الدرس : 06 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 19-24 ، الإيمان الحقيقي أن تعلم أن الله فعال لما يريد - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 06 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 19-24 ، الإيمان الحقيقي أن تعلم أن الله فعال لما يريد


2005-01-14

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة المؤمنين ، مع الدرس السادس من دروس سورة الأنعام .

الذين ألفوا اقتناص اللذات وكسب الأموال المحرمة يرفضون نبوة النبي ورسالة الرسول:

 مع الآية التاسعة عشر ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)﴾

 أيها الأخوة الكرام ، حينما يرسل الله إنساناً هو رسول للناس ، ويقول لهم : أنا رسول الله ، ومعه منهج فيه أمر وفيه نهي ، ولأن الإنسان حينما يتبع شهوته لا يألف الأمر والنهي ، يألف التفلت والحرية المطلقة ، وهذا شأن المجتمعات حينما تبتعد عن منهج الله ، الكلمة التي تُقال بالعالم الغربي : الحرية .
 الحقيقة أن هذه الكلمة لها حدود لا تنتهي ، لكن الواقع يبين أن من معاني هذه الحرية التي يفهمونها أن تفعل كل شيء ، ألا تُسأل ، أن تفعل كل شيء يحلو لك ، هذه ليست حرية إنما هي تفلت ، على كلٍ الإنسان إذا ألف التفلت ، إذا ألف أن يمارس الشهوة بلا قيود ، ولا حدود ، ولا ضوابط ، والشهوات الكبرى كسب الأموال ، ومقاربة النساء ، وما من فساد في الأرض إلا ويرتكز على حرية في كسب الأموال ، وحرية في اقتناص اللذائذ ، ما من فساد في الأرض إلا ويرتكز على حرية ؛ أي إباحية ، أي تفلت من منهج الله عز وجل في كسب الأموال ، وحرية أو إباحية أو تفلت في العلاقة بالجنس الآخر ، هؤلاء الذين ألفوا اقتناص اللذات ، وكسب الأموال المحرمة هؤلاء يرفضون نبوة النبي ورسالة الرسول ، والجواب الأول له :

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً (43)﴾

( سورة الرعد الآية : 43 )

أكبر دليل أن هذا القرآن الكريم كلام الله هو وقوع الوعد والوعيد:

 إذا جاءك إنسان ولم يقيدك ، ولم يلزمك بعمل ما ، قد تجامله وقد ترحب به ، لكن حينما يلزمك بشيء يقلل من حريتك فردُّ الفعل الطبيعي أن تكذبه ، لذلك هؤلاء الأنبياء والرسل لا بد لهم من دليل يؤكد نبوتهم ورسالتهم ،

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾

 فكيف يثبت هذا الإنسان أنه رسول من عند الله ؟ بل كيف يشهد الله له أنه رسول ؟ الآية تشير إلى أنهم طالبوه أن يشهد الله له ، إذا كان الله هو أرسلك فليشهد أنه أرسلك ، فليعلمنا أنه أرسلك ، ثم يقول الله عز وجل :

 

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ﴾

 أي إن أردتم دليلاً على أنني رسول ، إن أردتم شاهداً ، أكبر دليلٍ ، بل أكبر شهادة هي شهادة الله عز وجل :

 

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾

 هذه الشهادة التي هي شهادة الله ، وهذه البينة التي كانت من الله ، وهذا الدليل الذي معي إنما هو شهادة الله ، وشهادة الله مركزة في القرآن الكريم :

 

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ ﴾

 التسلسل كما يلي : هذا الكتاب كلام الله عز وجل ، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، في هذا القرآن دليلان كبيران صارخان على أنه كلام الله ، أول دليل : أن الوعود التي في القرآن والوعيد الذي في القرآن يتحقق ، وتحققه لا يمكن أن يكون إلا عن طريق خالق البشر .

