قناة الريان القطرية : رمضان شهر العبادة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠85قناة الريان القطرية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قناة الريان القطرية : رمضان شهر العبادة


2020-05-07

مقدمة :

الدكتور راتب :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المذيع :
 ومن تلك الأزمنة شهر رمضان المبارك ، جاء رمضان هذا العام لينير قلوبنا ، ويزيد من صبرنا ، ففي أيامه سنتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن تنزاح الغمة ، ويتلاشى الوباء ، ونستقبل هذا الشهر الفضيل بتجديد الإيمان والعمل الصالح ، فهو فرصة عظيمة نبحث في أفضل الطرق من خلالها مع فضيلة الشيخ أيضاً الدكتور محمد راتب النابلسي .
 بداية سعداء في هذه المداخلة ، ونبارك لك الشهر الفضيل ، وكيف نستغل هذه الأيام في هذا الشهر الفضيل مع هذه النفحات في تلك هذه الظروف الراهنة ؟

العبادة علة وجود الإنسان :

الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وحفظ لكم بلدكم .
 الحقيقة الدقيقة أن الله سبحانه وتعالى حلقنا لنعبده ، والدليل :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 علة وجودنا في الدنيا العبادة ، والعبادة في أدق تعريفاتها : طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
 علة وجودنا العبادة ، العبادة بالمفهوم العام لا بد من مقدمات تضيء حكمة هذا اللقاء الطيب ، العبادة بمفهومها العام خضوع هذا الإنسان ، المخلوق الأول ، المكرم ، والمكلف ، والمفضل لمنهج الله عز وجل ، والإنسان أعقد آلة في الكون ، الصانع هو الله ، وحفاظاً على سلامة هذه الآلة وعلى سعادتها ، ينبغي أن نتبع تعليمات الصانع ، بالأصل العبادة خضوع هذا الإنسان الأول عند الله ، والمكرم ، والمكلف ، والمفضل لمنهج الله عز وجل ، أي افعل ولا تفعل، هناك مئات بل بضع المئات من التعليمات ، في كسب المال ، في إنفاق المال ، في الزواج ، في اختيار الزوجة ، في تربية الأولاد ، في العلاقات ، تفاصيل كثيرة جداً ، كل هذه التفاصيل فيها بالكتاب والسنة تعليمات ، هذه عبادة عامة ، خضوع هذا الإنسان الأول ، المكرم، المكلف لتعليمات الصانع ، هذه الأصل ، هذه عبادة عامة ، أما رمضان فعبادة خاصة .

رمضان عبادة استثنائية متميزة :

 هذا الشهر شهر رمضان عبادة استثنائية ، عبادة متميزة ، عبادة القرب من الله ، عبادة الإخلاص ، أي إذا الإنسان دخل لبيته الساعة الثانية ظهراً ، والحر لا يطاق ، ولا يوجد أحد بالبيت ، لا يوجد قوة بالأرض تكشف أنه أفطر ، لكن الله يراقبه ، عبادة الإخلاص ، عبادة الترك ، هناك عبادات فيها عطاء ، هذه فيها ترك ، نوع من أنواع العبادات ، الحقيقة دورة مكثفة استثنائية لمزيد من القرب من الله عز وجل ، الله عز وجل صاحب الجمال ، والكمال ، والنوال ، الذات الكاملة ، صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات العلا ، فإذا الإنسان اقترب منه ، هذا المخلوق الضعيف ، الطارئ ، الحادث ، إذا اقترب من الله في هذا الشهر ذاق طعم القرب .

فــــلو شاهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولـــو ذقت من طعم المحبـة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــا
***

