الدرس : 09 - سورة الأنعام - تفسيرالآيتان 31-32 ، الدنيا مزرعة الآخرة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 09 - سورة الأنعام - تفسيرالآيتان 31-32 ، الدنيا مزرعة الآخرة


2005-02-18

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس التاسع من سورة الأنعام .

الإنسان حينما يؤمن أنه خُلق للآخرة تراه منطلقاً إلى طاعة الله :

 مع الآية الواحدة والثلاثين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)﴾

 أيها الأخوة الكرام ، الحقيقة أن( قد) حرف تحقيق ، فإذا جاءت قبل فعل ماضٍ يكون حرف تحقيق ، يعني خسارة هؤلاء محققة ، ماذا خسروا ؟ خسروا الأبد ، خسروا الجنة التي خلقوا لها ، خسروا أعظم ثمرة من ثمار الإيمان وهي السعادة الأبدية ، لذلك :

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ ﴾

 المشكلة أن الإنسان حينما يؤمن أن الدنيا هي كل شيء يستغني عن طاعة الله ، أما حينما يؤمن أنه خُلق للآخرة تراه منطلقاً إلى طاعة الله ، الآية الكريمة :

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾

( سورة الليل )

 إن صدق بالحسنى تجده يتقي أن يعصي الله ، وإن صدق بالحسنى تجد حياته كلها مبنية على العطاء ، خُلق ليعطي .

 

الحياة الدنيا أساسها العمل أما الحياة الأخروية فمبنية على التكريم :

 أخواننا الكرام ، أنت حينما تؤمن أن قيمتك في الحياة الدنيا فيما تعطي لا فيما تأخذ ، لكن الإنسان الغافل الشارد يبني مجده على ما أخذ لا على ما أعطى ، حصلت كذا وكذا ، ثروتي كذا وكذا ، حجمي المالي كذا وكذا ، بإمكاني أن أفعل كذا وكذا ، فقيمة الإنسان من منظور الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ، قيمة الإنسان فيما يعطي ، لذلك ترى المؤمن يسعد إذا أسعد الآخرين ، يسعد إذا قدم خدمات للآخرين ، يسعد إذا اعتنى بعباد الله أجمعين

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ﴾

 فلما كذب بلقاء الله ، فلما كفر بالحسنى استغنى عن طاعة الله .

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾

( سورة الليل )

 هو الأصل إما أن تؤمن بالحسنى أي الجنة ، أنك مخلوق لها ، وإما أن تكذب بالحسنى ، وتؤمن بالدنيا فقط ، وقد لا ننتبه بأن الحياة التي نعيشها نحن نسميها اقتباساً من القرآن الكريم حياةً دنيا ، معنى دنيا أي منخفضة ، ولا نعبأ بالحياة التي تقابلها ، وهي العليا الحياة العليا ، الحياة الأخروية مبنية على التكريم .

 

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا(35)﴾

( سورة ق الآية : 35 )

 أساسها التكريم ، والحياة الدنيا أساسها العمل .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾

( سورة الانشقاق )

إن كان العطاء يسعدك فأنت من أهل الآخرة وإن كان الأخذ يسعدك فأنت من أهل الدنيا :

 الحياة الدنيا أرادها الله أن تكون حياة عمل ، حياة تجربة ، حياة ابتلاء ، حياة امتحان ، حياة غرائز ، ومعك منهج ، والمنهج يحول بينك وبين أن تلبي هذه الغرائز ، فهناك صراع ، ومجاهدة ، وتكليف ، أشياء ذات كلفة ، فالحياة الدنيا أساسها بذل الجهد ، والأوامر تكليفية ، أي ذات كلفة ، والحياة الأخرى أساسها الإكرام .

