الدرس : 10 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 32-35 ، الهداية قرار داخلي - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 32-35 ، الهداية قرار داخلي


2005-02-25

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس العاشر من دروس سورة الأنعام .

كل عمل ولو بدا عظيماً إن لم يكن موظفاً للسعادة الأبدية فهو لعب :

 مع الآية الثانية والثلاثين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾

 أيها الأخوة الكرام ، تحدثت في درسٍ سابق عن حقيقة اللعب وعن حقيقة اللهو ، وبينت أن العمل العابث الذي لا جدوى منه في المستقبل ، والذي ينطوي على نقيضه في الدنيا هو لعب ، والمثل الواضح : حينما تذهب إلى الثلج ، الأطفال يصنعون دمية من الثلج ، هذه يصنعونها ، ويعتنون بشكل وجهها ، لكن بعد حين إما أن تذوب ، وإما أن تنهار ، كذلك على شاطئ البحر ، هذا أوضح مثل للعب ، عمل لا جدوى منه في المستقبل ليس له أثر مستقبلي ، ينطوي على نقيضه ، وحينما تبتعد عنه يصغر في عينيك .
 ضربت مثلاً آخر ، طفل أحياناً يلهو بمركبة صغيرة ، يمررها على الأثاث ، ويحدث صوت مع تمريرها ، وكأنها محرك ، فإذا أُخِذت منه بكى بكاءً شديداً ، فإذا صورناه بهذه الحالة ، فلما أصبح راشداً ، وله مقام في المجتمع ، وأريناه هذه الصور يستصغر عقله حينما كان في هذه السن .
 لكن لو تعمقنا أكثر لوجدنا أن الدنيا كلها لعب ، ماذا يجدي سباق السيارات أحياناً؟ ماذا يجدي سباق الهجن ؟ سباق الخيل ؟ إلا إذا كان موظفاً لهدف نبيل ومروءة ، أما لمجرد السباق ، ماذا يجدي أن يهيج الناس من أجل إدخال كرة في مرمى ؟ ماذا يجدي أن يصعد الإنسان إلى القمر وشعوب تموت من الجوع في أطراف الأرض ؟ لذلك لو تعمقنا أكثر لوجدنا أن كل عمل ولو بدا عظيماً إن لم يكن موظفاً للسعادة الأبدية فهو لعب .

حينما يؤمن الإنسان بالآخرة إيماناً حقيقياً كل حركاته وسكناته في الدنيا مرتبطة بذاك الهدف :

 متاحف في أوربة فيها تماثيل من صنع فنانين كبار ، شيء لا يصدق في أبهائها ، وتماثيلها ، يأتي السائح فيؤخذ بهذه التماثيل ، ماذا فعلنا ؟ أيّ عمل لا يوظف للسعادة الأبدية فهو لعب ، أي عمل لا يوظف للدار الآخرة فهو لعب ، الدليل :

 

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾

( سورة القصص الآية : 77 )

