ندوات مختلفة في الجزيرة - الندوة : 5 - الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠69ندوات مختلفة - قناة الجزيرة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ندوات مختلفة في الجزيرة - الندوة : 5 - الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة.


2020-01-09

مقدمة :

المذيع:
 الداعية الإسلامي الدكتور محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً بكم.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وبجزيرتكم.
المذيع:
 دكتور محمد منذ أن أعلنا عن الحلقة انهالت كثير من الأسئلة والتحيات والتبريكات، لك محبون كثر هذا فضل من الله نبدأ بسؤال عمرو..

في كيان كل إنسان فراغ عليه أن يملأه بالإيمان :

الدكتور راتب :
 قبل ذلك يوجد بالإنسان فراغ للإيمان مهما بلغ من القوة، أو من الغنى الفراغ داخلك لا يملؤه إلى الإيمان
هذا الفراغ إن لم يملأ بالإيمان هناك قلق متنامٍ مع حياته، فالإنسان إذا بحث عن الإيمان يبحث عن استقراره، عن أمنه، عن سلامته، عن سعادته، عن توفيق الله له، هذه حاجة كل إنسان ليس لها علاقة بالقوة والمال، مهما بلغت من القوة، مهما جمعت من المال، هناك فراغ في كيانك للإيمان، إن لم يملأ بإيمان متوازن حقيقي صحيح مدلل هادف، هناك قلق متنام مع عمرك، حينما ينفض الناس إلى معرفة الله، شيء من طبيعتهم، من طبيعة فطرتهم، أو من طبيعة ضعفهم، الإنسان خلق ضعيفاً ليفتقر إلى الله فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته فشقي بقوته.
المذيع:
 في هذا الإطار كان سؤال لكن ليس له علاقة بالحلقة لكن سؤال عن الحلقة، إحدى المتابعات تقول: كيف الوصول للتعرف على الله عز وجل حاولت جاهدةً أن أستشعر وجود الله في القلب لكن للأسف لا أستطيع؟

قنوات ثلاثة لمعرفة الله هي خلقه و فعله و كلامه :

الدكتور راتب :
 هناك قنوات ثلاثة سالكة لمعرفة الله؛ خلقه، وفعله، وكلامه، خلقة الآيات الكونية، وفعله الآيات التكوينية، وكلامه الآيات القرآنية، الآيات الكونية تتطلب منا التفكر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 يتفكرون فعل مضارع، المضارع يعني الاستمرار..

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران :191 ]

 ومضة واحدة، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي يدخل في جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، و بينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وإذا قال الله عز وجل:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج : 1 ]

 أحد أبراج السماء برج العقرب، زرت بعض المتاحف الكبرى في أمريكا، وصلوا بخطوط بين نجوم هذا البرج فإذا هي كالعقرب تماماً، في هذا البرج نجم صغير أحمر متألق اسمه قلب العقرب، دقق الآن يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟

 

الحاجة إلى العلم حاجة لتحقيق الوجود :

 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
 <img src=
" align="left" class="left" />
العلم ليس شيئاً تحسينياً للإنسان، شيء يحقق وجوده، فإن عزف عن طلب العلم استمع إلى القرآن الكريم:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[سورة النحل: 21]

 نبضه ثمانون – مثالي- ضغطه ثمان إحدى عشرة، عند الله ميت، أموات غير أحياء.

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون: 4 ]

 طاولة..

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة : 5 ]

 أوصاف قرآن، فلذلك الحاجة إلى العلم حاجة لتحقيق الوجود، لا لكمال الوجود، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم...
المذيع:
 في هذا العلم الدعوة إلى الله عمرو يسأل: الدعوة إلى الله ما المقصود منها وهل هو جهد خاص بالعلماء الذين يمتلكون أدوات العلم؟

 

الدعوة إلى الله نوعان؛ فرض عين وفرض كفاية :

الدكتور راتب :
 الدعوة إلى الله نوعان، فرض عين على كل مسلم كفرض الصلاة، في حدود ما يعلم ومع من يعرف، رجل حضر خطبة جمعة استمع إلى الخطيب، يوجد شرح آية تأثر بها كثيراً، انقلها إلى زوجتك فقط، إلى أولادك، إلى جيرانك في سهرة، إلى زملائك في العمل فقط، الدعوة إلى الله كفرض عين على كل مسلم كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، في حدود ما تعلم ومع من تعرف، هذه لو طبقناها لاتسعت دوائر الحق، ولضيقت على دوائر الباطل، هذه دعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، الدليل الأقوى قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 فالذي لا يدعو على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، هذه كفرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف، أما قوله تعالى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 104 ]

