أحاديث قدسية - الحلقة : 23 - فضل العمل الصالح - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 23 - فضل العمل الصالح


2020-05-16

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين .

عيادة المريض من أجلّ الأعمال عند الله عز وجل :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في الأحاديث القدسية ، والحديث اليوم عن فضل العمل الصالح ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول يومَ القيامة : يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني ، قال : يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال : أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ؟ يا بنَ آدمَ ، اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطعمني ، قال : يا رب ، كيف أطعِمُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال : أمَا علمتَ أنه استطعمكَ عبدي فلان فلم تُطْعِمْهُ ، أمَا علمتَ أنَّكَ لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي ؟ يا بنَ آدم ، استَسقيْتُكَ فلم تَسْقني ، قال : يا رب ، وكيف أسقِيكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال : اسْتَسقَاك عبدي فلان فلم تَسْقِه ، أما إنَّك لو سَقَيْتَهُ وجدتَ ذلك عندي ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 أيها الأخوة الأحباب ؛ أول معاني هذا الحديث أن الله جل في علاه ، وتباركت أسماؤه، الذات العلية ، خالق السماوات والأرض ، يحب عباده ، ويرحمهم ، فعبر عن مرض عبده بأنني مرضت ، وهذا الأسلوب في التعبير مألوف عند الأمهات ، فإذا مرض ابنها من شدة محبتها له ، وشدة رحمتها به ، ومن شدة رأفتها به كأنها هي المريضة ، قال :

(( مَرِضْتُ ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 والحقيقة لو علم الناس ما عند الله من الرحمة ، وأن كل ما ترى في الأرض من رحمات من رحمة الأمهات بأبنائهم ، ومن رحمة أمهات البهائم بأولادهم ، لعجبت أن كل هذه الرحمة مشتقة من رحمة الله عز وجل .

(( إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول يومَ القيامة : يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني ، قال : يارب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال : أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 وعيادة المريض من أجلّ الطاعات ، إن المريض قريب من الله عز وجل ، المريض فتحت له كوة إلى السماء ، المريض أُخذت منه بعض الصحة ، لكن المريض المؤمن عوضه الله أضعافاً مضاعفة بالقرب من ذاته العلية ، قال له :

(( أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ؟ ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 مرة أحد القادة في الغرب قال : العجيب أن الله غير موجود في بلادنا ، بينما هو موجود في الشرق ، فقصد أن الإنسان المسلم يسأل الله دائماً ، يتوكل على الله ، يرجو رحمة الله، يخاف من الله ، يكف عن إيذاء الناس خوفاً من الله ، يقدم خدماته للناس ، طمعاً بما عند الله ، الله عز وجل وجوده قوي في الشرق عند المؤمنين ، ولكنك إذا ذهبت إلى بلاد أخرى قد لا تسمع كلمة واحدة عن الله عز وجل ، ولا ترى جنازة ، وكأن الموت غير موجود هناك ، هذا معنى :

(( أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

(( إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ حديث قدسي ]

 إذاً أن تعود مريضاً هذا من أجلّ الأعمال عند الله عز وجل ، إنك إن عدته وجدت الله عنده ، لأن الله حينما سلبه بعض الصحة عوضه أضعافاً مضاعفة من قربه من الله .

 

الله عز وجل يحبّ أن نربح عليه و نتاجر معه :

 نقطة ثانية :

(( يا بنَ آدمَ ، اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطعمني ، قال : يا رب ، كيف أطعِمُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 الحقيقة هناك آية مؤثرة جداً ، يقول الله عز وجل :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

[ سورة البقرة : 245]

 خالق الأكوان ، مالك الأكوان ، من بيده ملكوت السماوات والأرض ، من إذا قال للشيء كن فيكون ، هذا الإله العظيم يطلب منك قرضاً ، أي إذا ملك الملوك أموال الأرض كلها بيده ، وسأل إنساناً ضعيفاً فقيراً ، قال : يا فلان ! أتقرضني ألف ليرة ؟ يعطيك مقابلها مئة ألف .

