إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 16 - إقامة الصلاة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 16 - إقامة الصلاة .


2019-05-21

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله على إحسانه ، والشكر لله على توفيقه وامتنانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه ، ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره، واستن بسنته ، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين .
 وبعد ؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسعد الله أوقاتكم أينما كنتم بكل خير مرحباً بكم في برنامجكم اليومي : "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً ، وتأملاً ، وعملاً .
 "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة .
 باسمكم يسعدني جميعاً أن أرحب بضيفنا الدائم فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي أهلاً وسهلاً بكم شيخنا ..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم ، وحفظ بلدكم .
المذيع :
 آمين جزاكم الله الخير .
 مسمع صوتي عن آيات اليوم ، ثم نعود مع شيخنا لنقف معه حولها تأملات وخواطر ، يقول ربنا جل وعز :

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 في مناسبة هذه الآية لما قبلها :

﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 44]

 تحدثت الآية التي قبلها عن خلق السماوات والأرض ، وهذا هو الكتاب المنظور فجاءت هذه الآية لتتحدث عن كتاب الله المسطور .
 شيخنا بارك الله بكم بداية لو تحدثنا عن كتاب الله المنظور ، وكتاب الله المسطور ، جزاكم الله خيراً ؟

 

أصل الدين معرفة الله :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .
 يجب أن تعرف الله قبل أن تعرف أوامره
أخي الكريم بارك الله بك ؛ الكون قرآن صامت ، والكون كون ناطق ، والنبي قرآن يمشي ، أي هناك آيات كونية ، و آيات تكوينية ، و آيات قرآنية ، والآيات هي القنوات الثلاثة السالكة لمعرفة الله ، فإذا أردنا أن نعرفه يمكن أن نعرفه من خلقه تفكراً ، ومن أفعاله نظراً ، ومن كلامه تدبراً ، قنوات ثلاثة سالكة نقية آمنة لمعرفة الله ، وأصل الدين معرفة الله ، لماذا ؟ إنك أيها الإنسان إذا عرفت الله ثم عرفت أمره تفانيت في طاعته ، فإذا عرفت أمره ولم تعرفه تفننت في معصيته ، لذلك الآمر قبل الأمر .
 أنت حينما تؤمن أن هذا الشرطي حينما تخالف الإشارة الحمراء يمكن أن يسجل عليك المخالفة ، وواضع قانون السير بإمكانه أن يسحب منك الإجازة ، أو أن يرسم عليك غرامة كبيرة ، فأنت حينما تعلم أن علم القوي يطولك ، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه ، علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، هذا الشرطي ، أو هذه الكاميرا ، حينما تسجل مخالفتك في السير فهناك متاعب كبيرة ، هناك غرامة كبيرة ، أو سحب إجازة ، أو حرمان من القيادة سنة في بعض البلاد ، فأنت حينما تؤمن أن واضع القانون علمه يطولك وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه .
 الآن إلى القران الكريم :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

 نقطتان ، الآن بعد النقطتين ملخص الملخص :

﴿ِلتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق : 12]

 علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، لا يمكن أن تعصيه ، هذا الإيمان إيمان متكامل .

 

العبرة بالمآلات :

 هناك جانب تفكري ، جانب عقدي ، جانب سلوكي ، جانب جمالي .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء))

[ حديث قدسي ]

 العبرة بالمآل
فلذلك لا بد من أن نفهم حقيقة الدين ، أما التقاليد ، والعادات ، والأعراف ، والفهم المبستر ، والفهم المجتزئ ، والفهم الغير صحيح لأخطر شيء بحياتنا وهو الدين خطأ كبير ، له مآلات مؤلمة جداً ، العبرة بالمآلات ، هناك موت ، ماذا يوجد بعد الموت ؟ جنة للأبد ، أو نار للأبد ، فالحياة الدنيا طارئة ، محدودة ، الآخرة ممتدة ، فالبطولة أن تعيش المستقبل ، مع أن ثلاثة أرباع أهل الأرض إن لم أقل تسعين بالمئة منهم يعيشون لحظتهم ، وهمهم الرفاه .
 كنت مرة بأمريكا ، ولما عدت إلى بلادي ، سُئلت : ماذا رأيت ؟ قلت : رأيت شعباً يعيش لحظته فقط ، وهمه الرفاه ، الموت لم يدخل في حسابه إطلاقاً ، الآخرة ، البرزخ ، الجنة، النار ، الإله العظيم ، الذات الكاملة ، عظمة هذا الدين المعاني التي ترقى بالإنسان بعيدون عنها ، لذلك : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، وإلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً .
المذيع :
 جميل شيخنا ، الآية التي بين أيدينا :

