أحاديث قدسية - الحلقة : 10 - نعيم الجنة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 10 - نعيم الجنة


2020-05-03

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا .

العاقل يعرف سرّ وجوده و غاية وجوده :

 مع حديث قدسي جديد بعنوان : " نعيم الجنة "، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم قال : قال عن ربه :

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾

[ سورة السجدة : 17]

 الحقيقة الدقيقة أن هناك شيئاً تراه ، وشيئاً تسمعه ، وشيئاً يخطر في بالك ، أول دائرة محدودة بما رأيت ، أما الدائرة الثانية فمحدودة جداً بما سمعت ، أما الخواطر فلا حدود لها ، لذلك :

(( أعددت لعبادي الصالحين ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 الذين اصطلحوا مع الله ، واستقاموا على أمره ، وأقبلوا عليه :

(( ما لا عين رأتْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 أول دائرة :

(( ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 أيعقل أن نضحي بهذه السعادة اللامتناهية إلى أبد الآبدين بسنوات محدودة فيها معاص وآثام ؟ لذلك فاقرؤوا إن شئتم :

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 17]

 لذلك من كان عاقلاً ، من كان موفقاً ، من كان يبحث عن سعادة مستمرة ، عليه أن يعرف سرّ وجوده ، وغاية وجوده .

 

ومضات عن الجنة :

 لذلك من بعض الومضات عن الجنة ، في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها ، واقرؤوا إن شئتم :

﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾

[ سورة الواقعة : 30]

 وجاء في الحديث الشريف :

(( موضع سَوْط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن سهل بن سعد الساعدي ]

 والكلام عن الجنة وما فيها من النعيم المقيم تطرب له القلوب ، والمؤمنون يشتاقون إليه ، إلى سماع هذه التفاصيل ، لذلك المؤمنون يشمرون عن سواعد الجد ، والعمل في :

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

[ سورة مريم : 76]

 الباقيات الصالحات شيء يبقى ، الدنيا فانية لتحصيل أعلى المناسب والدرجات ، هم:

﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

[ سورة القمر : 55]

 مكان مرموق عند الله ، والقرآن والسنة مليئان بالحديث عن الجنة ، لزرع اليقين في قلوب المؤمنين بحقيقتها ، وتشنيف أسماعهم بذكرها ، وتشويقهم لأنواع نعيمها ، وحفزهم للمسابقة إلى أعلى درجاتها ، إذ هي دار الكريم ، المنان ، جزاء الرحيم الرحمن ، وهبها للمؤمنين برحمته، وجعل الإيمان والعمل الصالح سبباً يوصل إليها ، وليس ثمناً لها ، قصر ثمنه مئات الملايين ، أنت الآن تشتري مفتاح القصر ، الجنة مفتاح النعيم ، لا ثمن النعيم .

﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الزخرف : 72]

 العمل حركة ، أخذ ، عطاء ، ضبط ، إقبال .

﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[ سورة طه : 76]

 زكى نفسه بمعرفة الله ، ومعرفة منهجه ، والعمل في منهجه ، أصبحت نفسه زكية طاهرة ، ومن نعيم الجنة ما فيها من أنهار تجري ، وعيون تتفجر ، وأنهار الدنيا وعيونها مع كثرتها ، وعذوبة مائها ، وطيب هوائها ، ليست شيئاً يذكر عند أنهار الجنة وعيونها ، هذا إخبار من الله ، الصادق المصدوق ، كلامه صدق ، ومع ذلك فإن أنهار الدنيا وعيونها قد سلبت الألباب بجمالها ، وأشعلت الحروب لحيازتها ، وعمرت بالساكنين جنباتها ، وأثمن ما في الأرض ما كان على حافة نهر ، أو نبعة ماء ، وأغلى ما يشترى من المنتجعات ما كان على شواطئ البحار ، وحواف الأنهار ، بأسر منظرها ، وجمال مشهدها ، وطيب هوائها ، وراحة النفس فيها، ومازال الناس قديماً وحديثاً يستجمون في سواحل البحار والأنهار ، وإذا هطل المطر ، وحلّ الربيع في الأراضي الصحراوية خرج الناس لرؤية الوديان والشعاب وهي تجري بالماء ، وخيموا حول الغدران والقيعان ، للتمتع بمنظر الخضرة والماء .

