الدرس : 07 - سورة البقرة - تفسير الآيات 11-16، أعظم أنواع الفساد إفساد العقيدة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 07 - سورة البقرة - تفسير الآيات 11-16، أعظم أنواع الفساد إفساد العقيدة


1998-08-07

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السابع من دروس سورة البقرة.

المنافق يَجْهَدُ في الإفساد بأوسع معاني هذه الكلمة:

مع الآية الحادية عشرة وهي قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾

ذكرت في الدرس الماضي أن الفساد إخراج الشيء عن أصل تركيبه، عن أصل طبيعته، عن أصل جِبِلَّته، فالمنافق يَجْهَدُ في الإفساد بأوسع معاني هذه الكلمة، إفساد البيئة، إفساد العلاقات، إفسـاد النفوس، إفساد الأسرة، إفساد التجارة، إفساد الصناعة، إفساد الزراعة، إفساد العلاقات، إفسـاد الفتاة، إفساد الشاب، إفساد الجيل، إفساد الماء، إفساد الهواء، إفساد ما يُطْبَع، إفساد ما يُنْشَر، إفساد ما يُبَثّ. الفساد جزءٌ أساسي من سلوك المنافق، لأن شهوته تُروى مع الفساد، ومصلحته تتحقق مع الفساد، والفساد يحقق له نهمه الشديد إلى النزوات التي أودعت في جسمه والتي يُصَرِّفُها بخلاف ما أمر الله عزَّ وجل.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾

في الحياة الخاصَّة هذا المنافق لو أن عنده آلةً غالية الثمن، عظيمة النفع، كثيرة الربح وتعطلت، إلى من يلجأ ؟ هذا المنافق، هذا المُتَفَلِّت، هذا الذي يَرُدُّ منهج الله، هذا الذي يبحث عن منهجٍ أرضي، هذا الذي يرفض طاعة الله عزَّ وجل، لو أن عطباً أصاب آلةً يملكها عظيمة النفع، غالية الثمن، شديدة التعقيد، إلى أين يلجأ ؟ يلجأ إلى الخبير، يلجأ إلى الشركة، أو إلى وكلائها، أو إلى تعليمات الصانع ـ النشرة التي ترفق مع الآلة ـ هو يعتمد في مصالحه الدنيوية على الخبير، يلجأ إلى الخبير، مُرَكَّبٌ في أعماقه أنه لا يجوز أن نتصرف بهذه الآلة إلا وفْق تعليمات الصانع، فلماذا تلجأ أيها المنافق في حل مشكلاتك إلى منهجٍ غير منهج الله، إلى منهجٍ لا يتعلَّق بالخالق يتعلَّق بالمخلوق، لماذا تستشِر من ليس خبيراً في حقيقة الإنسان ؟

الكلمة الجامعة المانعة للمنحرفين الشاردين العصاة كلمة فساد:

قال تعالى:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾

( سورة الكهف)

وقال:

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15) ﴾

( سورة لقمان )

المنافق متناقض
فالمنافق متناقِض، يلجأ في أموره الدنيوية إلى الخبير أما في أمور الآخرة فهو يلجأ إلى منهجٍ غير منهج الله، لذلك كان الفساد، صمم الله المرأة لكي تكون أماً أو زوجةً أو أختاً أو بنتاً، أرادها المنافق بصفةٍ أخرى، أراد أن يستمتع بها من دون أن يتحمَّل تبعات هذا اللقاء، لأن الزواج تَبِعة ومسؤولية، هو أراد المتعة ولم يرد أن يتحمَّل التبعة فزنى، لما زنى أفسد هذه الفتاة هي بلا زوج، بلا أولاد، بلا أقارب، ما دام فيها رمق تأكل بثدييها ـ إن صح التعبير ـ فإذا زوت محاسنها أصبحت ملقاةً في الطريق، ألم يفسدها ؟ انظر إلى امرأةٍ ساقطة عندما ترى بعينها امرأةً مؤمنة مع زوجها وأولادها تذوب كالشمعة تمنّياً أن تكون كهذه المرأة الشريفة، من الذي أفسدها ؟ المنافق، أفسد فتاةً، أفسد شاباً دلَّه على الانحراف، أفسد عقلاً حين أودَعَ فيه الشُبُهات، أفسد علاقةً حين باعد بين الزوجين، أفسد علاقةً وباعد بين الشريكين، فالكلمة الجامعة المانعة للمنحرفين الشاردين العصاة كلمة فساد، العلاقة فاسدة، الأمور فاسدة.
إذا أخرجنا الشيء عن قواعده، عن أصل بنائه، عن خصائصهِ، عن وصفه الطبيعي أفسدناه، والشيء الفاسد لا يصلحه إلا الخبير، إلا العليم، إلا الحكيم، يعمل المنافقون ليلاً نهاراً لإفساد كُلِّ شيء، أحياناً يصنع مادةً فاسدة يبيعها ولا يعبأ، لولا المراقبة الشديدة لأكل الناس سموماً، لكن هناك مراقبة شديدة، هو طواعيةً لا يصلح بل بالقهر، ولولا المراقبة المادية لباع بضاعةً فاسدة، لباع دواءً فاسداً، لابْتَزَّ أموال الناس لأنه فاسد، هدفه المال والمال بأي شكل وبأي طريق.