 لكن أيها الأخوة ، أنا مضطر أن أوضح ؛ أحياناً الأب إذا أخذ أولاده إلى نزهة بعد مدة طويلة من الدراسة المضنية ، وملأ قلوبهم بالفرح ، وآنسهم ، ومتن علاقتهم به ، وأكرمهم فهذا عمل متعلق بالآخرة ، ليس لعباً ، أنت حينما ترتدي ثياباً أنيقة لأنك مسلم وتمثل هذا الدين ، ثيابك نظيفة ، تعتني بهندامك ، هذا ليس لعباً لأن له أثراً في مكانة المسلم ، أنت حينما ترتب محلك التجاري ، لأن اسمك مسلم ، فإذا كان في المحل فوضى ، وغبار ، وأشياء لا لزوم لها تؤخذ عنك فكرة سيئة ، فأنت حينما تعتني بمحلك التجاري ، وببيتك ، وبهندامك ، وحينما تمتّن علاقتك بأهلك وبأولادك هذا ليس من اللعب ، هذا من عمل الآخرة .
 لذلك أنت حينما تؤمن إيماناً حقيقياً ، وحينما تؤمن بالآخرة إيماناً حقيقياً ، كل حركاتك وسكناتك في الدنيا مرتبطة بذاك الهدف .
 أبين هذا بمثلٍ : إنسان ذهب إلى بلد غربي لينال دكتوراه ، ويعلق أهمية لا حدود لها على هذه الشهادة ، في عودته إلى بلده يحمل هذه الشهادة العليا ، وفي زواجه ، وفي شراء بيته ، الهدف الأول في هذا البلد نيل الدكتوراه ، علة وجوده في هذا البلد نيل الدكتوراه ، الآن عنده حركة يومية ، كل تصرفاته الجزئية مربوطة بهذا البلد ، الآن أراد أن يستأجر بيتاً ، يفكر ، يجب أن يختار موقعاً قريباً من الجامعة لأن هدفه نيل الدكتوراه ، ويجب أن يكون الوقت المستهلك في الانتقال للجامعة قصيراً ، أراد أن يقتني مجلة ، يختارها متعلقة باختصاصه ، أراد أن يصاحب صديقاً ، يختاره متقناً للغة حتى يتعلم منه المحادثة ، يختار أن يأكل ، يختار أكلة خفيفة تعينه على الدراسة ، والحديث طويل ، كل حركاته وسكناته في هذا البلد مربوطة بهدف كبير . هكذا المؤمن لأنه آمن بالله ، واختار الدار الآخرة .

 

لا تصح حركتك في الدنيا إلا إذا عرفت سرّ وجودك فيها :

 الآية تقول :

 

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا أَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾

 يمكن أن نجري مسابقات علمية وعسكرية فقط لأنها تدعم أهدافَ الأمة ، كي يكون المقاتل قويّاً يحتاج إلى تدريبات ، نقيم مسابقات ، أما المسابقات لاختيار أفضل مغنية مثلاً فهذا لعب ، لا علاقة له بالدار الآخرة .
 أنت حينما تعرف الهدف تكون جميع الوسائل في خدمة الهدف ، وتأخذ قيمة الهدف مادام الهدف نبيلاً ، هذه الوسائل المؤدية إلى هذا الهدف تأخذ قيمة الهدف .

 

﴿ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾

( سورة التوبة : الآية : 120 )

 اللعب حركة فيها نقيضها ، ولا هدف لها ، ولا أثراً مستقبلياً لها ، وتنتهي بانتهائها ، وتستصغرها بعد حين ، هذا هو اللعب ، أما اللهو فأخطر من اللعب . لو أن طالب أقام في العطلة الصيفية أشياء مؤقتة كي يستمتع بها ، لكن لو أنه انشغل بهذه اللعب والفحص على الأبواب ، نقول : هذا فضلاً على أنه لعب فهو لهو لأنه صرفه عن هدف نبيل بشيء خسيس ، حينما تنصرف بالشيء الخسيس عن الشيء النبيل فهذا لهو .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (9)﴾

( سورة المنافقون الآية : 9 )

 القصة كلها أن تعرف سر وجودك وغاية وجودك ، ولا تصح حركتك في الحياة إلا إذا عرفت سر وجودك ، وغاية وجودك ، كالذي ذهب إلى مدينة في الغرب ، ونام في الفندق أول ليلة ، واستيقظ وسأل : أين أذهب ؟ نسأله نحن : لماذا جئت أنت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى المعاهد والجامعات ، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات ، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات ، فلا تصح حركتك في هذا البلد إلا إذا عرفت الهدف من وجودك فيه ، كما أنه لا تصح حركتك في الدنيا إلا إذا عرفت سر وجودك فيها ، لماذا أنت في الدنيا ؟

 

العبادة علة وجودنا :

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

( سورة الذاريات )

 العبادة علة وجودنا ، الآن يُبنى على هذه الحقيقة الدقيقة الحركة :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97)﴾

( سورة النساء )