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 عند قوله :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 لو نقف عند قوله :

﴿ وَأَقِمِ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

الصلاة اتصال بالقوي و تخلق بأخلاقه :

الدكتور راتب :
 الصيام يسقط عن المريض والمسافر ، والحج يسقط عن الفقير والمريض ، والزكاة تسقط عن الفقير ، والشهادة تنطق مرة واحدة ، أما الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال فهو الصلاة ، لذلك لابد من أن تصلي في جميع الأحوال ، قائماً ، أو قاعداً عند الضرورة ، أو مضطجعاً أو مستلقياً ، ولو بإيماءة عينيك ، أو بهز رأسك ، هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال ، لِمَ ؟ هذا الفرض يسمح لهذا الإنسان الضعيف أن يتصل بالقوي ليكون قوياً ، يسمح لهذا الإنسان الجاهل أن يتصل بالعليم ليكون عالماً ، يسمح لهذا الإنسان قاسي القلب أن يتصل بالرحيم ليكون رحيماً ، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً ، أي أكبر مكسب يتحقق في الدنيا أن تتخلق بأخلاق الله ، وأن تلقى الله بأخلاق الله ، برحمةٍ ، وإنصافٍ ، وعدلٍ ، وحكمةٍ ، ولطفٍ ، وإقبال ، فلذلك إذا ألغيت الصلاة ألغي الدين كله، الصلاة عماد الدين .
 الخيمة أخي الكريم قماش ، لكن يوجد عمود في الوسط يجعلها خيمة ، فالصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ، ولا خير في دين لا صلاة فيه .
 الصلاة صلة بالله
لكن أية صلاة ؟ الصلاة التي في الحقيقة إقبال على الله ، ومتى يقبل الإنسان في صلاته على الله ؟ تحجبه الذنوب ، الذنب حجاب ، وكلما كثرت وتنوعت ازداد الحجاب غلظة ، فالمعاصي ، والآثام ، وأكل المال الحرام ، والتطلع لغير الزوجة ، والجلوس في مجلس لا يرضي الله ، وكل المحرمات ، والآثام ، والمعاصي ، والمخالفات إذا فعلت أنشأت حجاباً بين العبد وربه، عندئذٍ تؤدى الصلاة أداءً شكلياً لا قيمة له ، هذا الأداء الشكلي ممل ، وبعد حين تترك الصلاة ، أما إذا كان هناك استقامة تتصل بالجميل ، بالقوي ، بالرحيم ، بالحكيم .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء))

[ حديث قدسي ]

 فحينما نختزل الصلاة إلى حركات ، وسكنات ، تفتتح بالتكبير ، وتنتهي بالتسليم ، ولم نفهم معانيها ، ولا قيمتها ، ولا نتائجها ، ولا مآلاتها ، نكون قد أخطأنا خطأ مدمراً .

(( ولن تُغْلَبَ أُمَتي))

[ أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 لن لتأبيد المستقبل .

(( مِنْ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[ أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 فإذا كنا مليارين الآن على وجه الأرض يوجد مليارا مسلم ، ليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم ، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل ، لأنهم ما طبقوا منهج الله كما ينبغي .
المذيع :
 والله المستعان ، شيخنا في قوله تعالى :

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 هنا أمر موجه للنبي عليه الصلاة والسلام نريدكم شيخنا أن تتحدثوا عن أنواع الأمر الموجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الأمر موجه له صلى الله عليه وسلم فقط ؟

 

كل أمر موجه إلى النبي موجه حكماً إلى أمته من بعده :

الدكتور راتب :
 لا ، هناك قاعدة أصولية أن كل أمر موجه إلى النبي موجه حكماً إلى أمته من بعده، حكماً آلياً .

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب : 1]

 أي يا أيها المؤمنون في الأرض ، في بقاع الأرض من آدم إلى يوم القيامة اتقوا الله ، أي أمر موجه إلى النبي الكريم موجه حكماً إلى أمته .