 

﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)﴾

( سورة الحاقة )

 وقال :

 

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)﴾

( سورة ق )

 لذلك أيها الأخوة ، أنت حينما تؤمن بالحسنى أي بالحياة الآخرة ، أي أنك مخلوق للآخرة ، تتقي أن تعصي الله ، بل وتبني حركتك اليومية على العطاء ، يسعدك أن تعطي ؛ أن تعطي من مالك ، من وقتك ، من جهدك ، من خبرتك ، من علمك ، من كل شيء تملكه ، تعطي وتسعد بالعطاء ، ودقق : إن كان العطاء يسعدك فأنت من أهل الآخرة ، وإن كان الأخذ يسعدك فأنت من أهل الدنيا .
 إذاً لأنه صدق بالحسنى اتقى أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء ، أما إن صدق بالدنيا وكذب بالحسنى استغنى عن طاعة الله ، ليس هناك داعٍ ، كذب بالحسنى ، يبنى على تكذيبه بالحسنى أنه بخل واستغنى ، بنى حياته على الأخذ ، وشهد الله أيها الأخوة أن هؤلاء البشر على كثرتهم ـ ستة مليارات ـ وعلى تنوع انتماءاتهم ، وألوانهم ، وأجناسهم ، ومذاهبهم ، ونحلهم ، وطوائفهم ، واتجاهاتهم ، وأطيافهم كما يقال الآن ، وكل التقسيمات الأرضية هي تقسيمات لا معنى لها ، التقسيم الإلهي قسمان

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

﴿ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

 ولن تجد نموذجاً ثالثاً ، من أي إقليم ، من أي بلد ، في أي عصر ، في أي مصر ، في أي عنصر ، من أي لون ، من أي جنس ، من أي عرق ، من أي مذهب ، من أي طائفة ، صدق بالحسنى فاتقى أن يعصي الله وبنى حياته على الخير ، كذب بالحسنى فاستغنى عن طاعة الله وبنى حياته على الأخذ ، فلذلك :

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ ﴾

 الآخرة ، كذبوا بالدار الآخرة ، كذبوا بجنة عرضها السماوات والأرض ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، لكن متى المشكلة ؟ إنسان قد يستمتع بوهم مريح ، لكن متى المشكلة ؟ حينما يكتشف الحقيقة .

 

البطولة في العاقبة :

 لو أن إنساناً يحمل بالتعبير التجاري شيكاً بمليون دولار ووجده مزوّراً ، هو لا يعلم أنه مزور ، هذا الشيك بمليون دولار يعطيه شعوراً بالغنى ، شعوراً بالتفوق ، شعوراً بالسيطرة ، شعوراً بأنه يفعل ما يريد ، يشتري ما يشاء ، لكن متى المصيبة الكبيرة ؟ حينما يكتشف أنه مزور ويزج به في السجن ، هنا المصيبة ، فلذلك البطولة لا أن تضحك أولاً ، أن تضحك آخراً ، من ضحك أولاً ضحك قليلاً وبكى كثيراً ، البطولة في العاقبة ، قال تعالى :

 

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾

( سورة الأعراف )

(( ألا يا رُبّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا يا رُبّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رُبّ مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رُبّ مهين لنفسه وهو لها مكرم ))

[ أخرجه ابن سعد البيهقي في شعب الإيمان عن أبي البجير ]

 العاقبة في الدار الآخرة ، من أجمل ما قاله الإمام علي رضي الله عنه : " الغنى والفقر بعد العرض على الله " ، تقول : إنسان يملك تسعين ملياراً ، بيل غيت صاحب مايكرو سوفت ، وإنسان قيل : يملك عشرة مليارات ، وقيل : يملك أربعة مليارات ، بثوانٍ معدودة أصبح خبراً بعد أن كان بشراً ، أليس كذلك ؟

 

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

( سورة آل عمران )

 لا ينفعه بعد الموت إلا أعماله الصالحة ، إذاً

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ﴾

الخسارة التي لا تعوض أن تخسر الآخرة وتخسر لقاء الله عز وجل :

