واضرب لهم مثلا - الحلقة : 17 - ضرب الله مثلا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠02برنامج واضرب لهم مثلاً - قناة ندى
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

واضرب لهم مثلا - الحلقة : 17 - ضرب الله مثلا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء


2020-05-11

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، نحن مع برنامج جديد عنوانه : "واضرب لهم مثلاً" ، يقول تعالى في كتابه الكريم :

﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 21]

 ويقول أيضاً :

﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 43]

 فضرب المثل منهج قرآني أصيل ، يتبعه القرآن الكريم لإيصال الحقائق إلى الناس .
 أخوتي الأكارم بتحية الإسلام نبدأ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، نحن معاً في حلقة جديدة من برنامجنا : "واضرب لهم مثلاً" .
 رحبوا معي بفضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، السلام عليكم سيدي .
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
الدكتور بلال :
 سيدي ؛ الآية القرآنية التي تضرب مثلاً هذا اليوم هي من سورة النحل ، يقول الله تعالى :

﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 75]

 هذا المثل الذي يحتاج توضيحاً بين عبد مملوك وحر ينفق سراً وجهراً .

 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء وفي الآخرة توزيع جزاء :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن المال حظ ، الصحة حظ ، القوة حظ ، الذكاء حظ ، العقل حظ ، هذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسوف توزع توزيع جزاء ، الآن هؤلاء العباد عند الله ، إنسان مؤمن مستقيم ، زوج صالح ، أو ابن صالح ، أو أخ صالح ، أو جد صالح ، أو حفيد صالح ، دخله حلال ، إنفاقه حلال ، همه بيته ، أولاده ، همه عباداته ، صلواته ، أذكاره ، أعماله الصالحة ، إنسان متفلت ، أعمى ، أبكم ، أصم ، يتبع شهوته ، وغرائزه ، أي من سابع المستحيلات أن يستوي هؤلاء مع هؤلاء .
 الحقيقة لي كلمة أرجو أن تكون صحيحة : أن يستوي المحسن مع المسيء ، الكافر مع المؤمن ، المعطي مع المانع ، هذا الاستواء يتناقض مع وجود الله ، المؤمن متفائل ، المؤمن في الأصل متفائل لأن علاقته مع الله ، تماماً كوحوش كاسرة مخيفة ، جائعة ، مربوطة بأزمة ، بيد جهة رحيمة ، حكيمة ، عادلة ، فأنت علاقتك مع من يملك هذه الوحوش ، لأنه لو أرخى حبل أحدها وصل إلينا .

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾

[ سورة هود : 55]

 تحدّ .

﴿ ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : 55ـ 56]

 فإذا كنت مع الله كان الله معك ، إن أقبلت عليه سعدت ، وتشجعت ، وكنت حكيماً ، أي الحقيقة النتائج الإيجابية من الإيمان لا تعد ولا تحصى ، من سعادة ، إلى حكمة ، إلى توفيق في بيتك ، في عملك ، في أوقات فراغك ، حتى في لهوك البريء ، حتى في الأشياء التي سمح الله لك بها ، بل إني أقول : إن الذي سمح لك أن تفعلها بالحلال تسعد به أضعافاً مضاعفة مما يسعد بها أهل الدنيا .
الدكتور بلال :
 لأنها ضمن المنهج .

كل إنسان مفطور وفق منهج الله فإن عصى ربه اختلّ توازنه :

الدكتور راتب :
 ضمن المنهج ، أي إذا شخص عمل شيئاً وفق طاعة الله ، لا يوجد عنده قلق أبداً ، أما إذا كان هناك شيء خلاف المنهج فعنده قلق ، لذلك كتاب صدر بأوروبا : دع القلق ، وابدأ الحياة ، وزع منه خمسة ملايين نسخة .
 هناك قلق ، هناك سبب عميق ، أنت مبرمج ، مولف ، مفطور وفق منهج الله ، فإذا عصى الإنسان ربه اختل توازنه ، شعر بكآبة ، أي إنسان لو أنه لم يؤمن بالأديان كلها ، أنت مبرمج ، مولف ، على أن تحب الأمر الإلهي ، وتبتعد عن النهي ، لو لم تتلق أي توجيه ديني إطلاقاً ، تأكل طعاماً طيباً ، وأمك جائعة ، تحس بكآبة .
الدكتور بلال :
 لأنه خلاف الفطرة .
الدكتور راتب :
 طبعاً ، لأنه الله برمج فطرة الإنسان وفق منهجه ، فكل إنسان خالف المنهج خالف فطرته ، و الكآبة مخيفة جداً .
 حدثني دكتور في الجامعة ، اختصاصي بعلم النفس ، قال : نسب الكآبة بالعالم الغربي مئة واثنان وخمسون بالمئة بالضبط ، قلنا له : ما هذه النسبة ؟ قال : مئة معهم كآبة واثنان وخمسون يعانون من كآبتين ، لمجرد أن تعصي الله معك كآبة ، أما الأمن فيتمتع المؤمن به وحده .
الدكتور بلال :
 سيدي ؛ نهاية الآية تقول :

﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

[ سورة النحل : 75]

الله عادل و هو أصل الجمال و الكمال و النوال :