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب : 1]

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

الفرق بين الرادع و الناهي :

 هناك فرق كبير جداً بين الرادع والناهي ، أحياناً الإنسان يكون هناك إشارة حمراء الساعة الثالثة ليلاً ، ولا يوجد شرطي فيتجاوزها ، أما في النهار فلا يتجاوزها ، يوجد شرطي ، يوجد رادع .
 المؤمن يدفعه إلى طاعة الله محبته له
أما المؤمن فالذي يدفعه إلى طاعة الله محبته له ، فلا يتأثر المؤمن لا بوجود مانع ، ولا رادع ، ولا مراقب ، ولا كاميرا ، هناك فرق .
 أذكر مرة كنت في الحج ، واشتريت أضحية ، وأخذت إيصالاً بها ، أول مرة أمزق هذا الوصل ، لأنه لله ، الله لا يحتاج لا إلى وصل ، ولا إلى بيان ، ولا إلى توثيق ، ولا إلى توقيع ، فالإنسان عندما يتعامل مع الله تعاملاً رائعاً جداً لا يحتاج إلى وسائط ولا إلى تعقيدات .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء))

[ حديث قدسي ]

المذيع :
 شيخنا ، في قوله تعالى :

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 ما نوع الصلاة التي تنهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر ؟ وكيف تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر ؟

 

الصلاة لا تقطف ثمارها إلا عند الاستقامة على أمر الله :

الدكتور راتب :
 قبل ، عندنا صلاة جمعها صلوات ، وعندنا صلة ، الإنسان بالدعاء يتصل بالله ، يناجي الله ، بالاستغفار يتصل ، بالتوبة يتصل ، هناك نشاطات كثيرة تحدث اتصالاً ، أما الصلاة فلها هيئة ، لها حركات ، لها سكنات ، لها قراءات ، لها ركوع ، لها سجود .

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 الحقيقة أهم شيء بإقامة الصلاة أن يكون معك خط ساخن مع الله ، الخط الساخن أساسه الاستقامة ، فإذا كان هناك أكل مال حرام ، إذا كان هناك عدوان على الزوجة ، على الأولاد ، على الموظفين ، على الأصحاب ، إذا كان هناك كسب مال حرام لا يرضي الله ، إذا كان هناك سهرات مختلطة لا ترضي الله ، إذا كان هناك أكل ربا ، وأكل مال بمعصية ، هذه كلها تحجب عن الله ، فإذا حجب الإنسان عن الله بهذه المعاصي أصبحت الصلوات مملة ، ليس لها معنى ، أي لا يمكن أن تنعقد صلة مع الله مع معصية ، مع مخالفة ، مع عدوان ، مع كسب مال حرام ، مع اختلاط لا يرضي الله ، فالبطولة هذه الصلاة لا يقطف ثمارها إلا من يستقيم على أمر الله ، لكن العلماء قالوا كلاماً مقبولاً أحياناً : سقط الوجوب ولكن أحياناً لم يحصل المطلوب ، سقط الوجوب .

 

القراءة بتمعن و الركوع و السجود يمنحون الصلاة حيوية وتألقاً وقرباً من الله :

 لسان بعض الناس الآن أرحنا منها ، ماذا قال النبي الكريم ؟

(( أرِحْنا بها ))

[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله]

 مسافة كبيرة جداً بين أرحنا منها وبين أرحنا بها .

(( يا بلالُ أرِحْنا بها ))

[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله]

 الصلاة تعطي تألقا وقربا من الله
الإنسان بالصلاة يقف بين يدي محبوبه ، يناجي خالق السماوات والأرض ، يقول له:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

[ سورة الفاتحة : 2ـ 6]

 انتهت الفاتحة :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 هذه الصراط المستقيم ، قل الحق .

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾

[ سورة هود : 112]

 الآيات التي تتلو قراءة الفاتحة هي رد إلهي على سؤالك له :

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

[ سورة الفاتحة : 2ـ 6]

 الركوع خضوع لله ، ربي سمعاً وطاعة ، هذا الركوع ، السجود يا ربي أعني على طاعتك ، مدني بقوة منك ، مدني بقلب يتمنى لقاءك ، صار هناك فاتحة ، قراءة ، ركوع ، سجود ، هذه المعاني تعطي الصلاة معنىً عميقاً ، تعطي الصلاة حيوية ، تعطي الصلاة تألقاً ، تعطي الصلاة قرباً من الله ، تعطي الصلاة :

(( أرِحْنا بها ))

[أبو داود عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله]

