أحاديث قدسية - الحلقة : 12 - حسن الظن بالله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 12 - حسن الظن بالله


2020-05-05

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

 

الظن الحسن علامة معرفة الله :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ مع حديث قدسي جديد عنوانه : " حسن الظن بالله " ، يقول الله تعالى في الحديث القدسي :

(( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي ، وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه ، وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرا تَقَرَّبتُ إِليه ذِراعا ، وإن تقرَّب إِليَّ ذِرَاعا اقْتَرَبتُ إِليه باعا ، وإِن أَتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَة ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 أيها الأخوة الأحباب ؛ الله جلّ جلاله هو الذات الكاملة ، وهو واجب الوجود ، وما سواه ممكن الوجود ، السماوات والأرض ما سوى الله عز وجل ، ممكنة الوجود ، ومعنى ممكنة الوجود أنه ممكن أن تكون أو ألا تكون ، فيمكن إذا كانت أن تكون على ما هي عليه أو على غير ما هي عليه ، في هذا الكون حقيقة واحدة هي الله ، كل السعادة ، والأنس ، والتوفيق أن تعرفه ، وكل والشقاء ، و الهلاك ، والمعيشة الضنك أن تغفل عنه ، فالإنسان حينما يذكر الله يذكر الحقيقة الوحيدة في الكون .
 لذلك ما ظنك بالله ؟ في بعض الآيات الكريمة يقول الله عز وجل :

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾

[ سورة آل عمران : 154]

 وفي آية ثانية :

﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة الفتح : 6]

 إذا عرفت الله تظن به الظن الحسن ، فالظن الحسن علامة معرفة الله ، والظن السيئ علامة الجهل به ، ولأن ترتكب الكبائر أهون من أن تقول على الله ما لا تعلم ، هذا الذي ينفر الناس من الذات الإلهية ، يبث عقيدة الجبر أن الله خلقه كافراً ، كتب عليه الكفر قبل أن يخلق ، سيضعه في جهنم إلى أبد الآبدين ، هذا لأن يرتكب الكبائر أهون من أن يقول على الله ما لا يعلم ، لذلك : حسن الظن بالله ثمن الجنة ، وهو حقيقة ، وسوء الظن بالله ، في علاقاتنا الاجتماعية قد تحسن الظن بإنسان ويكون على خلاف ذلك ، أما فيما يتعلق بالذات الإلهية فحسن الظن بالله هو الحقيقة ، وسوء الظن بالله هو الجهل ، لذلك علامة معرفة الله حسن الظن به ، وعلامة معرفته أن تثق أن الله لن يتخلى عنك ، ولن يتخلى عن المؤمنين ، ولن يضيعهم ، ولن يضيع عملهم ، وفي الآخرة :

﴿ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 128]

(( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 كيف تظن الله عز وجل ؟ أضرب لكم مثلاً : من بيّن لك أنه إذا أطاع الله تخطفه الناس ، يفقد منصبه ، يسرق ماله ، بشكل أو بآخر يوهم أن طاعة الله فيها خسارة ، أن ما هم عليه الناس اليوم من ضلال ، وانحراف ، وبعد ، هو الضمان والسلامة ، هذا سوء ظن بالله .

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

[ سورة القصص : 57]

 وما ترك عبد شيئاً إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ، مئات بل آلاف الطروحات ، ومئات بل آلاف الأنماط السلوكية كلها تشف عن سوء الظن بالله عز وجل .

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 143]

 ليضيع إيمانكم هذا مستحيل وألف ألف مستحيل ، من حسن الظن بالله أن تعتقد أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه فتخسر ، ومن حسن الظن بالله تعتقد أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح ، وأنه ينبغي أن تعتقد أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتذل ، أو أن تعصيه وتعز ، أو أن تدع شيئاً لله لا بد من أن تعوض عليه أضعافاً مضاعفة ، لذلك الله عز وجل : سبحانك إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه .

(( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 ظن به كما شئت .

 

من عرف الله أحسن الظن به و التوكل عليه :

 بربكم ؛ لو أن جندياً والده قائد جيش ، وكل الرتب بالجيش بإمرة والده ، إن هدده عريف فارتعدت فرائصه خوفاً أليس في عقل هذا الطفل أو الشاب خلل ؟
 إذا كانت كل قوى الأرض هي لله ، وكل الطغاة عصي بيد الله ، فأي تهديد جاءك .

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة الفتح : 10]

 هذه الآية أصل في عدل الله عز وجل ، وكلما عرفته أحسنت الظن به ، ووثقت به ، وتوكلت عليه ، وصدقت تطمينه .

