أحاديث قدسية - الحلقة : مكانة المرأة في الإسلام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : مكانة المرأة في الإسلام


2020-05-17

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين .

تأكيد الذات بالقرب من الله عز وجل :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ لا زلنا في الأحاديث القدسية ، والحديث اليوم عن مكانة المرأة في الإسلام ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :

(( أتى جبريلُ عليه السلام إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسولَ الله هذه خديجة قد أتت ، ومعها إناء فيه إدَام - طعام أو شراب - فإذا هي أتَتْكَ فَاقْرَأْ عليها السلام من ربِّها ، ومنِّي ، وبَشِّرها ببيت في الجنة من قَصَب ، ولا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 قد يعجب الإنسان من هذه المقامات الرفيعة التي نالها أصحاب رسول الله ، رضوان الله عليهم ، إله عظيم ، خالق الأكوان ، يبشر امرأة ، كانت دعماً للنبي الكريم .
 ما معنى قول بعضهم : ابتغوا الرفعة عند الله ، الإنسان عنده دافع قوي لتأكيد الذات، قد يتخذ رفعته عند قوي ، أو عند غني ، أو عند حاكم ، أو عند جماعة ، أو عند فئة ، لا بد من أن يؤكد ذاته ، هل من تأكيد للذات يفوق أن تكون قريباً من الله ؟ يفوق أن يأتيك بشرى من الله ؟ بشر خديجة :

(( ببيت في الجنة من قَصَب ، ولا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 معظم الناس إذا بش في وجههم قوي أو غني يطربون ، ويشعرون بالسعادة والتفوق، وهذا من الشرك الخفي ، لكن المؤمن لا يطرب إلا إذا شعر أن الله يحبه ، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

[ سورة مريم: 96]

حق المرأة في الإسلام :

 هذا الحديث يدلنا على مكانة المرأة في الإسلام ، من شمولية الإسلام وكماله أنه لم يغفل حق المرأة في تشريعه وأحكامه ، فقد جاء الإسلام رافعاً لشأن المرأة ، ومكرماً لها ، كما لم تكرم في أي دين أو حضارة قبله ، فإن النساء في الإسلام شقائق الرجال ، والأنثى في صغرها مشمولة بأحكام الإسلام التي تحفظ لها حقها ، وكرامتها .
 فمنذ طفولتها حفظ لها حقها في الرضاع ، والرعاية ، وحسن التربية ، ثم عندما كبرت كانت معززة عند أهلها ، فأحاطها وليها برعايته ، فلم يسمح لأحد أن يمد لها يد السوء أبداً، وعندما تزوجت جعل الله تعالى ميثاق زواجها ميثاقاً غليظاً ، وأمر زوجها بإكرامها ، والإحسان إليها ، وعندما أصبحت أماً كان برها من أوجب الواجبات فهو مقرون بحق الله تعالى، وكذلك إن أصبحت أختاً ، أو خالة ، أو جدة ، فكان الإنسان مأموراً بصلتها ، وبرها ، والإحسان إليها .
 وقد كرم الإسلام المرأة أن جعل لها حق التملك ، وحق الإجارة ، والبيع والشراء ، ونحو ذلك ، وكفل الإسلام حق المرأة في التعلم والتعليم ، بل من العلم ما هو فرض على كل مسلم ، ذكراً كان أو أنثى .
 كما أنه من كمال الكرامة الممنوحة للمرأة في الإسلام أن شرع الله تعالى لها من الأحكام ما يصونها ، ويحفظها ، من الألسن البذيئة ، والأعين الخائنة ، ومن الأيدي التي تريد أن تمتد إليها بسوء ، فأمرها بالحجاب ، وتجنب الاختلاط بالرجال ، وغير ذلك مما يحفظ لها عفتها .
 وإن المرأة في الشريعة الإسلامية لها حق في الميراث أيضاً ، فلا يملك أحد أن يمنعها من هذا الحق ، والحاصل من كل ما سبق أن المرأة المسلمة مكرمة في الإسلام في كل أحوالها وسائر حياتها ، فتعيش في كنف والديها ، ورعاية زوجها ، وبر أولادها .
 وقد كرم النبي الكريم المرأة فكأنت في منهجه وسيرته أسوة حسنة ، ومنهجاً سوياً لمن أراد أن يعلم قدر النساء ، وطريقة التعامل الشرعي معهن .
 وفيما يأتي بيان ذلك : النبي الكريم خصص يوماً للنساء ، ليعلمهن أمور الدين، وأوصى النبي الكريم بالنساء خيراً ، في آخر وصاياه ، يوم حجة الوداع ، فقد شبه النبي الكريم النساء بالقوارير ، للدلالة على رقتهن ، وسهولة كسرهن .

مساواة المرأة للرجل في التكليف و التشريف و المسؤولية :

 من مسلمات هذا الدين العظيم أن المرأة مساوية للرجل تماماً ، في التشريف والتكليف، والمسؤولية ، مكلفة كما هو مكلف ، فقال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 كما أن الرجل مكلف بعبادة الله الأنثى مثله تماماً مكلفة بعبادة الله ، مكلفة كما هو مكلف ، ومشرفة كما هو مشرف ، ومسؤولة كما هو مسؤول ، قال تعالى :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ ﴾

[ سورة الإسراء: 70]

 إذاً هي مشرفة كما هو مشرف ، مكلفة كما هو مكلف ، مسؤولة كما هو مسؤول ، إذاً مساوية له في التكليف ، والتشريف ، والمسؤولية ، ثلاث خصائص تجمع المرأة مع الرجل .

