ تفسير للعرش قاصر، هذا مما استأثر الله بعلمه.
 على كلٍ الملائكة.

﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾

 دائماً عندنا في الدين منطقة اعتقاديه، ومنطقة تحقيقيَّة، ومنطقة في أفكار الدين تصديقيَّة، موضوع العرش والكرسي، وكذلك موضوع وجاء ربُّك، موضوع: يد الله فوق أيديهم، موضوع: استوى على العرش، موضوع: تعلم ما في نفسي، ولا أعلم ما في نفسك، موضوع: إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربُّكم إلى السماء الدنيا، هذه كلها مجموعة آيات لا تزيد على عشر آيات متعلِّقة بذات الله عزَّ وجل، العلماء الأجلاء وقفوا حيال هذه الآيات موقفين صحيحين، وموقفين غير صحيحين:
 الموقف الأول الصحيح: فوّضوا أمر تفسيرها إلى الله، العرش معلوم، والكيف مجهول، لأن هذه مغيَّبات، فالله أخبرنا أنه يوجد عرش في السماء، فليست لدينا إمكانيَّة أن نصل له، ما عندنا إمكانيَّة أن نعمل له تنظيرًا، مثلاً بالأشعَّة نصوِّره، بالطيف نصوَّره، ليس من مجال، علمُنا قاصرٌ عن إدراك العرش، وأي تفسير للعرش لم يرد في الحديث الصحيح هو غير صحيح، فنحن في مثل هذه الكلمات الغيبيَّة لا نملك إلاَّ التطبيق، لأن الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا(87) ﴾

( سورة النساء )

 السلف فوَّضوا أمر هذه الآيات إلى الله، الخلف أوَّلوها ـ وهذا شيءٌ جميل ـ قالوا: وجاء ربُّك ؛ أيْ جاء أمره، يد الله ؛ أيْ قدرته، سمعه وبصره ؛ أيْ علمه، نفسه ؛ أيْ ذاته، نزل بمعنى أن الله سبحانه وتعالى سمح لهذا العبد أن يُناجيه، هذا هو المعنى، فإما أن تفوِّض، وإما أن تؤوِّل، أما الذين عطَّلوا هذه الآيات، وأما الذين جسَّدوها، جسَّدوا، وعطَّلوا فهم فرقتان ضالتان، نحن مع التفويض أو مع التأويل، ولسنا مع التعطيل ولا مع التجسيد.
 إذاً الملائكة:

﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ﴾

 لا نملك من شرح هذه الآية إلا ما وردت به السُنَّة، فالنبي الكريم ما وصف تفاصيل حول العرش أو حمل العرش.

﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾

3 ـ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ

 الملائكة كائنات نورانيَّة دائمة التسبيح لله عزَّ وجل، كما قال سيدنا علي: << رُكِّبَ المَلَك من عقلٍ بلا شهوة، ورُكِّبَ الحيوان من شهوةٍ بلا عقل، ورُكِّبَ الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >>.

﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾

 انظر إلى هذه الآية ما أدقَّها !

﴿ وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾

رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا

 أحياناً يكون هناك علم ولكن ليست لديه رحمة، علم مع قسوة، فهذا شأن الإنسان، أحياناً ترى الرحمة البالغة، ولكن بلا علم، تصير مؤذية، فاجتماع الرحمة مع العلم عند الله فقط، وربنا عزَّ وجل قال:

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ(78) ﴾

( سورة الرحمن )

 فبقدر ما هو عظيم بقدر ما هو كامل، فعند الله تجد رحمةً وعلماً، بقدر ما هو عليم هو رحيم، أفعال الله كلها تنِظُمَها رحمته وعلمه.

 

﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾

 هل هناك شيءٌ لا تسعه رحمة الله ؟ لا، هل هناك شيءٌ لا يسعه علم الله عزَّ وجل ؟ أي شيءٌ تسعه رحمة الله عزَّ وجل ويسعه علمه.

