قناة الرافدين - الندوة - علة وجود الإنسان في الدنيا. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قناة الرافدين - الندوة - علة وجود الإنسان في الدنيا.


2019-05-21

مقدمة :

مقدم اللقاء:
  أيها الأحباب الكرام؛ برعاية كريمة من الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الشيخ الدكتور مثنى حارث الضاري، يقيم قسم الدعوة والإرشاد الدروس الرمضانية الموسم الثالث، وفي هذه الأمسية المباركة أيها الأحباب الكرام، نترك المنبر لأهله، والقوس لراميه، عبارات تدخل القلوب، لأنها تخرج من قلب صادق فتخترق القلوب لأن لها عذوبة، و لها وقع في القلب.
 معكم في هذه الأمسية أيها الأحباب الكرام الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي فليتفضل مشكوراً.

اشتراك البشر جميعاً في تمني السلامة و السعادة :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أخواننا الكرام؛ من المسلمات في عالم البشر أن ثمانية مليارات إنسان في هذه الأعداد المتنامية قواسم مشتركة، كل أهل الأرض يتمنون السلامة، من يحب المرض؟ من يحب الفقر؟ من يحب القهر؟ و لا واحد، و كلهم جميعاً يتمنون السعادة، من منا لا يحب أن تكون زوجته صالحة؟ أولاده أبراراً؟ رزقه في بلده و بيته واسعاً؟ نحن جميعاً، نحن جميعاً نتمنى السلامة و السعادة، من منا لا يتمنى أن يعيش مئة و ثلاثين سنة؟ ورد:

(( خيركم من طال عمره وحسن عمله ))

[الطبراني عن أبي بكرة]

 إذاً يوجد قواسم مشتركة بين بني البشر جميعاً من دون استثناء.

 

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة المكلف و المكرم :

 لذلك الله عز وجل خصّ الإنسان بخصائص، الله عز وجل خلق الخلائق جميعاً من دون استثناء في عالم النفوس، و عرض عليهم الأمانة.

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 كرم الله الإنسان لأنه حمل الأمانة
الملائكة عقل بلا شهوة، الحيوانات شهوة بلا عقل، و الإنسان من كليهما، الآن دققوا فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، فأنت أيها الإنسان المخلوق الأول رتبة لأنك في عالم الأزل قبلت حمل الأمانة.

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 فلما قبل الإنسان في عالم الأزل حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبة، وعندئذٍ سخر الله له:

﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية: 13]

 تسخير تعريف، وتسخير تكريم، و المسخر له أكرم من المسخر، فأنت أيها الإنسان كائناً من كان المخلوق الأول في الحياة، أنت مكرم.

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70]

 أنت الأول رتبة، والمكرم ثانياً، والمكلف ثالثاً.

 

تكليف كل إنسان بعبادة الله :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 أنت مكلف أن تعبد الله، معنى العبادة قد نفهمها فهماً ضيقاً، أن تصلي، و أن تصوم، و أن تحج، و أن تزكي، و أن تنطق بالشهادة، هذه عبادة شعائرية، العبادة الأصلية العبادة التعاملية، أن تتحرك بدافع من حرصك على سلامتك، و على سعادتك، و على استمرارك وفق منهج الله، أي تتبع تعليمات الصانع، و الإنسان انطلاقاً من حبه اللامتناهي لذاته ينبغي أن يحرص على سلامته، و سعادته، و استمراره، و هذه الثلاثة باتباع تعليمات الصانع.

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14]

 فأنت مبدئياً انطلق من حبك لذاتك، أنت أعقد آلة بالكون، و لهذه الآلة البالغة التعقيد صانع عظيم، و لهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل و الصيانة، فانطلاقاً من حرصك اللامحدود على سلامتك، و سعادتك، ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع.
 مثل بسيط: اقتنيت مركبة حديثة جداً، أثناء القيادة تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، إذا أنت فهمته فهماً خطأ على أنه تزييني احترق المحرك، إن فهمته فهم الصانع أي هو ضوء تحذيري أوقفت المركبة و أضفت الزيت سلم المحرك.
مبدئياً أحب نفسك، أحب ذاتك، بتعبير غير مألوف كن أنانياً، من أجل سلامتك وسعادتك.