 الدعوة كفرض كفاية تحتاج إلى تفرغ، وإلى تعمق، وإلى تبحر، وإلى تثبت، هذه إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، الأولى فرض عين، الثانية فرض كفاية، أي إنسان متفرغ، تفرغ للعلم، تعمق به، وتبحر به، وتثبت من نصوصه، ودعا إلى الله، فنحن بحاجة إلى دعوة فرض عين في حدود ما تعلم، وفرض كفاية تحتاج إلى تفرغ وتثبت وتعمق وتبحر.
المذيع:
 سؤال من وليد وإبراهيم الإدريسي يحملان نفس المعنى ما هي الصفات التي يجب أن يتحلى بها الشخص للدعوة إلى الله عز وجل؟

 

صفات من يدعو إلى الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 لا بد من العلم، لا يمكن لجاهل أن يدعو إلى الله، لأن العلم هو قوام الدعوة إلى الله لابد أن تعرف الحلال والحرام كي تدعو إلى الله
أن تعرف الله من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية، أن تعرف الحلال والحرام، الخير والشر، ما ينبغي وما لا ينبغي، حينما تعرف الله ثم تخضع لمنهجه في كل التفاصيل، من أخصّ خصوصيات الإنسان إلى العلاقات الدولية، منهج تفصيلي، كسب المال، إنفاق المال، اختيار الزوجة، تربية الأولاد، علاقتك بالعمل، علاقتك بالصناعة، بالتجارة، منهج تفصيلي، أقول: أحياناً يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، أما الصلاة والصوم والحج والزكاة فعبادات رائعة جداً، لكن عبادات شعائرية، أنت تأتي إلى المسجد لتتلقى تعليمات الصانع، وهو الخالق، وتأتي إليه ثانياً لتقبض الثمن، أما أين عبادتك؟ في البيت، مع أولادك، مع أهلك، في العمل، في وظيفتك، مع المواطنين، العبادة الحقيقية في حياتك اليومية، لذلك قالوا: عادات المؤمن عبادات، أي زواجه، إنفاق ماله، كسب ماله، طريقته في وظيفته، اختيار وظيفته، اختيار وقت فراغه، نزهاته، كل نشاطاته وفق منهج الله، فعاداته عبادات، أما المنافق فعباداته سيئات..
المذيع:
 لأنه ينافق بها، في هذا الإطار مجرد رأي سؤال هام هل يجب على الداعية إلى الله أن يكون قدوة؟ وهل يمكن للعاصي أن ينصح الناس بالابتعاد عما ابتلي به من معاص؟ هل ممكن أن يكون مقصراً وفي نفس الوقت يدعو الناس إلى هذا الأمر؟

التوحيد والعبادة فحوى دعوة الأنبياء جميعاً :

الدكتور راتب :
 أن يكون مقصراً ويسأل عن شيء معين يجب أن يعطي الحق، أما أن يبتدر بالدعوة بشيء لا يطبقه فيستحي من الله، أنت كذلك يا عبدي... أما تستحي مني؟ إن سئل عن موضوع يعطي الإجابة الصحيحة، مطبقاً لها أو غير مطبق، أما إذا دعا إلى الله ابتداء فينبغي أن يتكلم بشيء يطبقه، والحقيقة إن تكلمت بشيء لا تطبقه ضعف مركزك عند الله، ضعفت نفسيتك، لا تقدر، أما إذا طبقت ما تقول فتصبح قوياً ومؤثراً.
 فحوى دعوة الأنبياء التوحيد والعبادة
الآن يوجد شيء ثان توحيدي؛ يكتب الله لك القبول إن علم منك تطبيقاً لمنهجه، وإخلاصاً في دعوته، يكتب لك القبول في الأرض، هذه لا يملكها إلا الله، إن علم منك تطبيقاً لمنهجه، وإخلاصاً في دعوته، يكتب لك القبول، لذلك هل تصدق أن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

 فحوى دعوة الأنبياء جميعاً، التوحيد والعبادة، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

 التوحيد قمة الفكر والأيديولوجيا والمنطلق النظري، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، الحركة والسلوك الطاعة لله، طاعة الله في كل تفاصيل حياتك..

