أحاديث قدسية - الحلقة : 11 - حب الله لعباده - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 11 - حب الله لعباده


2020-05-04

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

ارتباط نجاح الدعوة إلى الله بمراعاة الجوانب العقلية والنفسية والمادية للإنسان :

 أيها الأخوة الأحباب والكرماء ؛ مع حديث قدسي حديد ، بعنوان : "حبّ الله لعباده" لأن الأصل أن يحب العبد ربه ، لكن هناك أصل آخر ، والله يحب عباده المؤمنين ، أي يوجد محبة متبادلة ، لذلك ورد فيما يرويه النبي الكريم عن ربه :

(( إِنَّ اللهَ إِذا أحبَّ عبداّ دعا جبريلَ ، فقال : إِني أحبُّ فلاناً فأحِبَّه ، قال : فيُحِبُّه جبريلُ ، ثم ينادي في السماءِ ، فيقول : إِنَّ اللهَ يحبُّ فلاناً فأحِبُّوه ، فيحبُّه أهل السماء ، ثم يوضَعُ له الَقبُولُ في الأرض ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 لذلك الدعوة إلى الله تنجح نجاحاً باهراً حينما تراعي في الإنسان جانبه العقلي ، والنفسي ، والمادي ، فكما أن الإنسان عقل يدرك ، هو قلب يحب ، والعقل غذاؤه العلم ، والقلب غذاؤه الحب ، أية دعوة إلى الله تتجاهل الحب دعوة عرجاء ، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 دققوا :

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 الحب متبادل .
 بالمناسبة ؛ الحب ، والاحترام ، والتقدير ، والود لا يكون من طرف واحد ، متبادلة ، فقد استنبط العلماء أن الذي يحب الله ، والذي يحبه الله ، لا يمكن أن يرتد ، فحينما يكون الدين عقلياً ، فكرياً ، نصياً فقط ، هناك نكسات كثيرة ، أما حينما يكون الدين علماً متيناً ، وأدلة قوية، وحباً ، والتزاماً ، هذه خطوط ثلاث ، معرفة ، وحب ، وسلوك ، هناك التفوق .
 والقرآن الكريم ، والسنة النبوية المطهرة توجها إلى العقل والقلب معاً ، ما من نعمة في الدنيا إلا ولها آثارها في الآخرة كي يحبك الناس ، لأن الله إذا أحبك ألقى محبتك في قلوب الخلق ، وأكاد أقول : الأنبياء بكمالهم ملكوا القلوب ، والأقوياء بقوتهم ملكوا الرقاب ، والبشر جميعاً أتباع نبي أو قوي ، فالذين هم أتباع النبي سلاحهم الكمال الإنساني ، بكمالهم يملكون القلوب ، والذين هم أتباع القوي سلاحهم منحهم القوة ، فبقوتهم يملكون الرقاب لا القلوب ، وشتان بين من يملك القلوب ومن يملك الرقاب .
 على كلّ القرآن الكريم والسنة المطهرة النبوية توجهت تارةً إلى العقل لتقنعه ، وتارةً إلى القلب لتغذيه ، وفي بعض الآيات الكريمة تتوجه الآيات إلى العقل والقلب معاً ، الدليل :

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

[ سورة الانفطار : 6]

 توجهت إلى قلبه .

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

[ سورة الانفطار : 7]

 إلى عقله .
 لذلك الدعوة الناجحة تتوجه إلى ثلاث كتل كبيرة ، إلى العقل بالعلم ، والقلب بالحب، والجسم بالطعام والشراب ، بمال حلال .

 

الخضوع القسري لا قيمة له عند الله و لا عند الناس :

 لذلك لو أن الله أراد أن يخضع له البشر جميعاً لكان ذلك سهلاً ، ولكن هذا الخضوع قسري ، لا قيمة له ، ولا قيمة له لا عند الله ، ولا عند الناس ، ولا عند صاحبه ، ولا يثمر سعادة .

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾

[ سورة يونس : 99]

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾

[ سورة هود : 118]

 الله جل جلاله ما أرادنا أن نأتيه قسراً ، أراد أن نأتيه طوعاً ، إذا أتيناه قسراً لا قيمة لهذا الإتيان ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة : 256]

جانب الحب جانب أساسي في الدين :

 جانب الحب أساسي في الدين ، الفرق بين الحب وبين الواجب كالفرق بين :

(( أرحنا بها يا بلال ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن محمد بن الحنفية]