 

حدود الشرع ليست حداً لحرية الإنسان لكنها ضمان لسلامته :

 مثلاً تمشي بمكان متسع، لوحة كتب عليها: حقل ألغام ممنوع التجاوز، بربك هل تفهم هذه اللوحة حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك؟ أوامر الله ونواهيه من أجل سلامة الإنسان
في اللحظة التي تفهم فيها حدود الشرع ليست حداً لحريتك، لكنها ضمان لسلامتك أنت فقيه و رب الكعبة، انطلق من حرصك على سلامتك، و سعادتك، و استمرارك، لك صانع عظيم، وقد قالوا: كمال الخلق يدل على كمال التصرف، أنت ممكن أن تشتري برمضان بطيخة، ثمنها كذا تدفعها و تمشي، أما شراء مئة ألف جهاز كمبيوتر من أكبر شركة فيحتاج إلى عقد، وشروط، ودفعات أولى، وصيانة، فأنت تتعامل مع خالق الأكوان.
 لذلك قالوا: كمال الخلق يدل على كمال التصرف، هذه مع الخالق، هذه مع الخالق ما تركك بلا هداية، أرسل لك كتاباً، رسلاً، أنبياء، دعاة، علماء ربانيين، كتاب فُسر من قبل النبي الكريم، شُرح من قبل العلماء، أنت أمام حشد كبير من قبل الدعاة إلى الله من أجل سلامتك، و سعادتك، و استمرارك.
 مرة كنت بأمريكا، دعاني أحدهم إلى زيارة معمل سيارات من الطراز الأول جنرال موتورز، قال لي الخبير: في هذه السيارة ثلاثمئة ألف قطعة، أنا كراكب، لها غلاف، مقاعد محرك، عجلات، مقود، بنزين، ست قطع، نزلوا من ثلاثمئة ألف قطعة إلى ست قطع.

حاجة كل إنسان إلى تعليمات الصانع و تعليمات الصانع هي الكتاب و السنة :

 سؤال: كم كتاب ديني بالأرض الآن؟ و الله بالملايين، كم عالم؟ بمئات الألوف، كم معهد؟ كم؟ كم؟ ممكن هذا الدين يضغط على عظمته، و على شموليته، و على غناه ببنود معدودة؟ مثلما ضغطنا ثلاثمئة قطعة بست، ممكن.
 علم الله وقدرته تطولك
أول شيء، الأيديولوجية، عقيدة التصور، الجانب العقدي، الفكر، من أنت؟ لماذا أنت في الدنيا؟ ما الموت؟ ما بعد الموت؟ ما البرزخ؟ ما الجنة؟ ما النار؟ كيف ينبغي أن تربي أولادك؟ أسئلة كبيرة جداً، فأنت بأمس الحاجة إلى تعليمات الصانع، و تعليمات الصانع هي الكتاب و السنة الآن، تعليمات الخبير، الصانع، القدير.
 أنت ماشي بطريق بعمان، راكب سيارتك، يوجد لوحة، لوحة مرور والإشارة حمراء، لماذا تقف؟ لأن واضع قانون السير علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، و قدرته تطولك يسحب الإجازة، يحرمك من المركبة سنة بأكملها، إذاً ما دام وزير الداخلية من خلال شرطي السير علمه يطولك، و قدرته تطولك لا بد من أن تطيعه، اسمع القرآن:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12]

 لِمَ اختار الله من بين كل أسمائه العلم و القدرة؟ علمه يطولك، وقدرته تطولك، أنت مع شرطي سير لا تعصيه، لأن واضع القانون من خلال هذا الشرطي علمه يطولك، و قدرته تطولك، و لأنك تحب سلامتك، و سعادتك، فهذا قرار مصيري، قرار نهائي، لا بد من تنفيذ تعليمات الصانع، انطلاقاً من حبك لذاتك.

 

في الإنسان قوة إدراكية تلبى بطلب العلم :

 الآن، هذا الجماد، أنا أمام طاولة، هذه لها وزن، و لها حجم، و لها أبعاد ثلاث، أمامي نبات وإن كان صناعياً، إن كان طبيعياً له وزن، وحجم، وطول، وعرض، و ارتفاع، و أبعاد ثلاث، إلا أنه ينمو، زاد النبات على الجماد بالنمو، و زاد الحيوان على النبات و الجماد بالحركة، الهرة تمشي، الآن استعدوا للمفاجأة، الإنسان له وزن، وحجم، وطول، وعرض، و ارتفاع كالجماد، و ينمو كالنبات، و يتحرك كبقية المخلوقات، إلا أن الله أودع في الإنسان قوة إدراكية، هذه القوة الإدراكية تلبى بطلب العلم.