 المكان الذي يحول بينك وبين عبادة الله التي هي سر وجودك ينبغي أن تغادره ، وإلا كان المصير إلى النار .
 أيها الأخوة الكرام ، المشكلة أن الإنسان حينما يسافر يجد حياة مريحة جداً ، يجد جَمالاً أخّاذاً ، حاجات متوفرة بشكل لا يصدق ، كل شيء مُيسر ، إلا أن الشيء الذي لا يُحتمَل أنك لا تستطيع أن تضبط من حولك في هذه البلاد ، فحينما تخسر أولادك تخسر كل شيء ولم تربح شيئاً ، فالمكان الذي يمنعك أن تعبد الله ينبغي أن تغادره ، والمكان الذي يغري أولادك أن يعصوا الله ينبغي أن تغادره ، لقوله تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً (6)﴾

( سورة التحريم الآية : 6 )

المكان الذي يحول بينك وبين أن يكون أولادك في طاعة الله ينبغي أن تغادره :

 البنت التي وُئِدت في الجاهلية تُسأل :

 

﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)﴾

( سورة التكوير )

 لكن الله يقول :

 

﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (191)﴾

( سورة البقرة الآية : 191 )

 أما التي تنشأ في بلد متفلت ، ولها صاحب ، ولا يستطيع الأب أن يعنفها بحسب القوانين النافذة فهذه موءودة ، والله الذي لا إله إلا هو أخ كريم جاء من بلد بعيد ، وحدثني عن صديق له سمة إسلامية ، قال له : ماذا أفعل ؟ ابنتي فوق في غرفتها ومعها صديقها ولا أستطيع أن أفعل شيئاً ، إن عنّفتها وقّعت تعهداً في مركز الشرطة ألاّ أعود إلى ذلك لأنه سلوك غير حضاري ، هذا الصديق الذي خلا بابنته جاء بدعوة من ابنته ، أنت إنسان غير حضاري . إذاً المكان الذي يحول بينك وبين أن يكون أولادك في طاعة الله أيضاً ينبغي أن تغادره ، ومعنى :

 

﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ (97)﴾

( سورة النساء الآية : 97 )

 إما ضعف قمعي وإما ضعف نفسي ، قد يضعف الإنسان أمام الشهوات ، فهو في هذا المكان مستضعف ، وقد يضعف أمام قوة قاهرة .

 

﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ (97)﴾

( سورة النساء الآية : 97 )

العقل أن تبدأ من النهاية أي الموت :

 لذلك أكبر شيء مهم في الدين أن تعرف لماذا أنت في الدنيا ؟ وما حقيقة الكون ؟ وما حقيقة الحياة الدنيا ؟ وما حقيقة الإنسان ، من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ من هنا يكون المؤمن عاقلاً ، لأنه عرف سر وجوده وغاية وجوده ، وتكيف مع أخطر حدث في حياته ألا وهو الموت :

 

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾

 هناك كتب كثيرة ، من هذه الكتب كتاب قصص العرب ، من أربعة أجزاء ، والحقيقة أنه ممتع جداً ، لكن هناك موعظة أن الأقوياء في هذا الكتاب ماتوا ، وأن الضعفاء ماتوا ، وأن الأذكياء ماتوا ، وأن المغفلين ماتوا ، وأن أصحاب الوسامة ماتوا ، وأن أصحاب الدمامة ماتوا ، وأن كل مخلوق في هذا الكتاب تحت أطباق الثرى ، وهذا المجلس بعد مئة عام لا يبقى فيه واحد منا موجوداً ، بين مقبرة الشيخ محي الدين والباب الصغير ، كلنا ، هذه مقابر دمشق وفيها شواهد ، وإذا نزل واحد فوقنا يجدون جمجمة وعظمتين ، أليس كذلك ؟
 هذا الكلام الواقعي ، فماذا أعددنا لهذه الساعة التي لا بد منها ؟ هذا هو العقل ، ابدأ من النهاية .

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾

الفرق الشاسع بين الدنيا والآخرة :

 بربكم مثل بسيط جداً ذكرته كثيراً : لو خيّروك بين أن تركب مركبة فاخرة ربع ساعة ، وبين أن تعطى دراجة نارية لك طوال الحياة ، ماذا تختار ؟ الدراجة ، هذه مدى الحياة ، وهذه مؤقتة ، حسناً لو كان الاختيار بين أن تركب هذه المركبة ربع ساعة أو أن تركب هذه الدراجة ربع ساعة ؟ تختار المركبة ، أما إذا خيّروك أن تركب هذه الدراجة ربع ساعة ، وأن تقتني هذه المركبة الفارهة مدى الحياة هل تتردد ثانية ؟ هذه الدنيا والآخرة .

