أحاديث قدسية - الحلقة : 21 - الحب في الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 21 - الحب في الله


2020-05-14

مقدمة :

  أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين .

 

الحب في الله قوام الدين :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ لا زلنا في الأحاديث القدسية ، والحديث اليوم عن فضل الحب في الله ، قال النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم :

(( يقولُ اللهُ تعالى يوم القيامة : أينَ المُتَحَابُّون بجلالي ؟ اليومَ أُظِلُّهم في ظِلِّي يوم لا ظِلَّ إِلا ظِلِّي ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 مما لفت نظري أن الحب وهو الخُلق الذي يتسم به المؤمن ، هناك أكثر من مئتي حديث حول الحب في الله ، فقد يسأل سائل : لماذا أكثر النبي الكريم من هذه الأحاديث ؟
 في هذا الموضوع الحب في الله يبدو أن الحب في الله قوام الدين ، يبدو أن الحب في الله قوام المجتمع المؤمن ، يبدو أن الحب في الله هو المحور الذي يتمحور حوله المؤمنون ، هو الذي يجمعهم ، هو الذي يوحدهم ، هو الذي يجعلهم طاقة كبيرة ، هو الذي يجعلهم صفاً واحداً في وجه أعدائهم ، الحب في الله يبث فيهم روح الجماعة ، وروح الجماعة لا يقدر بثمن ، أي قد تجد في العالم الإسلامي كل شيء ، وقد نفتقر أحياناً للحب في الله ، مساجد ، جامعات ، مؤتمرات ، كتب ، مكتبات ، لكن لا بد من حب في الله .
 في بعض المرات وجدت جمعاً ممن يعمل في الحقل الديني ، جمع كبير ، وجدت ود بينهم لا يوصف ، كلٌ منهم يأخذ أخاه بالأحضان ، ويقبله ، ويثني عليه ، وأنا أعلم أن في غيبة بعضهم بعضاً يتحدثون فيما لا تحمد عقباه ، هذه مشكلة كبيرة ، ظاهرة خطيرة ، في المواجهة مديح وثناء ، وتكريم وعطاء ، لكن في الغيبة ليسوا كما هم عليه في الواجهة ، هذه هي المشكلة، صار هناك موقف مزدوج ، ود ، وثناء ، ومديح ، هذا الذي جعل المسلمين أحياناً مشرذمين ، متفرقين ، ضعافاً ، هذا الذي أذهب ريحهم ، كما قال الله تعالى :

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 46]

الحب في الله والبغض في الله يذيق الإنسان حلاوة الإيمان :

 أيها الأخوة ؛ دققوا : قال عليه الصلاة والسلام :

(( أفضل الأعمالِ الحبُّ في الله ، والبُغْضُ في الله ))

[أخرجه أبو داود عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه]

 أفضل الأعمال ؛ صيغة ، صيغة تفضيل ، هذا الولاء والبراء ماذا يعني ؟ يعني إن لم تحب المؤمن وإن كان فقيراً ، ولو كان ضعيفاً ، وما لم تتبرأ من غير المؤمن ولو كان قوياً ، ولو كان غنياً ، فأنت لست على ما ينبغي في الإيمان ، فإن الحب في الله ، والبغض في الله هو الذي يذيقك في الله حلاوة الإيمان ، أحياناً الإنسان يجد في طريقه أحد إخوانه المؤمنين ينتعش في مكان وكأنه وجد نفسه ، كأنه وجد روحه ، هذا من علامات الإيمان ، من علامات صدق الإيمان .

 

الحب نوعان ؛ حب في الله و حب مع الله :

 ولكن النبي الكريم يجعل من الحب عملاً ، ما تفسير ذلك ؟ ما قال أفضل مشاعر الحب في الله ، ما قال أحوال القلب ، قال :

(( أفضل الأعمالِ الحبُّ في الله ))

[أخرجه أبو داود عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ]

 هذه تحتاج إلى وقفة متأنية ، لو قال أفضل المشاعر واضحة ، هناك مشاعر كثيرة أفضلها أن تحب في الله ، هناك أحوال تعتري القلب كثيرة أفضلها أن تحب في الله ، أما أن يقول عليه الصلاة والسلام :

(( أفضل الأعمالِ ))

[أخرجه أبو داود عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ]

 قال شراح الحديث : من لوازم الحب في الله أن تحب النبي ، أن تحب أصحابه ، وأن تحب أولياءه ، هذه نقطة دقيقة جداً ، فسرها بعض العلماء ، قال : هناك حب في الله ، وحب مع الله ، الحب في الله عين التوحيد ، والحب مع الله عين الشرك ، كلمة واحدة بين أن تحب في الله ، وبين أن تحب مع الله ، من لوازم الحب في الله أن تحب النبي الكريم وأصحابه ، أن تحب صالح المؤمنين ، أن تحب أولياء الله الصالحين ، أن تحب كل مؤمن ، هذه النزعة الضيقة أن تحب أخوة جامعك مثلاً ، هذه نزعة يجب أن نحاربها ، لأنها تفتت المسلمين ، يجب أن تحب كل المؤمنين ، يجب أن يكون انتماؤك لمجموع المؤمنين ، قال تعالى :