 أنت حينما تؤمن بلقاء الله ، دقق : كل حركة بكل دقيقة تربطها بلقاء الله ، الآن سأكذب ، لكن الله حرم عليّ الكذب ، فإذا كذبت لن أكون في مرضاته ، لا يكذب ، إن آمنت بلقاء الله ، أنت لاحظ إنساناً يكتب ، ويعلم أن كل كلمة يتكلمها محاسب عليها وسوف يُسأل ، وسوف يحقق معه ، كلما كتب كلمة يتصور هذه الكلمة تعد مأخذاً عليّ ، هل أحاسب عليها ؟ لأنه آمن بإنسان في الأرض قوي يحاسبه فقط ، الآن انضباط الناس عجيب في الأرض ، ينضبط انضباطاً يفوق حد الخيال ، لأنه إنسان ، إنسان بشر ، لكنه قوي ، وبإمكانه أن يوقع به أذىً شديداً ، إذاً ينضبط ، يطبق الأمر بحذافيره ، يبتعد عن الذي نهي عنه بحذافيره ، هذا مع بشر ، فكيف مع خالق البشر

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ ﴾

 لكن هذه الخسارة متى تكتشف ؟
 محل تجاري له مستودع كبير ، ولهذا المستودع بابان ، والبضاعة إلى السقف ، فالذي سُرِق من باب خلفي لا يستخدم إلا قليلاً ، سرق بضاعة بالملايين ، كشف الأمر بعد حين ، العبرة عند المفاجأة ، عندما يوقن الإنسان أنه كان مخطئاً .

 

﴿ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

( سورة القصص )

 وقال :

 

﴿ آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ (91)﴾

( سورة يونس )

 وقال :

 

﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾

( سورة الفرقان )

﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

 إذاً الخسارة الحقيقية ، الخسارة التي لا يمكن أن تتلافاها ، هناك خسارات في الدنيا تعوض ، لكن الخسارة التي لا تعوض أن تخسر الآخرة ، أن تخسر لقاء الله عز وجل .

 

المؤمن آمن بساعة اللقاء لذلك حياته كلها متكيفة مع ساعة اللقاء :

 قال تعالى :

 

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾

 أخواننا الكرام ، دائماً وأبداً العاقل هو الذي لا يفاجئ ، والأقل عقلاً هو الذي يفاجئ ، والأقل الأقل عقلاً هو الذي يصعق عندما يأتيه خبر غير متوقع ، فهذا الإنسان المؤمن آمن بساعة اللقاء فكل حياته متكيفة مع ساعة اللقاء ، كالطالب تماماً لحظة الامتحان لن تغادر ذهنه إطلاقاً ، فإذا جاءه صديق فهو أمام خيارين ، إما أن يستقبله وأن يرحب به وأن يمضي معه ساعاتٍ وساعات ، والصديق غير مكلف بامتحان ، أو أن يعتذر منه ، كلما رأى أنه سيضع وقتاً يعتذر ، لأن ساعة الامتحان لن تغادر ذهنه إطلاقاً .
 أحد الطلاب الأوائل في الشهادة الثانوية أجرى معه بعض الصحفيين حواراً ، سأله : إلامَ تعزو نيلك الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية ؟ فأجابه إجابة رائعة ، قال : لأن لحظة الامتحان لم تكن تغادر ذهني ولا لثانية بالعام كله ، لحظة الامتحان لم تكن تغادر ذهنه ولا ثانية في العام كله ، والمؤمن كذلك ، سوف ألقى الله ، هل في هذا العمل ما يغضب الله ، هل في هذا الأخذ ما يغضب الله ، هل في هذا العطاء ما يغضب الله ؟ هل في هذه الصلة ما يغضب الله ؟ هل في هذه القطيعة ؟ هل في هذه المودة ما يغضب الله ؟

 

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (22)﴾

( سورة المجادلة الآية : 22 )

 مودته محسوبة ، وابتسامته محسوبة ، وصلته محسوبة ، وقطيعته محسوبة ، وبره محسوب ، ومنعه محسوب ، كل هذه التفاصيل تنطلق من أنه سوف يلقى الله ، وسوف يسأله عن هذا العمل .

