مختلفة - الأردن - المحاضرة : 50 - صندوق حياة للعلم - العلاقة بين الأمر الإلهي ونتائجه علاقة علمية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠23ندوات مختلفة - الأردن
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الأردن - المحاضرة : 50 - صندوق حياة للعلم - العلاقة بين الأمر الإلهي ونتائجه علاقة علمية.


2020-02-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاثة :

 الله عز وجل بالقرآن الكريم ضرب أمثلة، أخواننا أحاول أن أضرب هذا المثل: طالب في جامعة، في الجامعة مطعم، ملعب كرة سلة، طاولة بينغ بول، يوجد نشاطات كثيرة، وهناك كل شيء يحتاجه، لكن عندنا مصطلح علة وجوده بهذا المكان، علة وجوده الدراسة، هذه كلها نشاطات ملحقة، أما الأصل فأن تدرس.
 فالإنسان في الدنيا يأكل، ويشرب، ويتنزه، ويسهر، ويسمر، ويقيم الولائم، والاحتفالات، ويسافر، ويتزوج، وينجب، ويزوج أولاده، لكن خطر في باله لدقيقة واحدة في هذا العمر ما علة وجوده؟
 لم لا تكون إنسانا متميزا ترك أثرا؟)
شخص وجد نفسه بباريس، سأل: إلى أين أذهب؟ نقول له: لماذا جئت أنت إلى هنا؟ سؤال مردود، إن جئت طالب علم فاذهب إلى السوربون، إن جئت سائحاً إلى برج إيفل، إن جئت تاجراً إلى الأسواق.
 فأنت كائن متحرك، ما يحركك؟ الحاجة إلى الطعام والشراب تحركك، أيضاً الحاجة إلى زوجة، أو الزوجة الشابة إلى زوج، ما يحركك أيضاً؟ الحاجة إلى التفوق، أن تكون الطبيب الأول، أن يشار إليك بالبنان، عندك حاجات ثلاثة، الحاجة إلى الطعام حفاظاً على بقائك كفرد، والحاجة إلى الزواج دون أن تشعر حفاظاً على بقاء النوع، والحاجة إلى التفوق حفاظاً على بقاء الذكر.
 مرة سألت طلابي سؤالاً: أريد اسم تاجر كبير عاش في دمشق عام ألف وثمانمئة وستة وخمسين، وله علامة تامة، لم يعرف طالب واحد الإجابة، أما العلماء الكبار، القادة الكبار، المصلحون، سيدنا صلاح الدين، سيدنا خالد، فأنا أقول: جئنا إلى الدنيا وسنغادرها، وقد نكون واحداً من مليارات البشر الذين جاؤوا وغادروا ولم يدرِ بهم أحد، لِمَ لا نكون رقماً صعباً؟ لِمَ لا تكون إنساناً متميزاً ترك أثراً؟ مليارات ممليرة يأتون، يولدن، يكبرون، يتزوجون، ينجبون، يمرضون، يموتون، ولم يدرِ بهم أحد، هذا الطريق، لكن العظماء تركوا بصمات، بصمات كبيرة جداً، يمكن بالعالم الإسلامي يذكر سيدنا عمر مئة مليون مرة، على مستوى المسلمين جميعاً باليوم، سيدنا خالد، سيدنا صلاح الدين، هؤلاء الرجال الكبار يا ترى طريق البطولة والتفوق محصور أم مفتوح؟ هذا المؤمن مفتوح، بأي عصر يمكن أن تكون بطلاً.
 أتمنى من الشباب أن يكون الشاب طموحاً، يمكن أن يخدم أمته بعلم، أو بمال، أو بمنصب، أو بخبرة، أو بأشياء يتميز بها.

الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :

 أنا أقول- دققوا-: الإسلام العظيم فيه قرآن، القرآن فيه سورة قصيرة واحدة، والله لو تدبرناها لكفتنا، ما قرأت تعريفاً جامعاً، رائعاً، فيصلاً، محدداً كهذا التعليق، للإمام الحسن البصري، قال: الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، أنت بضعة أيام، ولأنك بضعة أيام أقسم الله لك بالعصر، العصر مطلق الزمن، أقسم لك بالزمن، فقال:

مضي الزمن يستهلك الإنسان

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1]

 جواب القسم، شيء مخيف.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

 إله، خالق السماوات والأرض، يقسم لك أنك خاسر، لماذا الخسارة يا رب؟ الخسارة طبيعية جداً، لأن مضي الزمن وحده يستهلكك، سبت، أحد، اثنين، ثلاثاء، أربعاء، خميس، انتهى أسبوع، أسبوع ثان، ثالث، رابع، انتهى شهر، شهر ثان، ثالث، رابع، انتهى فصل، أربعة فصول سنة، عشر سنوات عقد، والإنسان عدة عقود، ثم إلى القبر، هذه النقلة سهلة؟ من بيت تقدر مساحته بأربعمئة وخمسين متراً، صالونات، غرف نوم، غرف ضيوف، أثاث درجة أولى، سهرات، لقاءات، ولائم سفريات، سياحة، ثم إلى القبر تحت الأرض! من فكر بهذه اللحظة؟ أقسم لكم بالله قمة الذكاء، الذكاء والتوفيق أن نتحرك وفق هذه النهاية، تفكر تدرس، وتأخذ دكتوراه، تؤلف كتاباً، كله ممكن، لكن لا يوجد معصية، أما الهدف إن كان أمامك واضحاً فلم يعد هناك مشكلة.

 

محبة الإنسان لسلامة و كمال و استمرار وجوده :

 أخواننا الكرام؛ سؤال أتمنى أن يكون واضحاً: يجب أن نسأل أنفسنا سؤالاً، إما نعرف جوابه أو نسأل، ما علة وجودنا في الدنيا؟ لماذا نحن في الدنيا؟ هذا الموت ينهي قوة القوي ، ضعف الضعيف، وسامة الوسيم، دمامة الدميم، غنى الغني، فقر الفقير، ينهي كل شيء، والإنسان خلال أسبوعين أو ثلاثة أو أربعة يحزنون عليه ثم يضعون شريطاً أسود على صورته، ثم بعد شهر يضحكون، ويلعبون، ويذهبون نزهة، انتهى، عندما تولد كل من حولك يضحك، وأنت تبكي وحدك، فإذا دنت منيتك كل من حولك يبكي فإذا كان بطلاً تضحك وحدك.

للإنسان الحرية في اختيار طريق الجنة أو طريق النار

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة يس: 26]

 عندما يقترب الأجل وأنت تمشي بشكل صحيح، دخلك شرعي، إنفاقك إسلامي، عملك إسلامي، لك عمل صالح، تدفع صدقات، لك دعوة إلى الله، لم تغلط، تكون مع الله دائماً، يأتي الأجل وأنت إنسان عادي.
 لذلك ورد بالأثر أن المؤمن إذا دنا أجله، ورأى مقامه في الجنة يقول: لم أرَ شراً قط، أما غير المؤمن إذا دنا أجله، ورأى مكانه في النار فيقول: لم أرَ خيراً قط.
 لذلك القبر؛ أنت ماشي بطريق مستقيم، ثم وجدت طريقين، الأول هابط، والثاني صاعد، الهابط معبد، فيه زهور، وأشجار، لكن مشكلته بالنهاية يوجد حفرة سحيقة ما لها من قرار، فيها وحوش كاسرة، من شهر جائعة لم تأكل، الطريق الصاعد، غير معبد، فيه تراب، فيه أكمات، فيه عقبات، فيه مشقة، فيه حر، فيه عرق، لكن ينتهي ببستان فيه:

((ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 مكتوب بأول الطريق كيفية الوصول للبستان، وشرح مفصل، وطريق ثان فيه حفرة عميقة، ووحوش كاسرة، فالإنسان عندما يختار طريق النار يكون أحمق، اسمعوا الحديث:

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، وإِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[أحمد عن ابن عبَّاس ]

 استسلم، كُل ما شئت، التقِ مع من تشاء، وقع أي عمل غلط، صواب، فيه ترويج لمعصية، وقع أي شيء، تفاجأ بوضع صعب جداً، فأنا أقول: لا يوجد شخص من الحاضرين إلا يحب ذاته، أتحدى أن أجد على وجه الأرض من سبعة مليارات إنسان ومئتي مليون شخصاً لا يحب ذاته، يحب سلامة وجوده، يحب كمال وجوده، يحب استمرار وجوده، أنا أحب وجودي، متى أحقق سلامة وجودي وكمال وجودي واستمرار وجودي؟ عندما أكون أنا آلة معقدة جداً، ولي خالق وهو الله، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، وانطلاقاً من حرصي على سلامتي وعلى سعادتي ينبغي أن أتبع تعليمات الصانع، هذا الباعث للدين باعث حقيقي.

