واضرب لهم مثلا - الحلقة : 16 - وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠02برنامج واضرب لهم مثلاً - قناة ندى
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

واضرب لهم مثلا - الحلقة : 16 - وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال


2020-05-10

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، نحن مع برنامج جديد عنوانه : "واضرب لهم مثلاً" ، يقول تعالى في كتابه الكريم :

﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 21]

 ويقول أيضاً :

﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 43]

 فضرب المثل منهج قرآني أصيل ، يتبعه القرآن الكريم لإيصال الحقائق إلى الناس .
 أخوتي ؛ أخواتي ؛ أينما كنتم أسعد الله أوقاتكم بكل خير في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا : "واضرب لهم مثلاً" .
 نستضيف بها كالمعتاد فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، السلام عليكم سيدي .
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، بارك الله بك ، ونفع بك .
المذيع :
 وبكم سيدي أكرمك الله .
 سيدي الآية اليوم في سورة إبراهيم ، الآية التي تطلب مثلاً ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 نريد توضيح هذا المكر ، وكيف هو من خلال هذه الآية ؟

 

الحق يقوى بالتحدي :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 الحقيقة الدقيقة أن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود ، ما سواه ممكن الوجود ، أي ممكن أن يكون أو ألا يكون أصلاً ، أو إذا كان على ما هو كائن أو على خلاف ما يكون .
 كمناقشة افتراضية : ألم يكن من الممكن أن يكون الكفار في كوكب آخر ؟ طبعاً ممكن ، أو في حقبة أخرى ؟ أو في قارة أخرى ؟ ولكن شاءت حكمة الله أن نكون معاً على أرض واحدة ، وفي زمنٍ واحد ، وفي شروط واحدة .
 باجتهادي ؛ الحق يقوى بالتحدي ، أهل الحق لا يدخلون الجنة إلا بالبذل والتضحية ، فهذا قدرنا ، مرة إنسان خاطب جهة قوية قال له : أنت قدرنا ، فالابتلاء قدرنا ، بل هو علة وجودنا ، هو :

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾

[ سورة الملك :2]

 والآية الثانية :

﴿ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنين : 30]

 فالبطولة لا أن نبتلى ، بل أن ننجح في الابتلاء .
 لذلك هناك فريقان ، مؤمن وكافر، مستقيم ومنحرف ، محسن ومسيء ، صادق وكاذب ، اجتهادي المتواضع ؛ أن يستوي هؤلاء مع هؤلاء ، المحسن مع المسيء ، الصادق مع الكاذب ، الذي يبني مع الذي يخرب ، الذي يعدل مع الذي يضرب ، أن يستوي هؤلاء مع هؤلاء، هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب بل مع وجوده ، لذلك المؤمن واثق بنصر الله ، ولو تأخر، واثق بعفو الله ، ثقة المؤمن بالله أحد أسباب سعادته ، وقلق القوي .

 

نعمة الأمن لا يتمتع بها إلا المؤمن :

 الحقيقة الدقيقة : الله عز وجل حينما قال :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الأنعام : 81 ـ 82 ]

 وحدهم .

﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

[ سورة الأنعام : 82 ]

 لفتة بلاغية : لو أن الصياغة أولئك الأمن لهم ، ولغيرهم ، أما :

﴿ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

[ سورة الأنعام : 82 ]

 وحدهم ، هذا اسمه قصر وحصر ، ونحن كتقريب إذا شخص في الصلاة قال : نعبد إياك ، الصلاة باطلة ، فقط غير الترتيب .

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

[ سورة الفاتحة : 1 ]

 فيها قصر وحصر ، نعبد إياك لا تعني أنا لا نعبد غيرك ، لذلك :

﴿ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

[ سورة الأنعام : 82 ]

 وحدهم ، أي لا يتمتع على وجه الأرض في القارات الخمس من آدم ليوم القيامة بالأمن إلا المؤمن .

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

[ سورة الأنعام : 82 ]

الله عليم بمكر الطرف الآخر و ما يخططون له :

 الآن الطرف الآخر :

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

[ سورة آل عمران : 151 ]

 مهما يكن المشرك قوياً ، متمكناً ، يملك سلاحاً نووياً ، الله عز وجل يعاقبه معاقبة في الدنيا قبل الآخرة ، يلقي في قلبه الخوف .

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

[ سورة آل عمران : 151 ]

 هذه باء السبب ، معنى ذلك نعمة الأمن لا يتمتع بها إلا المؤمن .

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم : 46 ]

 خططوا ، برمجوا ، هيؤوا ، افتعلوا ، كذبوا ، بالغوا ، نافقوا .

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم : 46 ]

 تصور حاكماً قوياً جداً ، عدد من الضباط عنده خططوا لانقلاب ، وكتبوا : أنت وزير الداخلية ، أنت وزير العدل ، أنت وزير الدفاع ، وهذه الأوراق عند الحاكم .