أعظم أنواع الفساد أن تُفْسِد العقيدة:

قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)﴾

كم حرفة مَبْنية على معصية ؟ مبنية على مخالفة منهج الله كم حرفة ؟ مئات الحرف، هذه المقاصف وما فيها من موبقات ومن خمور ومن تَبَذُّل، مبنية على معصية، فلذلك موضوع الفساد موضوع طويل جداً، فأنت حينما تُفسد الماء فهذا من صفات المنافق، فهو لا يعبأ، تفسد الهواء، تفسد البيئة، تفسد المزروعات.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (11) ﴾

الحقيقة أعظم أنواع الفساد أن تُفْسِد العقيدة، أن تفسد دين الإنسان، أن تُعَلِّقَهُ بأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، أن تعلقه بشفاعةٍ ساذجة.

(( يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسكِ من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]

أن تُعَلِّقَهُ بحديثٍ موضوع، أن تعلقه بحديثٍ ضعيف، أن تعلقه بتأويلٍ غير صحيحٍ لآيات الله، أن تأتيه بقصص لا أصل لها في الدين، أن تأتيه بِقِيَم رفضها الإسلام، لذلك لو استمعت إلى منافق تجد أن كل كلامه غلط، كلامه، منطلقاته، أهدافه، أدلته كلها غلط، ليست إسلامية، ليست دينية، ليست مشروعة، يأخذ من هذا كلمة، ومن هذا كلمة، ومن هذا تعليق، ومن هذا حكمة، ومن هذا مقياس، بلا ضوابط، المؤمن واضح، واضح وضوح الشمس.

وصف الله عزَّ وجل الكُفَّار بوصفٍ معجز :

قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (11) ﴾

يركب رأسه، ويُصم أذنيه عن سماع التوجيه الصحيح.

﴿ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾

حركة المنافق حركة فساد وتقطيع علاقات
مصلِح بنظره، فكسب المال هو الصلاح عنده، كسب المال عنده أساسه إفساد العلاقات، دخله قليل، يؤجِّر بيته تأجيراً لا يُرضي الله، يقول لك: يؤجر بالليلة عشرة آلاف، بالليلة عشرون ألفاً، علما أن أجرة النوم في أفخر فندق خمسة آلاف، معنى ذلك أنه يوجد مشكلة بالبيت وليست قضية نوم، أنت تعرف من السعر، يجيبك أنا ليس لي علاقة، أريد أن أربح، لذلك قضية الفساد قضية واسعة جداً، فحركاته، سكناته، حتى لو زار شقيقته يفسد علاقة أخته بزوجها بكلمة شيطانية لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً، يفسد علاقة أخته بزوجها بتعليقات غير صحيحة، بنظرة، بنقدٍ مُرٍّ حادّ.
أيها الأخوة، حركة المنافق حركة فساد، حركة إيقاع بين الناس، حركة تقطيع علاقات، حركة قطع ما أمر الله به أن يوصل، حركة تغيير معالم الشيء، وصف الله عزَّ وجل الكُفَّار بوصفٍ معجز، قال:

﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً (45) ﴾

( سورة الأعراف )

الأمور كلها مُعْوَجَّة، غير صحيحة.

﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً (45) ﴾

صفة المؤمن الأساسية الإصلاح، وصفة المنافق الأساسية الفساد:

أحد أكبر صفات المؤمن الإصلاح، يصلحون إذا فسد الناس، أحباب النبي عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان يصلحون إذا فسد الناس، فإذا سألتني عن صفة أساسية للمؤمن قلت: الإصلاح، التوفيق، التقريب، الجَمع، النصيحة، الرحمة، الإنصاف، العدل، إن سألتني عن صفة أساسية في حياة المنافق قلت: الإفساد، طبعاً تحت غطاء، نحن فرضاً في بعض البلاد المجاورة ننشئ نادياً للقمار بكلفة خمسين أو ستين مليوناً، يقول لك: يدر علينا دخلاً كبيراً، الإله هو المال، فأي شيء يجلب المال صار بجهله إصلاحاً، يمارس مصلحة مبنية على المعصية، يقول لك: هذه مصلحة رائجة الآن يا أخي، يبدِّل مصلحته فوراً إلى مصلحة أو إلى حرفة أساسها إفساد الشباب، يقول لك: هذه أربح، يقول لك: أليس العمل عبادة ؟ تكون حرفته غلط كلها، فساد كلها، يعُدّ العمل عبادةً !! فقضية الفساد صفةٌ جامعةٌ مانعةٌ للمنافق، حتى في بيته، حتى في تَبَذُّله في البيت، حتى في إلقاء نظراته، نظراته خبيثة، ثيابه بعيدة عن الحشمة، امرأةً كانت أو رجلاً.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾

يرى الصلاح بكسب المال، يرى الصلاح بتحقيق المتعة، يقول لك: أنا أستخدم في العمل فتيات لأنهن أكثر إيناساً، وأقل مَؤونَةً، وأكثر طواعيةً، وأحفظ سراً، يرى ميزات عمله فقط، والناحية الثانية يُغْفِلُها، وهي هذا الشاب الذي ينتظر عملاً ليتزوج، لقد أصبح الطريق مسدوداً أمامه.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ﴾

طبعاً لا يشعر، هو في أعماقه يشعر أنه فاسد، ولكن لا يشعر أن هذا العمل له آثار قد لا تَخْطُر في باله.

