حياة المسلم 3 - موضوعات متنوعة 2 – الحلقة : 10 - أحكام القلوب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 3 - موضوعات متنوعة 2 – الحلقة : 10 - أحكام القلوب


2020-07-02

مقدمة :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المذيع :
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في مجلس العلم والإيمان مع الدكتور محمد راتب النابلسي شيخنا الكريم ، مرحباً بفضيلتكم ..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
 أحكام القلوب هو عنوان لقائنا هذا مستمعينا الكرام لنتحدث حول هذا الموضوع نبدأ بقول الله عز وجل :

﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء : 89]

 فتحدث الله فيها عن القلب السليم وعن فضله ، وفي قوله تعالى :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

[ سورة الأعراف : 179]

 قد يكون القلب سليماً ، وقد يكون قلباً لا يفقه به ، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال :

(( ...إِن الله لا ينظر إِلى أجسادكم ، ولا إِلى صُوَرِكم ، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأَعمالكم ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 شيخنا الكريم نريد أن نتحدث عن هذه المضغة إن صلحت صلح الجسد فيها ألا وهي القلب لماذا هذه الأهمية في النصوص القرآنية والنبوية للقلب ؟

أهمية القلب :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الدقيقة أخي الكريم بارك الله بك على هذا السؤال الدقيق ، أن القلب مركز النفس ، أي الدماغ فيه ذاكرة ، بالكومبيوتر يوجد ذاكرة ، الدماغ يمثل الذاكرة فإذا انقطعت الكهرباء على الكومبيوتر محت الذاكرة ، أما القلب فيمثل في الكومبيوتر الهارد ، المعلومات مثبتة فيه إثبات ميكانيكي لا كهربائي ، فلو أطفأنا الكومبيوتر المعلومات محفوظة ، الدماغ يمثل الذاكرة ، والقلب يمثل الهارد ، نقطة دقيقة الآية محيرة تقول :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

[ سورة الأعراف : 179]

 معنى هذا أن القلب مركز العقل ، والدماغ مركز التفكير ، الإنسان يفكر من خلال دماغه ، أما العقل فالحقيقة الدقيقة واضحة جلية نيرة ساطعة قاطعة تنتقل من الدماغ من الذاكرة إلى القلب ، قال تعالى:

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ ﴾

[ سورة الأعراف : 179]

 الخلايا العصبية في القلب خمسة أضعاف خلايا الدماغ ، وهذه الآية من إعجاز القرآن الكريم ، مثلاً تمّ زرع مئة حالة قلب ، الحقيقة القلب عندما زرع لإنسان هناك ظواهر لم تكن معروفة من قبل سابقاً ، فالذي زرع له القلب كان يحب الموسيقا الكلاسيكية ، صار يحب موسيقا الجاز ، شخص زرع له قلب صار يتكلم كلمة ليس لها معنى ، فلما سألوا زوجة صاحب القلب المنزوع ، قالت الزوجة : هذه الكلمة رمز بيننا تعني الأمور على ما يرام ، معي موضوع طويل عريض حول زراعة القلوب ، فبالنهاية تقريباً الدماغ مركز الذاكرة ، والقلب مركز العقل ، فالشيء إذا تأكد صار ثابتاً قطعياً واضحاً ساطعاً جامعاً شاملاً استقر في القلب ، القلب الذي ينبض ، وظهر أن خلايا القلب لها ذاكرة تفوق ذاكرة الدماغ ، هذه الآية دقيقة من إعجاز القرآن الكريم :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

[ سورة الأعراف : 179]

 أي القلب مركز النفس ، أما الدماغ ففيه ذاكرة ، القلب فيه هارد ، المعلومات في القلب مثبتة بشكل ميكانيكي ، بشكل هيكلي ، وليس بشكل خارجي ، مع قطع الكهرباء تحذف ، لذلك الآية تقول :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

[ سورة الأعراف : 179]