من لم يطلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به :

 دقق الآن الكلام فيه قسوة، و ما لم تطلب العلم هبط الإنسان عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، اسمع قول الله عز وجل:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل:21]

 بطلب العلم يرقى الإنسان
كلام خالق الأكوان، ضغطه مناسب جداً، 8 ـ 12، والنبض ثمانون، وعند الله ميت، كلام خالق الأكوان.

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل:21]

 وصف آخر:

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان: 44]

 أي دابة.

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون:4]

 جماد، كله قرآن.

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة: 5]

 هذه أوصاف خالق الأكوان لمن شرد عن الله، لذلك خيارك مع الدين لا خيار وردة حمراء تزين بها صدرك بل خيار هواء تستنشقه، لا يوجد حل وسط.
 ابن عمر دينك دينك إنه لحمك و دمك، خذ عن الذين استقاموا، و لا تأخذ عن الذي مالوا.

الدين قضية مصيرية و العاقل من أعدّ لساعة الموت عدتها :

 الدين قضية مصيرية، البيت لم يناسبك تغيره، و المركبة تبيعها، لكن أن تغفل عن الله، فأكبر جرم يقع به الإنسان أن يغفل عن الله.

(( عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 الموت لابد منه فأعدوا له
هل يستطيع واحد من الحاضرين جميعاً وأنا معكم أن يقول: أنا لا أموت؟

((رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 أخواننا الكرام، مع الأسف الشديد الناس جميعاً يعيشون حاضرهم و ماضيهم فقط، الأخ الكريم ماذا يعمل؟ أنا مهندس، أين درست؟ بالقاهرة، لكن معظم الناس يبتعدون عن المستقبل لماذا؟ في المستقبل خبر مخيف، هو مغادرة الدنيا، من بيت إلى قبر، من زوجة، وأولاد، و أصهار، و كنائن، وسهرات، و ولائم، و مناسف، إلى قبر.
 من رحلة، و سياحة، و سفر، و بيت على البحر، وآخر على الجبل، ورحلة إلى أوروبا، ثم إلى آسيا، من سيارتين أو ثلاث إلى قبر، البطولة و الذكاء، و العقل، و النجاح، و التفوق، أن تعد لهذه الساعة التي لا بد منها.

 

الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به :

 لذلك قالوا: الإنسان حينما يعيش المستقبل يكون قد حقق شيئاً من سعادته الأبدية، هناك مغادرة للدنيا، و منهج الله واقعي، وطبيعي، ما من أمر أمرك الله به فوق طاقتك، كلام دقيق.

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا َلَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

[ سورة البقرة: 286]

 ابحث عن الحقيقة
من هنا جاء البحث عن الحقيقة أهم شيء بحياتك، من أنا؟ لماذا أنا في الدنيا؟ ماذا بعد الدنيا؟ ماذا بعد الموت؟ ما الجنة؟ ما النار؟ ما الدين القويم؟ لذلك طلب العلم فريضة على كل مسلم.
 مثلاً مظلي قد يجهل هذا المظلي شكل المظلة، يا ترى بيضوي مستطيل أم دائري؟ لا يعرف، قد يجهل نوع الخيوط التي صنع منها، قد يجهل الحبال، ألوان الحبال، خيوط الحبال، قد تجهل مئة معلومة عن المظلة، إلا معلومة واحدة إن جهلتها نزلت ميتاً، طريقة فتحها، طريقة فتحها عبر عنها العلماء ما ينبغي أن يعلم بالضرورة، مهندس، طبيب، فضائي، قوي، ضعيف، غني، فقير، متعلم، غير متعلم، ما ينبغي أن يعلم بالضرورة.
 لكن عظمة هذا الدين أن الانتفاع به لا يقتضي حصراً العلم به، كيف؟ اشترى إنسان أُميّ مكيفاً، ضغط على on اشتغل، جاءه هواء بارد، و قد تجلس مع دكتور في الجامعة في علم التكييف، الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، أي مسلم طبق المنهج قطف كل ثماره أما المتعلم بعلم فهناك فرق، أما المستهلك فلا يحتاج إلى تعلم، أي وشخص و إن لم يدرس غض بصره، هناك أمر إلهي بغض البصر، ضبط دخله، ما أكل مالاً حراماً، ما كذب، ما غش، قطف كل ثمار الدين، فلذلك يقولون: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به.

