أحاديث قدسية - الحلقة : 08 - فضل الدعاء وشروطه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 08 - فضل الدعاء وشروطه


2020-05-01

مقدمة :

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً .

الدعاء أخطر ما في الدين :

 أيها الأخوة الأحباب والكرماء ؛ مع حديث آخر من الأحاديث القدسية ، وهو بعنوان : " فضل الدعاء والمناجاة " ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُمهِلُ حتى إِذَا ذَهَبَ ثُلُث الليل الأَوَّلُ ، نَزَلَ إلى السماء الدنيا فيقول جلّ وعلا : هل مِنْ مُستَغْفِرٍ ؟ هل مِن تائِبٍ ؟ هل من دَاعٍ ؟ حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ' ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

 لا أبالغ إذا قلت لكم : إن أخطر ما في هذا الدين الدعاء ، لأن كل المشكلات تحل بالدعاء ، ولكن قبل أن نمضي في الحديث عن الدعاء ، للدعاء شروط ، للدعاء أسباب دققوا :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 الآن يوجد ملامح دقيقة في الآية ، هذه الآية تؤكد أن الدعاء هو العبادة ، هناك آية أخرى تؤكد أن الدعاء هو العبادة :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 186]

 ثم يقول الله عز وجل :

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾

[ سورة غافر : 60]

 ويقول النبي الكريم :

(( من فتح له في الدعاء منكم فتحت له أبواب الجنة ))

[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر ]

 والله عز وجل يقول :

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

[ سورة غافر : 60]

 إذا أمرك أن تدعوه فالأغلب أن يستجيب لك .
 وبالمناسبة ؛ الأصل أن يستجيب لك ، فإن لم يستجب فلعلة طارئة ، هناك استثناء ، لكل قاعدة استثناء ، الأصل أنه يستجيب لك ، ما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك ، فإذا لم يستجب فلعلة ظاهرة في الدعاء ، لذلك من أعطي الدعاء أعطي الإجابة ، وما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء ليغلق له باب الإجابة .

 

شروط الدعاء :

1 ـ حضور القلب :

 الآن من شروط الدعاء العلماء قالوا : حضور القلب ، يمكن أن تدعوه وأنت ساهٍ ولاهٍ، القلب غائب ، هذا الدعاء لا يستجاب له ، إذاً أول شرط من شروط الدعاء حضور القلب ، أن يكون قلبك مع الله .
 هذا الموضوع ينقلنا إلى موضوع آخر ، الإنسان قد تصيبه وساوس ، وقد تأتيه كوابيس ، وقد يمسه بعض الجان ، وقد يقع في الحسد ، أي حسد ، وقد تأتيه مشكلات ، فإذا قلت له : يا أخي ! ليس لك إلا أن تدعو الله عز وجل ، ليس لك إلا أن تستعيذ به ، وأن تستعين به ، يقول لك : والله استعذت بالله وما تغير شيء ، تقول له : لابد من حضور القلب في الاستعاذة ، في الاستعاذة والدعاء لا بد من حضور القلب ، وتعلم أنت كيف يحضر القلب وكيف يغيب .
 أول شرط من شروط الدعاء : حضور القلب ، فإذا أردت أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، إذا أردت أن تلجأ إلى الله عز وجل ، إذا أردت أن تدعو الله عز وجل ، كل هذه النصوص القطعية الواردة في القرآن والسنة شرطها الأساسي حضور القلب .

 

2 ـ رجاء الإجابة :

