واضرب لهم مثلا - الحلقة : 22 - لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠02برنامج واضرب لهم مثلاً - قناة ندى
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

واضرب لهم مثلا - الحلقة : 22 - لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم


2020-05-16

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، نحن مع برنامج جديد عنوانه : "واضرب لهم مثلاً" ، يقول تعالى في كتابه الكريم :

﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 21]

 ويقول أيضاً :

﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 43]

 فضرب المثل منهج قرآني أصيل ، يتبعه القرآن الكريم لإيصال الحقائق إلى الناس .
 أخوتي الأكارم ؛ أخواتي الكريمات ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، نبدأ معاً حلقة جديدة من برنامجنا : "واضرب لهم مثلاً" ، هذه الحلقات نبحر فيها مع الأمثال القرآنية والنبوية ونحن نستمتع بصحبة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، السلام عليكم ورحمة الله .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
الدكتور بلال :
 سيدي ؛ الآية اليوم التي تطلب مثلاً توضيحاً هي قوله تعالى في سورة القصص :

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص : 47]

﴿ لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

[ سورة القصص : 47]

 ما الرسول في هذه الآية ؟ وكيف نفهمها ؟

 

المصيبة رسول من الله و هي تسوق صاحبها إلى الجنة :

الدكتور راتب :
 والله السياق يقتضي المصيبة .
الدكتور بلال :
 الرسول هو المصيبة هنا .
الدكتور راتب :
 لكن لو أن طفلاً لم يدرس ، نقول له : هذا شأنك ، افعل ما تشاء .
الدكتور بلال :
 رفض الدراسة .
الدكتور راتب :
 رفض الدراسة ، والأب لم يعاقبه ، ولم يحضه ، ولم يرغبه ، ولم يحذره .
الدكتور بلال :
 تركه وشأنه .
الدكتور راتب :
 فلما كبر هذا الطفل لا وظيفة ، ولا تجارة ، ولا بيت ، ولا زواج ، ولا سيارة ، ولا شيء، حقد على أبيه ، قال له : يا أبتِ ! حينما لم أرغب بالدراسة لِمَ لمْ تصفعنِي على وجهي ؟ لِمَ لمْ تؤدبنِي ؟ لِمَ لمْ تعاقبنِي ؟ أنا الآن بلا عمل ، وبلا زواج ، وبلا بيت ، وبلا مكانة إطلاقاً ، فلذلك الإنسان حينما يرى أن الله سبحانه وتعالى يعاقبه ، يؤدبه ، يكون إنساناً له مكانة ليسعد في الدنيا والآخرة ، لينال الجنة ، فلذلك أحياناً التربية السلبية ، السلبية :

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان : 20]

 الشدة نعمة باطنة ، المرض نعمة باطنة ، الخوف نعمة باطنة ، كل هذه الشدائد تدفعنا إلى طاعة الله ، وأنا أقول : الأزمات الكبيرة جداً لها أهداف بعيدة عن الله عز وجل تدفع عباده إلى طاعته ، يساقون سوقاً إلى الجنة ، المصيبة تسوق صاحبها إلى الجنة .

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

[ سورة القصص : 47]

 معنى هذا أن هذه المصيبة رسول من الله ، لفت نظر .
 شخص زكاة ماله فرضاً ألف وخمسمئة ، زوجته ألحت عليه أن يطلي البيت .
الدكتور بلال :
 بدل دفع الزكاة .
الدكتور راتب :
 بدل دفع الزكاة ، ضغطت عليه كثيراً فاستجاب لها ، بعد أن انتهى من طلاء البيت عمل حادث سيارة ، أغرب شيء تطابق الرقمين ، كلفه ألفاً وخمسمئة ، هذه رسالة من الله .
 فالبطولة ؛ أو لي كلمة أدق : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر .
الدكتور بلال :
 أصبح هو المصيبة .
الدكتور راتب :
 هو المصيبة ، المصيبة هادفة ، المصيبة من رحيم ، من عليم ، من حكيم ، من رب كريم ، فما لم تحدث هذه المصيبة موعظة أصبح هو المصيبة .
الدكتور بلال :
 لكن سيدي هناك فرق بين المصيبة والابتلاء ، أحياناً قد يأتي ابتلاء للمؤمن .

 

الفرق بين المصيبة والابتلاء :

الدكتور راتب :

﴿ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنين : 30]

الدكتور بلال :
 هذا غير المصيبة .
الدكتور راتب :
 الابتلاء قدرنا ، الابتلاء هو :

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك :2]

 الابتلاء معناه حيادي ، قد تبتلى فتنجح ، النبي قال :

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاث ما بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال ))

[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك]

 فالابتلاء قائم ، الابتلاء قدرنا ، الأنبياء ابتلوا ، بالعكس كلما علا مقامك ازداد البلاء.
الدكتور بلال :

(( من أشَدُّ بلاء ؟ قال : الأنبياءُ ))

[أخرجه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص ]

الدكتور راتب :
 وأشدهم بلاء أنا :

(( ثم الأمثلُ فالأمثلُ ))

[أخرجه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص ]

﴿ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنين : 30]

 أدق من ذلك هو :

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك :2]

 أما المصيبة فموضوع ثان ، المصيبة تصيب الهدف .
الدكتور بلال :

﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة القصص : 47]

الوقوف عند كل مصيبة و معرفة سببها :

الدكتور راتب :
 يوجد كبر ؟ يوجد إذلال ؟ يوجد إسراف ؟ يوجد تقتير ؟ يوجد إهمال ؟ يوجد عقوبة ؟ المصيبة تصيب الهدف ، وأنا أتمنى من الأخوة المشاهدين أي مصيبة أن يقف عندها ، ما السبب ؟ أي مشكلة فعلتها ؟ أي كلمة قلتها ؟ أحياناً كلمة :

