أحاديث قدسية - الحلقة : 17 - الصبر على المرض - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 17 - الصبر على المرض


2020-05-10

مقدمة :

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين .

الإيمان هو الصبر :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ ما زلنا في الأحاديث القدسية ، والحديث اليوم : الصبر على المرض ، قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه :

(( إِذا مرض العبدُ بعث الله إِليه مَلَكين ، فقال : انظرا ماذا يقول لعُوَّادِه ؟ فَإِنْ هو إِذا جاؤوه حَمِدَ الله وأثنى عليه ، رَفَعَا ذلك إِلى الله عز وجل - وهو أَعلم - فيقول : لعبدي عليَّ إِنْ توفيَّتُهُ أنْ أُدخِلَه الجنةَ ، وإِن أنا شَفيتُه أَن أُبْدِله له لحما خيراً من لحمه ، ودما خيراً من دمه ، وأن أكفِّر عنه سيئاتِهِ ))

[مالك عن مرسل عطاء بن يسار]

 وفي القرآن الكريم مئة آية تتحدث عن الصبر ، قال تعالى :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة النجم: 3 ـ 4 ـ 5]

 والشيء الذي يلفت النظر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان فقال : هو الصبر ، يا سبحان الله ! أيختصر الدين كله والإيمان كله بالصبر كيف ذلك ؟ وفي بعض الأحاديث الشريفة :

(( الإيمان نصفان ؛ نصف صبر ، ونصف شكر ))

من حبس نفسه على ما تكره ابتغاء وجه الله فهذا هو الصبر الذي أراده الله :

 موضوع حديثنا هو : الصبر ، لأن النبي الكريم اختصر الإيمان كله بكلمة الصبر ، وقد ورد في القرآن الكريم ما يزيد عن مئة آية تتحدث عن الصبر ، فما الصبر ؟ وهل هو ضرورة من الضرورات ؟ الصبر في أصل اللغة هو الحبس والكف ، قال تعالى :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 اصبر نفسك معهم أي احبس نفسك معهم ، قم معهم ، احضر مجالسهم ، استمع منهم ، تعلم منهم ، اقتبس منهم ، رافقهم ، قال تعالى :

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 ماذا يقابل الصبر ؟ إن لم نصبر فماذا ؟ نكون كما قال الله عز وجل ويجيبنا عن هذا السؤال ، قال تعالى :

﴿ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴾

[ سورة إبراهيم: 21]

 فإن لم تصبر فلا بد من الجزع ، إما أن تكون جازعاً ، أو جزوعاً على المبالغة ، وإما أن تكون صابراً ، أو صبوراً ، ولكن الصبر الذي أراده الله عز وجل في الآيات المئة هو حبس النفس على ما تكره ابتغاء مرضاة الله ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾

[ سورة الرعد: 22]

 صبروا ابتغاء وجه ربهم ، لم يصبروا قهراً ، لم يصبروا ابتغاء وجه زيد أو عبيد ، أو فلان أو علان ، لم يصبروا حرماناً ، لم يصبروا سياسة ، لم يصبروا مداراة ، لم يصبروا ذكاء .

﴿ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾

[ سورة الرعد: 22]

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾

[ سورة الشورى: 38]

 إذا حبست نفسك على ما تكره ابتغاء وجه الله عز وجل فهذا هو الصبر الذي أراده الله في مئة آية في كتاب الله .

 

الصبر ثمن الجنة :

 لذلك من منا يصدق أن القرآن الكريم في آيات ثلاثة جعل ثمن الجنة كله الصبر ؟ قال تعالى :

﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ﴾

[ سورة الإنسان: 13]

 وفي آية ثانية :

﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً ﴾

[ سورة الفرقان: 75]

 وفي آية ثالثة :

﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾

[ سورة الرعد: 24]

 يا أيها الأخوة المشاهدون الأكارم ؛ أحد علماء القلوب قال : الصبر سبب دخول الجنة ، قلنا له : وكيف ؟ قال : لأن النبي الكريم قال :

(( حُفّت الجنَّةُ بالمكارِهِ ، وحفَّتِ النار بالشهوات ))