 هناك شرط آخر وهو رجاء الإجابة ، الإنسان أحياناً يصيبه مرض عضال ، والطبيب بين له أن مرضه لا شفاء له ، هذا الطبيب أوقعه في اليأس ، واليأس حالة لا ترضي الله عز وجل ، الله على كل شيء قدير ، ادعُ الله عز وجل وأنت موقن بالإجابة ، إذاً الله على كل شيء قدير ، إذا ظننت أن الله لا يجيبك لهذا الطلب شيء منته ، هكذا قال الطبيب ، المرض عضال ومميت ، إن لم توقن أن الله قادر على أن يستجيب لك مهما كان الأمر خطيراً ، لأن قدرة الله تتعلق بكل شيء ، مهما بدا كبيراً ، عندئذٍ لا يجاب الدعاء ، أول شرط حضور القلب .
 بالمناسبة ؛ حضور القلب ما الذي يمنعه ؟ أنت مثلاً لا تستطيع أن تكون مع الله في قلبك ، المعصية ، المعصية حجاب ، إذا لم يكن هناك معاص بإمكانك أن تكون حاضر القلب مع الله عز وجل ، فالدعاء شرطه حضور القلب .
 والشرط الثاني : أن توقن بالإجابة ، الله عز وجل على كل شيء قدير .
 شيء آخر : هناك قصص تناهت إلى سمعي عن حالات مرضية ميؤوس منها ، والله أعرف رجلاً هو صديق لي ، أصابه مرض عضال ، فإذا باع بيته كله - وما أغلى البيت الآن ! - ربما وفّى جزءاً من العملية الجراحية ، واحتمال نجاحها ثلاثون بالمئة ، زرته مرتين أو ثلاث وقد دمعت عيني لا لشيء ، لأن أطفاله صغار، والخيار صعب جداً ، لابد من أن يباع هذا البيت ، وتجري هذه العملية في أقصى بلاد الدنيا ، وكيف أن هذا المرض الخبيث تراجع ذاتياً ، وشفي المريض شفاء تاماً ، وهذا شيء ثابت في الحياة ، هناك أشياء ذاتي ، وهو الآن حي يرزق يتمتع بأعلى درجات الصحة ، والله الذي لا إله إلا هو أربعة أطباء أو خمسة أشرفوا على هذه المعالجة ، أخذوا خزعات ، وأخذوا هذه الخزعات للتحليل ، تناهى إلى سمعي عشرات بل بضع عشرات القصص التي تؤكد أن مرضاً عضالاً تم شفاؤه من دون معالجة ، عندئذٍ سمّى الأطباء هذه الاستثنائية : الشفاء الذاتي .
 فإذا دعوت الله عز وجل ، وليس لك ثقة أن الله يقدر أن يشفيك هناك مشكلة .

(( أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ))

[أخرجه الطبراني عن واثلة بن الأسقع ]

 أول شرط : حضور القلب ، الشرط الثاني : أن توقن بالإجابة ، رجاء الإجابة ، النبي الكريم يقول :

(( ادُعوا اللهَ وَأنْتُمْ مُوقِنُونَ بالإِجَابَةِ ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 هل يعقل ألا أجد بيتاً ؟ نعم معقول ، البيت ثمنه كبير ، وأنا دخلي محدود ، متى سأتزوج مثلاً ؟ الله على كل شيء قدير ، يخلق من الضعف قوة ، ومن الضيق فرجاً ، ومن الفقر غنى ، فما دمت تشاهد ، أو أنت موقن أن هذا الشيء الذي تدعو الله به مستحيل أن يعطيك إياه صار الدعاء لا قيمة له ، أن توقن أن الله على كل شيء قدير ، وثاني الشروط : الإجابة .

(( ادُعوا اللهَ وَأنْتُمْ مُوقِنُونَ بالإِجَابَةِ ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

على المؤمن أن يدعو الله و هو موقن بأنه سيستجيب له :

 دققوا هناك تتمة للحديث :

(( واعلموا أنَّ الله لا يَسْتَجِيبُ دُعَاء من قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 حديث آخر على الإتقان بالإجابة ، قال : يقول النبي الكريم :

(( إن هذه القلوب أوعية ، وبعضها أوعى من بعض ، فإذا سألتم الله عز وجل أيها الناس فسلوه وأنتم موقنون بالإجابة ، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل))

[أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ]

 قلبٌ غافل ، ساهٍ ، لاهٍ ، لا يوجد يقين بالإجابة ، لا يوجد حضور قلب ، هذا الدعاء لا يستجاب أبداً ، النبي الكريم نهى عن :

(( إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلا يَقل : اللهم اغفر لي إن شئتَ ، اللَّهُمَّ ارحمني إِنْ شِئْتَ ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

 هذا الشيء لا يقبل إطلاقاً ، أن يقول العبد : اللهم اغفر لي إن شئت ، ولكن ليعزم المسألة ، فإن الله لا مكره له ، لا توجد قوة أخرى في الكون ، يا رب اغفر لي ، وارحمني ، وعافني ، واعف عني ، وفقني ، وأعني ، وقربني ، واهدني ، واهدِ بي ، فاسأل الله عز وجل وأنت موقن بالإجابة ، فإذا فتح عليكم باب دعاء فهذا باب كبير ، وخير عميم ، خالق الكون يقول لك : يا عبدي ادعني أستجب لك .

(( إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُمهِلُ حتى إِذَا ذَهَبَ ثُلُث الليل الأَوَّلُ ، نَزَلَ إلى السماء الدنيا فيقول جلّ وعلا : هل مِنْ مُستَغْفِرٍ ؟ هل مِن تائِبٍ ؟ هل من دَاعٍ ؟ حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

 لذلك الإنسان ينبغي أن يدعو الله ، ويؤمن أن الله سيستجيب له ، وعندئذٍ يرتقي بدعائه إلى تحقيق حاجاته في الدنيا والآخرة .
 الحمد لله رب العالمين الذي أعطانا الدعاء قوة لنا ، ويحفظنا في الدنيا والآخرة .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018