جامع التقوى - الدرس : 273 - الحظوظ موزعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

جامع التقوى - الدرس : 273 - الحظوظ موزعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء .


2019-06-13

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

كلما ارتفع مقام الإنسان اتسعت رؤيته :

 الله عز وجل وزع الحظوظ ، ما معنى كلمة حظوظ ؟ الصحة حظ ، والقوة حظ ، والقوة أنواع : قوة المال ، وقوة العلم ، وقوة المنصب ، وزع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ، توزيع امتحان ، إذا أنت كنت غنياً ، الكلمة دقيقة جداً أنت مبتلى بالغنى ، أي ممتحن بالغنى، كلمة مبتلى بالمفهوم العامي كلمة خاطئة ، ممتحن فقط ، أمتحنت ونجحت ، ليس لها معنى سلبي، معنى حيادي، أنت قوي بمنصب رفيع ، توقع توقيعاً تحل مشكلة ، بتوقيع تقر حقاً وتبطل باطلاً ، بتوقيع واحد تقرب صالحاً وتبعد فاسقاً ، السلطة قوية جداً .
 الإنسانية أوسع دائرة ارتقى إليها الأنبياء
مرة جئت إلى دمشق من المغرب ، الطيار كان تلميذي ، أخذني تكريماً لي إلى غرفة القيادة ، يوجد كرسي ثالث بين الطيارين ، عندما دخلنا إلى سورية رأيت بعيني هذه طرطوس وصيدا ، طرطوس بالساحل السوري بالشمال وصيدا بالساحل اللبناني بالجنوب ، بينهما خمسمئة كيلو متر ، رأيت المدينتين بنظرة واحدة ، ومرة رأيت حمص ودمشق بنظرة واحدة، فكلما ارتفع مقامك تتسع رؤيتك ، الأنبياء إنسانيون ، أحياناً الإنسان يحب نفسه فقط ، ممكن أن يأكل بمطعم طعاماً نفيساً ، وبالبيت لا يوجد طعام ، عنده ثمانية أولاد وزوجة ، ممكن، يقول لهم : دبروا أنفسكم ، هو أكل أغلى طعام ، هذا أناني ، وهناك إنسان يعتني بأسرته أفضل ، أي إذا أكل طعاماً نفيساً ، في اليوم التالي كثير من المؤمنين يأتي بهذا الطعام لبيته ، كما أكل بوليمة أكلاً نفيساً يشتهي أهله ، وفي بعض الأحاديث :

(( المؤمن يأكل بشهوة أهله ))

 إذا كان الطعام تحبه زوجته أو يحبه أولاده ، وأكله بدعوة ، بوليمة ، يتمنى أن يطعمه لأهله ، فهذا أسرته غالية عليه ، يوجد إنسان هو العائلة الكبيرة ، وإنسان الإقليم الذي يخصه ، وإنسان العشيرة التي تخصه ، كلما توسعت الدائرة تكون أرقى عند الله ، من هم الأنبياء ؟ إنسانيون ، أوسع دائرة ارتقى إليها الأنبياء الإنسانية .
 وقف في جنازة قيل : يا رسول الله ليس مسلماً ! قال : أليس إنساناً ؟ كلما ارتقت مرتبتك عند الله تتسع دائرة انتمائك ، هناك إنسان لا يستطيع أن يأكل طعاماً طيباً وأهله بلا طعام ، وهناك أنظمة ديمقراطية بالأرض تفوق حدّ الخيال ، لكن من غير شعوبهم يقصفونهم ، بلدة مرة بأفغانستان ، خمسة آلاف إنسان ماتوا بيوم واحد ، قصفوا قلعة فيها لاجئون أفغان ، ماتوا كلهم ، إنسان يوجد عنده ميزانان .

 

العنصري إنسان ساقط عند الله عز وجل :

 مثلاً هذه خذوها قاعدة ، تسهر مع أهلك ، أمضيت السهرة كلها بالسخرية من أم زوجتك ، والزوجة شابة تخاف أن تطلقها فلم تتكلم كلمة واحدة ، في اليوم الثاني تكلمت على أمك كلمة واحدة أقمت عليها الدنيا ، أنت كيف تصنف الآن ؟ تصنف على أنك عنصري ، مادام عندك مقياسان ميزانان لموضوع واحد فأنت عنصري ، والعنصري عند الله صغير .

قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر
***

 العنصري عند الله صغير
في القارات الخمسة الإعلام كله حول موت الذي نشر بالمنشار ، أليس كذلك ؟ وإذا كان بمكان آخر شخص قتل مليوناً ولا كلمة ، ولا تعليق ، ولا استنكار ، ولا تنديد إطلاقاً، مادام هناك مقياسان فأنت عند الله حقير ، تمضي السهرة كلها تسخر من أم زوجتك ، فإن تكلمت حول أمك كلمةً في اليوم التالي تقوم عليها الدنيا ، كم قرار لمجلس الأمن منصف وعادل ألغي بحق الفيتو ، صح ؟ والله يوجد مئات القرارات ، مذابح تقوم بالأرض ، ولا كلمة ، كله ساكت.

قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر   وقتل شعبٍ مسلمٍ مسألةٌ فيها نظر
***

 مادام يوجد مقياسان فهذا الإنسان حقير ، حق الفيتو تملكه خمس دول ، إذا عندك دراسة مطولة أكثر من مئتين أو ثلاثمئة قرار منصف ألغي بحق الفيتو ، هذه عنصرية ، احفظوا هذه الكلمة ما دمت أنت عنصرياً فأنت ساقطٌ من عين الله ، ما دام يوجد مقياسان كل مرة تستخدم مقياساً .

قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر   وقتل شعبٍ مسلمٍ مسألةٌ فيها نظر
***

 أنا كنت أتصور خلال هذا العصر الحديث أن بكل دولة يوجد سلطة تشريعية، وسلطة تنفيذية ، وسلطة قضائية ، بالعالم كله ، يبدو الآن اختفت السلطات الثلاثة ، بقي الإعلام واحداً ، الإعلام يسلط على موضوع تقوم الدنيا ولا تقعد ، الآن يوجد تسليط إعلامي ، وتعتيم إعلامي ، أحياناً تعتم الدول القوية على موضوع انتهى ، كأنه شيئاً لم يكن إطلاقاً .

 

بطولة الإنسان أن يدخل اليوم الآخر في حسابه :

 أخواننا الكرام ؛ يوجد حساب يوم القيامة .

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر:92ـ93]

 أقسم لكم بالله إذا كنت تتوهم أن تبني مجدك على أنقاض الآخرين ، تبني حياتك على موتهم ، تبني عزك على ذلهم ، تبني غناك على فقرهم ، وتنجو ؟ هذا شيء لا يتناقض مع عدالته ، بل يتناقض مع وجوده .
 أذكر إنساناً يسكن في الساحل السوري ، زوجته شعرت بألم بكتفها، جاء إلى دمشق ، دخل إلى طبيب لا يوجد عنده خبرة ، قال له الطبيب : هذا التهاب و يحتاج كل أسبوع أو كل أسبوعين إلى إبرة ، قال : يجب أن تأتي كل أسبوعين ، يركب السيارة مسكين ، فقير جداً باع أرضاً له حتى أمن كل أسبوعين إبرة ، وقد تكون ماء مقطراً، أي ابتزه ابتزازاً ، مرة كان بمكان فيه طبيب متفوق جداً ، رأى المرأة قال له : هذا ليس التهاباً ، هذا سرطان ، وطالب الطب يعرفه ، شعر أن هذا الإنسان ابتزه خلال سنة ونصف ، يقول لي الطبيب : وقع هذا على الأرض ثم قال : يا رب إذا كنت موجوداً فانتقم لي ، وإذا لم تنتقم فلست موجوداً ، هكذا تكلم ، و لكن كلامه خاطئ ، لكن من ألمه تكلم هكذا ، باع أرضه ، وكل أسبوعين يركب الباص من طرطوس للشام ، ينام ليلة ويرجع نحن في قبضة الله
يقسم لي هذا الطبيب وهو حيٌ يرزق في دمشق بعد أحد عشر شهراً جاءه هذا الطبيب الأول الذي غشه وكان معه سرطان حقيقي بالكتف ، الله كبير ، أقسم لكم بالله لا أشبع من هذه الكلمة ، إياك أن تغلط مع عبادي ، بأي لحظة ، بغلطة بالقلب خثرة ، جلطة ، خثرة بالدماغ ، تشمع بالكبد ، فشل كلوي ، بغلطة صغيرة جداً جداً تصبح حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، نحن في قبضة الله يا أخوان ، أنت ، ومكانتك ، ونسبك ، وذكاؤك ، وحجمك المالي لا شيء .
 مرة أذكر دُعيت إلى عرس في البقعة ، بيت صغير جداً ، متواضع جداً ، من غرفتين أو ثلاث ، ودعيت إلى تعزية في أرقى أحياء عمان ، ثريات شيء لا يوصف، أغلى أنواع الثريات ، السجاد إيراني ، الفرش إيطالي ، فأنا في التعزية أقول : من اشترى هذه الثريات؟ المرحوم ، من اختار هذا البلاط ؟ المرحوم ، من اشترى هذا الفرش الويكانز الإيطالي ؟ المرحوم، أين المرحوم ؟ تحت الأرض .
 أخواننا الكرام ؛ والله من أعماق أعماقي كل بطولتك ، وكل ذكائك ، وكل توفيقك ، وكل نجاحك ، وكل تفوقك ، أن تدخل هذا اليوم في حسابك اليومي ، ممكن أنت بمرتبة عالية ، مثقف ، محام ، أو مهندس ، أو طبيب ، لكن من يراقبك ؟ الله عز وجل .
 قال لي مرة طبيب مؤمن : والله أستطيع أن أترك المريض يبيع بيته ولا يشعر ، كلما كان إيمانك أكبر لا تستطيع أن تكذب ، ولا توهم ، ولا تقدر أن تقول له إن حجم القضية أكبر مما هي عليه .