 

العلاقة بين الأوامر الإلهية و النتائج علاقة علمية :

 أقول كلمة دقيقة: أنت عندما تعطي أمراً بالبيت: هذا الباب الثاني باب الخروج، يوجد بابان للبيت، ممنوع تخرج من الباب الثاني، هذا أمر من صاحب البيت، يأتي ابن يخالف، يخرج منه، هذا الأمر من صاحب البيت، فينال العقاب، هذا الباب ممنوع حكماً بأمر الأب، منع وضعي، لكن إذا الابن وضع يده على مدفأة مشتعلة يحترق، هو يحترق بسبب علمي، وضع اليد على المدفأة سبب احتراق اليد، فإذا فسر الدين كله، وكل أوامره العلاقة بين العمل ونتائجه علاقة علمية
والعلاقة بين الأمر والنتيجة علاقة علمية، علاقة سبب نتيجة، راكب سيارة يحمل عشرة أطنان، وجد جسراً كتب عليه: الحمولة القصوى خمسة أطنان، ينظر هل هناك شرطة؟ ليس موضوع شرطة، أنت تقع بالنهر، الجسر يعاقبك، أو ممنوع الاقتراب توتر عال، هو يقترب لكنه خائف من الشرطة، لا علاقة للشرطة هنا، التيار نفسه يعاقبك، الجسر نفسه يعاقبك.
 عندما تفهم الدين أن العلاقة بين الشيء ونتيجته علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، أي لو طبق الدين شخص ملحد يقطف ثماره بالدنيا، لو طبق الدين شخص ملحد، الأوامر موضوعية، العلاقة بينها علاقة سبب بنتيجة، يأتي إنسان ذكي جداً يتقن عمله، ارتفع مستوى عمله، أما المؤمن فيفعل هذا وله الجنة، العمل الذكي يلتقي مع العمل العبادي، يلتقيان بالنتائج ويختلفان بالبواعث، لو سلمنا معملاً لمدير عام ذكي جداً، ومعه دراسة عالية إدارة أعمال، وراقبناه شهراً، ثم سلمنا هذا المعمل لمؤمن إيمانه كبير جداً وراقبناه، نتفاجأ مفاجأة كبيرة أنهما مثل بعضهما، العمل الذكي يلتقي مع العمل العبادي في النتائج ويختلفان بالبواعث.

الزمن رأسمال الإنسان الوحيد و هو أثمن شيء يملكه :

 نحن نعيش بزمن أنا أعده بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، أنت زمن، ولأنك زمن هذا الزمن الذي هو أنت هو رأس مالك الوحيد، وهو أثمن شيء تملكه، إما أن تنفقه كأهل الأرض جميعاً إنفاقاً استهلاكياً، انظر الناس يأكلون، ويشربون، ويتمتعون، يتفاجأ بالموت مفاجأة، لأنه لم يدخله بحسابه إطلاقاً، أما المؤمن فيدخل الموت بحسابه بوقت مبكر، عمل عملاً يسأل نفسه: كيف أرد على الله حينما أُسأل؟ كلما عمل عملاً يهيئ جواباً لله عز وجل.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتبه للدين بوقت مبكر، أقول لكم بصراحة: أكفر كفار الأرض فرعون الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24 ]

 والذي قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38]

 حينما أدركه الغرق، آمن، متى آمن؟ بعد فوات الأوان قال:

﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

[ سورة يونس: 91]

 فنحن جميعاً نتوب بعد فوات الأوان، لكن أين بطولتك؟ أن تؤمن في الوقت المناسب، وأنت شاب فيك قوة، إذا شخص بدأ يصلي بالثمانينات، لم يعد يستطيع أن يتحرك.
 فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظكم جميعاً، وأن يحفظ إيمانكم، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، واستقرار بلادكم.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018