أحاديث قدسية - الحلقة : 25 - لقاء الله عز وجل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 25 - لقاء الله عز وجل


2020-05-18

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين .

من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه :

 أيها الأخوة المشاهدين ؛ لا زلنا في برنامج الأحاديث القدسية ، ولقاء اليوم عن حديث شريف يتحدث عن لقاء الله عز وجل ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه ، ومن كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ الله لِقاءه ، فقالت عائشة - أو بعض أزواجِهِ - : إنَّا لنكرهُ الموتَ ، قال : ليس ذلك ، ولكن المؤمن إذا حَضَرَهُ الموتُ بُشِّرَ برضوان الله وكرامته ، فليس شيء أحبَّ إليه مما أمامه ، فأحبَّ لقاءَ الله ، فأحبَّ الله لِقاءه ، وإن الكافر إذا حُضر بُشِّر بعذاب الله وعُقُوبته ، فليس شيء أكْرَهَ إليه مما أمامه كَرِهَ لِقاءَ الله ، وكَرِهَ الله لقاءه ))

[متفق عليه عن عبادة بن الصامت]

 أخوتنا الكرام ؛ أتمنى على نفسي وعليكم معاً في كل حركة وسكنة ، في كل موقف ، في كل عطاء أو منع ، في كل غضب أو رضا ، في كل صلة أو قطيعة ، أن تدخل في حساباتك أن الله إذا سألك : لماذا فعلت هذا ؟ ألك جواب عند الله ؟ إنك إن أدخلت موضوع الآخرة ، وسؤال الله لك ، وموقفك من الله ، في كل حركاتك ، وسكناتك ، ما الذي يحصل ؟ أنه إذا اقترب الموت تحب لقاء الله .
 كي أكون واقعياً السيدة عائشة رضي الله عنها قالت :

(( إنَّا لنكرهُ الموتَ ))

[متفق عليه عن عبادة بن الصامت]

 وما من حي إلا ويكره الموت ، مؤمناً كان أو غير مؤمن ، ولكن إذا جاء الموت المؤمن يحب لقاء الله ، لأنه قدم ماله أمامه ، قدم أعماله الصالحة أمامه ، واليوم الإنسان لو حوّل أمواله كلها إلى بلد بعيد ، وحصل على وثيقة الخروج والسفر ، وركب الطائرة ، وذهب إلى مكان فيه ماله ، وفيه مال وفير ، يشعر بسعادة كبيرة ، والإنسان حينما يخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما يخرج الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا يشعر براحة كبيرة .
 فرضاً لو أن الجنين في بطن أمه ، يتكلم يعيش في سبعمئة سنتمتر مكعب ، بدفء ، وراحة ، وطعام ، وشراب ، عن طريق السرة ، كل أموره منتظمة ، قيل له : تفضل اخرج ، يتشبث هنا ، يقول : أنا مرتاح ، لماذا أخرج ؟ فإذا خرج ، خرج إلى الدنيا ، جبال ، أنهار، سواحل ، بيوت ، طعام ، شراب ، سفر ، إقامة ، كان في سبعمئة وخمسين سنتمتراً مكعباً فأصبح في الدنيا ، إذاً هو حينما قيل له : تفضل واخرج يتشبث بالرحم ، يحب ألا يخرج ، يتضايق من الخروج ، أما حينما يسكن بيتاً فريداً ، وقصراً منيفاً ، يأكل ما لذّ وطاب ، من طعام وشراب ، يلتقي بمن يشاء ، يمتع عينيه بمظاهر الطبيعة عندئذٍ يضحك من نفسه كيف كان متشبثاً بالرحم .
 المؤمن يخرج من الدنيا ، أو من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، كما يخرج الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا .

 

محبة الإنسان للحياة و كراهيته للموت :

 لذلك في الأصل المؤمن وأي إنسان يحب الحياة ، يكره الموت ، بل إن الله سبحانه وتعالى وصف الموت بأنه مصيبة ، ولكن حينما يأتي الموت فعلاً لاستقامتك على أمر الله ، ولأنك أمضيت عمراً مديداً في طاعة الله ، ولأنك أنفقت مالاً وفيراً في طاعة الله ، ولأنك ضبطت جوارحك وفق منهج الله ، ولأنك بنيت حياتك على العطاء ، لذلك تحب لقاء الله ، وإذا أحببت لقاء الله أحب الله لقاءك ، إذاً إذا أحببت لقاء الله أطلعك الله على مقامك في الجنة ، فقلت : لم أرَ شراً قط ، لو أن حياة المؤمن مشحونة بالمتاعب ، لو أن المصائب تتراكم عليه ثم عرف مقامه في الجنة ، لقال : لم أرَ شراً قط .
 والله أعرف رجلاً من كبار أصحاب الدخول الكبيرة ، وله أذواق في الحياة الدنيا فريدة، له بيوت عديدة ، مركبات فارهة ، وكان غارقاً في متع الدنيا إلى قمة رأسه ، أصيب بمرض عضال ، قريبه صديق لي قال لي : بعد أن علم بمرضه الحقيقي ، كانت تأتيه نوبات هستيرية يقول : لن أموت ، لا أريد الموت ، كنوبات ، يقسم لي أحد جيرانه أنه حينما فارق الحياة صاح صيحة سمعها كل من في البناء ، في طوابقه كلها ، من شدة فزعه من الموت .
 أما المؤمن المصلي الصائم ، الذي ضبط جوارحه ، ضبط لسانه ، ضبط إنفاقه ، ضبط دخله ، كان في طاعة الله ، ممن يعمر مساجد الله ، ممن يحب العمل الصالح ، فهذا يأتيه ملك الموت بأحب الناس إليه .
 السلف الصالح لهم قصص ، والله أنا أصدقها ، إنسان صالح جداً على فراش الموت يقول لابنه : قم سلم على عمك ، قال له : أين عمي ؟ قال له : عمك أمامك ، سلم عليه ، عمه متوفى ، يأتيه ملك الموت بأحب الناس إليه .