الدكتور راتب :
 الحمد لله أنهم لا يستوون .
 الله عادل ، أي الإنسان عندما يؤمن بعدل الله عز وجل، الله الذات الكاملة ، أصل الكمال ، والجمال ، والنوال ، والعدل أساسي ، حتى هناك ملمح دقيق:

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

[ سورة مريم : 71 ]

 إن منكم أي ما منكم ، بمعنى أي إنسان كائناً من كان لابد من أن يرد النار ، لكن العلماء قالوا : هناك دخول ، وهناك ورود ، الدخول عقاب وأبدي ، والورود اتعاظ .
 لو فرضنا أن بلداً شرق أوسطي أنشأ سجناً حضارياً ، غرف مستقلة ، فيه مجلات ، فيه كذا ، وجاءنا وزير داخلية من دولة متقدمة ، نأخذه لهذا السجن ليرى المستوى الحضاري لهذا السجن ، هل هذا الوزير سجين ؟
الدكتور بلال :
 لا .
الدكتور راتب :
 هو يزور السجن ، هذا معنى ورود ، لأن أسماء الله الحسنى في الدنيا كلها محققة إلا اسم العدل محقق جزئياً ، فالإنسان إذا ورد النار ليرى عدل الله المطلق كي تطمئن نفسه .
الدكتور بلال :
 سيدي المثل الثاني في السورة نفسها ، في سورة النحل ، يقول الله تعالى :

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ ﴾

[ سورة النحل : 76]

 عبء على سيده .

﴿ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة النحل : 76]

على الإنسان أن يكون قوياً لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى :

الدكتور راتب :
 هذا الكلام يدفعني أن أقول :

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة]

 لأنه أنت علة وجودك في الدنيا العمل الصالح ، والقوة قوة المال ، أو قوة العلم ، أو قوة المنصب ، أنا أقول وبالله المستعان : إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، ما دامت علة وجودك في الدنيا العمل الصالح ، فالقوي أقدر على العمل الصالح من الضعيف ، بجرة قلم يحق حقاً ، بمبلغ من المال يزوج شاباً ، بتوقيع يقر عدلاً ، فإن كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، أما الضعف فمقبول ، إن لم تستطع أن تكون قوياً النبي قال :

(( وفي كلّ خير ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة]

 هذا جبر خاطر .

((وفي كلّ خير ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة]

 فنحن نقول : يجب أن تكون قوياً ، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى .
الدكتور بلال :
 أيضاً سيدي ألا يحمل هذا المثل عندما يخاطب الله تعالى هؤلاء المشركين في مكة بأنواع الشرك ، فيقول :

﴿ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ﴾

[ سورة النحل : 76 ]

 أي أن يتوجه الإنسان إلى جهة ضعيفة وأن يترك القوي جلّ جلاله ، ألا يحتمل ذلك ؟

 

التوجه إلى الله و إظهار الضعف أمامه :

الدكتور راتب :
 إذا اعتز إنسان ضعيف بإنسان أضعف منه ، أحمق ، إذا توجه إنسان وهو يعاني ما يعاني إلى إنسان أضعف منه ، أي هو لا يملك شيئاً ، أنت ابحث عمن بيده الأمر .
 لو فرضنا لك معاملة مهمة جداً ، والدائرة عشرة طوابق ، وبكل طابق يوجد مئة موظف ، أنت تعتقد يقيناً الإنسان الوحيد بكل البناء ، بكل الوزارة ، الذي يملك أن يقول لك مع الموافقة : المدير العام ، هل تتذلل أمام أحد الموظفين ؟
الدكتور بلال :
 أبداً .
الدكتور راتب :
 لذلك قيل : من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه .
 وأنا أقول : من جلس إلى قوي ، أنت عبد لله ، لا تتضعضع أمام إنسان ، كن عزيزاً .
 لذلك مشى صحابي مشية فيها خيلاء ، فقال النبي له : " إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن " أظهر قوتك للآخر ، وأظهر ضعفك أمام الله .
 الصحابة الكرام نخبة البشر، في بدر افتقروا فانتصروا ، هم هم وفيهم سيد البشر في حنين لم ينتصروا ، أي الملخص : الإنسان يقول : أنا ، يتخلى الله عنه ، يقول : الله ، ينصره الله .
الدكتور بلال :
 إذاً سيدي هذه الآية ممكن أن تكون في مجال التوحيد ، وتثبيت عقيدة التوحيد بألا يتوجه الإنسان إلا عند من يملك أن يعطيه حاجته ، وسؤله .

التوحيد نهاية العلم والعبادة نهاية العمل :

الدكتور راتب :
 هل تتصور أن آية واحدة فيها فحوى دعوة الأنبياء جميعاً ؟

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء : 25]

 العلماء قالوا : لا إله إلا أنا التوحيد ، التوحيد نهاية العلم ، والعبادة نهاية العمل ، فالإنسان إذا وحّد وعمل حقق الهدف من وجوده .

 

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال :
 جزاكم الله خيراً سيدي ، وأحسن إليكم .
 أخوتي الأكارم ؛ لم يبقَ في نهاية هذا اللقاء إلا أن نشكر لشيخنا ما تفضل به ، وأن نشكر لكم حسن المتابعة ، أرجو الله تعالى أن ألتقيكم دائماً على خير ، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018