 

سياسة الله في تأديب عباده :

 الآن العلوم التي نعيشها نحن جميعاً، ما هي؟ تنتهي بالقانون، ما القانون؟ علاقة بين متغيرين، مقطوع بها، تطابق الواقع، عليها دليل، لو ألغيت من القانون الدليل صار تقليداً، لو ألغيت الواقع صار جهلاً، لو ألغيت العلاقة المقطوع بها أصبحت وهماً، الوهم ثلاثون بالمئة، الشك خمسون بالمئة، الظن سبعون بالمئة، غلبة الظن تسعون بالمئة، علاقة مقطوع بها- قطع- بين متغيرين، تطابق الواقع، عليها دليل، ماذا يقابل القانون بالإسلام؟ السنن.

﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 62]

﴿ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 77]

 ما هي السنن؟ الآن دخلنا بلب الموضوع، أول شيء الهدى البياني، قاعد بجلسة سمعت كلمة من عبد لله فقير، حضرت خطبة بمسجد، اقتنيت كتاب تفسير، سمعت ندوة تلفزيونية عن الإسلام، الهدى البياني أرقى مرحلة بالهداية، أنت مرتاح لا يوجد عندك أية مشكلة ببيتك، بعملك، بصحتك، لكن الله عز وجل تفضل عليك و أطلعك على شيء من الهدى، الهدى البياني، الموقف الكامل في الهدى البياني الاستجابة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 24]

 الجلسة هذه هدى بياني، سمعت درساً، سمعت خطبة، تابعت ندوة تلفزيونية إسلامية، هدى بياني، الموقف الكامل في الهدى البياني الاستجابة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 24]

 ما استجاب، يقول الطبيب للمريض الذي معه التهاب بالمعدة حاد: لا بد من حمية لستة أشهر على الحليب فقط، و الشفاء تام، فإذا لم يسمع كلام الطبيب و استمر بالطعام و الشراب فهناك عمل جراحي، الهدى البياني أرقى شيء، سمعت محاضرة، سمعت خطبة، قرأت تفسيراً، ناقشت العملية فكرياً، استجبت لله، الهدى البياني استجابة، ما استجاب يوجد تأديب تربوي.

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 21]

 أناس بالهدى البياني، أناس بالتأديب التربوي، ما تاب، لا بالهدى البياني استجاب، ولا بالتأديب التربوي تاب، يوجد امتحان ثالث صعب، سهل صعب، الإكرام الاستدراجي، تفتح الدنيا، دخل فلكي، بالإكرام الاستدراجي يجب أن يشكر، إذا لم يستجب بالهدى البياني، ولم يتب بالتأديب التربوي، و لم يشكر بالإكرام الاستدراجي، بقي القصم، و كل واحد منا ينبغي أن يدرس حالته بأي مرحلة هو، هذه اسمها: سنن الدفع إلى الله.

 

مصائب الأنبياء تكشف كمالهم الذي لا نهاية له :

 عندنا سنن أخرى الردع، أهم هذه السنن المصائب، المصائب تصيب الأنبياء، لكن الأنبياء كشف، عنده كمال لا نهاية له.
 ذهب إلى الطائف ثمانين كيلو متر، مشياً على قدميه، كذبوه، سخروا منه، أغروا صبيانهم بضربه، والدم سال من قدمه الشريف، جاءه ملك الجبال، قال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، هذه أعلى درجة.
 أثناء الهجرة تبعه سراقة، طبعاً مئة ناقة، ما معنى ناقة؟ الآن ماذا يقابلها؟ مرسيدس بالضبط، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، تبعه سراقة، قال له: يا سراقة! كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ شخص ملاحق، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول له: أنا سأصل، وسأنشئ دولة، و سأحارب أكبر دولة بالعالم، و سوف أنتصر، و سوف تأتيني غنائم كسرى، و لك منها يا سراقة سوار كسرى.