 

الدين استقامة و تواضع و عمل صالح :

 أخواننا الكرام ؛ أريد أن أقول لكم كلمة لكن لعلها قاسية ، الدين ليس صلاة فقط ، ما قلت : صلاة ، ليس صلاة فقط ، الدين ليس حجاً وعليك ديون ، الدين ليس أن تكفي أهل بيتك ، ولك أولاد أخ أيتام فقراء جداً تفوقك أن تعطي لا أن تأخذ
الدين استقامة ، الدين عمل صالح ، الدين تواضع ، الدين عطاء ، يقع على رأس هذا المجتمع البشري زمرتان ، الأقوياء والأنبياء ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الأقوياء عاش الناس لهم ، والأنبياء عاشوا للناس ، الأقوياء ملكوا الرقاب ، والأنبياء ملكوا القلوب ، الأقوياء يمدحون في حضرتهم ، والأنبياء في غيبتهم ، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي ، بطولتك، ذكاؤك ، تفوقك في أن تعطي لا أن تأخذ .
 مرة قرأت كتاب سيرة ، الذي كتب الكتاب قدم له بمناجاة النبي الكريم ، هذه المناجاة تذيب القلب ، قال له : يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدست الوجود كله ورعيت قضية الإنسان ، يا من زكيت سيادة العقل ، ونهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع ، فعشت واحداً بين الجميع ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، والعدل شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلة الناس عبادتك .
 فكر ، الآن في مجتمعنا يعيش الناس بلا منهج ، بلا منهج إلهي ، بلا حلال ، بلا حرام ، يقول لك : لا تدقق ، هذه آية أم حديث لا تدقق ؟ هذا كلام الشيطان ، لا ، يجب أن تدقق ، هذا الدخل لا يرضي الله ، هذه السهرة فيها اختلاط لا ترضي الله ، هذه الرحلة أربعة أيام أو خمسة على البحر لا ترضي الله ، يجب أن تدقق ، تدقق تسلم ، لا تدقق تتعب .

الحق الشيء الثابت والهادف والباطل الشيء العابث والزائل :

 أخواننا الكرام ؛ إن كنت مع الحق فأنت أفضل إنسان
إن هذا الدين يقول الحق ، والحق هو الله ، والباطل الشيء الزائد الزائل والعابث ، والحق الشيء الثابت والهادف ، أي إنشاء جامع حق ، أنا معي دكتوراه من جامعة من بريطانيا ، عمرها خمسمئة عام ، خمسمئة عام ، أما السيرك فمدته أسبوعين فقط ، ألعاب بهلوانية ، وفيل ، وعدد من الوحوش ، أسبوعان انتهى، الحق الشيء الثابت والهادف ، والباطل الشيء العابث والزائل ، إذا كنت مع الحق فأنت أفضل إنسان .
 لذلك قالوا : الحرب بين حقين لا تكون ، وبين حقٍ وباطل لا تطول ، وبين باطلين لا تنتهي ، فهنيئاً لمن كان مع الحق ، وإذا كنت مع الله فهو معك .

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــــــا   فإنا منحنا بالرضا من أحبنـــــــــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـــــــــــــــــــا   لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـــــــــــل   وأخلص لنا تلقى المسرة والهنـــــــــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكــن   فما القرب والإبعاد إلا بأمـــــــــــــرنــــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لـــــــي   أيا عبدنــــــــا ما قــــــــــــــــرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جــرى   أما تختشي من عتبنا يوم جمعنــــا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً   وتنظــــــــــــر مـا به جـــــــــــاء وعدنــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــاً   وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا   الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا   خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبــــة ذرة   عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة   لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــــــى   سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــا
فـأيسر ما في الحب بالصب قتله   وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنــا
***

 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018