 

قصص كثيرة وردت في القرآن الكريم هي في الحقيقة وقوع الوعد والوعيد:

 الله عز وجل قال :

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا (276)﴾

( سورة البقرة الآية : 276 )

 أي إنسان يتجرأ على الله ، ويأكل الربا ، أو يُطعم الربا يرخى له الحبل إلى حين ثم يُدمر ، ثم يُتلف ماله ، فتدمير ماله شهادة الله لهذا الإنسان أن هذا القرآن كلام الله بدليل وقوع الوعيد ، إنسان عمل عملاً صالحاً فعاش حياة طيبة ، الحياة الطيبة التي يحياها المؤمن هي شهادة الله لهذا المؤمن أن القرآن كلامه ، فالحياة الطيبة لا يملكها إلا خالق الإنسان ، ولأنه آمن ونفذ تعليمات الله عز وجل فالله منحه هذه الحياة الطيبة .
 أيها الأخوة ، وقوع الوعد والوعيد شهادة الله لهذا الإنسان أنه كلام الله ، هناك قصص كثيرة لا تعد ولا تحصى هي في الحقيقة وقوع الوعد والوعيد ، إذاً أكبر دليل في هذا القرآن على أنه كلام الله أن ما فيه من وعود تحققت إنما هي شهادة الله عز وجل .

 

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾

( سورة الروم )

 طبعاً هذه الآية نزلت قبل أن يغلب الروم ، فلما غلبت الروم وقوع هذا الوعد كان شهادة الله لهذا الإنسان أن هذا القرآن كلامه ، وإن أردت أن توسع الموضوع أو أن تضيقه سيان ، لكن أنت لمجرد أن تصطلح مع الله ، وأن تستقيم على أمره تشعر بسعادة ، تشعر بسكينة ، لأن الله سبحانه وتعالى حينما قال :

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

( سورة الليل )

 حينما تصدق أنك مخلوق للجنة ، وتبني حياتك على العطاء ، وتتقي أن تعصي الله تجد أن الأمور جرت لصالحك ، وهذه الأمور جرت من قبل خالق الأكوان .

 

الإشارات التي تسمى إنجازاً علمياً عددها كبير جداً تقترب من ثلث القرآن:

 إذاً أكبر دليل من هذا القرآن الكريم على أنه كلام الله هو وقوع الوعد والوعيد ، وقوع الوعد شهادة الله لهذا الإنسان أن هذا القرآن كلامه ، ووقوع الوعيد شهادة الله لهذا الإنسان بأن القرآن كلامه . مثلاً :

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

( سورة مريم )

 المسلمون حينما أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، لقوا ذلك الغي ، وهذا الغي الذي هم فيه الآن شهادة الله للبشر أن هذا القرآن كلام خالق البشر ، هذا دليل .
 الدليل الآخر : أن الله سبحانه وتعالى أورد في هذا القرآن قريباً من ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون ، هذه الآيات الكونية بعضها فيه مفهوم علمي ، وبعضها فيه إعجاز علمي ، معنى الإعجاز أن إشارة قرآنية إلى عظمة الله عز وجل من خلال خلقه لم تكشف إلا في نهاية الزمن ، إلا بعد ألف وخمسمئة عام ، وعندما نزل الوحي مستحيل أن يستطيع مخلوق على سطح الأرض أن يكشف هذه الحقيقة ، فهذه الإشارات التي تسمى إن شئتم سبقاً علمياً ، أو تسمى إن شئتم إنجازاً علمياً ، هذه عددها كبير جداً تقترب من ثلث القرآن .
بعد تقدم علوم الطب اكتُشف أن نوع الجنين يحدده الحوين لا البويضة ، فإذا قرأت القرآن الكريم :

 

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46)﴾

( سورة النجم )

بعض الأدلة عن الإعجاز العلمي في القرآن :

 حينما نكتشف أن كل شيء يدور في هذا الكون بدءاً من الذرة وانتهاء بالمجرة ، ثم تقرأ قوله تعالى :

 

﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)﴾

( سورة يس الآية : 40 )

 حينما يكتشف رواد الفضاء أن الفضاء الخارجي مظلم ظلاماً تاماً لانعدام الهواء في الفضاء الخارجي ، وحينما تقرأ قوله تعالى :

 

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)﴾

( سورة الحجر )

 حينما ارتاد الإنسان الفضاء ، وشعر بضيق صدره كلما علا في طبقات الجو تقرأ قوله تعالى :