 

الهدف عند المنحرفين أن تفسد من أجل أن تربح:

قال تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ (12) ﴾

(سورة يس)

فرضاً من باب الجدل، لو أن إنساناً أفسد فتاة، يشعر أنه أفسدها، وأخرجها عن طبيعتها، وعن قوامها الذي أراده الله لها، خلقها الله لتكون زوجة طاهرة تنجب أولاداً، فَلِذة أكبادها، فلما أفسدها أخرجها عن طبيعتها، وجعلها تمتهن الانحراف، هو لا يشعر أنه بعد مئة عام قد يأتي من نسلها مئة ألف، مئة ألف فتاةٍ فاسدة، كلهن في صحيفة هذا الذي أفسد الأولى، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ (12) ﴾

( سورة يس)

لو اطلع الإنسان على الآثار الوبيلة التي يتركها عمله لارتعدت فرائصه، كل هذا محاسبٌ عليه، يسُنُّ الإنسان أحيان سنةً سيئةً فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، الذي اخترع البارود، شعر بجريمته بعد أن اخترع البارود، فرصَدَ كل أمواله كجائزة سنوية لمن يُقَدِّم أعظم بحثٍ يعود على الإنسانية بالخير.
لذلك أيها الأخوة، الحديث عن الفساد حديث طويل، فالهدف عند المنحرفين أن تفسد من أجل أن تربح، الإفساد من أجل أن تربح المال، أو أن تنغمس في الشهوة، الهدف إما ربح مال، والمال مادة الشهوات، أو تحقيق لذَّة دنيا سافلة، فإما أن يتمتَّع، وإما أن يكسب المال، من أجل هذين الهدفين يفعل كل شيء، ويفسد كل شيء، ويحرِف كل شيء، ويزوِّر كل شيء.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ﴾

يركبون رؤوسهم، يتعنَّتون.

قصص من العالم عن انتشار الفساد بما كسبت أيدي الناس:

لكن الله سبحانه وتعالى قوله الحق:

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ﴾

قصة مشهورة بأوروبا وأمريكا: أن شاباً رأى فتاةً فأعجبته، فاستشار أباه، قال له: لا يا بني إنها أختك، وأمك لا تدري، ثم رأى فتاةً أخرى فاستشار والده، قال: لا يا بني إنها أختك، وأمك لا تدري، ثم أعجبته فتاةٌ ثالثة، فاستشار أباه، فقال له: القول السابق، فضَجِر وحدَّث أمه فقالت: يا بني خذ أياً شئت، فأنت لستَ ابنه، وهو لا يدري، هذه هي الحياة البعيدة عن منهج الله، أحياناً يأتي خبير يقيم سنتين بعيداً عن وطنه وزوجته، ثم يدعو أصدقاءه لحفل بمناسبة أنه رُزِق مولوداً، أنت مقيم هنا منذ سنتين !! لا يهم، ولكن جاء له مولود من زوجته، هكذا حياتهم، حياة فوضى، أطول زواج يستمر سنتين في عالم الفساد.

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (41) ﴾

( سورة الروم)

ذكرت لكم سابقاً أن أحد أخواننا الكرام كان مسافراً إلى بلد بعيد في أمريكا فرجع، حدثنا عن شركة كمبيوتر من أرقى الشركات في أمريكا زَفَّت بشرى إلى عُمَّالها وموظفيها أن من كان له شريكٌ مِثْلي، شريكٌ جنسي، أو موظفةٌ لها شريكةٌ جنسية يُعَدُّ هذان الكيانان كيان أسرة، ويستحقُّ الشريكان الأولان والأخريان التعويضات والإجازات والمكافآت، كما لو أنشأ أسرةً، تعد الكيانات الشابة المنحرفة الآن كيانات صحيحة، هذا هو الفساد.
أجري برنامج في بعض الولايات عن الزنى، فجاءت هواتف كثيرة؛ ملخَّص هذه الهواتف أن ثُلث حالات الزنى حالات زنى محارم، وهذه ظاهرة خطيرة جداً، هذا هو الفساد، علاقات إباحية، اختلاط أنساب، فقد يأخذ الطبيب غير المنضبط حوينات من رجل، ويعطيها لامرأة أخرى، فتنجب طفلاً، وتسعد بهذا الابن، وهو ليس من زوجها، هو من زوجٍ آخر، اختلاط أنساب، علاقات إباحية، هذا هو العالم الغربي اليوم، يقولون: أُلْغِيَ الرقيق، هناك الآن رقيق أبيض، هناك بحوث لا تصدق من شركات عملاقة في العالم تشتري الفتيات والصغار من شرق آسيا، وتبيعهم لأشنع الأعمال وأَخَسِّها في بلاد الغرب الغنية، هذا هو الفساد في البر والبحر، بما كسبت أيدي الناس.

 

الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع فكل ما يَدْعَمها ويقوِّيها هو إيمان:

الحديث عن الفساد طويل جداً، قال الله عزَّ وجل:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (41) ﴾

( سورة الروم )

هناك فساد في كل مكان، تركب طائرة تجد الفساد، كلما قدمت الشركات خدمات أكثر تفلُّتاً كانت أكثر رواجاً، تقدم المشروبات في الجو، وفي البر، وفي البحر، وفي الفنادق، ما معنى الفندق الآن بالمفهوم العصري ؟ هناك مصطلح جديد اسمه السياحة الجنسية، يسافر من أجل الجنس أليس هذا فساداً ؟ بارت سوق الزواج، وراجت سوق الفساد، وهذا مما يُرضي المنافقين.

