أحاديث قدسية - الحلقة : 14 - صلة الرحم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 14 - صلة الرحم


2020-05-07

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .

صلة الرحم :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ ما زلنا في الأحاديث القدسية ، والحديث اليوم قال عليه الصلاة والسلام :

(( إِن اللهَ خَلَقَ الخلق حتى إِذا فَرَغَ منهم قامَتِ الرَّحِمُ ، قالت : هذا مقامُ العائِذ بكَ من القطيعة ، قال : نعم ، أَمَا تَرضينَ أن أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ ، وأقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ؟ قالت : بلى ، قال : فذلك لكِ ، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : اقرؤوا إِن شئتم ))

[البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]

﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[سورة محمد : 22 ـ 24 ]

 أيها الأخوة ؛ لقد خلق الله الرحم ، وشقّ لها اسماً من اسمه ، ووعد ربنا جلّ وعلا بوصل من وصلها ، ومن وصله الرحيم وصل إلى كل خير ، ولم يقطعه أحد ، ومن بتره الجبار لم يعله بشر ، وعاش في كبد بقلق ، وخوف ، فالله عز وجل يصل من وصل رحمه ، ويقطع من قطع رحمه ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال عليه الصلاة والسلام :

(( الرَّحِمُ مُعلَّقة بالعرشِ ، تقولُ : من وَصَلَني وَصَلَهُ اللهُ ، ومن قطعني قَطَعَهُ الله ))

[البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها]

 عائشة أم المؤمنين .

 

أهمية صلة الرحم :

 صلة الرحم محبة في الأهل ، بسط في الرزق ، بركة في العمر ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي الكريم قال :

(( تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صِلَة الرحم مَحَبَّة في الأهل ، مَثْرَاة في المال ، مَنْسَأة في الأثر ))

[البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]

 وهناك حديث آخر أن النبي الكريم قال :

((مَن سَرّه أن يَبْسُط الله له في رزقه ، وأن يَنْسَأ له في أَثَره ، فلْيَصِلْ رحمه ))

[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 أيها الأخوة ؛ صلة الرحم أمارة على كرم النفس ، وسعة الأفق ، وطيب المنبت ، وحسن الوفاء ، ولهذا قيل : من لم يصلح لأهله لم يصلح لك ، ومن لم يذب عنهم لم يذب عنك، أي لم يدافع ، يقدم على صلة الرحم أولو التذكرة ، وأصحاب البصيرة .
 أيها الأخوة ؛ صلة الرحم مداعاة لرفعة الواصل ، وسبب للذكر الجميل ، وموجبة لشيوع المحبة ، وعزة للمتواصلين ، صلة الرحم تقوي المودة ، وتزيد المحبة ، وتتوثق بها عروة القرابة ، وتزيل العداوة والشحناء ، فيها التعارف ، وفيها التواصل ، وفيها الشعور بالسعادة ، تلبية دعوة الفقراء والأقارب من عمل الآخرة .

 

بطولة المؤمن أن يصل من قطعه :

 لكن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، المسلمون ليسوا كذلك ، كثير من الناس مضيع لهذا الحق ، مفرط فيه ، فمن الناس من لا يعرف قرابته لا بصلة ، ولا بمال ، ولا بجاه ، ولا بحال ، ولا بخلق ، ولا بود ، تمضي الشهور ، وربما الأعوام ، ولا يقوم بزيارتهم ولا يتودد إليهم لا بصلة ، ولا بهدية ، ولا يدفع عنهم مضرة ، ولا أذية ، ربما أساء إليهم وأغلظ القول فيهم ، هذا الواقع المر ، ومن الناس من لا يشارك أقاربه في أفراحهم ، ولا يواسيهم في أتراحهم ، ولا يتصدق على فقرائهم ، بل تجده يقدم عليهم الأباعد في الصلات ، والهبات ، أحياناً تأتيك دعوة من جهة قوية أو غنية تلبيها فوراً ، وتلبية هذه الدعوة من الدنيا ، وأحياناً تأتيك دعوة من قريب فقير في أطراف المدينة لا تلبيها لضعف شأنه ، لهذا تلبية دعوة الفقراء والأقارب من عمل الآخرة ، النبي الكريم يقول :

(( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))

[البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّهُ عنه]

 ومن لم يجب الدعوة فقد عصا الله ورسوله ، لكن الناس ألفوا أن يلبوا دعوة الأغنياء والأقوياء ، وتلبية هذه الدعوة ليست من الدين ، بل من الدنيا ، لكن تلبية دعوة الفقراء والأقارب من عمل الآخرة ، فبطولة المؤمن أن يصل من قطعه .
 هناك حالة أخرى ؛ من الناس من يصل أقاربه إن وصلوه ، ويقطعهم إن قطعوه ، ويدعوهم إن دعوه ، هذه ليست صلة رحم ، إنما هي مكافأة للمعروف بمثله ، وهو حاصل للقريب والبعيد ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( ليس الواصلُ بالمكافئ ، ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ))

[البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]

  والبطولة أن تصل من قطعك ، أما أن تصل من وصلك ، وتلبي من لباك فهذا ليس من باب صلة الرحم ، هذا من باب المكافأة بالمثل .
 والآن هناك أناس يحرصون على دعوة الأباعد ، ويغفلون على تلبية الأقارب ، الأباعد قد يكونون من أصحاب الشأن ، من أصحاب القوة والمال ، لذلك الأقربون أولى بالمعروف .