 عملية اقتراب من الله ، نحن عندنا عبادات عامة خارج رمضان ، أما رمضان فعبادة مكثفة ، عبادة مركزة ، ودليلها لها ثمن باهظ ترك الطعام والشراب ، الإنسان خارج رمضان يدع الخمر ، والميسر ، والفواحش ، في رمضان يدع المباح ، الطعام والشراب غير مسموح به برمضان ، هذه علامة الإخلاص .
 عفواً ؛ إنسان دخل لبيته الساعة الثانية ، والحر لا يطاق ، والبيت لا يوجد به أحد إطلاقاً ، هل هناك قوة بالأرض تكتشف إفطاره ؟ أبداً ، إلا الله ، إذاً عبادة الإخلاص ، عبادة الترك ، عبادة التقرب من الله عز وجل ، أنا أرى أن الإنسان برمضان ينتقل نقلة نوعية ، نوعية في معرفة الله ، في معرفة منهجه ، في أن تذوق طاعته ، أن تذوق طعم القرب منه ، هناك نتائج مذهلة في رمضان ، شهر استثنائي ، شهر مكثف ، شهر قرب ، شهر إنفاق ، رمضان شهر القرآن ، الإنسان يقرأ باليوم جزءاً تقريباً ، شهر العطاء ، شهر الإحسان ، شهر صلة الرحم، شهر الزكاة ، له صور كثيرة جداً ، شهر النظام ، أمة بأكملها تضع أول لقمة بفمها بوقت واحد ، لا يوجد أمة أخرى تفعل هذا ، أمة بأكملها لا نستطيع أن تضع لقمة بالفم إلا في دقيقة واحدة ، شهر النظام ، شهر التعاون ، شهر الصدقات ، شهر الزكاة ، شهر صلة الرحم ، فلذلك هذا الشهر متميز جداً ، أرجو الله أن يكون نقلة نوعية في علاقتنا مع الله .
المذيع :
 شيخ محمد أولاً : نبارك لك دخول هذا الشهر الفضيل على الأمة الإسلامية ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينك ويعيننا على صيامه وقيامه ، ولكن أنت ذكرت كي لا تتعطل هذه الآلة ، الآلة التي خلقها البديع سبحانه ، كيف نصون هذه الآلة ؟ كيف صيانة هذه الآلة خصوصاً أننا حرمنا من المساجد بسبب هذه الجائحة ؟ كيف يستطيع الإنسان في بيته أن يتعامل مع رمضان ؟

تقديم الأولويات و المصلحة العامة بالحياة :

الدكتور راتب :
 والله هذا فعل الله ، أنا أعبد الله كما أمرني ، أو كما فرض عليّ ، طبعاً الصلاة تكون بالبيت تكون ، الصلاة تحتاج إلى استقامة ، إلى عمل صالح ، إلى إقبال على الله، إلى خشوع بالصلاة ، تكون هذه في المسجد وفي البيت ، طبعاً شيء طبيعي جداً عندنا مصلحة عامة ، عندنا أولويات بالحياة ، سلامة الأمة مفضلة على الصلاة بالمسجد .
 ليس بخيركم من عرف الخير - سيدنا عمر يقول - ولا من عرف الشر ، ولكن من عرف الشرين ، وفرق بينهما واختار أهونهما .
 أهون الشرين أن نصلي في البيت ، شيء طبيعي جداً ، في الأزمات ، في الأوبئة طبعاً هذا :

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 59 ]

 أولو الأمر طاعتهم من طاعة الله عز وجل ، أولو الأمر لهم نظرة شمولية ، عندهم معلومات دقيقة ، عندهم معلومات مهمة جداً لمصلحة الأمة ، فلابد من طاعة أولي الأمر وأي إنسان يعصي ، عفواً ؛ النبي الكريم مرة في الجهاد أفطر برمضان ، بلغه أن بعض من حوله لم يفطروا ، ماذا قال عنهم ؟ أولئك العصاة .
 هناك أمة لها منهج ، لها رسالة ، يوجد نبي ، يوجد قرآن ، هذا الشهر شهر الصيام ، لكن هناك وضعاً استثنائياً ، الصلاة بالبيوت ، الله موجود بالبيت .
المذيع :
 فضيلة الشيخ أليس على المؤمن أن يقف وقفة بين نفسه أن يتفكر في نعم الله سبحانه وتعالى ما قبل هذا الوباء ؟ نعمة السلام ، نعمة التجمع ، وحتى نعمة تلامس الأسطح ، وحتى نعمة رؤية الأقارب ، فخلال السنوات السابقة من شهر رمضان كنا نتجمع دائماً ، وكانت هذه نعمة ، أليس على المؤمن أن يقف بينه وبين نفسه أن يتفكر بنعم الله التي قد يزول ولا يبقى إلا وجهه سبحانه وتعالى ؟

بطولة الإنسان أن يرى النعم بدوامها لا بزوالها :