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

المذيع:
 شيماء طلعت تسأل: كيف أكتسب صفة الرفق واللين اللازمة للدعوة إلى الله؟ وكيف يتدرب المسلم على اكتساب الأخلاق والصفات الحميدة حتى تكون صفة أصيلة؟

 

قانون الالتفاف و الانفضاض :

الدكتور راتب :
 دقق في قوله تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 هذه الباء باء السبب، أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك وأحبوك، وأنت أنت بالذات ..

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 و لو كنت فظاً غليظ القلب، لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب غلظة وفظاظة، عندئذ ينفض الناس من حولك، هذا قانون الانفضاض والالتفاف، اتصال اكتساب الرحمة، اللين بالمعاملة الالتفاف، الآن البعد عن الله القلب خاو من الرحمة، فيه غلظة وفظاظة، عندئذ الناس يفرون منك، قال تعالى يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، وأنت أنت لو كنت منقطعاً عنا افتراضاً لامتلأ القلب غلظة وفظاظة، ولانعكست الفظاظة انفضاضاً من حولك، هذه الآية يحتاجها الأب، والأم، والمعلم، وأستاذ الجامعة، والموظف، يحتاجها المجتمع من الخفير إلى الأمير.
المذيع:
الشق الآخر: كيف يكتسب الإنسان الصفات الحميدة؟

 

كيفية اكتساب الإنسان الصفات الحميدة :

الدكتور راتب :
 طلب العلم فريضة على كل مسلم، فريضة، أنت لماذا تصلي؟ سؤال دقيق، تقول لي بداهة: الصلاة فرض، وطلب العلم فريضة على كل مسلم.
المذيع:
 من الممكن أن تعلم أن الرحمة مطلوبة على كل مسلم لكن كيف أكتسبها؟ كيف أصبح رحيماً؟

الدكتور راتب :
 بطلب العلم، بطاعة الله، بالتفكر في خلق السماوات والأرض، بالعمل الصالح، بالاستقامة على أمر الله، بحضور مجالس العلم، أن تكون مع المؤمنين، مع الصادقين، عفواً حتى يكتب إلى جانب اسم إنسان حرف الدال، كم سنة يدرس؟ ابتدائي، متوسط، توجيهي، ليسانس، دبلوم، ماجستير، دكتوراه، ثلاث وعشرون سنة دراسة من أجل حرف دال، وكلمة مؤمن تستحق بها جنة الله إلى أبد الآبدين ألا يوجد عندك وقت لتدرس؟ لتطلب العلم؟ لتحضر درساً؟ لتتابع محاضرة دينية؟ لتفتح القرآن؟ لتقرأ القرآن؟ لتحضر خطبة جمعة محترمة؟
المذيع:
 سؤال آخر يقول: كيف يواكب الداعية هموم الناس وفي نفس الوقت يعلمهم الدين؟

من لم يعش حياة الناس لا يستطيع أن يدعوهم إلى الله :

الدكتور راتب :
 إن لم تعش حياة الناس لا تستطيع أن تدعوهم إلى الله
إن لم تعش حياة الناس لن تستطيع أن تدعوهم إلى الله، النبي صلى الله عليه وسلم ذاق الفقر فكان قدوة للفقراء، وذاق الغنى فكان قدوة للأغنياء، ذاق الضعف قبل الهجرة فكان قدوة للضعفاء، وذاق القوة فكان قدوة للناس، كل أنواع الحياة ذاقها بشكل كامل، أي الطرفان المتناقضان فكان قدوة لنا، لذلك هذا الدين لجميع الناس، هذا الدين أين إنسان يتوهم أنه لا يستطيع أن يطبقه هو خاطئ خطأً شديداً، أقول كلمة لعلها قاسية: الشيء الذي يتوهم الإنسان أنه لا يستطيعه هو الشيء الذي لا يريد أن يفعله، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

المذيع:
 ربما سؤال هام: كيف نتحلى بالمرونة النفسية عندما يحرجنا غيرنا في دعوتنا لهم إلى الله عز وجل؟ عندما أدعو إلى الله ويكون رد الفعل سلبياً؟

 

كيفية التحلي بالمرونة النفسية :