 

خصائص الرجل و المرأة كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بهما :

 إلا أن الآية التي تقول :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

[ سورة آل عمران: 36]

 هذه الآية تحتاج إلى وقفة متأنية ، ملخص هذه الوقفة أن خصائص الرجل الجسمية ، والفكرية ، والنفسية ، والاجتماعية ، كمال مطلق للمهمة التي أنيطت به ، لأن الرجل متفوق في اتخاذ القرار ، والمرأة متفوقة في تأجيج العاطفة ، هو يسكن إليها ، ويسكن إلى عاطفتها المتأججة ، وهي تسكن إلى قيادته الحكيمة ، إذاً هما متكاملان ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

[ سورة آل عمران: 36]

 في التشريف ، والتكليف ، والمسؤولية هما متساويان تماماً ، لكن في الخصائص التي يوجد فيها اختلاف هما مختلفان .
 للتقريب : أنا حينما أريد مركبة لنقل الركاب لها خصائص ، أما إذا أردت مركبة لنقل البضائع فلها خصائص أخرى ، لذلك مركبة البضائع أكبر مساحة للبضائع ، وللسائق مع زميله غرفة صغيرة ، أما مركبة نقل الركاب فأكبر مساحة فيها للركاب ، وتحت الركاب في الأسفل حاجاتهم ، إذاً خصائص هذه المركبة تختلف عن خصائص هذه المركبة ، لذلك هذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

[ سورة آل عمران: 36]

 أعيد هذه الفكرة الدقيقة : خصائص الرجل الفكرية ، والنفسية ، والاجتماعية ، و الجسمية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت به ، وخصائص المرأة الفكرية ، والجسمية ، والنفسية ، والاجتماعية ، كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بها ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

[ سورة آل عمران: 36]

الوظائف المتكاملة بين الذكر والأنثى :

 الحقيقة الأولى : المرأة مساوية للرجل تماماً في التشريف ، والتكليف ، والمسؤولية، في كلية التربية كان يوجد عندنا مرجع عن الفرق بين الذكور والإناث كتبه عالم فرنسي اسمه بياجيه ، والكتاب يزيد عن ثمانمئة صفحة ، إلا أن الذي يلفت النظر أنه والله ما وجدت عنواناً لهذا الكتاب أليق به ولا أصدق على مضمونه من هذه الآية الكريمة :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

[ سورة آل عمران: 36]

 إذاً هناك اختلاف في تنوع لا اختلاف في نقص ، المرأة لها وظيفة في المجتمع والرجل له وظيفة .
 جاءت امرأة للنبي الكريم قالت : يا رسول الله ، إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهل ومال ، فلما كبرت سني ، ونثر بطني ، وتفرق أهلي ، وتبدد مالي ، قال : أنت عليّ كظهر أمي، ولي منه أولاد - هنا الشاهد - إن تركتهم إليه ضاعوا ، أي أنا أربيهم ، وإن ضممتهم إليّ جاعوا ، هو ينفق عليهم .
 هذا النص الدقيق اللطيف يبين الوظائف المتكاملة بين الذكر والأنثى ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الروم: 20]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

[ سورة الروم: 21]

 إذاً كما أن الكون من آياته الدالة على عظمته ، وكما أن الشمس والقمر من آياته ، وكما أن الليل والنهار من آياته الدالة على عظمته ، قال تعالى :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾

[ سورة الروم: 21]

 ماذا تعني من أنفسكم ؟ هي إنسان تحب كما تحب ، تكره كما تكره ، ترضى كما ترضى ، تغضب كما تغضب .

﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾

[ سورة الروم: 21]

التكامل بين الزوجين استمرار للبشرية :

 البطولة في التعامل مع المرأة المنهجية ، القرآنية ، أنها إنسان مكرم كالرجل ، مكلف كالرجل ، مسؤول كالرجل ، هنا نقاط التشابه ، لكن حينما يقول الله عز وجل :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

[ سورة آل عمران: 36]

 هناك خصائص ، فما دمنا نراعي هذه الخصائص ضماناً لسلامة المجتمع ، وإذا ألغينا هذه الخصائص المتميزة لكل طرف ، وقعنا في متاهات لا تنتهي ، لذلك الآية تقول :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

[ سورة آل عمران: 36]

 إذاً طريقة تفكير المرأة ، بنيتها الجسمية ، خصائصها ، نفسيتها ، خصائصها الاجتماعية ، هذا كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بها ، كذلك الرجل ، هذا الخلق متكامل قال تعالى :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل: 1 ـ 4]

 هذا النظام الإلهي أراده أن يكون على نظام الذكر والأنثى ، ونظام الزواج ، والولادة والإنجاب ، هذه كلها تؤكد أن الإنسان خلق ليصل إلى أعلى مرتبة أرادها الله له ، والإنسان هو المخلوق الأول ، والمكرم ، والمكلف ، الإنسان حينما يعرف التكامل بين الزوجين يكون زوجاً ناجحاً ، وحينما تعرف الزوجة التكامل بين الزوجين تكون زوجة ناجحة ، وكأن الله أراد للبشرية أن تنمو عن طريق الزواج .
 لذلك لولا أن الله عز وجل حبب المرأة إلى الرجل في أصل التكليف ، وحبب الرجل إلى المرأة في أصل التكليف لما استمرت الإنسانية ، استمرار البشرية بسبب هذه الخاصة التي أودعها الله في الإنسان ، ذكراً كان أو أنثى .

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

[ سورة الفرقان: 74]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018