الدكتور راتب :
 لذلك النعم التي ألفت نسيت ، والبطولة أن نراها بدوامها لا بزوالها ، والدعاء النبوي : " للهم أرنا نعمك بدوامها " .
 نعمة الزوجة ، لك مسكن ، يوجد صحة عامة ، تنقل ، سفر ، هذا كله توقف ، الحقيقة شيء لا يصدق ! أنا الذي رأيته في الإعلانات ، أو في وسائل الإعلام ، باريس ، لندن نيويورك ، لا يوجد إنسان واحد ، جرثوم لا يرى بالعين ، أضعف خلق الله ، أوقف الحياة ، أوقف الجامعات ، أوقف المعامل ، أوقف الحركة ، شيء لا يصدق ، هذا من جنود الله عز وجل ، الناس شردوا عن الله ، بحثوا عن مصالحهم ، عن شهواتهم ، أهملوا وحي السماء ، غمسوا في وحل الأرض .
 لذلك الله عز وجل أرسل رسالة ، رسالة شاملة عامة ، عميقة جداً لكل إنسان على وجه الأرض ، بالقارات الخمس ، مخلوق لا يرى بالعين ، أوقف الحركة في الأرض كلها ، لا جامعات ، ولا معامل ، ولا مدارس ، ولا مواصلات ، ولا طيران ، ولا حركة ، هذا الذي حصل لنعرف أن الله عز وجل بيده كل شيء .
المذيع :
 سبحانه ! فضيلة الشيخ ؛ ما هي رسالتك أيضاً لكل من يقف في هذه الأثناء للتصدي لهذا الفيروس ، من أطباء ، من رجال الشرطة ، من رجال الدولة ؟

العبادة ظرفية و شعائرية :

الدكتور راتب :
 عندنا عبادة شعائرية ، وعبادة ظرفية ، هذا الظرف العبادة الأولى أن نتوقى ، وأن نقبع بالبيوت .

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾

[ سورة الأحزاب: 33 ]

 الآية كانت للنساء ، الآن وقروا في بيوتكم ، هذا الذي يقتضي أن نفعله .
المذيع :
 فضيلة الشيخ ؛ أنا أتكلم الآن عن رسالة نوجهها لمن يتصدى لهذا الفيروس ، من أطباء ، من رجال الشرطة ، من كل من يساهم للتصدي لهذا المرض ؟

رسالة لمن يتصدى لفيروس كورونا :

الدكتور راتب :
 أقسم لك هؤلاء أبطال ، والله لا أبالغ ، هذا الذي يتحرك لإنقاذ الأمة من وباء يسهر طوال الليل ، يقدم كل ما يملك من علم وخبرة ، هذا له عند الله مقام كبير ، طبعاً أقربكم إلى الله أنفعكم لعباده ، عاش لعمل صالح ، والدليل الدقيق علة وجودنا الوحيدة في الدنيا العمل الصالح.

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون: 99 ـ 100]

 لِمَ سمي العمل صالحاً ؟ لأنه يصلح للعرض على الله ، ومتى يصلح ؟ إذا كان خالصا ًوصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، علة وجودي الوحيدة .
 إنسان بعث ابنه إلى باريس ، لينال الدكتوراه من السوربون ، علة وجوده الوحيد في فرنسا الدراسة ، ونحن في الدنيا :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون: 99 ـ 100]

 سمي العمل صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله ، ومتى يصلح ؟ إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، علة وجودنا الوحيدة .
المذيع :
 فضيلة الشيخ ؛ نريد منك كلمة للمشاهدين بمناسبة حلول هذا الشهر الفضيل ، وأهم النصائح التي توجهها ؟

نصائح بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك :

الدكتور راتب :
 هذا الشهر دورة مكثفة للقرب من الله ، لترك كل الصغائر والكبائر إذا كان هناك كبائر .
 هذا الشهر شهر استقامة ، شهر توبة ، شهر إقبال ، شهر صفاء ، شهر صلة بالله ، شهر صلاة التراويح ، شهر ترك الطعام والشراب ، شهر الإقبال على الله ، هذا الشهر شهر متميز ، فالإنسان إذا دخل هذا الشهر صائماً صياماً صحيحاً ، ترك كل المخالفات ، يجب أن ينتقل نقلة نوعية في نهاية هذا الشهر ، لذلك :

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 185]

 تقول : الله أكبر بالعيد ، لمَ ؟ لأنك عرفت الله ، أنت تصلي التراويح ثلاثين يوماً ، تغض بصرك ثلاثين يوماً ، تضبط الشاشة ثلاثين يوماً ، تضبط لقاءاتك ثلاثين يوماً ، يوجد ضبط ، هذا الشهر شهر التوبة ، شهر تطبيق منهج الله ، شهر الالتزام ، شهر التقرب من الله ، كل هذه الأعمال الطيبة تتراكم ثلاثين يوماً تشكل ليلة القدر ، عرفت الله حق المعرفة .

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر]

 ابن آدم ؛ خالق السماوات والأرض يدعوك إلى طاعته ، إلى القرب منه ، إلى الإقبال عليه ، إلى الوقف بين يديه في التراويح .

خاتمة و توديع :

المذيع :
 نعم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، شكراً جزيلاً لك ، كان معنا عبر الهاتف ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنك ، ومن جميع المسلمين .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018