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (41) ﴾

( سورة الروم )

لذلك دعم الأسرة إيمان، وتحطيم الأسرة نِفاق، أي إجراءٍ يَدْعَم الأسرة ويقوِّيها فهو إيمان، لأنها اللبنة الأولى في المجتمع، وأي إجراءٍ يضعفها، يزلزلها، يفككها، فهذا عمل من أعمال المنافقين، وهذا هو الفساد، فكم من بيتٍ تَهَدَّم من فعل الفساد، كم من علاقةٍ تحطمت بفعل الفساد، كم من مالٍ أُهْدِر بفعل الفساد، كم من ضياعٍ مخَرِّبٍ بفعل الفساد، والفهم كفاية، فالإنسان يتعلَّم حرفاً والتكرار ألف.

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (12) ﴾

أروع ما في المؤمن عدم التناقض الذي نجده عند المنافق:

ربنا عزَّ وجل يقرر، وكلامه هو الحق.

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ﴾

تترتب على فسادهم نتائج خطيرة لا يشعرون بها:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13)﴾

أروع ما في المؤمن عدم التناقض الذي نجده عند المنافق، كيف التناقض ؟ هُم يخادعون الله والذين آمنوا، يخادعون الذين آمنوا بقولهم إنهم مؤمنون، إذاً:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (3) ﴾

إذا كنتم تعدون الإيمان سفاهةً فلماذا تخادعون المؤمنين بأنكم مؤمنون ؟ مركبٌ في أعماق الإنسان أن الإيمان هو الحقيقة الصَّحيحة، وأن الكفر هو الخطأ الكبير.

 

الوقت هو وعاء كل شيء فإذا أُلْغي هذا الوعاء انتهى كل شيء:

قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13﴾

الفساد
بالمناسبة من هو السفيه ؟ هو الذي يُضَيِّع النفيس ويأخذ الخسيس، فإذا أتلف إنسان ماله فرضاً، أو أنفق ماله إنفاقاً غير معقول نسميه سفيهاً، والسفيه يُحْجَرُ عليه، فأيهما أثمن ؟ والآن كلام دقيق، من هو السفيه الحقيقي ؟ إذا رأيت إنساناً يمسك مئة ألف ليرة عدَّها أمامك، ثم جاء بعود ثقاب فأحرقها أمامك، ثم ألقى الرماد في سلة المهملات، ألا تعتقد أنه مجنون، أو أنه سفيه ؟ مئة بالمئة، مثل هذا الإنسان الذي يُحْرِق مئة ألف يُحْجَر على تصرفاته لأنه سفيه، قد يكون الإنسان مصاباً بمرض، وهو بحاجة لعمليةٌ جراحية معقدةٌ جداً، باهظة التكاليف، تُجْرى له في بلدٍ بعيد، كُلفة هذه العملية بقدر ثمن بيته، لا يتردّد أبداً فيبيع بيته ليجري عمليةً يتوهَّم أنها تُمد له بضعة سنوات في عمره، لماذا فعل هذا ؟ لأنه مركبٌ في أعماقه أن الوقت أثمن من المال فضَحَّى بالمال من أجل الوقت.
إذا أتلف الإنسان أمامك مئة ألف تعده سفيهاً، فإذا ضيَّع الوقت أمامك ألا تعده أشد سفاهةً ؟ بالتأكيد، أخطر شيء أن تُمضي سهرة إلى الساعة الواحدة ؟ لمتابعة مسلسل، شيء سخيف، بمتابعة قصة فارغة، بمتابعة حديث فارغ، بلعب النرد، هذا الذي يقتل وقته، أنت وقت، أنت بضعة أيام فقط، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منك، أثمن شيء تملكه هو الوقت، طبعاً أثمن من المال بما لا يُقَدَّر، ماذا يفعل الإنسان بالمال عندما تنتهي حياته ؟ فلو ترك ألف مليون، انتهت حياته، الوقت هو وعاء كل شيء فإذا أُلْغي هذا الوعاء انتهى كل شيء، مركبٌ في أعماق كل منا أن الوقت أثمن من المال، فالذي يتلف ماله يُعَدُّ سفيهاً، والذي يُضَيِّع وقته يعد أشد سفاهةً.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13)﴾

قيمة الإنسان في آخر الزمان بقيمة متاعه فقط لا بإيمانه ولا بأخلاقه :

لعلهم يتوهمون أن الفقراء هم السُفهاء، فالسفهاء في رأيهم تعني الفقراء لأن مقاييسهم ماديَّة محضة، يُقَدِّرون الإنسان بحجم ماله، بنوع بيته، بمساحة بيته، بموقع بيته، بنوع مركبته، بالرقم الذي على خلف المركبة، فحجم الإنسان عند هؤلاء السفهاء بحجم متاعه، وقيمة الإنسان في آخر الزمان بقيمة متاعه فقط، لا بإيمانه، ولا بأخلاقه.
كان الأحنف بن قيس إذا غضب غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيما غضب، مع أنه كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرجل، ضَيِّق المَنْكِبَين، ومع ذلك كان إذا غَضِب غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيما غَضِبْ، فقيمة الإنسان بإيمانه، وأخلاقه، وعمله.