 

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾

( سورة الضحى )

 وقال :

 

﴿ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾

( سورة الأعلى )

 هل يوجد أوضح من هذا ؟

 

﴿ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ :

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾))

[ أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد ]

 ليس في الجنة أمراض ، ولا متاعب ، ولا اغتيالات ، ولا هموم ، ولا فقر ، ولا قلق ، ولا تهديد ، أما في الدنيا فالأمراض والمتاعب لا تنتهي .

 

﴿ وَمَا لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)﴾

( سورة ق )

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

أدلة من القرآن والسُّنة تبين أن الدنيا إذا قيست بالأبد فهي لاشيء :

 هذه الحياة الأبدية إلى ما شاء الله ، أكبر رقم في الدنيا إذا قيس بالأبد فهو صفر ، يمكن أن تعيش خمسة آلاف مليون سنة ، ممكن ، لأنَّ كل ما سوى الله ممكن ، الله عز وجل واجب الوجود وما سواه ممكن الوجود ، ممكن أن تعيش خمسة مليارات سنة ، ممكن أن تعيش خمسة آلاف مليون مليار سنة ، لكن قيمة هذه الدنيا كلها إزاء الآخرة صفر ، أي أخ درس الرياضيات من بديهيات الرياضيات أن أكبر رقم أنا عبرت عنه بواحد في الأرض ، وأصفار إلى الشمس ، 156 مليون كم ، لا كل من الكيلومترات أصفاراً ، كل ميليمتر صفر ، واحد في الأرض وأصفار إلى الشمس ، اسألوا علماء الرياضيات ، كل ميليمتر صفر ، 156 كم من الأصفار ، هذا الرقم ضعه صورة وضع في المخرج 8 ، القيمة صفر ، لذلك :

 

﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25)وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26)﴾

( سورة الدخان )

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد ]

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾

ما الحياة الدنيا إلا تفاخر ولعب ولهو وزينة :

 لذلك هذا كلام لكل الأخوة الكرام :

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[ أخرجه الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 دخل صحابي على رسول الله e ، وهو من أفقر الصحابة ، فالنبي e هشّ له وبشّ ، قال :

(( أهلاً بمن خبرني بقدومه جبريل ، قال : أو مثلي ؟ قال نعم يا أخي ، خامل في الأرض علم في السماء ))

[ ورد في الأثر]

 لذلك :

(( ابتغوا الرفعة عند الله ))

[ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة]

 الحياة الدنيا تعريفها لعب ولهو ، وفي آية وزينة :

 

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (20)﴾

( سورة الحديد الآية : 20 )

 تفاخر ، تكاثر ، زينة ، لعب ، لهو ، إذا قال الله :

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا ﴾

 يعني أن في الآية حصراً وقصراً ، وليست غير ذلك ، لذلك ورد في بعض الأحاديث :

(( خذ ما تشاء من الدنيا ، وخذ بقدره هماً ))

[الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

(( من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر ))

[البزار من حديث أنس وضعفه ابن حبان ]

الله عز وجل يواسي سيدنا محمد في الآية التالية على تكذيب الكفار له :

 قال تعالى :

 

﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)﴾

 هو الرسول ، سيد الخلق وحبيب الحق ، من شدة كماله ورحمته بالخلق فهو أرحم الخَلق بالخَلق ، فحينما يُكذَّب يتألم أشد الألم ، فالله سبحانه وتعالى يواسيه :

﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾

 إذاً الإنسان مخيّر ، فإذا صدّق الحق واتبعه كسب الدنيا والآخرة ، وإذا كذّب الحق ولم يتبعه خسر الدنيا والآخرة ، وطريق الإيمان بالله آياته الدالة على عظمته ، والدليل :

﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾

 والآيات العلامات ، هناك آيات كونية دالة على عظمة الله ، وهناك آيات تكوينية ـ أي أفعاله ـ دالة على عظمة الله ، وهناك آيات قرآنية ـ أي كلامه ـ دالة على عظمة الله .

