أحاديث قدسية - الحلقة : 06 - بين التصديق والتكذيب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠57برنامج أحاديث قدسية - قناة قطر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الحلقة : 06 - بين التصديق والتكذيب


2020-04-29

مقدمة :

 أخوتي الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 لذلك هذه الحلقات إن شاء الله تتمحور حول الأحاديث القدسية .
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

صفة المؤمنين الأولى إيمانهم بالغيب :

 أيها الأخوة الأحباب ؛ مع حديث قدسي جديد ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( إِن لِله ملائكة يطوفون في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهل الذِّكْر ، فإذا وجدوا قوما يَذْكُرُونَ الله تَنَادَوْا : هَلُمُّوا إِلى حاجتكم ، قال : فَيَحَفُّونَهُمْ بأَجنحتهم إِلى السماءِ الدنيا . قال : فيسأَلُهم ربُّهم - وهو أَعلم بهم - : ما يقول عبادي ؟ قال : يقولون : يُسَبِّحُونَكَ ويُكَبِّرُونَكَ ويَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ . قال : فيقول : هل رأَوْني ؟ قال : فيقولون : لا والله ما رَأوْك ، قال : فيقول : كيف لو رأوني ؟ قال : يقولون : لو رأَوْك كانوا أشَدَّ لك عبادة ، وأشدَّ لك تمجيداً ، وأكثرَ لك تسبيحاً . قال : فيقول : فما يسألون ؟ قال : يقولون : يسأَلونك الجنَّةَ ، قال : فيقول : وهل رأَوْها ؟ قال : يقولون : لا والله يا ربِّ ما رَأوْها ، قال : يقول : فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون : لو أنَّهُمْ رَأوها كانُوا أَشدَّ عليها حِرْصاً ، وأَشدَّ لها طلباً ، وأعظمَ فيها رَغْبَة ، قال : فَمِمَّ يَتَعَوّذُونَ ؟ قال : يتعوَّذون من النار . قال : فيقول : وهل رأوها ؟ قال : يقولون : لا والله يا ربي ما رَأَوها ، قال : فيقول : فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون : لو رأَوها كانوا أشدَّ منها فِرَاراً ، وأشد منها مَخَافَة . قال : فيقول : فأُشْهِدُكم أَنِّي قد غفرتُ لهم . قال : يقول مَلَكٌ من الملائكة : فيهم فلان ، ليس منهم ، إنما جاءَ لحاجةٍ . قال : هم الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى جَلِيسُهم ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة ؛ ما صفة المؤمنين الأولى ؟ إنهم يؤمنون بالغيب ، لم يروا الله الله عز وجل ، ولكن الكون دلهم عليه ، آمنوا بالله غيباً ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة المؤمنون : 190 ـ 191 ]

 المؤمنون لم يروا الجنة ، ولكن الله أخبرهم عنها ، فآمنوا بها ، لم يروا النار ، ولكن الله أخبرهم عنها ، فآمنوا بها ، فكلما هبط المخلوق تعامل بحواسه ، وكلما ارتقى تعامل بعقله ، العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه ، غير المؤمن يعيش لحظته ، يعيش بيئته ، يعيش واقعه .

 

الناس على كثرتهم لا يزيدون على نموذجين :

 الله عز وجل يقول في سورة الليل :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى* إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

[ سورة الليل : 1 ـ 11]

 الناس على كثرتهم ، وعلى تنوعهم ، وعلى ثقافاتهم ، وعلى أصولهم ، وعلى أعراقهم، وعلى أنسابهم ، وعلى طوائفهم ، لا يزيدون على نموذجين ، هذا تقسيم القرآن ، هذا تقسيم خالق السماوات والأرض ، أول نموذج عرف الله فانضبط بمنهجه ، وأحسن إلى خلقه ، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة ، والثاني غفل عن الله ، وتفلت من منهجه ، وأساء إلى خلقه ، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة ، ولن تجد صنفاً ثالثاً ، الآيات قال تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5 ـ 6]

 يجب أن ننتبه إلى الترتيب ، جاء معكوساً ، أي صدق بالحسنى ، والحسنى هي الجنة ، أيقن أنه مخلوق للجنة ، وأن هذه الدنيا مجال لدفع ثمن الجنة في الدنيا .

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5 ـ 6]

 أنت مخلوق للجنة عرضها كعرض السماوات والأرض .

(( فيها ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 أنت مخلوق للأبد ، لا لسنوات معدودة ، فهذه الدنيا ممر ، وليست مقراً ، هذه الدنيا دار ابتلاء ، لا دار جزاء ، هذه الدنيا دار عمل ، وليست دار أمل ، فلذلك حينما يعرف المؤمن حقيقة الحياة الدنيا تأتي حركته صحيحة .
 لذلك هؤلاء الصنف الأول أيقنوا أنهم مخلوقون للجنة ، ماذا ترتب على هذا الإيمان ؟ اتقوا أن يعصوا ربهم ، وبنوا حياتهم على العطاء إن صح التعبير ، فالمؤمن حياته مبنية على العطاء ، من هنا قدم أحدهم كتاباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي مقدمته توجه إليه فقال : يا سيدي يا رسول الله ، يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدست الوجود كله ورعيت قضية الإنسان ، يا من زكيت سيادة العقل ، ونهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، والعدل شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلات الناس عبادتك .
 هذا النبي العظيم أعطى ولم يأخذ ، والبشر قسمان ؛ المؤمنون أتباع الأنبياء يتخلقون بأخلاق الأنبياء ، فالأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الآن :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5 ـ 6]

 لأنه صدق بالحسنى اتقى أن يعصي الله عز وجل ، الذي يؤمن بالله يستقيم على أمره .