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾

غاص إنسان في البحر، وتَجَشَّم المشاق، ورأى اللآلئ أمامه فتركها وأخذ الأصداف ألا يُعَدُّ سفيهاً ؟ فهذا الذي يأتي إلى الدنيا، ويخرج منها، وما فعل شيئاً، إلا أنه أكل، وشرب، ونام، واستمتع فقط كالبهائم.

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ﴾

( سورة الفرقان)

صفات المنافقين كما وردت في القرآن الكريم:

قال تعالى:

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (4) ﴾

( سورة المنافقون)

وقال:

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾

( سورة المدثر)

وقال:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً (5) ﴾

( سورة الجمعة )

وقال:

﴿ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (176) ﴾

( سورة الأعراف)

وقال:

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ﴾

( سورة الفرقان)

هذه صفات المنافقين في القرآن الكريم.

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾

كل إنسان يعصي الله مدموغٌ بالجهل والكفر :

المجنون من عصى الله
لو ذهب إنسان إلى بلد غربي لكي يحصل على الدُكتوراه، على أن يعود إلى بلده ليتقَلِّد أعلى منصب، ويأخذ أجمل بيت بكل الميِّزات، فنسي مهمته الأساسية، وتَسَكَّع في الطُرقات، وانْدَسَّ هناك في الملاهي وعُلَب الليل حتى أصبح متسولاً، ألا يُّعد هذا سفيهاً ؟ مُهَيَّأ له أن يكون في أعلى منصب، وفي أعلى درجة، وفي أعلى ميزة، ترك كل هؤلاء وانصرف إلى سفاسف الأمور، قال تعالى :

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾

كان النبي عليه الصلاة والسلام يمشي مرةً مع أصحابه فرأى مجنوناً فقال: من هذا ؟ ـ سؤال العارف ـ قالوا: هو مجنون، قال: لا هذا مُبْتَلى، المجنون من عصى الله.
هذا الذي يعصي الله، ولا يعبأ بالموت، ولا يعبأ بما بعد الموت، ولا بالحساب، لا بالبرزخ، ولا بالجنة، ولا بالنار، يعيش لحظته، يعيش لذَّته، يقتنص المال بأي طريق وبأي أسلوب هذا سفيه، هذا أحمق، لذلك يعد المنحرف أحمقَ، قال الإمام الغزالي : " يا نفس لو أن طبيباً حذَّرك من أكلةٍ تحبِّينها لا شَكَّ أنَّك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذاً ما أكفرَك، أيكون وعيدُ الطبيب أشدَّ عندك من وعيد الله إذاً ما أجهلك ". كل إنسان يعصي الله مدموغٌ بالجهل وبالكفر.

 

حياة المؤمنين واضحة جداً لا يوجد عندهم شيء يستحيون به:

قال تعالى:

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ (14) ﴾

لقوا: في الطريق، في مكان عام، في مسجد، تحت ضوء الشمس.

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا (14) ﴾

قال عليه الصلاة والسلام :

(( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))

[ أحمد وابن ماجة عن العرباض بن سارية]

يكون الإنسان جالساً أحياناً في بيته مع زوجته، يُطرق الباب فيفتحه بهدوء وبراحة وبشكل طبيعي وعفوي، فإذا شقيق زوجته، أهلاً وسهلاً تفضل، جلسا يتحدثان، تُقَدَّم له ضيافة شيء طبيعي جداً، فهو شيء مشروع لأن هذه زوجته، كان عليه الصلاة والسلام معتكفاً جاءته امرأته بطعام، فلما أرادت أن تعود رافقها عليه الصلاة والسلام، مرَّ صحابيان فاستحيا من رسول الله فأسرعا، قال:

(( عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، قَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئاً، أَوْ قَالَ: شَرّاً ))

[ سنن أبي داود عن صفية ]

((على البيضاء ليلها كنهارها ))

تجد عرساً، فترى السيارات، وتسمع أبواقها، شيء علني ومكشوف، يتزوج الإنسان فتحمل زوجته، يفرحون ويهيئون، تنجب هذه الزوجة، فتُقام الأفراح، تُقدَّم الهدايا، شيء مكشوف واضح ! أما لو أن إنساناً يجلس مع زوجة صديقه دون علم صديقه في خلوةٍ في بيته، طُرِق الباب فذهب ليفتح فإذا هو صَديقه، تراه يضطرب ماذا يفعل ؟ يطفئ الأنوار، فقال له: من ؟ هناك صوت !! فهل هناك باب آخر ليخرجها منه ؟ لا يوجد باب آخر، أين يخبِّئها ؟ ماذا يقول لزوجها ؟ كل هذا الاضطراب، كل هذا الخوف، كل هذا الارتباك لأنه شيء محرَّم.