 

﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)﴾

 أي يا محمد لا تحزن لأنّ شأن المرسلين أن يكذبوا ، لكن هناك نقطة دقيقة وهي عن الجامعة ، الجامعة الكبرى لا يعني أن كل الطلاب ينجحون ، أبداً ، لكن الجامعة الكبرى أن تأتي النتائج متوافقة مع المقدّمات ، حينما ينجح المتفوق ولا ينجح الكسول فهي جامعة عظيمة ، لذلك أن يكون الإنسان مخيَّراً ، وأن يمنح الإنسان مقوّمات التكليف من كون دال على عظمة الله ، ومن عقل يعد أحد أسباب معرفة الله ، ومن فطرة تعد سبب معرفة الله ، ومن شهوة كقوة محركة ، ومن اختيار كثمن لعمل الإنسان ، ومن شرع كطريق واضح يسير فيه .

يجب أن تؤمن أن من سنن الله عز وجل المعركة بين الحق والباطل :

 أيها الأخوة ، حينما يكون الإنسان مؤمناً ، وحينما يتفوق في الدنيا بإيمانه عندئذٍ يحقق الهدف من وجوده ، فالنبوات بعض أتباع الأنبياء ، أو بعض الذين التقى بهم الأنبياء يصدقونهم ، وبعض الذين التقى بهم الأنبياء يكذبونهم ، فالعبرة أن يكون مصير المُكذب مصيراً معيناً ، وأن يكون مصير المصدق مصيراً معيّناً ، إذاً هناك عدل في الكون .
 يا محمد لا تتألم ، ولا تحزن إذا كذبك قومك ، فهذا شأن الأنبياء من قبل :

 

﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)﴾

 يجب أن نؤمن أن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، هكذا أراد الله عز وجل ، وكان من الممكن أن يجمع الله الكفار كلهم في قارة واحدة ، والمؤمنين في قارة ثانية ، وليس هناك تواصل بينهما ، لكن لم تعد هناك جنة ، لو كان الكفار في بلد بعيد ، وجاء النبي عليه الصلاة والسلام ، وجاء بالرسالة ، وجاء بالقرآن فذاب الناس محبة له خضعوا له ، وليس هناك بدر ، ولا أحد ، ولا خندق ، ولا نفاق ، ولا أعداء ، لكن لم تعد هناك جنة .

﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ (4)﴾

( سورة محمد الآية : 4 )

 يجب أن تؤمن أن من سنن الله عز وجل المعركة بين الحق والباطل ، الأعداء لهم دور مهم جداً ، الأعداء يدفعونك إلى طلب العلم إذا كذبوا دينك ، قد يأتي مؤلف ويقول : هذا الدين خرافة ، والدين أفيون الشعوب ، مثلاً ، وقد يأتي إنسان مبطل ويقول : هذا القرآن من كلام محمد ـ e ـ النقطة الدقيقة أن الله سمح بذلك لدفعِ المؤمنين إلى تمكين إيمانهم ، ما الذي يحصل في النهاية ؟ أن عمالقة الشر ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله .

 

﴿ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36)﴾

( سورة الأنفال الآية : 36 )

يمكن أن نشكر القوة الغاشمة لأنها أعانتنا على أن نكفر بها ونؤمن بالله :