 هذه الآية وحدها إعجاز ، يعقلون بها ، لم يقل لهم ذاكرة ، لهم دماغ ، لذلك الذي ثبت لنا الحقائق ، هذه المعلومات من حوالي عشرين سنة ، كان قد زُرع سبعون قلباً في العالم ، أخذ قلب إنسان على مشارف الموت ، بعدما صار موت سريري ، موت دماغي ، أخذوا قلبه وأعطوه لإنسان آخر ، كلمة صار يتكلم بها - الذي زرع له القلب - ليس لها معنى ، فلما سألوا زوجة صاحب القلب المنزوع ، قالت الزوجة : هذه الكلمة رمز بيننا تعني الأمور على ما يرام . حتى شهواته ، رغباته ، مشاعره ، هذه الأشياء النفسية كانت تتبدل بعد الزراعة .
المذيع :
vشيخنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ))

[ البخاري عن النعمان بن بشير]

 لماذا القلب هو سرّ النجاح ؟

القلب سرّ النجاح :

الدكتور راتب :
 هنا قلب النفس ، بالمناسبة نحن مضطرون أن نقول هذه الكلمات : الإنسان في الأصل نفس هي ذاته ، هي المكلفة ، هي الممتحنة ، هي الطائعة ، هي العاصية ، هي المتفوقة ، هي الساقطة ، هي المحبة ، هي المبغضة ، الأساس القلب مركز النفس ، فالإنسان نفس ، ذات ، هذه لا تموت ، قال تعالى :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

[سورة الأنبياء: 35]

 الذوق غير الموت ، تذوق الموت ولا تموت يعني من فلان ؟ نفسه ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾

[سورة الفجر: 27]

﴿ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾

[سورة آل عمران : 119]

 فالإنسان نفس ، ذات خالدة لا تموت ، مكلفة ، محاسبة ، معاقبة ، تسعد ، تشقى ، أي الإنسان هو نفسه ، الجسم غلاف مادي ، الروح قوة محركة ، صار عندنا ذات ، كيان، مخلوق أبدي خالد لا يموت ، لكنه يذوق الموت ، محاسب ، معاقب ، مكلف ، سعيد أو شقي ، ناجح أو غير ناجح ، والغلاف لهذه النفس الجسد ، أما الروح فالكبد مثلاً له خمسة آلاف وظيفة بعدما يموت الخروف بقي الكبد سودة نأكلها ، كان لها خمسة آلاف وظيفة ، بعدما الروح توقفت ، الروح قوة كهربائية ، هذا المصباح متى يقف ضوءه ؟ إما بحالتين إما قطع التيار عنه بالمفتاح أو بتكسيره ، فالقتل كسر المصباح ، والموت الطبيعي قطع الإمداد الإلهي عنه ، مات لو وزنا ميتاً بالميلي غرام بعد صعدت روحه إلى السماء لا ينقص ميلي غرام ، معنى هذا أنه يوجد قوة محركة ، هذه القوة جعلت الدماغ يفكر ، والكبد يقوم بوظائفه ، والكليتين تقوم بوظائفهما، فكل شيء يتحرك بوظائف معقدة جداً جداً ، هذه بقوة الروح ، فلما جاء أجله انقطع الإمداد الإلهي ، هذا الميت كان مؤنساً ، إذا دخل إلى البيت صار عرساً ، في البيت أولاده يتحلقون حوله ، يجلسون في حضنه يقبلونه ، عندما مات صار مخيفاً ، الغرفة التي يموت فيها الأب تبقى شهراً يخافون منها ، شاهد الدقة ، فالإنسان نفس ، ذات ، كيان ، وجسد وروح ، الجسد هو الغلاف المادي تصور مثلاً آلة تسجيل الغلاف البلاستيكي هو الجسد ، والكهرباء هي الروح ، أما ما تقدمه فهي النفس .
المذيع :
 القلب أين يقع ضمن هذه الدوائر ؟
الدكتور راتب :
 القلب هو النفس ، قلب النفس هنا .
المذيع :
 أنا اتخاذي لقراري أن يكون جيداً أو سيئاً هو في القلب .
الدكتور راتب :
 والدليل القوي القاطع :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