الباطل يحتاج إلى خَلوة:

قال تعالى:

﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ (14) ﴾

وقال:

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا (14) ﴾

لقاء في مكان عام، في مسجد، في الطريق، في مجتمع، في مدرسة، في مشفى، حياة المؤمنين واضحة جداً لا يوجد عندهم شيء يستحيون به، لا يوجد عندهم جلوة وخلوة، علانيَّتهم كسريرتهم، جلوتهم كخلوتهم، خلوتهم كجلوتهم، الأمور واضحة:

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا (14) ﴾

أما الباطل فيحتاج إلى خَلوة، فهل من الممكن لإنسان أن يغش الحليب أمام الشاري ؟ مستحيل، يتم الغش في خلوة، في غرفة ثانية، في مكان مظلم، كل شيء منحرف يحتاج إلى خلوة، أما كل شيء صحيح لا يحتاج إلى خلوة، تفعله على مرأى الناس جميعاً، تفعله وأنت مطمئن، الإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يَطَّلع عليه الناس، كل شيء تستحي به فهو باطل وكل شيء لا تستحي به فهو حق، لذلك:

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ (14) ﴾

توجد خلوة مع الشياطين، يوجد سر، أبواب موصدة، كلام بصوت منخفض، شيء غير معقول. حياة المؤمن واضحة، حياة المؤمن معروضةٌ على الملأ، حياته في رابعةِ النَهار، تحت ضوء الشمس، الحق لا يخشى البحث، لا يُستحيا به، لا يحتاج أن تكذب له ولا أن تكذب عليه، ولا أن تبالغ فيه، ولا أن تُضَخِّمَهُ، ولا أن تقلل من خصومه:

(( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))

[ أحمد وابن ماجة عن العرباض بن سارية]

العمل المشروع لا يُستحيا به ولا تضطرب معه أبداً أما العمل غير المشروع فعلى العكس:

العمل المشروع لا يستحيا به
أما الأعمال المنحرفة، الخيانات، المؤامرات، هذا كلُّه يحتاج إلى خلوة، وإلى همس، وإلى غمز، وإلى لمز، وإلى مراقبة الطريق، كهذا الزوج الذي يجلس مع زوجة صديقه في خلوةٍ محرمةٍ، يُفاجئهُ زوجها، أين يضعها ؟ أين يُخبِئها ؟ من أيِّ بابٍ يدفعها ؟ فإذا أراد أن يدفعها يراقب هل هناك أحد في الطريق ؟ لم هذا الاضْطراب ؟ لمَ هذا الخوف ؟ لم هذا الوَجَل ؟ لم هذه الاحتياطات ؟ لأن العمل غير صحيح، غير مشروع.
يمشي الإنسان أحياناً مع زوجته هادئ البال، أما لو أن شاباً يمشي مع فتاةٍ، وسَمِعَتْ همساً ترتعد فرائصها، لعله أبوها، لعله أخوها، فالعمل المشروع لا يُستحيا به، لا تضطرب معه أبداً، لا تخاف أبداً، أما العمل غير المشروع، مرة كنت في فندق فجاء شخص مع فتاة، فقال له الموظف: من هذه ؟ قال له: معي، قال له: من هذه ؟ أين دفتر العائلة ؟ فلم أر إنساناً بحالة ذُل كهذا الذُل، قال له: من هذه ؟ هل هي زوجتك ؟ فقال له: معي، كيف معك ؟ أين دفتر العائلة ؟ طرده طبعاً، أما الذي اصطحب زوجته يُقال له: تفضل، لا توجد هناك مشكلة، طبعاً هذه أمثلة.

﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) ﴾

هذا المنافق، شخصية مزدوجة، كأن معه انفصام شخصية، مؤمن مع المؤمنين، معنى هذا أنه ممثل، من هو الممثل ؟ قد يكون أفسق إنسان يمثل أحياناً دور صحابيّ، طُهر، وهدوء، ووقار، وحوقلة، وبسملة، ولا إله إلا الله، هذا كلُّه تمثيل:

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) ﴾

وصف دقيق للشقي كما ورد في القرآن الكريم:

دقق، أول آية:

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (12) ﴾

ثاني آية:

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ (13) ﴾

ثالث آية:

﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾

كلام خالق الكون، كلام قطعي:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36)﴾

( سورة الأحزاب)

القضية منتهية، من هو الشقيّ ؟ الذي وصمه الله بأنه فاسق، وصمه الله بأنه سفيه، وصمه الله بأنه مُفْسِد.

يرفع الله عزّ وجل قدر الإنسان وأحياناً يَفْضَحُهُ فالعبرة بالعاقبة:

لذلك أيها الأخوة، عَلَّم أحد علماء الحديث تلميذاً له الأحاديث الموضوعة أولاً كي يَحْذَرها، وهذا الوصف الدقيق هؤلاء هم المنافقون، أولاً: مفسدون، ثانياً: سفهاء، ثالثاً: عندهم ازدواج شخصية:

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾

يرفع الله عزّ وجل قدر الإنسان، وأحياناً يَفْضَحُهُ:

﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ (18) ﴾

( سورة الحج)

مما ورد في الأثر الحديث:

(( ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة، ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم..))