 أو أرحنا منها اليوم ، أرحنا بها ، وأرحنا منها ، فأنت حينما تحب الله تفعل المستحيل، أصحاب النبي أحبوا الله ، قلة قليلة بحياة خشنة ، بمعدات بسيطة ، ببيوت من اللبن صغيرة وخشنة فتحوا أطراف الدنيا ، وحينما فرغ الدين من الحب أصبح ثقافة ، وتقليداً ، وعادات ، وتقاليد ، أصبح سلوكاً أجوفاً ، وعبادات لا تقدم ولا تؤخر ، بين مؤمن مفعم قلبه بالحب ، وبين مؤمن ممتلئ قلبه بالمعلومات ، فرق كبير ، لا بد من أن يمتلئ العقل بالمعلومات ، ولابد من أن يمتلئ القلب بالحب .
 هذه المرأة الأنصارية التي رأت زوجها في أرض المعركة شهيداً ، ثم رأت أباها في أرض المعركة شهيداً ، ثم رأت ابنها في أرض المعركة شهيداً ، ثم رأت أخاها ، شيء لا يصدق ! تقول : ما فعل رسول الله ؟ شيء لا يصدق ! زوجها ، وابنها ، وأخوها ، فقالوا لها : هو بخير ، فلما رأته واطمأن قلبها على صحته وسلامته ، قالت : يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل .
 هذه الأشخاص ، أشخاص أبطال ، الحب يصنع المعجزات ، والتقليد لا يصنع شيئاً ، الحب أروع ما في الحياة ، أروع ما في الدين .

 

الحب يصنع المعجزات بينما التقليد لا يصنع شيئاً :

 لذلك الله قال :

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 ومن دون حب لا يمكن أن تقدم شيئاً لله ، مستمع جيد للدروس ، معلق جيد ، لكن لا تقدم شيئاً ، كل إنسان حينما يستمع لكلام منطقي ، مؤيد بالأدلة والبراهين ، يعجب به ، لكن العبرة ماذا قدمت لله عز وجل ؟ لو سألك يوم القيامة ربنا : ماذا فعلت من أجلي يا عبدي ؟ هذا سؤال ، الحب يصنع المعجزات ، بينما التقليد لا يصنع شيئاً .

(( إِنَّ اللهَ إِذا أحبَّ عبداً دعا جبريلَ ، فقال : إِني أحبُّ فلاناً فأحِبَّه ، قال : فيُحِبُّه جبريلُ ، ثم ينادي في السماءِ ، فيقول : إِنَّ اللهَ يحبُّ فلاناً فأحِبُّوه ، فيحبُّه أهل السماء ، ثم يوضَعُ له الَقبُولُ في الأرض ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 اسمع إلى قوله تعالى ؛ دقق :

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

[ سورة طه : 39]

 أي ألقى الله في قلب الأبوين حباً لابنهما ، تجد الأبوين لا يهنأ لهما عيش إطلاقاً إلا إذا كان ابنهما على ما ينبغي ، هذه الرحمة التي يتراحم بها الناس ، والتي يعقبها ميل قلبي هو الحب .
 أقول لكم هذه الكلمة : الإنسان الذي لا يجد في نفسه رغبة كبيرة إلى أن يكون محبوباً أو إلى أن يكون محباً لا ينتمي لبني البشر ، لذلك الحب أصل في ديننا ، العقل أصل ، والقلب أصل ، الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، العقل غذاؤه العلم ، والقلب غذاؤه الحب ، والجسم غذاؤه الطعام والشراب .
 لذلك قيل لأحد أصحاب النبي الكريم ، قبل أن يصلب من قبل الكفار ، أحد الصحابة حكم عليه الكفار بالصلب ، أي إنسان سيصلب ، سيقتل ، سأله أحد الذين أرادوا قتله : أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في بيتك ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ استمعوا إلى هذا الجواب ، قال : والله لا أحب أن أكون في أهلي وولدي ، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة ، فقال أبو سفيان : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً .
 نحن بحاجة إلى عقل ناضج ، وإلى قلب فيه حب ، لذلك نحن في أمس الحاجة إلى حبّ ، أن نحب بعضنا بعضاً ، أن نقدم لبعضنا كل شيء ، أن نؤثر بعضنا بعضاً على كل شيء .
 قال عليه الصلاة والسلام ، فيما يرويه عن ربه :

(( إِنَّ اللهَ إِذا أحبَّ عبداً دعا جبريلَ ، فقال : إِني أحبُّ فلاناً فأحِبَّه ، قال : فيُحِبُّه جبريلُ ، ثم ينادي في السماءِ ، فيقول : إِنَّ اللهَ يحبُّ فلاناً فأحِبُّوه ، فيحبُّه أهل السماء ، ثم يوضَعُ له الَقبُولُ في الأرض ، وَإِذا أَبغض عبداً دعا جبريلَ عليه السلام ، فيقول : إِني أُبْغِضُ فلاناً فَأَبْغِضْه ، قال : فَيُبْغِضُه جبريلُ ، ثم ينادي في أهل السماء : إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فلاناً فأَبغضوه ، ثم تُوضَعُ له البغضاءُ في الأرض ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 لذلك اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018