 

 

﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾

 

دعاء الملائكة للمؤمنين:

 هذا دعاء الملائكة للمؤمنين.

لا يسعد الأبُ إلا إذا رأى ابنه سعيداً:

﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 وهذه بشارة للمؤمن إذا ربَّى أبناءه تربيَّةً صالحة:

﴿ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

( سورة الطور: من الآية 21 )

 والأب لا يسعد إلا إذا رأى ابنه سعيداً.

﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ ﴾

﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ(45)قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾

( سورة هود )

 معنى هذا.

 

﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(8)وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

 

كل مصائب الدنيا تهون، لكن احذر المعصية:

 فإذا وصل الإنسان إلى دار السلام بسلام، إذا انتهت حياته إلى الجنَّة، فقد فاز فوزاً عظيماً، مهما فاته من أشياء في الدنيا، لذلك سيدنا الصديق كُتِبَ عنه أشياء كثيرة.
 لفت نظري مرَّة هذه العبارة: " ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط "، فإذا أنت عرفت الله عزَّ وجل، واستقمت على أمره، وسلكت الطريق إليه، وكان دخلك محدودًا، فلا بأس، إنا لله وإنا إليه راجعون، زواجك غير ناجح، لا مانع، الأولاد من الدرجة الوسطى، لا بأس ولا حول ولا قوة إلا بالله، خمس أو ست علل في جسمك، أفوض أمري إلى الله، فلو فاتك شيء من دنياك فقد وصلت أخيرًا إلى جوهر الحياة ونعيمها، والأمور بخواتيمها.
 أما الذي أعطاه الله كل شيء، وحجب عنه معرفته، حجب عنه شرعه، حجب عنه الكمال، ما ربح شيئاً، هذا معنى القول الثابت: " يا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ".
 هؤلاء:

﴿ وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

 من هنا كان سيدنا عمر إذا أصابته مصيبةٌ قال: << الحمد لله إذ لم تكن في ديني >>، كله سهل، ما دام أني ما عصيتُ، وما خرقتُ حُجب الاستقامة، وما أكلت مالًا حرامًا، ما ارتكبت مُنكرًا، ما عملت السيئات، ما دُمتُ مستقيماً فكله يهون.
هذه المرأة الأنصاريَّة التي رأت ابنها قتيلاً في أرض أُحد، وبعد قليل رأت زوجها قتيلاً، ثم رأت أباها قتيلاً، رأت أخاها كذلك قتيلاً - هذا شيء فوق طاقة البشر، الزوج والابن والأب والأخ ـ قالت: " ما فعل رسول الله ؟ " قالوا: " هو بخير "، قالت: "يا رسول الله كل مصيبةٍ بعدك تهون "، ليست هناك أي مشكلة.
 الإنسان إذا كان دينه سليمًا فالمشكلة يسيرة، هو مثلاً ساكن في بيت عالٍ، أو قبو بأجرة، ملك، كبير، صغير، ضمن المدينة، خارج المدينة، هذه ليست مشكلة، أجل، ليست هذه المشكلة، المشكلة أن تعصي الله، المشكلة أن يكون الطريق مسدودًا، المشكلة أن يصل الطريق إلى النار فهذه هي المشكلة، بل هذه مشكلة المشاكل.
 الأحوال مهما قست فكلُّها تمضي تنقضي إلى زوال، والموت يسوي بين جميع الناس، فالرياضي يموت، والإنسان الذي أهمل في نفسه يموت، والغني يموت، والفقير يموت، والقوي يموت، والضعيف يموت، والحاكم يموت، والمحكوم يموت، والظالم يموت، والمظلوم يموت، كلهم يموتون ـ سبحان من قهر عباده بالموت ـ كل مخلوقٍ يموت، ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت، المشكلة أن تقع في معصية، فقط هذه هي المُشكلة، لذلك: كفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله، إذا كنت مستقيمًا فأنت الفائز الأول، أنت الرابح، أنت المفلح، أنت الناجح، أنت المتفوِّق.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018