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾

[ سورة البقرة : 245]

 الإنسان كما ورد في بعض الأحاديث يضع اللقمة في فم زوجته تكريماً لها فيراها يوم القيامة كجبل أحد .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الصف : 10 ـ 11]

 الحقيقة الله عز وجل أراد أن نربح عليه ، أراد أن نتاجر معه ، إذا تاجرت معه فأنت أول الرابحين .

 

من أعظم الأعمال تفقد إخوانك المؤمنين :

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة البقرة : 276]

 الإنسان إذا أكثر من الأعمال الصالحة يراها يوم القيامة شيئاً عظيماً ، والدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يوزع شاة ، يبدو أنه وزع معظمها ، ولم يبقَ إلا كتفها ، السيدة عائشة زوجته ، وهي جائعة قالت : يا رسول الله لم يبقَ إلا كتفها ! فتبسم عليه الصلاة والسلام ، قال : بل بقيت كلها إلا كتفها .
 الذي أنفقته هو الذي يبقى ، فلذلك من أجلّ الأعمال أن تتفقد إخوانك المؤمنين ، هذا مريض يجب أن تعوده ، والنبي عليه الصلاة والسلام علمنا إذا عدنا مريضاً أن ننفس له بالأجل ونقول : عافاك الله ، ولكن هناك إنسان لا يملك أية حكمة ، والله مرضك صعب يا أخي ! هذا من سوء الحكمة ، ينبغي أن تنفس له بالأجل ، وهو قريب من الله عز وجل .

 

مجتمع المؤمنين مجتمع الحياة :

 كنت أتمنى وألح على هذا كثيراً أن يتآخى الأخوة اثنين اثنين ، أي أن تصطفي أخاً واحداً تجعله أخاً لك في الله ، تزوره ويزورك ، تنصحه وينصحك ، تأخذ بيده ويأخذ بيدك ، تكون معه ويكون معك ، تعينه ويعينك ، ينبغي أن تصطفي واحداً ، وهذا من السنة النبوية ، وقد آخى النبي الكريم بين الأنصار والمهاجرين فتآخيا اثنين اثنين ، أخ حقيقي ، كان يقول الأنصاري للمهاجر : هذان بيتان فاختر أحدهما ، هذان دكانان فاختر أحدهما ، هذان بستانان فاختر أحدهما ، أي بذلَ بذلاً يفوق حدّ الخيال ، وعفة تفوق حدّ الخيال ، ما سجل التاريخ مهاجراً أخذ من أنصاري شيئاً ، الكلمة الشهيرة التي بدأها عبد الرحمن بن عوف : بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق .
 هذا مجتمع المؤمنين ، مجتمع المؤمنين مجتمع الحياة ، فيه لا توصف ، بذل بغير حدود ، عفة من غير حدود ، وفاء ، نصيحة ، أما علاقات المسلمين اليوم فعلاقات طارئة ، ما دامت هناك مصالح بينهم فبينهم علاقات ، فإن انقطعت هذه المصالح قطعت هذه العلاقات، علاقات الإيمان علاقات أصيلة دائمة ، وعلاقات المصالح علاقات مؤقتة ، فلمجرد أن تنتهي هذه المصلحة قطعت هذه العلاقة .

دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب لا ترد :

 إذاً لو أن الواحد منا تفقد إخوانه إذا مرضوا ، وإذا افتقروا ، وإذا احتاجوا إلى معونة ، ما من عمل على الإطلاق يفوق أن تكون مع إخوانك .

(( واللهُ في عَونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عَونِ أَخيهِ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

(( مَن نَفَّسَ عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُربة من كُرَب يوم القيامة ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 وأنت حينما تساعد أخاك ، حينما تدخل على قلبه السرور ، حينما تعطيه من مالك ، حينما تمده بمساعدة منك ، يمتلئ قلبه امتناناً لله منك ، أنت ماذا فعلت ؟ تلهج الألسنة بالثناء عليك ، حينما يدعو الناس لك في ساعات خلوتهم مع الله ، يا رب احفظ فلاناً ، يا رب احفظ له صحته ، احفظ له صحة أهله ، احفظ له ماله ، احفظ له أولاده ، يسر أمره ، أعطه سؤله ، استعمله بالخير يا رب العالمين ، دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب لا ترد ، كأن هذا الحديث في مجمله عد أخاك ، أطعم أخاك ، أعن أخاك .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018