[ سورة الأعراف : 179]

المذيع :
 لماذا إذا صلح القلب صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله ؟

القلب إذا صلح صلحَ الجسد كله وإذا فسد فسدَ الجسد كله :

الدكتور راتب :
 إذا صلحت النفس ، عندما أقول قلب هنا قلب الإنسان نفسه ، ذاته ، القلب عرف الله فاستقام على أمره ، تقرب إليه ، كان صادقاً ، كان أميناً ، كان متقناً ، لا يوجد عنده نفاق ، لا يوجد عنده ازدواج شخصية .
المذيع :
 هل هذه القلوب والأنفس خلقت بالفطرة على عبادة الله أم عليها أن تخوض تحديات الحياة ؟

الفرق بين الفطرة و الصبغة :

الدكتور راتب :
 هذه بوضع حيادي ، قال تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم : 30]

 معنى الفطرة بالضبط أن تميل للحق ، لا أن تكون على حق ، الفطرة أن تحب الأمانة لا أن تكون أميناً ، هذه الفطرة ، الفطرة أن تحب العدل لا أن تكون عادلاً ، اللصوص يسرقون البيت ثم يقول أحدهم : وزع ما أخذناه بالعدل ، الفطرة بنية نفسية متوافقة مع الشرع ، قال تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم : 30]

 أي إنسان على وجه الأرض يحب الكمال لكن لا يكون كاملاً ، أما الصبغة فهو كامل ، أن تحب العدل فطرة ، أن تكون عادلاً صبغة ، أن تحب الأمانة فطرة ، أن تكون أميناً صبغة .
المذيع :
 الصبغة هي السلوك الذي أختاره أنا ؟
الدكتور راتب :
 لا ، التحلي بالكمال ، صبغة الله .
المذيع :
 كتوضيح مصطلح الفطرة شيء يولد معي أما الصبغة فهل هي سلوك مكتسب ؟
الدكتور راتب :
 ما خلق الله الإنسان إلا فطره على حب الخير ، فطره ، جبله ، برمجه على أن يحب الخير .
المذيع :
 الصبغة هنا ؟
الدكتور راتب :
 أصبح كاملاً ، سلوك مكتسب ، اتصال بالله ، اشتق منه الكمال ، الفطرة أن تحب العدل ، والصبغة أن تكون عادلاً ، الفطرة أن تحب الأمانة ، الصبغة أن تكون أميناً .
المذيع :
 كل القلوب والأنفس فطرت على الصواب ، على الخير ، على الإيمان بالله ، لكن منها من كانت صبغته أي عمله لا يطابق فطرته فانحرف .

كل إنسان خُلق على فطرة نقية تحب الخير :

الدكتور راتب :
 الآية الصارخة قال تعالى :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم : 30]

 هكذا فطرت ، مثل دقيق قليلاً دخل شاب إلى البيت الساعة الواحدة ليلاً ، أمه طلبت منه دواء مسكناً لأنها تعاني من ألم شديد ، قال لها : الكل مغلق الآن ولا يوجد صيدلية مفتوحة، سكتت لكن هو يعلم أن هناك خمس صيدليات بعمان مناوبة ، ومعه سيارة ، لو فرضنا ركب سيارته وزار الصيدليات فوجد أن الدواء مفقود ، بالحالتين الدواء لم تأخذه الأم ، لكن بالمرة الثانية ينام مرتاحاً ، هذه الفطرة أدى الذي عليه ، لذلك قالوا : أدّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك .
المذيع :
 الله خلقنا على فطرة نقية تحب الخير .
الدكتور راتب :
 الدليل :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم : 30]

المذيع :
 والآن يأتي دور الإنسان بعد أن خلق بهذه الفطرة إما أن يستجيب لها فيكون من أهل الخير ..
الدكتور راتب :
 إذا استجاب وأقبل واشتق من الله الرحمة انقلبت الفطرة إلى صبغة .
المذيع :
 إلى سلوك ، وأصبح رحيماً .
الدكتور راتب :
 الفطرة أن تحب الخير ، والصبغة أن تكون خيراً ، قال تعالى :