 

﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (125)﴾

( سورة الأنعام )

 حينما يكتشف أن بين كل بحرين حاجزاً يمنع اختلاط مياه البحر بمياه البحر الآخر ، وأنه تمت بحوث علمية مطولة اكتُشف فيها أن لكل بحر مكوناته ، وطبيعته ، وملوحته ، وكثافته ، وخصائصه ، ثم نقرأ قوله تعالى :

 

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20)فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

( سورة الرحمن )

كروية الأرض ودورانها حول الشمس وردت في القرآن الكريم :


 حينما يكتشف مؤخراً أن الأرض تدور حول الشمس ، وأن الشمس بالنسبة إلى الأرض ثابتة ، لكن الشمس مع المجموعة الشمسية تتجه إلى نقطة في الفضاء الخارجي ، أما في العين الظاهرة الشمس تدور حول الأرض ، بهذه العين الشمس تشرق وتغرب ، وتشرق وتغرب ، فالمتحرك هو الشمس ، لكن حينما نطلع على آيات القرآن الكريم نجد أن :

 

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا (38)﴾

( سورة يس الآية : 38 )

 الأرض هي التي تدور حول الشمس ، وحينما يكتشف أن الأرض كرة ، وأن الله سبحانه وتعالى أشار إلى هذه الكروية في آيات عديدة ، فقال تعالى :

 

﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (61)﴾

( سورة الحج الآية : 61 )

 لا يقبل من شكل هندسي إلا الكرة إذا دارت هذه الكرة حول منبع ضوئي فتداخل النور والظلام ، على هذا الشكل هذه الحادثة لا تكون إلا في الكرة ، أما في المكعب فالضوء يأتي فجأة ، ويغيب فجأة ، إلا في الكرة تتداخل الأشعة مع الظلام في وقت واحد ، والدليل أنه بين الفجر وبين طلوع الشمس في تداخل بين النور والظلام ، وأنه بين المغرب وغياب الشفق الأحمر هناك تداخل بين الضوء والظلام ، ثم إن الله سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ (3)﴾

( سورة الرعد الآية : 3 )

 ما من شكل هندسي تمد عليه الخطوط إلى مالا نهاية إلا الكرة ،

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾

 وآيات كثيرة جداً في هذا الموضوع .

 

أكبر شهادة لله عز وجل لخلقه أن محمداً بن عبد الله هو رسول الله هو هذا القرآن:

 إذاً الآيات المتعلقة بالإعجاز العلمي ، أو بالسبق العلمي التي يستحيل على الإنسان أن يعرفها وقت نزول الوحي هذه الآيات هي شهادة الله لنا جميعاً أن هذا القرآن كلامه ، مادام هذا القرآن كلام الله عز وجل فالذي جاء به رسول الله .
 إذاً : يمكن أن نقول إن أكبر شهادة لله عز وجل لخلقه أن محمداً بن عبد الله هو رسول الله هو هذا القرآن .

 

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾

 ألا ترضون أن يكون الله هو الشهيد ؟ يقال : نعم ، وكيف يشهد الله لك يا محمد ؟ يقول : هذا القرآن ، مادامت وعود القرآن تتحقق ، وما دام وعيد القرآن يتحقق ، ومادام في القرآن إشارات علمية يستحيل فهمها وقت نزول الوحي ، بل تفهم الآن بعد تقدم العلم ، وما دام الله عز وجل يقول :

 

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ (53)﴾

( سورة فصلت الآية : 53 )

 هذان الدليلان الكبيران وقوع الوعد والوعيد ، وآيات الإعجاز العلمي هي شهادة الله للبشر أن هذا الذي جاء بهذا الكتاب هو رسوله ، إذاً حينما تُسأل ما الدليل القاطع على أن هذا الإنسان الذي اسمه محمد بن عبد الله هو نبي ورسول وليس عبقرياً ومصلحاً ؟ إنه القرآن الكريم .