الدين كلما قمع ازداد قوة :

 لا تقل: انتهينا، هذه الأمة لا تموت، أحياناً تنام قليلاً، هذه الأمة لا تموت أبداً، سبحان الله! عوامل بقائها ضمن الأمة، وهذا الأمر من أجل أن أطمئنكم كل جهة قوية في الأرض أرادت أن تقمع الدين كمن يصب على النار البنزين، يزيده اشتعالاً، هناك كلمة قد لا تفهم بشكل دقيق: لا يوجد جهة لها فضل على الصحوة الإسلامية إلا أعداء الدين، وهذا الدين كلما قمعته يزداد قوة.
 كلما قمعوا الإسلام ازداد قوة
لذلك إذا الإنسان بساعة صحوة ويقظة عرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، و بحث عن الحقيقة، ووصل إلى الله عز وجل، واستقام على أمره، وطلب العلم، لابد من طلب العلم الآيات:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 آية ثانية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 ينبغي أن تكون مع الصادقين، عندنا شيء دقيق، لك أصدقاء، لك أقارب، في سهرة أسبوعية، في رحلة، في نزهة، هؤلاء الذين حولك، إن استطاعوا أن يجروك إليهم دعهم فوراً، و إن أمكنك أن تجرهم إليك فابقَ معهم، كلعبة شد الحبل، إن أمكنك أن تشدهم إليك، إلى دينك، إلى صلاتك، إلى غض بصرك، إلى تحرير دخلك، ابقَ معهم، أما إذا أمكنهم أن يشدوك إليهم فدعهم فجأة.

 

السلوك نوعان :

 لذلك أخواننا الكرام، الدين عظمته فيه كليات، العقيدة كلية، و السلوك شيء ثان، السلوك نوعان؛ نوع سلبي، استقامة، نوع إيجابي، عمل صالح، المستقيم ما أكل مالاً حراماً، ما كذب، ما غش، ما افترى، ما فرق بين زوجين، هذا مستقيم، أما إن أنفق من ماله، من علمه، من جاهه، من مكانته، فالعمل الصالح له جانبان، جانب سلبي الاستقامة، و جانب إيجابي العطاء.
 يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع.
 إذاً عندنا الهدى البياني، و التأديب التربوي، و الإكرام الاستدراجي، و عندنا الإنسان عقل يدرك، غذاؤه العلم، و قلب يحب، غذاؤه الحب، و جسم يتحرك، غذاؤه الطعام و الشراب، فإذا غذيت عقلك بالعلم، و قلبك بالحب، و جسمك بمال حلال، بطعام اشتري بمال حلال تفوقت.

من نعم الله على الإنسان الهداية و الصحة و الكفاية :

 لذلك الآن دقق، لم ترد كلمة نجاح في القرآن ولا مرة، ما الذي جاء محلها؟ الفلاح، النجاح أحادي، بيل غيتس يملك ثلاثة و تسعين مليار دولار، على فراش الموت قال: هذا الرقم لا يعني عندي شيئاً، وجوبز سبعمئة مليار، صاحب أبل، نفس الكلام قاله.
 الهداية والكفاية أعظم نعمتين
لذلك دقق، يوجد رزق، وكسب، الرزق ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت، لبست فأبليت، تصدقت فأبقيت، ثلاثة بنود، أكلت أفنيت، لبست أبليت، تصدقت أبقيت، اثنان من ثلاثة ليس لها أثر مستقبلي، أما الكسب فهو حجمك المالي، لم تنتفع بهذا المال إطلاقاً، لكن تحاسب عليه، فالبطولة:

(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))

[الترمذي عن عبيد الله بن المحصن ]

 من هنا النعمة الأولى الهداية، ثم الصحة، ثم الكفاية، فمن أكرمه الله بالهداية و صحته تمام، و له مأوى يؤويه، فهو حقق أعلى شيء في الدنيا.
 لذلك سأل ملك وزيره: من الملك؟ قال له: أنت، قال له: لا، الملك رجل لا نعرفه و لا يعرفنا، إن عرفناه جهدنا في إذلاله، و إن عرفنا جهد في استرضائنا، هذا الملك الذي ما عرفناه و لا عرفنا له بيت يؤويه، و زوجة ترضيه، و رزق يكفيه.
 فإذا شخص أكرمه الله عز وجل بالهداية، وبأسرة صالحة، وبمأوى، حقق من الدنيا كل شيء.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ إيمانكم جميعاً، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، واستقرار هذه البلاد، وهذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها.

 

خاتمة و توديع :

مقدم اللقاء :
 في الختام أيها الأحباب الكرام، لا يسعنا إلا أن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده إن شاء الله تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً.
 وحياكم الله، وسدد على الخير خطاكم، وإلى لقاء قادم في الأسبوع القادم فحياكم الله.
 و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018