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾

[سورة البقرة : 138]

 والثانية :

﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم : 30]

المذيع :
 شيخنا الكريم في تعقيبكم على حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن القلب هذه المضغة إن صلحت صلح الجسد ، وأن القلب هو النفس ، وهي ذات الإنسان ...
الدكتور راتب :
 المكلفة ، الممتحنة ، المكافئة ، المعاقبة ، السعيدة ، الشقية التي لا تموت ، تذوق الموت ولا تموت .
المذيع :
 هذه الأنفس جميعها خلقت على الفطرة أي أنها تميل إلى الصواب فيأتي سلوك الإنسان أنه يستجيب لها ، أو أن ينحرف عنها ، قول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ...إِن الله لا ينظر إِلى أجسادكم ، ولا إِلى صُوَرِكم ، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأَعمالكم ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 لماذا الله ينظر إلى القلوب ؟

محاسبة كل إنسان على ما في قلبه :

الدكتور راتب :
 الأجساد متشابهة كلها أما التفاوت فبالقلوب ، شخص أراد أن يقدم شراباً غالياً جداً لكنه يؤذي هذا المريض ، نوى إيذاءه ، هذه من يعرفها ؟ الله وحده ، شخص جالس في بيته ، وفي شرفة البيت المقابل ظهرت امرأة متفلتة فإذا غض بصره من يكشفه ؟ الله وحده ، يقدر أن يمتع نظره بهذه المرأة دون أن يراه أحد ، فلهم قلوب ، القلب هو ذات النفس .
المذيع :
 يحاسب الإنسان على ما في قلبه فإن كان شكله جميلاً لا شأن لذلك .
الدكتور راتب :
 من أتى الله بقلب سليم ، التعبير الدقيق الدقيق ، القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله ، لا يشتهي مالاً حراماً ، لا يشتهي لقاء لا يرضي الله ، لا يشتهي أن يمتع نفسه بشيء محرم ، سلم من شهوة لا ترضي الله ، وسلم من خبر يتناقض مع وحي الله ، أن هناك مجاعة قادمة ، الله هو الرزاق ، مجاعة قادمة حتمية هذا يتناقض مع وحي الله .
 سلم من شهوة لا ترضي الله ، وسلم من خبر يتناقض مع وحي الله ، وسلم من عبادة غير الله .
المذيع :
 شيخنا في المجتمع بعض الأشخاص يفسرون هذه الآية الكريمة من أتى الله بقلب سليم أن الإنسان لا يهم إذا لم يصلِّ أو لم تتحجب أو لم يزكِّ ، إنما أن يكون قلبه سليماً ويحب الخير للناس .

سلوك الإنسان يؤكد صلاح القلب أو فساده :

الدكتور راتب :
 هذا الكلام مرفوض إطلاقاً ، لابد من صلاح القلب من الداخل ، نريد سلوكاً يؤكد صلاح القلب ، سلوك وأخذ وعطاء وفعل ، فعل وترك وأخذ وعطاء ، ورضا وغضب وقبول ورفض بما يتناسب مع إيمانك .
المذيع :
 إذا الإنسان يمتلك أفكاراً جيدة في قلبه وهو لا يطبقها ، لا يصلي ، لا يلتزم ، يرتكب الكبائر .