 

كل شيء في الأرض يدل على الله عز وجل:

 التسلسل في الإيمان على النحو التالي :
 هذا الكون هو الثابت الأول ، يراه كل الناس ، يراه الكفار ، ويراه المؤمنون ، يراه أهل الأديان كلهم ، هذا الكون المترامي الأطراف ، هناك أرقام تكاد لا تصدق ، مئتان وثلاثون مليار مجرة ، في كل مجرة عدد كبير من المليارات من الكواكب ، هذا الكون ثابت ، يراه الناس جميعاً ، يرون الشمس والقمر ، يرون البحار والأنهار ، يرون الجبال والمنخفضات ، يرون الحيوانات على كثرتها ، يرون الأسماك ، يرون الأطيار ، يرون النبتات ، كل شيء في الأرض يدل على الله عز وجل .
 هذا الكون ، هذا الكون لا يستطيع إنكار وجود صانعه إلا الإنسان ، فهل يعقل أن نضع قنبلة في مستودع للحديد والمحصلة طائرة من أحدث الطائرات ، بمحركات ، وأجهزة قياس ، وأجهزة ارتفاع ، وأجهزة تبريد ، ومقاعد وثيرة ؟ أيعقل أن يكون الانفجار منتهياً إلى طائرة ، لو فجرنا مطبعة أيعقل أن تكون المحصلة كتاب فيه حروف ، وفيه فصول ، وفيه أبواب ، وفيه حواشٍ وتعليقات ، وفيه علم ، فهذا الكون هو الثابت الأول ، فأنت بعقلك وحده تستطيع أن تؤمن بوجود الله ، وبأسمائه الحسنى ، في الكون رحمة ، وفي الكون حكمة ، وفي الكون علم ، وفي الكون قدرة ، وقدرة الله عز وجل تجلت قبل أسبوعين بهذا الزلزال الذي قوة تفجيره مليون قنبلة ذرية ، وأن هذا الموج كيف أنه دمر كل شيء ، وشاء الله لهذا الماء أن يكون نعمة فكان ، ويشاء له أحياناً أن يكون نقمة فيكون ، فهذا الكون يشف عن قدرة ، يشف عن علم ، يشف عن رحمة ، يشف عن حكمة ، فبعقلك يمكن أن تكتشف حقيقة الوجود الإلهي ، والكمال الإلهي ، والوحدانية الإلهية ، هذا أول شيء.
 بعقلك وحده يمكن أن تكتشف أن هذا القرآن كلام الله من خلال إعجازه ، ومن خلال وقوع الوعد والوعيد ، وبعقلك وحده يمكن أن تكتشف أن الذي جاء بهذا القرآن المعجز هو رسول الله ، إذا ًيمكن أن تؤمن إيمانا علمياً محضاً ، ويمكن أن تؤمن إيماناً عقلياً محضاً ، ويمكن أن تؤمن إيماناً يقينياً محضاً أن الله سبحانه وتعالى موجود وواحد وكامل من خلقه ، ومن كتابه ، ومن هذا الإنسان الذي بعثه الله للبشر جميعاً إنما هو محمد بن عبد الله .
 بعد أن ينتهي عقلك من الإيمان بالله عن طريق الكون ، والإيمان بالقرآن عن طريق الإعجاز ، ووقوع الوعد والوعيد ، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عن طريق القرآن ينتهي دور القرآن ، ينتهي دور العقل ، ويأتي دور التلقي ، يأتي دور الوحي ، فكل شيء يعجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به .

 

القرآن الكريم يخاطب الله به كل البشر إلى نهاية الدنيا والله تولى بذاته حفظ هذا الكتاب :

 هذا الكلام كله أيها الأخوة يساق في قوله تعالى :

 

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾

 هذا القرآن ليس لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، وليس لأهل مكة ، وليس لقريش ، وليس للعرب جميعاً ، وليس للذين عاشوا في حياة النبي e ، هذا القرآن لكل إنسان أتى بعد نزوله من القارات الخمس ، هذا القرآن يخاطب الله به كل البشر إلى نهاية الدوران ،

﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ ﴾

 بالمناسبة أيها الأخوة ، الله جل جلاله تولى حفظ هذا الكتاب ، تولاه بذاته ، ما معنى تولاه بذاته ؟ أمر أنبياءه السابقين أن يحفظوا الكتب السماوية ، قال تعالى :

 

﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (44)﴾

( سورة المائدة الآية : 44 )

 أمر الأنبياء أن يحفظوا كتابه ، كتبه السابقة ، فحفظوها ، ولكن الله لم يتولَ حفظه فأتباعهم لم يحفظوه ، بل غيروها وبدلوها ، لكن الله سبحانه وتعالى لأن هذا القرآن لنهاية الدوران ، ولكل الأمم والشعوب تولى الله بذاته حفظه ، مع هذا التفلت الذي ما بعده تفلت ، مع هذا الفسق والفجور الذي ما بعده فسق وفجور ، العناية بهذا القرآن تفوق حد الخيال ، العناية بكتابته ، بخطوطه ، بطبعاته ، بحفظه ، بمؤسساته ، شيء لا يصدق ، وما من كتاب على وجه الأرض حظي بالحفاظ عليه دقيقاً كما نزل ككلام الله عز وجل ، فالله تولى بذاته حفظ هذا الكتاب .

 

من لوازم حفظ كلام الله حفظ كلام النبي عليه الصلاة والسلام :

 لعلماء العقيدة إضافة أخرى ، بما أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام هو بيان وتوضيح لكلام الله فمن لوازم حفظ كلام الله حفظ كلام النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك هيأ الله لهذا الحديث الشريف رجالاً عظاماً أعطاهم ملكات تفوق حد الخيال ، فنقحوا هذا الحديث وبوبوه ، وصنفوه ، وأخرجوه ، وبينوا لنا المتواتر ، والصحيح ، والحسن ، والضعيف ، والموضوعي ، أيضاً أن ينهض رجال كبار ويستخدمون طاقات إنسانية كبرى من أجل الحفاظ على حديث رسول الله e ، هذا أيضاً يندرج تحت باب أن الله سبحانه وتعالى تولى حفظ كلامه .

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

( سورة الحجر )

 إذاً :

 

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾

 القرآن الذي نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم هو هذا الذي بين أيدينا بالتمام والكمال ، قد يقول قائل ما الدليل ؟ أقول لك هذه قضية إيمانية ، لعلي أشرت قبل قليل إلى أنه يمكن أن تؤمن بالله من خلال خلقه عن طريق عقلك ، ويمكن أن تؤمن بالله من خلال كلامه عن طريق التدبر ، ويمكن أن تؤمن بالله عن طريق رسوله ، ولكن قضية أن الله تولى حفظه هذا إخبار من الله عز وجل ، فإذا آمنت بهذا الثابت الأول الكون الذي يدل على الله ، ثم آمنت بإعجاز القرآن الكريم على أنه كلام الله ، وعلى أنه بكل آياته قطعي الثبوت ، قال الله عز وجل في هذا القرآن :

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

( سورة الحجر )

 هذه قضية إيمانية ، كما أنك تعالج قضايا متنوعة .

 

القضايا التي غابت عنك عينها و آثارها دليل اليقين بها الخبر الصادق:

 هناك قضايا أداة اليقين بها الحواس الخمس فقط ، القضايا التي ظهر فيها عين الشيء وآثاره ، والقضايا التي غابت فيها عين الشيء وبقيت آثاره أداة اليقين بها العقل فقط ، بعرة تدل على البعير ، أقدام تدل على المسير ، ماء يدل على الغدير .
 القضايا التي غابت عينها وآثارها دليل اليقين بها الخبر الصادق ، الله عز وجل أخبرنا بقرآنه أنه حفظ هذا القرآن ، فإيماننا بحفظه ، وأن الذي بين أيدينا هو نفسه الذي نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، هذه قضية إيمانية لا تحتمل المناقشة :

 

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى ﴾

 الآن الشهادة شهادة عملية ، لك أن تشهد بلسانك ، ولك أن يشهد عليك عملك ، فأنت حينما تخاف من غير الله ، وترجو ما عند غير الله ، وتعتز بغير الله ، وتلجأ إلى غير الله ويكون ولاؤك لغير الله ، ويكون عملك لغير الله ، هذا سلوك عملي هو في الحقيقة شهادة عليك أنك مشرك بالله :

 

﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى ﴾

المؤمن يعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى فعال وحده وأن يد الله فوق أيديهم :

 حينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً فهذه شهادة منك عملية على أنك لست موحداً ، أنت حينما تغش المسلمين ـ لا سمح الله ولا قدر ـ لماذا غششتهم ؟ لأنه اعتقدت دون أن تشعر أن هذا المال الذي تكسبه من غش المسلمين أكبر عندك من طاعة الله ، فالإنسان حينما يرضي الناس بسخط الله يقدم شهادة من عنده على أنه مشرك ، وحينما يرضي مخلوقاً ويعصي خالقاً يقدم شهادة على أنه مشرك ، قال تعالى :

 

﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ ﴾

 ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

( سورة الأنبياء )

 فالمؤمن يتقد بكل قطرة في دمه ، وبكل خلية في جسمه أن الله سبحانه وتعالى فعال وحده ، وأن يد الله فوق أيديهم ، وأنه :

 

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (17)﴾

( سورة الأنفال الآية : 17 )

الإيمان الحقيقي أن تعلم أن الله فعال لما يريد:

 قال تعالى :

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123)﴾

( سورة هود الآية : 122 )

 بيده مقاليد السماوات والأرض .

 

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾

( سورة الكهف )

 وقال :

 

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾

( سورة الفتح )

 أنت حينما تعتقد هذا الاعتقاد التوحيدي تكون مؤمناً حقاً ، والإيمان لا يرقى إليك بإيمانك أن الله موجود ، وأن الله خالق السماوات والأرض ، ولكن الإيمان الحقيقي أن الله فعال لما يريد .

 

ابدأ بمعرفة الله لا من خلال أفعالهبل من خلال خلقه وكلامه :

 قال تعالى :

 

﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

 قد ترى حروباً ، واجتياحات ، وزلازل ، وبراكين ، وحروباً أهلية ، وحروباً دولية ، وظلماً في الظاهر ، وإنساناً يُقتل ، وإنساناً يُعذب ، وإنساناً يُهدم بيته ، هذا كله يؤكد أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الفعال ، لكن حينما تبدأ بمعرفة الله من خلال أفعاله أقول لك هذا طريق محفوف بالمخاطر ، ابدأ بمعرفة الله لا من خلال أفعاله بل من خلال خلقه وكلامه، إذا أتقنت معرفة الله من خلال خلقه ثم كلامه عندئذٍ هذا الذي حصَّلته من إيمانك من خلال خلقه وكلامه ينعكس على فهمك لأفعاله :

 

﴿ قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾

 لذلك قال تعالى :

 

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

( سورة الشعراء )

 أحد أكبر أسباب العذاب النفسي أن تدعو مع الله إله آخر ،

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

 والشيء المريح وحده هو أن توحد وأن تؤمن .

 

الإنسان حينما يكذب بهذا الدين يخسر نفسه:

 أيها الأخوة ، ثم تأتي الآية التي بعد هذه الآية :

 

﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)﴾

( سورة الأنعام )

﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ﴾

 أي رسول الله ،

﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴾

 الآية دقيقة جداً ، فما من معرفة أثبت ولا أصدق ولا أسرع من معرفة الأب لابنه ، هل هناك أب على وجه الأرض يسأل ابنه ما اسمك ؟ أم أنت من ؟ مستحيل ، وأقرب معرفة بديهية للإنسان معرفة ابنه ، الأدلة التي جاءت على يد النبي صلى الله عليه وسلم هو هذا القرآن ، وهذا القرآن يمكن أن تعرفه بالفطرة ، ولمجرد أن تقرأه تعلم أنه كلام الله ، ولمجرد أن تقرأ كلاماً مزوراً لا يستأهل منك إلا سخرية ، الآن هناك فرقان الحق ، أنا متأكد وأعني ما أقول أن واحداً في العالم الإسلامي ، واحداً كائناً من كان ، إذا قرأه يشعر بكل خلية في جسمه ، وبكل قطرة في دمه أنه كلام مفترىً على الله ، هناك دليل فطري في القرآن عجيب ، تقرأ كلام الله يقشعر جلدك ، وتشعر أن الذي يتكلم هو خالق السماوات والأرض ، ولا تستطيع جهة في الكون أن تقول كلاماً توهمك أنه كلام خالق الكون ، إلا الله عز وجل .
 لذلك :

﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾

 لأهواء سيطرت عليهم ، ولمصالح خافوا على ضياعها ، أنكروا نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأنكروا أن يكون هذا القرآن كلام الله لكنهم في الحقيقة يعرفون رسول الله على أنه رسول الله

﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴾

 وما من تشبيه أبلغ من هذا التشبيه ، معرفة أهل الكتاب للنبي عليه الصلاة والسلام على أنه نبي ، ومعرفة أهل الكتاب للقرآن أنه كتاب الله لا تبتعد عن معرفة الأب لابنه :

 

﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴾

 لكنهم حينما لم يؤمنوا به ، وحينما أنكروا نبوة النبي عليه الصلاة والسلام خسروا أفدح خسارة ،

﴿ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾

 قد تخسر بيتك لا سمح الله ، وقد تخسر مالك ، ولكنك أنت أهم شيء ، الإنسان قد يخسر ماله كله ، وبعدها يصبح أكبر الأغنياء ، وبعدها يصبح غنياً كبيراً ، ولكن حينما يخسر نفسه خسر كل شيء ، فالإنسان حينما يكذب بهذا الدين خسر كل شيء ، يعني خسر نفسه .

 

الرابح الأول هو الذي ربح نفسه والخاسر الأول هو الذي خسر نفسه:

 قال تعالى :

 

﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 أي إن لم تؤمن خسرت نفسك ، وإن آمنت ربحت نفسك ، والرابح الأول هو الذي ربح نفسه ، والخاسر الأول هو الذي خسر نفسه .

 

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (15)﴾

( سورة الزمر الآية : 15 )

 التكذيب يوصل إلى الخسارة الفادحة ، الإنسان بيده أشياء كثيرة ، خسر محل تجارة لم تربح ، شريك اقتنص الشركة لكن طاقاته وإمكانياته موجودة ، أما إذا قُتل توقف كل شيء . شيء آخر ، في مرحلة أخرى غير أنك لا تؤمن ، قال :

 

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)﴾

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾

 عند الله أي : من أشد الناس ظلماً ؟

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴾

 كذب بالقرآن ، كذب بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، الآن اخترع شيئاً لم يقع :

 

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)﴾

 صار إنساناً لم يؤمن فخسر ، الإنسان فضلاً عن أنه لم يؤمن أورد روايات كاذبة واخترع شيئاً لا أصل له ، هذا أصبح ظالم ، خاسر ظالم .

عندما رتب الله المعاصي تصاعدياً جعل على رأس هذه المعاصي أن تفتري على الله الكذب:

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)﴾

 عندما رتب الله عز وجل المعاصي ترتيباً تصاعدياً بدأ بالفحشاء والمنكر ، ثم بالإثم والعدوان ، ثم بالشرك ، ثم بالكفر ، وجعل على رأس هذه المعاصي الكبيرة :

﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾

( سورة البقرة الآية : 169 )

 أن تفتري على الله الكذب ، أن تقول مثلاً : إن الله خلق الإنسان في الأصل كافراً جاء إلى الدنيا نفذ مشيئة الله عز وجل ، لأن الله قدر عليه الكفر ، ثم وضعه الله في جهنم إلى أبد الآبدين ، هذا افتراء على الله ، هذا سوء ظن بالله عز وجل ، بل إن عقيدة الجبر فيها إساءة إلى الإيمان بالله عز وجل :

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له  إياك إِياك أن تبتل بالماء
* * * *

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)﴾

 تكاد ترقى هذه الأعمال إلى مستوى الجريمة ، إن لم تؤمن خسرت نفسك ، وخسرت كل شيء ، وخسرت الأبد ، إن افتريت على الله كذباً كنت ظالماً أشد الظلم ، فالإنسان إن لم يؤمن وغطى عدم إيمانه بافتراء على الله وعلى كتابه وعلى رسوله صار خاسراً ظالماً ، لذلك يوم القيامة حينما يسأل يقول :

﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾

 يقول الله عز وجل :

 

﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018