 لا أرحنا منها ، أما الصلاة إن لم تقطف ثمارها فهناك مشكلة كبيرة ، يجب أن نبحث عنها ، الإله العظيم ، خالق السماوات والأرض ، هل يقبل منك أن تقف وفكرك بالمال وبالدنيا وبفلانة وعلانة والصفقة الفلانية والتاجر المنافس لك ؟ هذه كلها أثناء الصلاة ، وتركع ، وتسجد، الإله العظيم هذه الصلاة ترضيه ؟ يليق به تأدية العبادة بهذه الطريقة ؟ لماذا وعود الله معطلة للمسلمين ؟ نحن معنا فوق الخمسين وعداً بالنصر ، كلها غير محققة ، لأنه لا يوجد إقبال على الله ، هذا الإسلام فكر ، أيديولوجيا ، عقيدة ، وسلوك سلبي استقامة ، وسلوك إيجابي عمل صالح ، ثم اتصال بالله ، هذه كليات الدين ، فكر ، أيديولوجيا ، عقيدة ، جانب سلبي ، استقامة ، جانب إيجابي ، عمل صالح ، جانب حيوي ، اتصال بالله عز وجل ، هذه كليات الدين ، فالكلية إذا نسينا واحدة ألغينا الدين كله .
المذيع :
 شيخنا ، في قوله تعالى :

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

الصلاة من دون استقامة لا تحقق غايتها :

الدكتور راتب :
 الحقيقة النهي داخلي الصلاة دون استقامة لا تقطف ثمارها
لا يمكن أن تصلي وتتصل ثم يأكل الإنسان المال الحرام ، ثم يعتدي على من حوله ، ثم يكذب ، ثم يغش في بيعه وشرائه ، أقول لك كلاماً دقيقاً ، والحقيقة المرة عندي أهون ألف مرة من الوهم المريح ، الصلاة من دون استقامة لا تقطف ثمارها ، لا تحقق غايتها ، لا يمكن أن تنقلك من حال إلى حال ، أو من موقف إلى موقف ، الرقي ، والتطور ، والإقبال على الله ، وقطف ثمار هذا الدين بصلاة مقبولة عند الله ، والصلاة المقبولة تحتاج إلى استقامة أولاً ، وإلى عمل صالح ثانياً ، استقامة سلبية ، يا رب أنا ما أكلت مالاً حراماً، أنا ما كذبت ، أنا ما غششت ، أنا ما ظلمت ، وأنا يا رب أنفقت من مالي ، من علمي ، من وقتي ، من جاهي ، وأنا أنجبت أولاداً أربيهم تربية إيمانية ، ما دمت أنت على طاعة الله معك خط ساخن مع الله ، معك قدرة على أن تتصل به ، على أن تقبل عليه ، على أن تتودد له، على أن تناجيه في الليل ، يا رب لا يحلو الليل إلا بمناجاتك ، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادك .
المذيع :
 جميل ، شيخنا ، في قوله تعالى :

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 أكبر من ماذا ؟

 

من ذكر الله ذكره الله و منحه الحكمة و هي أكبر عطاء إلهي :

الدكتور راتب :
 أكبر ما فيها ، أي أنت إذا ذكرت الله ، دقق قال تعالى :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام : 82 ]

 إن ذكرته مصلياً وقفت بين يديه ، قرأت الفاتحة وسورة ، ركعت وسجدت ، أنت الآن ذكرته من خلال صلاتك ، وقال الإله العظيم بآية قرآنية :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام : 82 ]

 إنك إن صليت كما أراد الله ذكرته ، صليت قائماً ، خاشعاً ، قارئاً للقرآن بعد الفاتحة ، وراكعاً ، وساجداً ، أنت ذكرته ، فإذا ذكرته ذكرك ، فإذا ذكرك ما الذي يكون ؟ يمنحك السكينة ، أكبر عطاء إلهي السكينة ، تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، إذا ذكرك منحك السكينة ، منحك الرضا ، منحك الحكمة ، أعظم عطاء إلهي الحكمة ، أنت بالحكمة تسعد بزوجتك سعادة كبيرة ، وبلا حكمة تشقى بها وقد تكون أجمل النساء ، بالحكمة تجعل العدو صديقاً ، ومن دون حكمة تجعل الصديق عدواً ، أنت بالحكمة تتدبر أمرك بالمال المحدود ، ومن دون حكمة تتلف المال الكثير .

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة : 269]

 ما قال ومن يك حكيماً ، ما قال : ومن يسلك طريق الحكمة ، قال :

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ ﴾

[ سورة البقرة : 269]

 إنها تؤتى ولا تؤخذ ، وهي أكبر مكافأة للمؤمن ، يسعد بها ولو فقد كل شيء ، سيدنا يونس أين رأى هذه السعادة ؟ ببطن الحوت .