 

ابدأ من النهاية فالبدء من النهاية يجعلك تنضبط وفق منهج الله :

 أيها الأخوة ، اُسأل كثيراً أسئلة متعلقة بالحياة اليومية ، والتجارة ، والبيع ، والشراء ، والموظفون يسألونني حول تطبيق النظام ، وقد يكون هناك من يتأذى بسجن ، أو بضبط كبير ، فماذا أجيبهم ؟ أقول له : هيئ جواباً لله عز وجل ولا تعبأ بأحد ، بطولتك لا أن تهيئ جواباً لمن كان أعلى منك من بني جلدتك ، ينبغي أن تهيئ جواباً لله عز وجل ، والله يعلم كل شيء .
 إذاً العاقل لا يفاجئ بشيء ، العاقل لا يفاجئ لأنه بدأ من النهاية ، وفي البرمجة العصبية اللغوية قاعدة رائعة ابدأ من النهاية ، النهاية الموت ، ابدأ من الموت ، فأي عمل حينما تلقى الله لا تستحي به فافعله ، وأي عمل حينما تلقى الله تستحي به لا تفعله ، لذلك ورد في بعض الأحاديث :

 

(( إذَا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ مَا شِئْتَ ))

 

[ رواه البخاري عن أبي مسعود البدري ]

 إن لم تستحِ من الله ، ابدأ من النهاية ، النهاية هو الموت ، والموت تراه كل يوم ، الأغنياء يموتون ، والأقوياء يموتون ، والفقراء يموتون ، والضعفاء يموتون ، والأصحاء يموتون ، والمرضى يموتون ، ابدأ من النهاية فالبدء من النهاية يجعلك تنضبط وفق منهج الله.
 أيها الأخوة ، النبي عليه الصلاة والسلام دعانا كثيراً إلى تذكر الموت :

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللّذّاتِ ))

[ رواه الحسين بن حريث عن أبي هريرة ]

 مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات .

(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي في الألقاب عن سهل بن سعد ؛عن جابر ٍ]

كل إنسان حينما يأتيه الموت يؤمن بكل ما جاء به الأنبياء فالقضية قضية وقت :

 فرعون آمن ، لكن بعد فوات الأوان ، ويجب أن تعلموا علم اليقين أننا جميعاً ، وأن كل البشر ، وأن كل الكفار ، وأن كل الملحدين ، وأن كل الوثنيين ، وأن كل إنسان على وجه الأرض حينما يأتيه الموت يؤمن بكل ما جاء به الأنبياء ، فالقضية قضية وقت ، إما أن تؤمن اليوم ، أو أن يؤمن الإنسان عند فراق الدنيا :

 

﴿ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾

 لذلك قال تعالى :

 

﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾

( سورة التكاثر )

 أنت في نعمة الأمن ، ماذا فعلت في هذه النعمة ؟ أنت في نعمة الكفاية ، أنت في نعمة الصحة ، أنت في نعمة الفراغ .

(( اغتنم خمساً قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك ))

[ رواه الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس ]

﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾

 الآية الكريمة أيها الأخوة :

 

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

( سورة المؤمنون )

 وقال :

 

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

 

( سورة القيامة )

الإنسان لم يخلق عبثاً بل سيحاسب على كل ذرة :

 تدخل جامعة والأقساط بمئات الألوف ، قاعات المحاضرات ، والمكتبات ، والمهاجع ، والمطاعم ، ولا يوجد امتحان آخر السنة ؟! كل هذا العطاء بلا امتحان ؟! يكفي أن تقول : يرجى منحي الدكتوراه ، هل تمنح ؟ هل في الأرض جامعة تفعل هكذا ؟ لذلك أن يُخلق الإنسان عبثاً هذا من سابع المستحيلات ، وأن يُخلق سدى هذا من سابع المستحيلات .