[ابن سعد والبيهقي والديلمي عن أبى البجير]

العبرة بالنهاية، العبرة بالعاقبة، العبرة لمن يضحك أخيراً:

﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾

حينما ترى الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره:

دقق:

﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) ﴾

هذه سُنَّة الله في خلقه، أنت إنسان مخيَّر، ولا بدَّ أن تأخذ أبعادك كلَّها، ولا بدَّ أن يسمح لك أن تصل إلى نهاية الطريق، إلى هنا حدود الفساد، إلى هنا حدود الانحراف، لا بدَّ من أن يُرْخ لك الحبل، لذلك حينما ترى الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره، هناك قصد، إذا وجدت النعم، ووجدت القوة، ووجد المال، ووجدت الوسامة، وهناك انحراف، وكفر، فهذا الإنسان يحتاج إلى ضربةٍ واحدة:

﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) ﴾

( سورة يس)

عندما يُعَالج ربنا عزّ وجل الإنسان بالتدريج هذه نعمةٌ عظمى، عندما يتابعه ويُحاسبه على ذنوبه ذنباً ذَنباً , وخطيئةً خطيئةً، هذه نعمةٌ كبرى، عندما يغلط المؤمن فيأتي العقاب فوراً هذه نعمةٌ ما بعدها نعمة، أي أن الله سبحانه وتعالى يتابعك، ويربِّيك، أما حينما يتابع الإنسان كل المعاصي، والانحرافات، والله عزّ وجل لا يعالجُهُ، فإن هذه علامة خطيرة جداً، أنه سوف يقْصم قَصْماً.

كل إنسان تحت ألطاف الله عزّ وجل:

قال تعالى:

﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) ﴾

يُمَدُّ له، يُرْخى له الحبل، لكن دقق الإنسان في قبضة الله، في أية لحظة تنقلب حياته إلى جحيم، بأي لحظة ينقلب أمنه إلى خوف، خوف مدمِّر، ينقلب غناه إلى فقرٍ شديد في أية لحظة، وفي أية لحظة تنقلب قوته إلى ضعفٍ شديد، الله هو القوي يقوي الإنسان وفي أية لحظةٍ يضعفه، الله هو الغني يغني إنساناً وفي أية لحظةٍ يفقره، الله عزّ وجل يُمِدُّ إنساناً وفي أية لحظة يأخذ منه، الإنسان تحت ألطاف الله عزّ وجل، فأولئك:

﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾

معنى

﴿ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾

يحتقر عملهم، يحتقر سخافتهم، أحياناً الإنسان بسذاجةٍ، بضيق أفقٍ، بجهلٍ فاضح يظُنُّ أنه إذا خدع الناس فهو ذكي، أنه إذا خدعهم، وأقنعهم بشيء، وهو على خلاف ذلك فهذه حِنْكة ما بعدها حنكة، هذا حَمقٌ ما بعده حمق، علاقتك بالله وحده، وأنت عند الله مكشوف، وهؤلاء الذين تَخْدَعُهم وتوهمهم لا يملكون لك ضراً ولا نفعاً، ولا حياةً ولا نشوراً، تخدع إنساناً ضعيفاً، تصوروا إنساناً عمره أربعون سنة، وأمامه طفل عمره خمس سنوات مثلاً وهو يحاول أن يقنعه أنه غني، فإذا أقنعتَه أو لم تُقنعه ماذا يفعل هذا الطفل أمامك ؟ شيء لا يُصدَّق، فكل إنسان ينسى الله، ينسى أن الله يكشفه، ينسى أن الله مُطَّلعٌ على سرائره ويخدع الناس، إذا توهَّم أنه حاذقٌ ومُحَنَّك فهو أحمق، لأن هذا الذي تخدعه لا يملك لك نفعاً، ولا ضراً، ولا حياةً، ولا نشوراً، ولا رزقاً، ولا أمناً.

 

سيد الخلق لا يعلم الغيب ولا يملك لكم نفعاً ولا ضراً:

يأمر الله عزّ وجل النبي أن يقول لقومه:

﴿ قُلْ ﴾

وهو ليس شخصاً عادياً بل سيد الأنبياء والمرسلين:

﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) ﴾

( سورة المائدة)

والأبلغ من ذلك:

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (49) ﴾

(سورة يونس)

وقال:

﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ (50) ﴾

(سورة الأنعام)

سيد الخلق لا يعلم الغيب، وسيد الخلق لا يملك لكم نفعاً ولا ضراً:

(( يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسكِ من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]

الله تعالى بيده كل شيء:

دقق في هذه الفكرة: أنت من تخدع ؟ هذا الذي تخدعُه عبدٌ مثلك هل يملك لك شيئاً ؟ والذي تتجاهله هو الله بيده كل شيء، بيده مقاليد أمرك:

﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ﴾

يَحْتقر عملهم، لأن عملهم سيحجبهم عن مصدر السعادة، سيحجبهم عن الجنة، سيمنعهم من التمتُّع بالقرب من الله عزّ وجل:

﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)﴾

العملية في النهاية عملية تجارية، يعيش الإنسان في الدنيا سنواتٍ معدودة فيطيع الله عزَّ وجل ويلتزم بما أمر، وينتهي عما عنه نهى وزجر، فيستحق دخول الجنة إلى أبد الآبدين، تماماً كإنسان اشترى شيئاً بدراهم معدودات فباعه بملايين طائلة، تاجر:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) ﴾

( سورة الصف)

الخاسر الحقيقي هو الذي خسر الآخرة:

تجارة المؤمن رابحة
التجارة رأس مال ومبيع وربح بينهما، أما مع الله عزّ وجل الشراء بدرهم والمبيع بمئة مليون، خلقنا الله عزّ وجل لنربح عليه، هؤلاء المنافقون الذين خَدعوا المؤمنين، وفسدوا، واستهزؤوا، وقالوا عنهم: هم سفهاء، هؤلاء المنافقون خسروا في تجارتهم، عاشوا سنوات معدودة، لعلهم كانوا في بحبوحة، لعل المال الكثير جاء إليهم بسبب نفاقهم، ولكنهم خسروا الآخرة، ما ربحت تجارتهم، فهم تنعّموا لسنواتٍ معدودة وضيَّعوا الأبد كلَّه، قال:

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) ﴾

المعنى المخالف: أن المؤمن ربحت تجارته، أحد الصحابة كان في طريقه إلى المدينة يبدو أن الكفار كَمَنوا لهم، أرادوا أن يصرفوه عن الهجرة، قال لهم: خذوا كلَّ مالي في مكة ودَلَّهم عليه فأطلقوا سراحه، خذوا كل مالي، خَبَّأ ماله في مكان معين في البيت، قال لهم: مالي في المكان الفلاني خذوه ودعوني، فتركوه، فلما وصل المدينة أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا قال النبي ؟ قال: ربحت التجارة أبا يحيى، ربحت تجارتك، ضَحَّى بماله كلّه من أجل أن يصل إلى النبي، ربحت تجارتك.
وازن بين الدنيا والآخرة بعقلية تجارية، إنسان كسب الدنيا وقد يكسب مالاً وفيراً، ومكانةً عليةً، وبيتاً واسعاً، ومركبةً فارهةً، ويخسر الآخرة، ربح أم خسر ؟ أكبر خسارة:

﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ (45) ﴾

( سورة الشورى )

من هو الخاسر الحقيقي ؟ الذي خسر الآخرة، أما هذه الدنيا مهما تكن مُتْعِبة، مهما تكن شاقة، مهما تكن المعيشة فيها خَشِنةً، لكنها تمضي ويبقى المؤمن إلى الأبد في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.

الموت عرس المؤمن وهو نقلة نوعية من دار متعبة إلى دار النعيم:

وازن بعقلية تجارية بين الدنيا والآخرة، ألم تدخل إلى بيوت ثمنها ملايين، وأصحابها تحت أطباق الثرى ؟ ألا يرى الإنسان الجنائز ؟ صلينا اليوم على امرأةٍ، فهل يوجد إنسان من الحاضرين ـ وأنا معكم ـ يمكن أن ينجو من ألا يُصلَّى عليه في المسجد ؟ أبداً، لا بدَّ من يوم تدخل فيه المسجد أفقياً ليُصلَّى عليك، وأنا معكم، لا ينجو أحد، شاهدت مرة في بلد عربي كلمة كتبت على محل تجاري: " صَلِِّ قبل أن يُصلَّى عليك "، إذا استعمل الإنسان عقله، وفكَّر في الدنيا الزائلة، لا يوجد ضمانة، الآن توجد أخبار يومية عن حدوث جلطة في عمر خمسة وعشرين ‍! هذه الأزمات التي كانت تجيء بالخمسينات، بالسبعينات، أصبحت تحدث بسن الخامسة والعشرين، بالخامسة والثلاثين، شاب في مقتبل العمر مات، منذ أسبوع أجرى طبيب في ريعان الشباب عملية لطفل، ثم نزل إلى غرفته فمات فيها ! فأنت لا تملك من ضمانة إلا طاعة الله عزّ وجل، يجب أن يصطلح المؤمن مع الله، ويطيعه، ويُسَلِّم أمره إليه، ومتى يأتي الموت فهو تحفته، والموت عرس المؤمن، والموت نقلة نوعية من دار متعبة إلى دار النعيم، من دار المرض، والقلق، والهم، والحزن، والمشكلات إلى دار لا شيء يُنَغِّصُ الحياة فيها.

﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ (16) ﴾

( سورة الفرقان )

تجارة المؤمن رابحة أما تجارة الكافر فخاسرة:

لذلك تجارة المؤمن رابحة ، ربحت التجارة أبا يحيى، وغير المؤمن:

﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ (16) ﴾

عملية تجارية، حياتك سنوات محدودة، إذا قلنا لشخص: تمتع بمئة مليون خلال سنة، وسوف تدخل إلى السجن لتمضي عشر سنوات مع التعذيب، هل يقبل هذا ؟ لا أحد يقبل، فلو تمتع سنة، وعشر سنوات تعذيب، فإنه لا يقبل، كيف إذا كانت الدنيا من الآخرة ليست بشيء ؟ لا أحد ينتبه أبداً إذا كان رقم واحد في الأرض وأصفار إلى الشمس، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر وكل ميلي متر صفر، ما هذا الرقم ؟ هذا الرقم إذا قيس باللانهاية قيمته صفر، تصور الرقم واحد بالأرض، وأمامه مئة وستة خمسون مليون أصفار، كل ميليمتر صفر، فكيف إلى المشتري ؟ كل ميلي متر صفر، هذا الرقم إذا قيس باللانهاية الآخرة قيمته صفر، فهؤلاء الناس من أجل عشر سنوات معدودات؛ فسق، وفجور، وانحراف، وأكل مال حرام، ويدع ساعة الموت خارج كل حساباته، يأتي الموت فجأةً فإذا الإنسان في قبضة الله عزّ وجل.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018