 

العاقل من يدخل الجنة والنار في حساباته اليومية :

 العاقل من يدخل الجنة والنار في حساباته اليومية ، في شراء حاجة ، في لقاء ، في سهرة ، في رحلة ، في سفرة ، في عمل ، يدخل الجنة في حساباته اليومية .
 لذلك يدخل في حسابه اليومي كسب ماله ، إنفاق ماله ، في صدقه ، في أمانته ، قد لا تجد إنساناً خوفاً من الآخرة يركل دخلاً كبيراً لأن فيه شبهة ، وقد لا تجد إنساناً يرفض عطاءً كبيراً لأن في هذا العطاء شرطاً لا يرضي الله عز وجل ، فالذي يستوي عنده التبر والتراب يكون مؤمناً ورب الكعبة ، مؤمناً بالآخرة ، والذي يعمل من الصباح الباكر إلى ساعة النوم ليرضي الله عز وجل ، ويقدم الأعمال الصالحة هو الذي يؤمن بالآخرة .
 فلذلك قضية أن تؤمن بالآخرة ، أنك مخلوق للجنة ، وأنك في الدنيا أتيت لدفع ثمن الجنة ، وهو طاعة الله عز وجل ، والعمل الصالح ، وهذا الذي يعول عليه في دروس العلم ، فهذا الذي له بداية محرقة في شبابه له نهاية مشرقة ، هذا الذي حفظ الله في الصغر يحفظه الله في الكبر ، إذاً العبرة أن تجد في عملك ، وفي حركتك اليومية ، وفي ذهابك وإيابك ، وفي كسب مالك ، وإنفاق مالك ، أن اليوم الآخر بجنته وناره داخل في حساباتك اليومية .
 سيدنا عمر بن الخطاب عملاق الإسلام قال لراعٍ : بعنِي هذه الشاة وخذ ثمنها ، فقال هذا الراعي : ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت - لها حل - أو أكلها الذئب ، قال : والله إنني لأشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟!
هذا الراعي البسيط ، لا يحمل دكتوراه ، ولا شهادات ، ولا ألّف مؤلفات ، وضع يده على حقيقة الدين ، أين الله ؟ هذه لا حل لها لأن الله يعلم .
 لذلك من ترفع عن الحرام آتاه الله المال الحلال ، من هنا جاء ورع المؤمن ، يركل بقدمه أي عطاء لا يرضي الله ، أي لقاء ، أي سهرة ، أي مشروع ، يتحرك وفق منهج الله .

 

على الإنسان أن يتحرك وفق عقيدته لا وفق واقعه :

 لذلك إن لم تعطِ لله ، إن لم تمنع لله ، إن لم تغضب لله ، إن لم ترضَ لله ، إن لم يستوِ عند التبر والتراب - التبر أي الذهب - فلست مؤمناً ، الإيمان الذي أراده الله باليوم الآخر، أما كلنا والحمد لله فنشهد أن الجنة حق ، وأن النار حق ، ولكن هل عملنا للجنة ؟ وهل اتقينا النار ؟ على الإنسان أن يتحرك وفق عقيدته ، لا وفق واقعه .
 كنت أذكر كثيراً هذا المثل : راكب دراجة وصل إلى مفترق طريقين ، طريق هابطة معبدة ، محفوفة بالأزهار والأشجار والأطيار ، وطريق صاعدة وعرة ، فيها حفر وأكمات وغبار، كل معطيات البيئة تقتضي أن نسلك الطريق الهابط ، كراكب دراجة الطريق الهابطة طريق مريحة ، نسيم عليل ، أشجار جميلة ، أزهار فواحة ، أما الطريق الصاعدة فمتعبة ، فيها مشقة كبيرة ، ولكن هناك لوحة مكتوب عليها عند مفترق الطريقين : هذا الطريق الهابط ينتهي بحفرة ما لها من قرار ، فيها وحوش كاسرة ، والطريق الصاعدة تنتهي بقصر منيف ، هو لمن وصل إليه ، هذه اللوحة مع هذا البيان ألا يقتضي هذا أن تتخذ قراراً مناقضاً للأول ؟ طبعاً ، فالعاقل هو الذي يصدق هذا البيان ، ويبني حركته وفق هذا البيان .
 لذلك الدين نص ، نص جاءك بالوحي ، الإله العظيم الخبير أخبرك عن هذه الحقيقة، ولكن الناس معظمهم اليوم يتحركون لا بعقيدة ، ولكن بواقع ، يحب أن يأكل أطيب الطعام ، أن يسكن أجمل البيوت ، أن يتزوج أجمل النساء ، أن تكون له مكانة في مجتمعه ، لذلك ينسى ما سوف يكون عند اقتراب الأجل .

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018