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 215]

 لذلك قال تعالى ، وهذا شيء دقيق جداً :

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾

[ سورة الروم : 2]

 المسيحيون :

﴿ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم : 2 ـ 5]

 لذلك هذا ملمح دقيق جداً ، الديانات التي جاءت من السماء لابد من توافق بينها .
 لذلك في أي مكان المؤمن يجب أن تحبه ، يجب أن تعاونه ، يجب أن تمنحه ودك ومعاونتك .

 

النبي عليه الصلاة والسلام جعل الحب في الله عملاً :

 على كلّ كيف جعل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام الحب في الله عملاً ؟ قال : ومن لوازم الحب في الله أن تحب أولياء الله ، ومن لوازم أن تحب أولياء الله أن تقتفي أثرهم ، وعندئذ هذا الحب ينقلب إلى عمل ، الآن حينما تمتن علاقتك مع المؤمنين هذه العلاقة المتينة تنقلب إلى حب ، صار هناك علاقة متداخلة ، قال عنها علماء المنطق : هي علاقة ترابطية ، هناك في الإسلام بعض العلاقات الترابطية دقيقة جداً ، العمل الصالح يزيدك قرباً من الله ، والقرب من الله يحملك على العمل الصالح ، فبين القرب من الله والعمل الصالح علاقة ترابطية ، وبين الحب في الله وبين العمل الصالح علاقة ترابطية ، وعلاقتك مع أخيك أن تسلم عليه ، وأن تبتسم له ، وقد ورد في هذا حديث مشهور :

(( أتدرون ما حق الجار ؟ إذا استعان بك أعنته ، وإذا استنصرك نصرته ، وإذا استقرضك أقرضته ، وإذا مرض عدته ، وإذا مات شيعته ))

 أنت إذا لبيت دعوته ، وسلمت عليه ، وبششت له ، وعدته إذا مرض ، وهنأته إذا أصابه خير ، وعزيته إذا أصابته مصيبة ، أنت قمت بأسباب الحب في الله ، فالنبي الكريم سمّى الحب في الله عملاً ، لأنه تارةً ينقلب إلى عمل ، وتارةً يكون العمل سبيلاً له ، أنت حينما تلبي دعوة أخيك ، وحينما تسلم عليه ، وحينما تبش له ، وحينما تواسيه ، وحينما تعاونه ، وحينما تهنئه ، وحينما تعزيه ، متنت علاقتك معه ، فكان الحب في الله ، وحينما تحبه في الله تقتفي أثره ، فالنبي عليه الصلاة والسلام عبر عن الحب بالعمل ، إن العمل نتيجة أو سبب .

 

علامات الحب في الله و البغض في الله :

 هناك نقطة دقيقة جداً : إنسان لا يبغض أحداً ، هذا صار منافقاً ، لابد من أن تبغض في الله ، إنسان يرتكب معصية أمامك ، يرتكب معاص كبيرة أمامك ، أنت تحبه وتجامله؟ مستحيل ! قيل : من أرضى الناس جميعاً فهو منافق ، كما أنه لا بد من أن تحب في الله ، ولابد من أن تبغض في الله ، أنا لا أقول إنه لا بد من أن تقاتل في الله ، أنا أقول : لا بد من أن تبغض إنساناً ولو كان أقرب الناس إليك إذا كان مقيماً على معصية ، مصراً عليها ، ينبغي أن تبغضه ولو أعطاك بيتاً .
 أساساً من علامات الحب في الله أن هذا الحب لا يتزعزع حينما الذي تحبه في الله يصل إليك منه أذى غير مقصود .
 ومن علامات البغض في الله أن هذا البغض ينقلب إلى حب من هذا الذي أبغضته في سبيل الله ، الخير لا يلغي البغض في الله ، والإيذاء غير المتعمد لا يلغي الحب في الله ، هذا الحب المتين في الله لا يتأثر لا بالعطاء ، ولا بالمنع .
 أما أكثر الناس فإذا الإنسان أعطاهم شيئاً يعبدونه من دون الله ، وإذا حجب عنهم شيئاً يتهمونه بالكفر ، وهو قد يكون من كبار المؤمنين ، أي الذي يحبك لعطائك هو لا يحبك بل يحب عطاءك ، والذي يبغضك لمنعك فهذا لا يحبك في الأصل ، إنما يعلق الأمل على عطائك ، فلما خاب ظنه أبغضك ، هذه علاقات مادية بين الناس ، بحسب ما أرى أن المسلمين الآن بأمس الحاجة إلى الحب في الله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018