 

نتائج قطيعة الرحم :

 أما نتائج قطيعة الرحم فهي معاداة الأقارب ، هذه المعاداة شر وبلاء ، الرابح فيها خاسر ، والمنتصر فيها مهزوم ، وقطيعة الرحم من كبائر الذنوب ، وقبائح العيوب ، متوعد عليها صاحبها باللعنة والثبور ، فالتدابر بين ذوي القربة مؤذنٌ بزوال النعمة ، وسوء العاقبة ، وتعجيل العقوبة ، فعن جبير بن مطعم أنه سمع النبي الكريم يقول :

(( لا يَدْخُلُ الجنةَ قاطِع رَحم ))

[متفق عليه عن جبير بن مطعم رضي الله عنه ]

 لذلك عقوبتها معجلة في الدنيا قبل الآخرة ، فعن أبي بكرة قال النبي الكريم :

(( مَا مِنْ ذنب أجدر أن يُعَجَّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يُدّخر له في الآخرة مِثل البَغْي ، وقطيعة الرحم ))

[الترمذي وأبو داود وزاد رزين عن أبي بكرة رضي الله عنه ]

 ذنبان يعجل الله لهما العقوبة في الدنيا قبل الآخرة .
 لذلك أيها الأخوة ؛ قطيعة الرحم سبب للذلة والصغار ، والضعف والتفرق ، مجلبة للهم والغم ، قاطع الرحم لا يثبت على مؤاخاة ، ولا يرجى منه وفاء وصدق في الإخاء ، يشعر بقطيعة الله له ، ملاحق بنظرات الاحتقار مهما تلقى من مظاهر التبجيل ، لقد كانت الصحابة الكرام رضي الله عنهم يستوحشون من الجلوس مع قاطع رحم .

 

إصلاح العلاقات مع الله و مع الناس :

 ثم إن معنى قوله تعالى :

﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 1]

 ما دام القلب ينبض كل شيء له حل ، المشكلة أن يقف القلب وأنت قاطع رحم ، مادام القلب ينبض ، ما دام في الحياة بقية ، كل مشكلة مهما عظمت لها حل ، فالعداوات التي تتوهم أنها لم تنقضِ تنقضي بزيارة مفاجأة ، بهدية ، باعتذار ، على الهاتف أحياناً ، بعمل صالح ، الإنسان إذا أراد أن يحسن العلاقة بينه وبين الخلق يعينه الله على ذلك ، قال تعالى :

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 1]

 قال بعض العلماء : ذات بينكم ، أي ما بينك وبين الله عز وجل ، هذه أهم علاقة ، وقال بعضهم : ذات بينكم ، ما بينك وبين من حولك ، مع زوجتك ، مع أولادك ، مع أهلك ، مع والديك ، مع أخوتك ، مع أخواتك ، مع أصهارك .

﴿ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 1]

 بزيارة ، بمصالحة ، بمودة ، بهدية ، باتصال هاتفي ، باعتذار .

﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 1]

 والمعنى الثالث :

﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 1]

 أصلح أية علاقة بين اثنين ، أول معنى بينك وبين الله ، والمعنى الثاني بينك وبين من حولك ، والمعنى الثالث : أصلح أي علاقة بين اثنين .
 لذلك النمام لا يدخل الجنة ، النمام ؛ ينقل ما قاله فلان عن فلان .
 والشيء الدقيق جداً : أثر الهدية في اجتذاب المحبة وثبات المودة .

 

أثر حسن الخلق و الهدية في صلة الرحم :

 أيها الأخوة ؛ حسن الخلق له تأثير في هذه الصلة ، حسن الخلق من جهة ، ومن جهة ثانية :

(( تَهَادَوْا فإن الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 هناك مشكلة مع أخيك ، قدم له هدية ، لتكن هذه الهدية شفيعاً في إعادة المودة معه ، الهدية لها أثر باجتذاب المحبة ، وإثبات المودة ، وإذهاب الضغائن ، وتأليف القلوب ، وكان عليه الصلاة والسلام يحذرنا ويقول :

(( لا يَحِلُّ لمسلم أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاث ليال ، يلتقيان ، فيُعرِضُ هذا ويُعرضُ هذا ، وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلام ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي أيوب رضي الله عنه]

النبي الكريم من أعظم الناس صلة لرحمه :

 الآية الدقيقة :

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت: 34 ]

 النبي الكريم بلغ من صلة رحمه مبلغاً عظيماً ، ضُرب به المثل على مر التاريخ فما سمعت الدنيا بأوصل منه ، قرابته ، أبناء عمه ، أبناء عمومته ، أخرجوه من مكة ، طاردوه ، أرادوا قتله ، شتموه ، آذوه ، حاربوه في المعارك ، نازلوه في الميدان ، قاموا بثلاثة حروب في بدر ، وأحد ، والخندق ، ودخل مكة منتصراً ، عشرة آلاف سيف متوهجة تنتظر كلمة منه ، من فمه ، وقفت له الأعلام مكبرة ، طنت بذكره الجبال والوهاد ، فلما انتصر وقف عند حلق الكعبة وقال للقرابة والعموم : ما ترون أني فاعل بكم ؟ يتصورون الجزاء المر ، والقتل الحار ، والموت الأحمر ، فيقولون وهم يتباكون : أخ كريم ، وابن أخ كريم ، فتدمع عين النبي ويقول : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، هذا من أعلى درجات العفو والمغفرة ، والذين قاتلوه ، وشتموه ، ونكلوا بأصحابه لعشرين عاماً ، لما تمكن منهم ، وحياتهم موقوفة على كلمة من فمه ، وعشرة آلاف سيف متوجهة تأتمر بأمره قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018