أحاديث قدسية - الحلقة : 22 - لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 22 - لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ


2020-05-15

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، المبعوث رحمةً للعالمين .

الجنة مطلب كل مؤمن وهي محض فضلٍ لله على عباده :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ لا زلنا في الأحاديث القدسية ، والحديث اليوم قال عليه الصلاة والسلام :

(( لمَّا خلَق الله الجنة والنار ، أرسل جبريل إلى الجنة ، فقال : انظر إليها ، وإلى ما أعددت لأهلها فيها ، قال : فجاءها ، ونظر إليها وإلى ما أعدّ الله لأهلها فيها ، فرجع إليه وقال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، فأمر بها ، فحفت بالمكاره ، فقال : ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها قال : فارجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره ، فرجع إليه وقال : وعزتك لقد خفت ألا يدخلها أحد ، قال : اذهب إلى النار ، فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها ، فإذا هي يركب بعضها بعضاً ، فرجع إليه وقال : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها ، فأمر بها فحفت بالشهوات ، فقال : ارجع إليها ، فرجع إليها فقال : وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دَخَلَها))

 أيها الأخوة ؛ الجنة هي مطلب كل مؤمن بالله ورسوله ، الجنة محض فضلٍ لله على عباده ، الجنة كما ورد :

(( فيها ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 ولكن الجنة تحتاج إلى ضبط ، ضبط كسب المال ، ضبط إنفاق المال ، ضبط العين ، ضبط الأذن ، ضبط اللسان ، ضبط اليد ، ضبط المواقف ، أن تختار زوجة صالحة ، أن تربي أولادك تربية صحيحة ، أن تعطي مما أعطاك الله ، أن تصلي ، أن تجاهد نفسك وهواك ، الجنة رائعة ، لكن حفت بالمكاره ، والإنسان أميل إلى الأشياء المريحة ، إلى الاسترخاء، إلى الطعام والشراب ، والشهوات ، والمتع ، والكسل ، فقال :

(( وعزَّتك لقد خشيتُ أن لا يدخلها أحد ))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

 لأنها حفت بالمكاره .

((وعزتك لقد خفت ألا يدخلها أحد ، قال : اذهب إلى النار ، فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها ، فإذا هي يركب بعضها بعضاً ، فرجع إليه وقال : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها ، فأمر بها فحفت بالشهوات ))

 النساء جميلات ، والطعام طيب ، المركبات فارهة ، المناصب رفيعة ، السيطرة على العالم كما تسمعون ، والعنجهية ، والغطرسة ، وإذلال الآخرين ، والقوة على صعيد الإعلام من أجل الشهرة ، انظر إلى الذين يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة ، انظر إلى الذين يتاجرون بأعراض النساء ، انظر إلى من يفتتح الملاهي ، ودور اللهو ، والنوادي الليلية ، انظر إلى المقامرين ، من يفتتح دور القمار ، هناك دخول فلكية من المعاصي والآثام ، دور القمار ، والملاهي ، والربا ، هذه كلها طرق إلى النار .

(( حُفّت الجنَّةُ بالمكارِهِ ، وحفَّتِ النار بالشهوات ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

 لذلك العاقل هو الذي يصل إلى الشيء قبل أن يصل إليه ، والقاعدة كما قال صلى الله عليه وسلم :

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ رواه أحمد عن ابن عبَّاس ]

 تلتقي مع من تشاء ، تلتقي بمن تشاء ، تكلم من تشاء ، تعطي كل شهواتك حظوظها ، لا تتقيد بشيء ، أنت حر واقعي ، تحب أن ترى كل شيء ، أن تستمتع بكل شيء ، أن تنظر إلى كل شيء ، أن تجرب كل شيء ، هذا ليس من عمل من يطلب الجنة .

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ رواه أحمد عن ابن عبَّاس ]

 لذلك بالعاقبة :

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 128]

المال قوام الحياة و على الإنسان توظيفه بطاعة الله :

 لما خرج قارون على قومه بزينته قال :

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القصص : 79]

 لن تكون مؤمناً إلا إذا كان شعورك بالفوز بطاعة الله لا بأموال الدنيا ، المال قوام الحياة ، لكن إذا وصلك المال لا يختل به توازنك ، بل توظفه في طاعة الله ، طاعة ربك ، قال النبي الكريم :

(( إنَّ الله عز وجل يقول لأهل الجنة : يا أهلَ الجنة ، فيقولون : لبَّيْكَ ربَّنا وسَعدَيك والخيرُ في يديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا ربَّنا وقد أعطيتَنا ما لم تُعْطِ أحداً مِنْ خَلْقِكَ ؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك ؟ فيقول : وأيُّ شيء أفضل ؟ فيقول : أُحلُّ عليكم رضواني ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ]

مستويات الجنة :

 يوجد في الجنة ثلاثة مستويات ، يوجد في الجنة طعام وشراب وفواكه .