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 87]

 سيدنا إبراهيم رآها في النار :

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 69]

 هناك مواقف مذهلة ، والمؤمن لا بد من أن يرى بعض هذه المواقف ، هذه تسمى كرامة ، خرق العادات للأنبياء معجزات ، أما عناية الله للمؤمن فكرامات ، من علامة المؤمن له كرامة عند الله ، أحدها التوفيق ، أحدها فهم كتاب الله ، أحدها زواج صالح ، أولاد أبرار ، أحدها عمل صالح كبير ، أحدها مكانة اجتماعية ، لذلك قيل :

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 لن تحصوا خيرات الاستقامة .
المذيع :
 شيخنا بارك الله بكم ، ما مناسبة قول الله عز وجل ؟

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 في آخر الآية .

 

معية الله عامة و خاصة :

الدكتور راتب :
 أي أنت في قبضة الله ، وفي علم الله ، حركاتك ، وسكناتك ، وخواطرك ، وتصوراتك، ومشاريعك ، وتفكيرك ، وعقلك الباطن ، ونواياك ، كلها في علم الله .

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ َ﴾

[ سورة الحديد : 4]

 بعلمه :

﴿ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾

[ سورة الحديد : 4]

 معكم بعلمه أينما كنتم ، هذه معية عامة ، ولكن المؤمن له معية خاصة .

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ َ﴾

[ سورة الأنفال : 19]

 معهم بالنصر ، والتأييد ، والحفظ ، والتكريم ، والتيسير ، وكل شيء تتمناه يأتي من معية الله لك ، ملخص الملخص : "إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا ربي ماذا وجد من فقدك ؟ وماذا فقد من وجدك ؟"
المذيع :
 شيخنا ، ماذا يعني عندما تؤدى الصلوات الخمس في أحسن حال تكون مانعة من فحش أعمال القلوب ، ومانعة من منكرات الجوارح ؟

 

إتقان الصلاة يمنع من فحش أعمال القلوب و منكرات الجوارح :

الدكتور راتب :
 هذه الصلاة حينما تتقن تشتق من الله نوراً :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

[ سورة الحديد : 28]

 النور في قلب المؤمن يكشف له الحقيقة
أي إنسان على وجه الأرض كائناً من كان حريص على سلامته ، وسعادته ، واستمراره .
 إنسان يركب مركبته ، وفيها إضاءة قوية ، رأى حفرة يتجاوزها ، يبتعد عنها ، رأى صخرة يبتعد عنها أليس كذلك ؟

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾

[ سورة الحديد : 28]

 أي لكم الجنة والدنيا .
 الآن :

﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

[ سورة الحديد : 28]

 صار بقلبك نور ، هذا النور يكشف لك الحقيقة ، يكشف لك الخطر ، يكشف لك النجاح ، يكشف لك الصواب ، الاستقامة ، الحكمة ، الموقف الحكيم ، نور ، نور الله ألقي في قلبك .

﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ ِ﴾

[ سورة الحديد : 28]

 الجعل يأتي بعد الخلق .

﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

[ سورة الحديد : 28]

 هذه الصلاة ، الصلاة شيء كبير جداً ، أنت تستمد نور الله ، تأخذ من حكمته حكمة، ومن علمه علماً ، ومن رحمته رحمة ، ومن التوفيق توفيقاً .
المذيع :
 المضامين التربوية التي تشير إليها هذه الآية ؟

 

المضامين التربوية لإنجاح الصلاة :

الدكتور راتب :
 الصلاة عماد هذا الدين ، كل وسائل إنجاح الصلاة ينبغي أن نأخذ بها ، منها العلم ، العلم جانب أيديولوجي عقلي ، منها الاستقامة جانب سلبي ، منها جانب إيجابي العمل الصالح، الخدمة ، العطاء .
 يقع على رأس الهرم البشري ثمانية مليارات مليون ، زمرتان ، الأقوياء والأنبياء ، الأقوياء ملكوا الرقاب ، والأنبياء ملكوا القلوب ، الأقوياء عاش الناس لهم ، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم ، والأنبياء في غيبتهم ، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي .
 فكل البطولة أن تكون من أتباع الأنبياء ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، فإذا كنت مع الأنبياء تعطي قبل أن تأخذ ، وترحم قبل أن تقسو ، وتنصف قبل أن تظلم ، وتتحبب إلى من حولك قبل أن تجفو عنهم .

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله فيكم شيخنا وشكر لكم .
 والشكر موصول لكم أنتم أخواني وأخواتي على طيب المتابعة ، وجميل الاستماع إلى الملتقى .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018