 الطرف المناوئ له فضل كبير ، نحن على مستوى ما يجري في العالم أنا أرى ، وأتمنى ، وأعتقد أن هذه الهجمة الغير معقولة على الإسلام والمسلمين لصالح المسلمين لأنها توحدهم ، ولأنها توقظهم ، ولأنها تدفعهم إلى التمسك بدينهم ، ولعل هناك خيرات حِسان لا يعلمها إلا الله من نتائج هذه المعركة ، ومن قبل ما جرى في الحادي عشر من أيلول هناك قوة عظمى خطفت أبصار أهل الأرض ، وطمع كل إنسان أن يُسمح له بزيارة هذه البلاد ، وكأن هذه البطاقة الخضراء بطاقة إلى الجنة الخضراء ، وأن هذه القوة الكبيرة العملاقة الغنية القوية التي طرحت قيماً رائعة يُحبها الإنسان كحريته ، وما شاكل ذلك من قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص والعولمة وغيرها ، هذه القيم خطفت أبصار أهل الأرض ، وتعلق الناس بهذه الجهة القوية ، ورأوها بديلاً للدين ؛ هي الحضارة والتفوق ، فلما ظهرت وحشيتهم أصبحت قوة غاشمة ، ليس غير ، وبقي الإسلام عملاقاً في نظر الناس .
 لذلك الكلمة الدقيقة ، أنه يمكن أن نشكر هذه القوة الغاشمة ، لأنها أعانتنا على أن نكفر بها ، وما لم نكفر بها فالطريق إلى الله ليس سالكاً :

 

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا(256)﴾

( سورة البقرة الآية : 256 )

 إذاً الله عز وجل يخفف عن نبيه الكريم فيقول :

﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى ـ لانتهاء الغاية ـ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾

 الله عز وجل لا يتخلى عنا ، وأرانا بعض الآيات ، هذه القوة العملاقة الطاغية ، لوحان اصطدما فكانت قوة تصادمهما مليون قنبلة ذرية .

 

الحكمة من إثبات التهم التي اتهم بها النبي الكريم في القرآن :

 أخواننا الكرام ، بربكم إذا قال الكفار والمشركون : إن محمداً e مجنون ، أو ساحر ، أو كاهن ، أو شاعر ، لماذا أثبت الله هذا في القرآن ويتلى إلى يوم القيامة ، ما الحكمة ؟ سبّ أحدهم إنساناً بسباب مؤذٍ هل من الحكمة أن تروج هذه الكلمة بين كل الناس ؟ هذا الذي وقع ، جميع التهم التي اتهم بها النبي عليه الصلاة والسلام قد أثبتها الله في القرآن ، وهذا كتاب يُتلى إلى يوم القيامة ، فما الحكمة ؟
 الحكمة : أنْ يا أيها الدعاة إذا نالكم أذى فلكم في هذا النبي الكريم أسوة حسنة ، هل يعقل أن يذهب النبي الكريم إلى الطائف مشياً على قدميه ، وهناك يستهزأ به ، ويُكذّب ، ويناله الأذى حتى سال الدم من قدميه الشريفتين ، أيضاً هذا درس للدعاة ، أنك إذا تحملت في سبيل الدعوة مضايقة وعذاباً فلك بهذا النبي أسوة حسنة ، والآخرة تسوى فيها الحسابات

﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾

 هؤلاء الذين حاربوا النبي أين هم الآن ؟ هؤلاء صناديد قريش ، زعماء قريش ، أين هم الآن ؟ هم في مزبلة التاريخ ، والنبي الكريم الذي كان ضعيفاً مستضعفاً يمر على عمار بن ياسر ، وهو يعذب ، لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا أنْ يقول :

(( صبراً آل ياسر ! فإن مصيركم إلى الجنة ))

[الحارث والبغوي في مسند عثمان وابن منده ]

 كان ضعيفاً ، بالمناسبة ، لو كان النبي e قوياً لآمن كل من في الجزيرة في ثانية واحدة خوفاً منه ، كالأقوياء تماماً ، إذا أعطوا توجيهاً ينفذ بشكل غير معقول ، لكن أراده الله أن يكون ضعيفاً ليكون الإيمان به قيماً ، الإيمان به له ثمن كبير ، لأنه آمن :

 

﴿ وَمَا قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً (21)﴾

( سورة الجن )

وقال :

 

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً (188)﴾

( سورة الأعراف الآية : 188 )

 هذا الإنسان جعله ضعيفاً ليثمن الإيمان به ، آمن به وهو ضعيف :

﴿ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾

 مستحيل وألف ألف مستحيل أن يتخلى الله عن المؤمنين ، ولكن علينا أن نصبر .