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم : 46 ]

الدكتور بلال :
 كل ما يخططون له عند الله بعلمه .
الدكتور راتب :
 لكن :

﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم : 46 ]

 دقق الآن :

﴿ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 46 ]

 أضرب مثلاً متواضعاً ، جبل قاسيون في دمشق ، هذا تلة .
الدكتور بلال :
 جبل صغير جداً .
الدكتور راتب :
 لو اجتمع أهل الأرض على إلغائه لا يستطيعون ، الله وصف مكرهم يزيل الجبال ، حالة الإنسان الآن تخور قواه ، بعدها يقول :

﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 47 ]

الفرق بين اللذة و السعادة :

 لذلك زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، فالمؤمن يتمتع بنعمة الأمن ، ونعمة السكينة ، ونعمة التوفيق ، ونعمة المساعدة ، أما غير المؤمن فعنده لذة ، واللذة آنية ، واللذة حسية ، تحتاج إلى وقت ، وإلى صحة ، وإلى مال ، والإنسان لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة يفقد إحداها دائماً ، في الشباب يوجد صحة ووقت لكن لا يوجد مال ، بالمنتصف يوجد مال وصحة لكن لا يوجد وقت ، بالشيخوخة يوجد مال ووقت لكن لا يوجد صحة ، أما السعادة لمجرد أن ينعقد للمؤمن عند الله اتصال فهو أسعد الناس ، وينبغي أن يقول : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني .
الدكتور بلال :
 إذاً شيخنا :

﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 47 ]

 كما تابعتم الآيات :

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾

[ سورة إبراهيم : 47 ]

 لم يتأخر أحياناً نصر الله لرسله ولأنبيائه ؟

 

امتحان الصادق من الكاذب حين يتأخر الجزاء عن العمل :

الدكتور راتب :
 لو فرضنا قلنا للناس : ادفع مئة ليرة وخذ ألفاً ، يقف أمامك طابور طوله حوالي خمسين كيلو متراً ، أما حينما يتأخر الجزاء عن العمل فيمتحن الصادق من الكاذب .

﴿ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنين : 30]

 وحينما يأتي العقاب عقب المعصية يستقيم الناس لا حباً بالله لكن خوفاً من المعصية ، هذه المسافة التي تطول وتقصر بين الطاعة والثواب ، والمعصية والعقاب ، تؤكد الاختيار .
الدكتور بلال :
 وتتسع دائرة الممتحنين .
الدكتور راتب :
 لأن الله إذا أجبر عباده على الطاعة بطل الثواب ، وإذا أجبرهم على المعصية بطل العقاب ، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً .
الدكتور بلال :
 سيدي ؛ في موضوع المكر ، في مكر هؤلاء بالمؤمنين يوجد آية أخرى :

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ﴾

[ سورة الأنفال : 30]

 كيف يمكر الله بأعدائه ؟

 

مكر الله هو الرد على مكر الأعداء :

الدكتور راتب :
 الحقيقة هذا اسمه بالبلاغة : مشاكلة ، الله لا يمكر ، لكن رداً على مكرهم بتدبير سمي مكراً للمشاكلة ، يوجد مثل بالبلاغة مشهور : نطبخ لك طعاماً ، قال : اطبخوا لي جبة وقميصاً ، إنما هي مشاكلة ، وهذه من البلاغة ، والقرآن :

﴿ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾

[ سورة النحل : 103]

 الله لا يمكر .
الدكتور بلال :
 إذاً مكر الله هو الرد على مكرهم .
الدكتور راتب :
 الرد على مكرهم ، تدبير الله لقمع مكرهم ، أو لخلاص المسلم من مكرهم .
الدكتور بلال :
 يوجد آية ثانية ؛ يبين الله تعالى طريق الخلاص ، يقول :

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

[ سورة آل عمران : 120]

الصبر مع الطاعة طريق النصر والصبر مع المعصية ما بعده إلا القبر :

الدكتور راتب :
 نحن الآن دخلنا بالقانون ، أخي الكريم بارك الله بك ، الصبر مع الطاعة طريق النصر ، والصبر مع المعصية ما بعده إلا القبر .

﴿ فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا ﴾

[ سورة الطور : 16]

 شخص ارتكب جريمة حكم عليه بالإعدام ، نقول له : أنت إن أردت أن تترجى ، أو تخاف ، أو تبكي ، أو تضحك ، أو تسكت ، الحكم لابد من تطبيقه ، فالإنسان إياه أن يصل مع الله لطريق مسدود .

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾

[ سورة إبراهيم : 46 ]

 لذلك في بعض الآثار : لا توبة لقاتل ، المسلم يظل معافى ما لم يسفك دماً .
الدكتور بلال :
 إذاً سيدي هذا الكيد العظيم الذي يكيدونه حله في كلمتين ؛ الصبر ، والتقوى .
الدكتور راتب :
 الشيطان :

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة الأعراف : 200 ]

 الله أعطاك أسلحة فتاكة ، أسلحة حاسمة ، لكن لا بد من أن تعتز بالله ، أن تلتجئ إليه ، أن تدعوه .

 

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال :
 جزاكم الله خيراً سيدي ، وأحسن إليكم .
 أخوتي الأكارم ؛ لم يبقَ لي في هذا اللقاء الذي طاب بحضوركم ، وسعدنا فيه بكلمات شيخنا الفاضل إلا أن نشكر له ، وأن نشكر لكم حسن المتابعة ، سائلاً المولى جلّ جلاله أن تكونوا في خير حال ، وأهنأ حال ، إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018