(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ أخرجه البُخَارِيُّ وأحمد عن أبي هريرة ]

 وهناك قصص ، أنا أعتقد أن هناك نصوصاً و حوادث ، النصوص الدعوة النصية .
الدكتور بلال :
 النقل .
الدكتور راتب :
 النقل ، هناك دعوة عملية ، أفعال الله هي دعوة ، دعوة من نوع آخر ، والثالثة قرآنية، ثلاثة أنواع من الآيات ، آيات كونية ؛ تفكر ، آيات تكوينية ؛ نظر ، آيات قرآنية ؛ تدبر .
الدكتور بلال :
 سيدي ؛ ما رأيكم في شخص كلما أصابت أخاه المؤمن مصيبة - ولعلها ابتلاء من الله - نظر إليه بعين ...

 

بطولة الإنسان أن يبرئ الآخرين و يتهم نفسه دائماً :

الدكتور راتب :
 هذا خطأ كبير ، أنا لا يُسمح لي إطلاقاً أن أُنزل آية على شخص ، هذا من شأن الله وحده .
الدكتور بلال :
 لا أقول إن الله لعله فعل شيئاً خطأ .
الدكتور راتب :
 أذكر مرة أن النبي الكريم من عادته إذا مات أحد أصحابه يزور بيته قبل دفنه ، فسمع امرأة تقول : هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله ، النبي وحده أقواله سنة ، وأفعاله سنة ، وإقراره سنة ، وصمته سنة ، وصفاته سنة ، لو سكت لكان كلامها صحيحاً ، النبي وحده ، لأنه مشرع ، قال لها : ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولِي : أرجو الله أن يكرمه ، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم .
 أنا لا أقدر أن أنزل حدثاً على إنسان ، هذا من شأن الله عز وجل ، أبداً ، ما الدليل ؟

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾

[ سورة الإسراء : 17]

 أنا أقول : الخمر حرام ، الربا حرام ، لكن لا أقول إن فلاناً سوف يدمر ، هذا ليس من شأني .
الدكتور بلال :
 هذا شأن الله .
الدكتور راتب :
 لعله يتوب ويسبقني .
الدكتور بلال :
 إذاً سيدي الموقف الأمثل : إن أصابتني مصيبة لنفسي أتهم نفسي ، أي الإنسان يتهم نفسه ، ويبرئ أخاه .
الدكتور راتب :
 بارك الله بك على هذا السؤال ، هنا الموقف متناقض ، إن أصبت بمصيبة إياك أن تبرئها .
الدكتور بلال :
 لا تبرئ نفسك .
الدكتور راتب :
 أبداً ، لا بد من شيء ، لا بد من خطأ ، لا بد من كلمة ، لا بد من عمل ، لا بد من إنفاق ، من إسراف ، لا بد من شماتة ، لا تشمت بأخيك فيعافيه الله ويبتليك ، أما إذا أصابت أخاك فأحسن به الظن ، لعلها ترقية ، لعلها تبرئة ، لعلها ! لعلها ! البطولة ، أما الشيء المعاكس والعياذ بالله فيبرئ نفسه دائماً ، ويتهم الآخرين دائماً .
الدكتور بلال :
 المصيبة لي رفع درجة ، ولإخواني عقاب من الله عز وجل .
 نعم إذاً سيدي :

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ ﴾

[ سورة القصص : 47]

 هذه الباء باء السبب ، أي هذه المصيبة بسبب ما فعلوا .

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى : 30]

﴿ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

[ سورة القصص : 47]

 هنا قد تأتي بمعنى المصيبة .

 

المصيبة رسالة من الله :

الدكتور راتب :
 المصيبة رسالة من الله ، هذا الذي لم يدفع زكاة ماله ، عمل حادثاً الرقم نفسه .
الدكتور بلال :
 هذه رسالة واضحة
الدكتور راتب :
 رسالة من الله .
الدكتور بلال :

﴿ فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص : 47]

 أي يفعلون ذلك في الدنيا قبل أن يلقوا الله ؟

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى ﴾

[ سورة السجدة : 21]

بطولة الإنسان أن يؤمن قبل فوات الأوان :

الدكتور راتب :
 في الحقيقة ما دام لم يمت بعد فكل شيء هين ، إذا مات انتهى الأمر ، فرعون أكفر كفار الأرض الذي قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات : 24 ]

 ثم تحفظ قليلاً قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص : 38]

 وحينما أدركه الغرق آمن ، لذلك الإيمان حاصل لا محالة ، أين البطولة ؟ أن تؤمن بالوقت المناسب .
الدكتور بلال :
 قبل فوات الأوان .
الدكتور راتب :
 لا بعد فوات الأوان .
الدكتور بلال :

﴿ فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص : 47]

الدكتور راتب :
 دخل على الامتحان و لم يدرس ، قدم ورقة بيضاء ، أخذ صفراً بجدارة ، عاد إلى البيت قرأ الكتاب ، انتهى الأمر .
الدكتور بلال :
 عرف الإجابة بعد فوات الأوان .
الدكتور راتب :

﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾

[ سورة الأنعام : 158]

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال :
 جزاكم الله خيراً سيدي ، وأحسن إليكم .
 أخوتي الأكارم ؛ لم يبقَ في ختام هذا اللقاء الذي سعدت فيه بصحبتكم ، وسعدت قبلاً بصحبة شيخنا جزاه الله عنا خير الجزاء إلا أن أشكر لكم حسن المتابعة ، راجياً مولانا جلّ جلاله أن تكونوا دائماً في خير حال ، أستودعكم الذي لا تضيع ودائعه .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018