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر )

 عند بعض العلماء أيها الأخوة أنه ما من قطرة دم تراق إلا ويحملها إنسان ، إلا دم الذي يموت بحد شرعي يتحمله الله جل جلاله ، أما أن تقتل مئة شخص بقصف ، بعد هذا تقول : كان هذا خطأ في المعلومات ، هؤلاء الذين ماتوا سوف يتحمل الذين أخطؤوا في تصويب الأهداف دمائهم كلها :

 

﴿ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾

 أحيانا يرتكب الإنسان خطأ ماليّاً وعليه حجز ، وعليه محاكمات ، وعليه سجن ، يقول لك : لا أنام الليل ، فكيف إذا كان الخطأ مع خالق الأكوان ، وتعلقت بهذا الخطأ حقوق ، كيف إذا كنت ظالماً بنيت مجدك على أنقاض الناس ، كيف إذا بنيت غناك على فقرهم ،

﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾

 أحيانا الإنسان يتكلم كلمة ويندم عليها أشد الندم ، ولا يعلم إذا ما كان سيحاسب عليها أو لا يحاسب ، لا ينام الليل ، هي كلمة ، يحمل أوزارها ، أحياناً هناك فقر ، هناك قهر، هناك أمراض نفسية ، هناك تحول نساء للدعارة ، هناك انهيار بيوت ، هناك شقاق زوجي ، هناك عقوق والدين ، كله بسبب الفقر أحياناً ، فهذا الذي يبني ثروته على أنقاض الناس ، يستمتع بالمال الوفير ويشقى الناس بالحرمان الشديد هل هذا ينجو من عذاب الله ؟ ألم يقل عليه الصلاة والسلام حينما سأله أحد الأعراب ، وهو رجل جاء ليتعلم ، فانتهى إلى قوله تعالى :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنِ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

 فقال : يكفني هذا وانصرف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( انصرف الرجل وهو فقيه ))

[أبو داوود والنسائي وابن حيان والحاكم عن عبد الله بن عمر ]

 مثقال ذرة ، كله محسوب .

 

الذنوب أنواع :

 أيها الأخوة :

 

﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾

 أي أن هذا الحمل الثقيل الذي حملوه بأخطائهم ، وذنوبهم ، ومعاصيهم سوف يسوءهم ، بالمناسبة المخالفات التي هي حق لله عز وجل يسهل مغفرتها ، أما المخالفات التي هي من حقوق العباد فيصعب أن تغفر إلا أن تؤدى ، أو أن الذي ظلمته يسامحك ، حقوق العباد مبنية على المشاححة ولا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة ، بينما حقوق الله مبنية على المغفرة ، فذنب يُغفر وهو ما كان بينك وبين الله ، وذنب لا يُغفر وهو الشرك بالله ، وذنب لا يترك يُغفر إذا أديته أو سامحك الذي له حق عليك . أيها الأخوة ، يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)﴾

( سورة الأنعام )

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا ﴾

 هذا أسلوب في القصر والحصر ، يعني الحياة الدنيا لهو ولعب فقط ، ولا شيء غير ذلك ، ما هو اللعب ؟ يذهب الإنسان إلى الثلج ، يضع على مركبته شكل دمية من الثلج ، وهو يضع الثلج على شكل دمية ، ألا يعلم علم اليقين أن هذه سوف تنقض بعد حين ؟ هذا هو اللعب ، يعني عمل عابث ، عمل سوف ينقض ، بناء سوف ينقض ، أحياناً يصنعون على شاطئ البحر من الرمل أشخاصاً ، أحياناً كل عمل في الدنيا بلا هدف متعلق بالآخرة لا قيمة له إطلاقاً ، هذا اللعب ، يعني عمل عابث .
 أيها الأخوة ، بادئ ذي بدء يجب أن نُعرِّف اللعب ، نحن أحياناً نبني جامعة ، هذه الجامعة بنيت لتبقى ، وأهداف نبيلة وراء بنائها في أن نخرج قادة للأمة ، علماء ، أطباء ، أدباء ، مربين ، فأحياناً نبني بناءاً ليبقى ، وأحياناً يقام سيرك مثلاً ، هذا البناء مؤقت ، خيمة ، بعد حين يتحول لبناء آخر ، فأن تبني ثم أن تهدم في هذا لعب ، أوضح مثل دمية الثلج ، أو دمية الرمل ، بنيت لتنقض ، لعب يعني عمل غير هادف ، أدق كلام عمل بلا هدف يعني عبث .