 

إن عصينا وصبرنا فالمصير إلى القهر أما إن أطعنا وصبرنا فالنتيجة هي النصر :

 قال تعالى :

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً (120)﴾

( سورة آل عمران الآية : 120 )

 إن عصينا وصبرنا فالمصير إلى القهر ، أما إن أطعنا وصبرنا فالنتيجة هي النصر :

 

﴿ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾

 هذا قانون إلهي .

 

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾

( سورة غافر )

 وقال :

 

﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)﴾

( سورة الأنعام )

قضية الإيمان بالله في نفس الإنسان لا في الآيات :

 هنا نقطة دقيقة جداً ، أسأل الله أن يوفقني إلى شرحها :

 

﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

 الإنسان حينما يريد أن يؤمن فالبعرة تدله على البعير ، والأقدام على المسير ، والماء على الغدير ، وإذا لم يرد أن يؤمن يكون بوكالة ( ناسا )الفضائية ويرى المجرات كل يوم ، يكون بالمجهر الإلكتروني ويرى الخلية ، ولا يؤمن ، معنى ذلك أن الإنسان الذي رفض أن يؤمن لو رأى المعجزات إلى نهاية الدوران لا يؤمن ، والذي أراد أن يؤمن فهذا الكون من دون خرق للمعجزات يكفي للإيمان بالله ، فالقضية في نفس الإنسان لا في الآيات ، النبي عليه الصلاة والسلام بسبب رحمته وحرصه على هداية الخلق يسعى ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ﴾

 جعل إيمانهم قسرياً ، وبربكم لو أراد رئيس الجامعة أن ينجح جميع طلاب كلية الطب ، فطبعَ أوراق الإجابة عليها الإجابة التامة والعلامة مئة على مئة ، فقط اكتب وامشِ ، كلهم ينجحون ، ما قيمة هذا النجاح ؟ لا قيمة له إطلاقاً لا عند رئيس الجامعة ، ولا عند إدارتها ، ولا عند الناس ، ولا عند الطلاب ، فالهدى القسري سهل ، لكن لا يسعِد .

 

أراد الله تعالى أن يكون الإيمان اختيارياً لأنه سيكون ثمن جنة عرضها السماوات والأرض:

 الله عز وجل أرادنا أن نأتيه راغبين ، طائعين ، مختارين ، محبّين :

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ﴾

 أراد الله أن تكون العلاقة بينك وبينه علاقة محبة ، علاقة اختيار ، علاقة مبادرة شخصية ، لو أن الله أراد أن يؤمن الناس جميعاً لآمنوا ، لكن أراد أن يكون الإيمان اختيارياً ، لأنه سيكون ثمن جنة عرضها السماوات والأرض ، فالنبي عليه الصلاة والسلام من حرصه على قومه قال الله تعالى له :

 

﴿ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

 هذه قوانين الله عز وجل ، وأنت حينما تريد أن تؤمن فلا تحتاج إلى معجزة ، هذا الكون بوضعه القائم يكفي ، حسبكم الكون معجزة ، وإن أردت ألا تؤمن ترى زلزال آسيا ، وترى آيات لا تنتهي ، وغرق التيتانيك ، وسقوط كولومبيا ، وسقوط المتحدي ( تشالنجر )، ترى آيات دالة على عظمة الله ولا تؤمن .
 بالمناسبة ، أغلى آلة تصوير إذا لم يكن فيها فيلم لا قيمة لها ، وأقل آلة تصوير مع الفلم فيها فائدة ، فالفائدة أن تبحث عن الحقيقة ، فإن أردت الحقيقة كل شيء في الكون يدلك على الله ، وإن أردت أن تتجاهل الحقيقة فلو كنت في كل مراكز العلوم والجامعات والمجاهر والتلسكوبات لا تؤمن :

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ﴾

 الهدى قرار داخلي تتخذه ، فإن اتخذته فكل شيء يدلك على الله ، وإن لم تتخذه فلو رأيت نفقاً في الأرض ورأيت منه الطرف الآخر للأرض ، أو سلماً إلى السماء فلا تؤمن.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018