﴿ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ﴾

[ سورة الصافات : 42]

 فيها :

﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾

[ سورة الحاقة : 23]

 فيها :

﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾

[ سورة محمد : 15]

 فيها :

﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾

[ سورة محمد : 15]

 فيها :

﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ﴾

[ سورة الزخرف : 71]

 فيها :

﴿ وَحُورٌ عِينٌ﴾

[ سورة الواقعة : 22]

 هذا مستوى ، أما المستوى الأعلى فهو النظر إلى وجه الله الكريم ، قال تعالى :

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

[ سورة يونس : 26]

 الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم في الجنة ، أن تستمتع بما فيها من طعام وشراب .

﴿ وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ﴾

[ سورة الواقعة : 22 ـ 23]

 في الجنة نظر إلى وجه الله الكريم ، فقال تعالى :

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

[ سورة القيامة : 22 ـ 23]

 إنسان دخل إلى بيت فيه طعام وشراب نفيس جداً ، أكل حتى شبع ، استمتع بكل شيء ، لكن صاحب البيت ليس موجوداً ، فلما دخل صاحب البيت ، رأى له قامة بهية ، ومنظراً جميلاً ، لكن عندما رحب له ترحيباً بالغاً ، هذا الترحيب أبلغ من كل شيء ، لذلك الإنسان في الجنة :

(( فيها ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 يضاف إليها النظر إلى وجه الله الكريم ، يضاف إلى الاثنتين ترحيب الله بهذا المؤمن الذي أطاعه في حياته ، المعنى ؛ استمتاع ، ثم إكرام ، ثم ترحيب ، هذه مستويات الجنة لذلك النظر إلى وجه الله الكريم أعلى شيء ، ثم إن الله عز وجل يحيي عباده المؤمنين :

﴿ سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾

[ سورة يس : 58]

 يسلم على عباده المؤمنين ، ينظرون إليه ، يسلم عليهم ، ويحفهم بعنايته .
 لذلك في الجنة ثلاثة مستويات : الأول مستوى المتع ، ثم مستوى النظر إلى وجه الله الكريم ، ثم مستوى الرضوان من الله عز وجل ، بقي ألم يقل الله عز وجل في الحديث القدسي :

(( أعددت لعبادي الصالحين فيها ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

أبواب الجنة مفتحة على مصارعها في الدنيا :

 ولكن :

(( حُفّت الجنَّةُ بالمكارِهِ ، وحفَّتِ النار بالشهوات ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

 فقد ورد عن النبي الكريم :

(( اللهم لا عيش إِلا عيش الآخرة ، فأكرم الأنصار والمهاجرة ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك]

 كلما وقعت عينك على شيء جميل ، على قصر منيف ، على مركبة فارهة ، على امرأة جميلة ، فغضضت عنها البصر وقلت :

(( اللهم لا عيش إِلا عيش الآخرة ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك]

 هذه الدنيا تنتهي بالموت ، وهذه الآخرة إلى أبد الآبدين ، الله عز وجل يقول :

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾

[ سورة الضحى : 4 ـ 5]

 طريق الجنة وأنت في البيت يمكن أن يكون هناك طريق إلى الجنة ، إذا كنت أباً صالحاً ، أو كنت زوجة صالحة ، أو كنت ابناً باراً ، أو كنت بنتاً بارة ، أو كنت أخاً رؤوفاً بأختٍ ، وأنت في البيت هناك طرائق إلى الجنة ، وأنت في عملك إذا أتقنت عملك ، ودافعت عن الناس ، وخففت عن الناس همومهم ، ورحمتهم ، وآويتهم ، فهذا طريق إلى الجنة ، إذا أديت عبادتك في المسجد ، إذا طلبت العلم ، إن تكلمت بالكلمة الصادقة ، هذا طريق إلى الجنة ، أبواب الجنة مفتحة على مصارعها في الدنيا .
 أسأل الله جل جلاله أن يلهمنا سبل الجنة ، والنبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم من أدعيته :

(( اللهم أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ))

[أخرجه ابن ماجه وأبو يعلى والإمام أحمد وابن حبان عن عائشة أم المؤمنين ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018