ارتباط الفعل المستقيم بالقلب السليم ارتباطاً وثيقاً :

الدكتور راتب :
 هذا يزداد شقاءه ، شخص على وشك الموت عطشاً أو اثنان ، واحد يعرف أن هناك نبع ماء على مسافة قريبة وبإمكانه أن يصل إليه وما وصل ، ألمه من موته عطشاً أشد من الثاني لأنه يعلم .
المذيع :
 بالمقابل لو أن إنساناً كانت أفعاله مستقيمة لكن قلبه لم يكن سليماً .
الدكتور راتب :
 هذا ذكي ، وجد مصلحته أن يكون أميناً ، لا يكون أميناً عبادة لله بل مصلحة ، دولة دقيقة جداً فيها أدوات ضبط عالية جداً ، فاستقام على منهج الدولة ، ما أكل مالاً حراماً أبداً ، لا خوفاً من الله لكن خوفاً من المساءلة البشرية ، هذا لا يقبل منه وما عبد الله ، طلبت العلم ليقال عنك عالم وقد قيل خذوه إلى النار ، هكذا الحديث الشريف .
المذيع :
 شيخنا هناك قلب سليم ، وفعل سليم ، أحدهما دون الآخر لا يقبل .
الدكتور راتب :
 شرطان لا يصلح الأول دون الآخر ، أوضح من ذلك عندك رأس غاز ، وهناك أسطوانة غاز ، رأس الغاز بلا أسطوانة لا قيمة له إطلاقاً ، والأسطوانة من دون رأس لا قيمة ، لازمان غير كافيان .
المذيع :
 من كان عمله سليماً لكن قلبه لم يكن نقياً لم يستفد ، ومن كانت تقول أنا لا صلاة ولا حجاب وقلبي خير .
الدكتور راتب :
 شرطان لازمان كل واحد منهما غير كاف .
المذيع :
 تفضلي أختي إخلاص ...
 القلب إذا أصابه فتور ولا يقبل على الله ، لا يوجد عنده معصية ..

الفرق بين الفتور و المعصية :

الدكتور راتب :
 يجب أن نفرق بين الفتور والمعصية ، نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ، ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة ، لو بقيتم على الحال التي أنتم بها عندي لصافحتكم الملائكة ، ولزارتكم في بيوتكم .
 معنى ذلك الأنبياء اتصال دائم بالله ، ما سوى الأنبياء ساعة وساعة ، التفاوت أحدهما اتصل بالله ثلاثاً وعشرين ساعة ، وساعة فتور وليس معصية ، كلام دقيق جداً يبكي في الصلاة أحياناً لا يبكي ، فنحن كبشر ساعة وساعة نتفاوت ، ساعة فتور وثلاث وعشرون ساعة تألق ، وقد يكون ساعة تألق وثلاثاً وعشرين ساعة فتور ، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة لو بقيتم على الحال التي أنتم بها عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم .
 أكبر خطأ يفهمه بعض الأخوة الكرام أن ساعة طاعة وساعة معصية ، هذه غير واردة إطلاقاً ، أنت مسلم ملتزم ، متقيد بمنهج الخالق ، منهج العليم والحكيم والرحيم ، مرة أبكي في الصلاة ومرة أصلي ولا أبكي ، أنا أقرأ القرآن أحياناً أبكي وأحياناً لا أبكي .
المذيع :
 سؤال الأخت إخلاص هل يستطيع الإنسان أن يكون معصوماً من الزلل حتى يقع في هذه القاعدة التي تفضلت بها أليست بشريته تعني وقوعه بالزلل ؟

لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار :

الدكتور راتب :
 لابد من ترك الكبائر كلياً أما الصغائر فممكن ، طبعاً إلا اللمم ، تأخر حتى صلى العصر اقترب المغرب هذا خطأ ، لا يوجد معاص ، هناك أداء عبادات .
المذيع :
 هل هذا الكلام قابل للتطبيق أنا كإنسان سأقع في الحرام ، سأتكلم بالكذب ، قد أنظر نظرة لا ترضي الله ، قد أرفع صوتي على والدي ، بشريتي تفرض عليّ ، كل بني آدم خطاء .
الدكتور راتب :
 وخير الخطائين التوابون ، التوبة تعني الحقيقة ، مثل حبل نجاة زلت قدمه صغيرة ، أما الكبائر فمشكلة كبيرة جداً مثل الزنا مثلاً ، السرقة ، القتل ، هذه كبائر ، بشكل أدق من ذلك تمشي بطريق عرضه ستين متراً ، ثلاثون على اليمين وثلاثون على اليسار ، الصغيرة حرفت المقود سنتمتراً من السهل إرجاعها ، لكن لو ثبتها انقلبت كبيرة إلى الوادي ، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( لا صغيرة مع الإصرار... ))

[ الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 مشكلة المسلمين اليوم بالصغائر ، مئة بيت في دمشق ، في حلب ، في عمان ، لا يوجد بهم خمر ، نحن مسلمون ولا يوجد زنا ، ولا قتل لكن يوجد صغائر ، هناك شاشة غير مضبوطة ، لقاء فيه اختلاط ، الصغيرة إذا ثبتت انقلبت إلى كبيرة ، والنص :

(( لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

المذيع :
 تفضلي أختي ياسمين ...
 أريد أن تدعو لي أن يثبت الله قلبي على الإيمان ، يمسي الليل ويصلي ومع ضغوطات الحياة لا يثبت يرجع يعيد الخطأ ، ثم أرجع وأصلي بنية ثبات القلب ، أنا نفسي أن أتحجب لكن لا أقدر وأتمنى ..

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب :
 أريد أن أعطيك الجواب الدقيق لكن اقبلي ، الله عز وجل قال :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 119 ]

 أنت عندما تجلسين مع أناس متفلتين غير دينين لابد من أن يسحبوك ، والصاحب ساحب ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 119 ]

 آية ثانية :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الكهف : 28 ]

 لذلك الآيتان تؤكدان على الحاضنة الإيمانية ، أنت تحتاجين إلى حاضنة إيمانية ، تسهري مع بنات مؤمنات ، تذهبين نزهة مع بنات مؤمنات ، تعاشرين مجتمعاً مؤمناً ، هذا اسمه الحاضنة الإيمانية .
 عندنا لعبة اسمها : شد الحبل ، هذه فيها نصيحة بالغة ، جلست في جلسة ، سهرة، نزهة، لقاء ، شدوك لترك الصلاة وإلى خلع الحجاب ، يجب أن تبتعدي عن هذا المجتمع ، أما جلست وشددتهم إلى طاعة الله فابقي معهم ، لعبة شد الحبل إن شدك من حولك إلى انحراف دعيهم بنعومة من دون مشاكل ، وإن استطعت أن تشدي من حولك إليك فابقي معهم ، هذه لعبة شد الحبل مقياس دقيق جداً ، قال تعالى :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾

[ سورة الكهف : 28 ]

المذيع :
 مثل الأخت الفاضلة ياسمين من قلبها صوتها واضح أن قلبها يميل إلى الله ، لكن تتحدث أن هناك أشياء دينية تريد أن تلتجئ إليها ، كيف يمكن أن يتحول ما في القلب من حب لله إلى سلوك حقيقي ؟

طلب العلم يحول ما في قلب الإنسان من حب لله إلى سلوك حقيقي :

الدكتور راتب :
 لابد من طلب العلم ، الهاتف الذي أمامي قد يكون غالياً جداً ، إذا ما شحنته ليس له قيمة ، ونحن نحتاج إلى شحن ، يجب أن نشحن بالصلوات الخمس ، بخطبة جمعة ، بدرس دين، بقراءة تفسير ، نحتاج إلى شحن دوري مستمر ، الصلوات شحن يومي ، وصلاة الجمعة وخطبتها شحن أسبوعي ، وهناك شحن شهري ، وشحن موسمي رمضان ، وشحن كل العمر الحج ، لابد من الشحن ، أنت هاتف إذا ما شحنته قطعة بلاستيك ، وثمنه قد يكون مئة ألف .
المذيع :
 بالعلم والصحبة الصالحة يعين قلبه ..
الدكتور راتب :
 بآيتين دقيقتين :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 119 ]

 آية ثانية :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾

[ سورة الكهف : 28 ]