 

المفهوم الحقيقي للعب :

 الآن طفل صغير يشتري سيارة صغيرة ، يحركها على قطع الأثاث ، يرافقها صوت ، وهو منغمس في لذة ما بعدها لذة ، لكن أباه يراه أنه يلعب ، وهذا نوع من اللعب ، أما حينما يكبر ويصبح شخصاً مهمّاً ، وتقدم له صوره عندما كان صغيراً ، كيف كان يحرص على هذه اللعبة ؟ وكيف كان يقاتل أخاه من أجلها ؟ وكيف كان يبكي والدموع تنهمر إذا أخذت منه ؟ وهو في مركز كبير يضحك ويقول : هذا لعب ، تعريف اللعب أنه عمل بلا هدف ، تعريف اللعب أنه ينتهي بنقيضه ، تعريف اللعب أنك تراه صغيراً حينما تتجاوزه .
 الآن لو وسعت الموضوع : الدنيا كلها لعب ، بالنهاية هناك موت فالقوي يموت ، والضعيف يموت ، نحمل شهادات ، نطبع بطاقات نُعرِّف بأنفسنا ، نبني بيتاً فخماً ، جاءنا زائر نريه البيت ، غرف البيت ، مرافق البيت ، ألَّفت كتاباً تطلع الناس عليه ، هناك حركة لكن كلها تنتهي عند الموت ، لو ابتعدنا عن الآخرة ، تصور دنيا بلا آخرة لعب بلعب ، ميزات ، فكلما اطلع على آلة يقول لك : هذه فيها ذاكرة ، هذه تقف حينما لا تستعملها آلياً ، فكل إنسان عنده آلة أو عدة آلات ، ويتحدث عن الخصائص حديث ممتع ، لكن في النهاية هذا الذي اشتراه ينساه ، ثم يمله ، المعنى الصغير في اللعب عمل الأطفال ، أو عمل الكبار عند العبث واللهو ، أما اللعب بالمفهوم الحقيقي الدنيا كلها لعب ، حينما تحذف الآخرة ، وتحذف الإيمان بالله ، وتحذف الحياة الأبدية ، وتلغي الجنة والنار ، الحياة الدنيا من دون فكر إيماني ، من دون هدف كبير ، لعبٌ ولعب .
 وصلنا إلى القمر ـ خيراً إن شاء الله ـ وكلفت الرحلة خمسة و عشرين مليار دولار ، واضطربت ميزانيات معظم الدول ، لأنه استطاع إنسان أن يضع قدمه على سطح القمر ، وضع العلم الفلاني ، ركز هذا العلم على تراب القمر ، هؤلاء المعذبون في الأرض ماذا استفادوا ؟ هؤلاء الفقراء ، هؤلاء المرضى ، هؤلاء الشعوب الجائعة ، ماذا استفادت من أن يطأ الإنسان القمر برجله ؟ نوع من اللعب أيضاً ، لكن اللعب مكلف ، لعب كلّف أرقاماً فلكية، يقول لك رحلة إلى القمر ، الآن يُفكر برحلات سياحية للقمر ، مبالغ فلكية ، لعب ، وإذا ذهبت إلى القمر فهو لا يصلح للحياة ، بذلة الرائد كلفت 17 مليوناً لأنه ليس في القمر هواء ، وإذا لم يكن فيه هواء فليس فيه أمواج صوتية ، تحتاج إلى أجهزة بث ، وأجهزة استماع ، وبذلات لكن لعب بلعب ، أنا لا أقلّل من قيمة الكشف العلمي إطلاقاً ، أما في النهاية أنا حينما أعيش بلا هدف عملي لعب بلعب ، يعني حركة كبيرة جداً ومظاهر ، لكن لا تنتهي بإسعاد الإنسان .