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 8 ـ 9]

 انطلق من تكذيبه بالجنة ، آمن بالدنيا وكفر بالآخرة ، فلما آمن بالدنيا استغنى عن طاعة الله ، وبنى حياته على الأخذ ، لذلك :

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل : 10 ]

 غير المؤمن يعيش لحظته ، والمؤمن يبحث عما بعد الموت .

 

المؤمن يؤمن بالآخرة أما غير المؤمن فيعيش لحظته :

 لذلك الله جلّ جلاله خلق في الإنسان نقاط ضعف لصالحه ، خلقه عجولاً ، فالإنسان بحسب طبعه يحب الشيء العاجل ، يحب الذي أمامه ، يحب المتعة ، يحب المال الذي يأخذه بحق أو بغير حق ، يحب اقتناص اللذة الفورية ، بينما المؤمن يرجئ حاجته إلى ما بعد الموت ، آمن بالغيب ، كل شيء في الدنيا يدعوك إليها ، ومع ذلك تجد المؤمن معرضاً عنها ، وكل شيء في الآخرة يحتاج إلى جهد ، إلى كلفة ، لماذا سمي التكليف تكليفاً ؟ لأنه ذو كلفة ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾

[ سورة البقرة : 2 ]

 تصور راكب دراجة يمشي على طريق مستوية ، ثم واجه طريقين ، الأول طريق صاعد ، والثاني طريق هابط ، وراكب الدراجة يمتعه ويريحه أن يسلك الطريق الهابط ، بل إن الطريق الهابط معبد ، وفيه أشجار وأزهار ، والطريق الصاعد فضلاً عن أنه صاعد متعب ، وفيه حفر ، وفيه أكمات ، وفيه تراب ، وطبع راكب الدراجة يقتضي أن يسلك الطريق الهابط ، الطبع هو شيء في البيئة ، يدعوه أن يسلك الطريق الهابط ، وكل شيء في البيئة يدعوه أن ينصرف عن الطريق الصاعد ، كتبت لوحة عند مفترق الطريقين : هذا الطريق الهابط ينتهي بحفرة ما لها من قرار ، فيها وحوش كاسرة ، تلتهم من يقع فيها ، وهذه الطريق الصاعدة تنتهي بقصر منيف ، هو لمن دخله ، هذه اللوحة وما فيها يدعوك أن تتخذ قراراً معاكساً ، يدعوك إلى أن تسلك الطريق الصاعدة ، أن تدع الطريق الهابطة ، هذه القضية كلها .
 فغير المؤمن يعيش لحظته ، يعيش وقته ، يعيش الشهوات التي أودعت فيه ، يعيش المكاسب التي بين يديه ، أما المؤمن فيبحث عما بعد الموت ، من هنا ورد :

(( إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وأحزمكم أشدكم استعداداً له ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور ))

[أخرجه الحارث عن زيد بن علي عن آبائه]

 المؤمن آمن بالآخرة ، اتقى أن يعصي الله بالدنيا ، وقيد هواه بحدود الشرع .

 

العاقل من يضبط نفسه و يعمل لآخرته :

 أخواننا الكرام ؛

(( الكيس ))

 أي العاقل .

(( من دان نفسه ))

 ضبط نفسه .

(( وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ))

[أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس]

 طبعاً الشيء الدقيق جداً مثل ذكرته كثيراً ، لكنه يناسب هذا الموضوع : المركبات تنطلق إلى أحد أحياء دمشق ، كانت تنطلق من مركز المدينة ، وكان اتجاهها نحو الشرق ، ففي أيام الحر الشديد يصعد الراكب يرى المقاعد اليمنى فيها شمس لاذعة ، والمقاعد اليسرى فيها ظل ظليل ، هذه المركبة تتجه نحو الشرق ، والحي الذي ينبغي أن تصل إليه في اتجاه الغرب ، لابد من أن تدور بعد قليل حول مركز المدينة ، فالراكب الذي يفكر أن يجلس في الشمس لأنه سيبقى دقيقة واحدة وبعدها تنعكس الآية ، وينعم بالظل الظليل ، إلى نهاية الرحلة ، أما الراكب الذي لا يفكر ، الذي يعيش وقته ، حاضره فيجلس في الظل ، ويتهم هذا الذي يجلس في الشمس بأنه أحمق ، لكن بعد دقيقة واحدة تنعكس الآية ، هذه قصص الدنيا والآخرة .
 وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الصواب ، ومعرفة الله ، وطاعته .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018