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

[ سورة التوبة : 51]

 ولم يقل علينا ، وكلما عرفته ازددت حباً له ، من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه .

 

المعية نوعان ؛ خاصة و عامة :

(( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 ما معنى معه ؟ هنا هذه المعية معية خاصة ، في القرآن الكريم معية عامة ، ومعية خاصة ، المعية العامة :

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾

[ سورة الحديد : 4]

 بعلمه ، مع الكافر ، والملحد ، والطاغية ، والمؤمن ، والنبي ، ليست واردة هنا ، أما هنا المعية الخاصة فأنا معكم بالحفظ ، وبالتوفيق ، وبالتأييد ، وبالنصر ، وإذا أحبّ الله عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق ، وقال الله :

﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي ﴾

[ سورة المائدة : 12]

 إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ إذا كان الله معك خدمك عدوك مقهوراً ، وإذا كان الله عليك ، ليس معك ، تطاول عليك أقرب الناس إليك .

﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾

[ سورة الحج : 18]

من ذكر الله ذكره الله في ملأ خير منه :

 أنا معه إذا ذكرني ، كلمة ذكرني واسعة جداً ، في كل مظهر كوني يذكر الله ، في الكسوف ، في الخسوف ، في المطر ، في كل موقف ، في كل تصرف وحكم يذكر الله حقيقة ، لذلك إن ذكرتها فأنت على حق ، وإن غفلت عنها فأنت على باطل ، ربط الناس بالله عقيدة ، وسلوك ، وتصرفات .

(( وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 أنت صامت تقول : ما أعظم هذا الكون ! ذكر هذا صامتاً ، ما أجمل هذا النبات ! ما أروع هذا الخلق ! تذكرت عظمة الله في خلقه ، في الأمطار ، والأشجار ، والأسماك ، وفي جمال الأرض ، وكثرة النعم ، ووفرة الماء .

(( فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي ، وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 هناك شخص همه الحديث عن نفسه ، وعن شخصيته ، وعن بطولاته ، وعن إنجازاته ، ورحلاته ، وحماقاته ، أيضاً هو محور الحديث ، هناك شخص آخر همه تعريف الناس بالله ، يضع نفسه في التعتيم لا يذكر نفسه أبداً .

(( وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 ذكرك عند ملائكته ، انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي ، إن ذكرت الله لتعرف الناس به ذكرك الله بأطيب سيرة ، أعطر قصة ، في أرقى مستوى ، لذلك إذا أحبّ الله عبداً ألقى حبه في قلوب الخلق ، تجد المؤمن محبوباً ، الناس يعشقونه ، مع أنه لا يتحدث عن نفسه أبداً يتحدث عن الله عز وجل هذا مصداق قول الله عز وجل :

(( وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

من عظمة الله أنه يتجاوب مع أي حركة تجاهه :

 الله جل جلاله على علوه ، وعظمته ، يتجاوب مع أية حركة تجاهه ، إن صح التعبير رد فعل الله عز وجل لمجرد أن تخطب وده في شيء ما ، في صدقة ، في ركعتين ، في الصلوات ، في كلمة طيبة ، في تسبيح ، في تعظيم ، أي تقرب إليه ، ترى أن الله - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - ألقى في قلبك السكينة ، والسعادة ، والطمأنينة ، ويسر لك الأمر ، الله جل جلاله على علوه ، وعظمته يتجاوب مع أية حركة تجاهه ، حركة بسيطة ، علامة المؤمن إذا قدمت له خدمة لا ينساها حتى الموت ، وإذا فعل أعمالاً بطولية مع الناس تنساها من توها، الله عز وجل من كمالاته أنك إذا تقربت إليه في صدقة .

(( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))

[أخرجه الطبراني عن معاوية بن حيدة]

(( بادِرُوا بالصدقة ، فإنَ البلاء لا يتخطَّاها ))

[أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 تقربت إليه بركعتين ، أو بصيام يوم ، أو بطاعة ، أو بحفظ كتاب الله ، أو بتعليم العلم ، تكافأ على ذلك في الدنيا وفي الآخرة ، يوجد تجاوب لمجرد أن تتقرب إلى الله عز وجل أن الأمور كلها تتحقق لصالحك .

(( وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرا تَقَرَّبتُ إِليه ذِراعا ، وإن تقرَّب إِليَّ ذِرَاعا اقْتَرَبتُ إِليه باعا ، وإِن أَتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَة ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 أرجو الله أن يعلمنا ما ينفعنا ، ويحفظنا .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018