 

في النهاية الحياة لعب بلعب فيها أشياء ومبالغات تفوق حدّ الخيال :

 أنت أحياناً يمكن أن تطوف حول الأرض في ساعة واحدة ، طائرة أسرع من الصوت ، يقول : من بيتك إلى المطار ساعة ، وحول الأرض ساعة ، ومن المطار إلى بيتك ساعة ، قطعت المسافات بزمن قياسي ، حسناً ما النتيجة ؟ ما الذي حصل ؟ تقدم تقني كبير جداً ، اتصالات ، فضائيات ، إنترنيت ، كمبيوتر ، حواسيب ، آلات تصوير رقمية ، أجهزة تفوق حد الخيال .
 أنا كنت في بلد الثلاجة ؛ كل مكان فيها فيه حساس الكتروني ، فأنا سآتي بمثل واحد ، طبعاً مكان للفواكه ، مكان للأجبان ، مكان للحوم ، مكان للعصير ، مكان للبيض ، سنأخذ مثلاً البيض ، هذه الثلاجة فيها تلفزيون ، وفيها إنترنيت ، يمكن للسيدة أن تتابع برنامجاً تلفزيونيّاً في أثناء الطبخ ، فلو أن حساسات مكان البيض أشارت إلى أنه استهلك ثلاثاً الثلاجة تخبر السوبر ماركت وتدفع ثمن البضاعة من بطاقة صاحب البيت ، ويطرق الباب ، وتأتي البضاعة ، وأنت لا تشعر ، خدمات أصبحت إلى هذا المستوى ، وبعد هذا ؟ إذا أنت اشتريت ، ماذا حصل ؟ لعب ، وثمن الثلاجة ثمن فلكي كبير جداً ، لأن كل نواقص الثلاجة يتم باتصال عن طريق الإنترنيت ، عن طريق الثلاجة نفسها ، ويعطى رقم بطاقة صاحب البيت ، وتأتي البضاعة إلى البيت بحسب النقص التي شعرت به الحساسات الالكترونية ، أليس هذا لعباً ؟
 يمكن أن تجلس على كرسي يقدم لك دلكاً آلياً ، خيراً إن شاء الله ، ويمكن أن تستحم بحمام يعطيك ماء بقوة شديدة ، قال : هذا دلكٌ أيضاً ، في النهاية الحياة لعب بلعب ، فيها أشياء ومبالغات تفوق حد الخيال .
 عندما قال الله :

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ ﴾

 مرة ثانية عمل غير هادف ، عابث ، عمل ينتهي بنقيضه .
 هذه الناقة من أجل السباق ، الجِمال التي تعد للسباق في دول الخليج لا تأكل إلا الفستق الحلبي ، والعسل ، والكاجو ، وجبة الجمل الواحدة تطعم أهل قرية ، فلان سبق ، ماذا حصل ؟! تجد الشيء العجيب ، الدنيا كلها هكذا ، كرة القدم لعب أليس كذلك ؟ سباق الخيول ، سباق السيارات ، صعود الجبال ،

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ ﴾

الفرق بين اللهو واللعب :

 اللهو : هنا السؤال ، اللهو أخطر من اللعب ، اللعب عمل عابث ، أما اللهو عمل عابث يضاف إليه أنه يصرفك عن واجب أساسي .
 طالب في الصيف تعلم شيئاً عابثاً ، لعب الشطرنج فرضاً ، أذهب ثماني ساعات، لكن لعب الشطرنج في الشتاء وعنده فحص بكالوريا ، هذا لعب مضاف إليه اللهو ، اشتغل بالخسيس عن النفيس .
 إله عظيم خالق الأكوان يصف لك الدنيا وصفاً جامعاً ، مانعاً ، بليغاً ، قاطعاً ، قال لك :