من اتصل بالله سعد بقربه و اشتق من كماله :

 لذلك المؤمن إذا كان مستقيماً على أمر الله ، له أعمال طيبة ، يحب لقاء الله ، الحديث :

(( من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه ))

[متفق عليه عن عبادة بن الصامت ]

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾

[ سورة يس: 26 ـ 27]

 واكربتاه يا أبتِ ، قال : لا كرب على أبيكِ بعد اليوم ، غداً نلقى الأحبة ، محمداً وصحبه .
 لذلك :

(( من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه ، ومن كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ الله لِقاءه))

[متفق عليه عن عبادة بن الصامت ]

 لقاء الله عز وجل معناه واسع ، فهو يعني أن تتصل به ، أن تقبل عليه ، أن تسعد بقربه ، أن تشتق من كماله ، أن يملأ الله قلبك نوراً ، فترى الحق حقاً والباطل باطلاً ، أن يملأ الله قلبك بهذا الاتصال أمناً ، فلا تخشى من أحد ، ولا ترتعد أمام أحد ، أن يملأ الله قلبك بهذا الاتصال عزاً ، فلا تذل لأحد ، ولا تخضع لأحد ، ولا تتضعضع أمام أحد .

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾

[ سورة الكهف: 110]

 الإنسان مخلوق حادث ، ضعيف ، طارئ ، فانٍ ، يتلقى من خالق السماوات والأرض من خلال الاتصال به .

 

العمل الصالح ثمن لقاء الله عز وجل :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾

[ سورة الكهف: 110]

 اللقاء لقاء له ثمن :

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف: 110]

 كلمة صالحاً واسعة جداً ، هناك أب صالح ، وأم صالحة ، وزوجة صالحة ، وابن صالح ، وعامل صالح يتقن عمله ، يأخذ أجره حلالاً ، هناك مزارع صالح ، طبيب صالح ، محام صالح ، مهندس صالح ، كلمة صالح تعني أن الإنسان ما ظهر منه الأذى ، ولا ابتز أموال الناس ، ولا أرعبهم ، ولا أدخل على قلبهم الرعب ، ولا احتال عليهم ، ولا كذب عليهم ، ولا أخذ منهم ما ليس له ، أعطى وأخذ ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، أما المؤمن فأخذ وأعطى ثمن هذه السلعة ، لكن أعطاك سلعة جيدة أخذ ثمناً أعلى ، أخذ وأعطى ، قدم لك عملاً طيباً ، وكم من إنسان يقدم شيئاً سيئاً ويأخذ أجراً جيداً ؟! وكم من إنسان يحاول أن يخفي العيوب ؟! كم من إنسان يقدم صفات للسلعة ليست صحيحة ؟! كم من إنسان يجمع أموالاً من طريق غير مشروع ؟!

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف: 110]

 هناك أب صالح ربى أولاده ، اهتم بدينهم ، بعقيدتهم ، بأخلاقهم ، هناك أم صالحة اهتمت ببناتها ، بأخلاق بناتها ، بتزويج بناتها ، هناك جار صالح لا يؤذي جاره ، وجار سوء إن رأى خيراً كتمه ، وإن رأى شراً أذاعه ، هناك إمام سوء ، إن أحسنت لم يقبل ، وإن أسأت لم يغفر ، يمكن لإنسان أن يعاملك ثلاثين سنة تضغط كل أخلاقه ، وكل أعماله ، وكل معاملاته بكلمة واحدة ، يرحمه الله ، كان صالحاً ، كما يمكن لإنسان أن يعاملك ثلاثين سنة ويموت لو لم تلفظ بلسانك لا يرحمه الله ، تقول : أساء إلي ، باعني بيعة ما انتصحت بها ، عاملني معاملة قاسية ، احتال عليّ ، أخذ شيئاً ليس له ، مستحيل أن يقبلك الله ، إن عظمة هذا الدين أن الله مستحيل أن يقبلك إذا لم تكن محسناً لعباده ، أما الأقوياء فيقبلونك فيكفي أن تعمل عملاً تتقرب به إليهم ، يكفي أن تمدحهم ، أو تبالغ بالإساءة على خصومهم ، أنت عندهم قوي ، ومن السهل أن تتقرب إلى قوي ، القضية سهلة ، بمديحه فقط ، أو الولاء إليه ، أما الله عز وجل فلا يمكن أن يقربك منه ، ولا يمكن أن يقبلك ، ولا يمكن أن يسمح لك أن تتصل به إذا لم تحسن إلى عباده .
 لذلك المؤمن له ميزة كبيرة جداً ، إن حدثك فهو صادق ، إن عاملك فهو أمين ، إن استثيرت شهوته فهو عفيف .
 اللهم ارزقنا حب لقائك وأنت راضٍ عنا .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018