[مسلم والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]

 ولا بد من أن تصبر على المكاره ، وأن تصبر عن الشهوات ، وأن تصبر على المرض ، حتى يسمح لك بدخول الجنة ، وما هي أسباب المعاصي ؟ قلة الصبر ، قلة الصبر على ما يكره ، وقلة الصبر عما يحب ، يبتعد عما يكره ، ويقبل على ما يحب ، وهنا تأتي المعاصي ، والنبي الكريم أصاب كبد الحقيقة حينما قال :

(( الإيمان هو الصبر ))

جزاء الصبر عند الله :

1 ـ معية الله :

 عرفنا ما الصبر ، فما جزاء الصبر عند الله ؟
 أولاً شيء دقيق جداً ؛ معية الله ، يقول الله عز وجل :

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 153]

 إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ هذه معية خاصة وليست معية عامة ، ما الفرق بين المعية العامة والخاصة ؟ الله عز وجل مع كل خلقه معية علم ، معية معرفة .

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾

[ سورة الحديد: 4]

 فما من مخلوق ، ما من إنسان ، ما من حيوان ، ما من نبات ، ما من حشرة ، ما من فيروس ، ما من كائن حي في السماوات والأرض ، ما من جرم إلا والله معه ، هذه معية الإحاطة والعلم ، هذه معية عامة ، ولكن المقصود المعية الخاصة ، والمعية الخاصة تعني الحفظ ، والرعاية ، والتأييد ، والحماية ، والتوفيق ، هذه هي المعية الخاصة قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 153]

 وقال تعالى :

﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 249]

 وقال تعالى :

﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 46]

 وقال تعالى :

﴿ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 66]

 إذا كنت صابراً فالله معك ، ومعية الله لك ليست معية عامة ، بل معية خاصة ، معية الحفظ ، معية الرعاية ، معية التأييد ، معية النصر ، معية الحماية ، الله معنا ، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

 

2 ـ محبة الله عز وجل لمن صبر على ما أصابه :

 ومن جزاء الصبر أيضاً محبة الله عز وجل لمن صبر على ما أصابه ، ألا ترضى أيها الصابر أن يحبك الله عز وجل ؟ يقول الله عز وجل :

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 146]

 أن تبلغ مرتبة أن يحبك الله عز وجل هي أعظم ما يسعى إليه إنسان عاقل ، مستنير، إذا صبرت على زوجتك ، إذا صبرت على أولادك ، إذا صبرت على جيرانك ، إذا صبرت على من هم دونك ، إذا صبرت على من هم فوقك ، إذا صبرت على مرض عضال ، إذا صبرت على ضيق ذات اليد ، إذا صبرت على مشكلة ، ألا تريد أن يحبك الله عز وجل ؟؟

 

3 ـ الهدى و الرحمة :

 ومن جزاء الصبر أيضاً الهدى والرحمة ، سبحان الله وتعالى ، قال تعالى :

﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 155]

 وقال تعالى :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 155 ـ 157]

﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 157]

 ألا يكفي الصابرون أن الله سبحانه وتعالى يصلي عليهم ؟ عليهم برحمته ، ألا يكفي أن الله طمأنهم أنهم مهتدون ، بشرهم بالهدى .

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 157]

4 ـ إيجاب السؤال بأحسن الأعمال :

 ومن جزاء الصبر أيضاً : إيجاب السؤال بأحسن الأعمال ، الإنسان في حياته الدنيا له أعمال منوعة ، بعضها صالح ، وبعضها طالح ، فما قولك أن يجازيك الله على أحسن أعمالك وكأن أعمالك كلها من هذا المستوى ؟ ما قولك ؟ قال تعالى :

﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 96]

5 ـ الأجر المفتوح :

 ومن جزاء الصبر أيضاً : الأجر المفتوح ، الشيء الذي لا يصدق كما قال الإمام الغزالي : ما من قربة إلى الله إلا وأجرها بتقدير وحساب ، الحسنة بعشرة أمثالها ، والسيئة بمثلها إلا الصبر ، قال تعالى :

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر: 10]

 من دون قيمة ، من دون أي مقابل .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018