 

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾

 عمل غير هادف ينتهي بنقيضه تحتقره بعد حين ، إما أن يكون عمل الصغار هكذا ، والأصح من ذلك أن عمل الكبار هكذا أيضاً :

 

﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

 أما الدنيا مع الإيمان فليست لعباً ، تطلب العلم ، تعمل الصالحات كي يرضى الله عنك ، الحقيقة أن الدنيا مع الإيمان رائعة ، وقتك ثمين لا تنفقه إلا بالطاعة ، في طلب علم ، في أمر بالمعروف ، في نهي عن المنكر ، في خدمة ، في تخفيف الأعباء عن الناس ، في حل مشكلات ، فكل هذه الأعمال من أجل أن يرضى الله عنك والسعادة من عند الله تأتي ، فإذاً العمل العابث هو الدنيا من دون إيمان ، الآن مثلاً :
 طالب طب يريد أربعة أشياء ، يريد سيارة ، وعيادة ، وعروساً ، وعيّاناً ، أي مريضاً ، يريد مريضاً يعطيه أجره ، وعروساً ، وسيارة ، وعيادة ، صار طبيباً لامعاً ، وأمّن بيتاً ، ومركبة ، وعروساً ، ثم ماذا ؟ الموت بعد هذا ، لو كنت أغنى أغنياء الأرض ثم ماذا ؟ الموت ، لو كنت أقوى إنسان ثم ماذا ؟ الموت .
 طائرة كبيرة جداً ، غرفة نوم ، وغرفة جلوس ، ويخت في البحر لقضاء إجازة بكاملها ، وأرقام تفوق حد الخيال ، وبيت يفوق في مساحته حد الخيال ، والإنسان في ثانية صار خبراً بعد أن كان شخصاً مهماً جداً ، هذه الحياة لعب ولهو ، فاللعب عمل عابث بلا هدف ، ينتهي بنقيضه ، تستصغره بعد حين ، أما اللهو فهو عمل عابث بلا هدف ، ينتهي بنقيضه تستصغره بعد حين ولكنه يشغلك عن عمل جليل ، فالذي يلهو بالخسيس عن النفيس يعد من أكبر الخاسرين

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾

إيمانك باليوم الآخر وانسجامك معه يقلب الدنيا من لعب ولهو إلى عمل جاد مثمر ونافع :

 طبعاً أنا حينما أذكر هذه الأمثلة لا أقصد إنساناً إطلاقاً ، قد يكون الإنسان محسن وله أعمال طيبة ، أنا أقصد أن الحياة تنتهي بالموت ، والموت نصيب كل إنسان من دون استثناء :

 

﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

 نحن خُلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض ، فإذا جئت إلى الدنيا وكان في ذاكرتك هذه الجنة فكل أعمالك ليست لعباً ولا لهواً ، إنما هي أعمال هادفة جادة .
 إذاً ما الذي يلغي أن تكون الدنيا لعباً ولهواً ؟ أن تؤمن بالله ، فإذا آمنت بالله عز وجل أصبحت الدنيا ثمينة جداً ، لأنها مزرعة الآخرة ، ولأن كل أعمالك فيها أعمال صالحة تستحق من الله الثواب والجزاء ،

﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾

 الأبدية ،

﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

 معنى ذلك العقل يأمرك أن تسعى للآخرة ، وما من ركنين من أركان الإيمان قرنا معاً كالإيمان بالله واليوم الآخر ، فلذلك : إيمانك باليوم الآخر وانسجامك مع اليوم الآخر يقلب الدنيا من لعب ولهو إلى عمل جاد مثمر ونافع ، هذا هو الفرق ، الغرب يتمتع بالحياة بشكل مخيف ، ومع ذلك يأتي الموت فينهي كل شيء ، نتابع الآيات إن شاء الله في الدرس القادم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018