 هذه اسمها حاضنة إيمانية ، وأي مجتمع شدك إلى المعصية ابتعدي عنه ، وأي مجتمع شددته إلى طاعة الله ابقي معه .
المذيع :
 نتحدث عن القلوب ، هل ما يأتي للإنسان من خواطر في القلب يحاسب عليها ؟ أحياناً يأتيه خاطر عن الذات الإلهية هل يحاسب عليها ؟

محاسبة الإنسان على أعماله و ليس على خواطره :

الدكتور راتب :
 أولاً : أنا أطمئن الأخوة المستمعين والمشاهدين لا تحاسب إلا على العمل ، أما الخواطر فلا تحاسب عليها ، ولكن الخواطر إذا استسلمت لها ، وارتحت لها ربما انقلبت إلى عمل ، الأساس الحساب على العمل ، على السلوك ، لكن الخواطر لو جاءت وتابعتها ونميتها بخيالات معينة قد تنتهي إلى معصية ، الخواطر جواب دقيق ومحير ، الخواطر لا تحاسب عليها أصلاً ، لكن إذا تركتها تتحكم فيك دون أن تشعر انقلبت إلى عمل وعندئذ تحاسب عليها .
المذيع :
 حتى لو خطر في قلبه معصية كان في وظيفة وخطر على قلبه أن يكون مرتشياً ويسرق المال .
الدكتور راتب :
 لا يحاسب إلا على عمل أو سلوك أو نظرة أو إطلالة ، متابعة الشاشة بشيء لا يرضي الله ، عمل من الحواس الخمس ، أما إذا خاطر داخلي وأنت ما أعجبك فاستعذت بالله ، انتهى ، البطولة لا تترك الخاطر يتطور ، المعصية أساساً تبدأ بخاطر ، ثم يتطور الخاطر يصبح إرادة ثم فعلاً ثم محاسبة .
المذيع :
 كيف نوجه هذا الخاطر إلى الصواب ؟
الدكتور راتب :
 نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر ، لا يوجد حالة ثالثة ، إذا كان لك هدف كبير أن تؤمن ، تعرف الله ، تستقيم على أمره ، تتقرب إليه ، تذوق طعم القرب منه ، تذوق طعم الأمن والأمان ، تذوق تجليات المؤمن المستقيم ، إذا أنت هكذا هدفك أنت بخير ، وأنت عندما تريد الدنيا ولا يهمك حلال أم حرام ، يتفاقم الأمر .
المذيع :
 شيخنا يوجد دعاء للنبي صلى الله عليه وسلم :" اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك " لماذا تتقلب القلوب والأبصار ؟

النفس إن لم نشغلها بالخير شغلتنا بالشر :

الدكتور راتب :
 لأننا بعصر يوجد به فتن كثيرة ، الإنسان يمسي مؤمناً يصبح كافراً ، لو تابع فيلماً معيناً ، لو تابع لقاء معيناً ، لو جلس مع أناس متفلتين ، قال تعالى :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ ﴾

[ سورة الكهف : 28 ]

 من المؤمنين ، كن مع الصادقين ، نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر ، يوجد شهوات الكلام دقيق جداً ، الله أودع فينا الشهوات وبكلمة جامعة مانعة لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، الشهوة بنزين سائل منفجر ، إذا وضع البنزين في المستودع المحكم في السيارة ، وسال في الأنابيب المحكمة ، وانفجر في الوقت المناسب في البستونات ، والمكان المناسب ، ولّد حركة نافعة قد تقلك إلى مكان جميل في العيد ، إلى العقبة ، صفيحة البنزين نفسها إن صبت على المركبة ، وأعطها شرارة ، أحرقت المركبة ومن فيها ، هذه الشهوات قوى دافعة إلى الله وهي نفسها قوى مدمرة .
 إذا وجدت لوحة مكتوب عليها : حقل ألغام ممنوع التجاوز ، هذه اللوحة لم توضع حداً لحريتك بل وضعت ضمان لسلامتك .
المذيع :
 الله يفتح عليكم دكتور ! نختم هذه الحلقة بالدعاء ، ونسأل الله تعالى القبول .

الدعاء :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018