الدكتور راتب :
 نقطة دقيقة قليلاً أنت مع جماعة، مع أناس في سهرة، في جلسة، في نزهة، يوجد مقياس دقيق جداً أنا أسميه: شد الحبل، إن استطعت أن تجرهم إليك بأداء الصلوات، وإيتاء الزكاة، وضبط النفس، وضبط الدخل الإنفاق، وضبط البيت، والسهرات، واللقاءات، وضبط الشاشة، إن استطعت أن تشدهم إليك فابق معهم، أما إن استطاعوا أن يجروك إليهم فابتعد عنهم لكن بنعومة، نحن عندنا انتقال قد يكون مفاجئاً بخط شاقولي، و هناك انتقال لطيف بخط مائل، أنت في الدخول اخرج بشكل مائل، وبالخروج انسحب بشكل مائل، هذه نعومة، وهذا لطف.
المذيع:
 إبراهيم يقول: كيف نوفق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحترام الحريات الشخصية والفردية للآخرين؟

كيفية التوفيق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحترام الحريات :

الدكتور راتب :
 إنسان تنتهي حريته بتعليمات الصانع، إذا إنسان معه مرض لا سمح الله، والمرض عضال، وأعطاه الطبيب الاختصاصي تعليمات الطعام، إذا كان يحب ذاته، يحب سلامته، يحب شفاءه، يتبع تعليمات الصانع، والصانع إله، قال تعالى:

عندما تكون موضوعيا فأنت إنسان أخلاقي

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

 ما كلفك إلا ضمن وسعك، أنت ممكن أن تجمع بين داعية وأن تكون في لطف شديد، سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم استعرض الأسرى فإذا فيهم صهره، قال كلمة أذابه، قال: والله ما ذممناه صهراً.
 كان النبي صلى الله عليه وسلم موضوعياً فأحبه، كلمة ما ذممناه صهراً، أسير جاء ليقاتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو صهره، زوج زينت، قال: ما ذممناه صهراً. أنا أقول كلمة: الموضوعية قيمة أخلاقية كبيرة، وقيمة علمية، فإذا كنت موضوعياً فأنت أخلاقي، وإذا كنت موضوعياً فأنت عالم، والعلم يجتمع مع الأخلاق في الموضوعية، أن تذكر الشيء بحجمه الحقيقي لا مبالغة ولا تقليل، لا تضخيم ولا تحقير.
المذيع:
 سؤال محمد فوزي يقول: كيف أرد على شخص غير مسلم يتهم ديني بالإرهاب؟

 

الدعوة بالحال أبلغ من الدعوة بالمقال :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الإرهاب كلمة الذي اخترعها أي إنسان يخالفك تسميه إرهابياً، لا يوجد كلمة آذت العالم كهذه الكلمة، أنت لك موقف، لك نظرة، لك رؤية، لك تصور، أي إنسان خالفك وقد يكون على حق وتكون أنت على باطل تقول له: أنت إرهابي، كلمة الذي اخترعها عليه لعنة الله، لأن أي إنسان خالفك بالرأي تسميه إرهابياً، يسمونها باللغة العامية وصفاً مطاطاً، إذا دافع عن وطنه يصير إرهابياً، إن قال الحق فهو إرهابي، هذه كلمة يجب أن نضعها تحت أقدامنا.
المذيع:
 كيف يرده عن هذا الهجوم؟
الدكتور راتب :
 دعك من التسميات، انظر إلى عملي أنا أخدم أمتي، أعلم الطلاب، أقوم بواجباتي الكاملة، بواجباتي الأسرية، والوظيفية، والاجتماعية، والأخلاقية، أين الإرهاب؟
المذيع:
 هنا ربما ألمحت فضيلتكم إلى فكرة أن الدعوة بالحال هي أبلغ من الدعوة بالمقال.
الدكتور راتب :
 لو فرضنا شخصاً تلقى من والده عشر نصائح بعدم الإسراع في المركبة، قد لا يعبأ بها، فرأى حادثاً مروعاً، ثلاث قتلى واثنان من الجرحى، والجرحى على وشك الموت، هذه أبلغ من ثلاثين محاضرة، أحياناً الحال أكبر من المقال، أحياناً التجربة المرة أبلغ من الوعظ.
المذيع:
 هناك قصص كثيرة في حياتك الشخصية عن فكرة أن الدعوة بالحال أثرت هناك من دخل في الإسلام...

القدوة قبل الدعوة والإحسان قبل البيان :

الدكتور راتب :
 القدوة قبل الدعوة، الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، مثلاً أم ذهبت إلى الجيران قبل الظهر، المدة طالت، فالطعام تأخر، جاء الأب غاضباً أين الطعام؟ أين كنتم؟ قالت له الأم: لم نخرج من البيت، معها ابنتها الصغيرة، هذه البنت الصغيرة شربت الكذب من أمها دون أن تشعر، هناك رأي أن الحقيقة قاسية قليلاً، أكثر أخطائنا، أكثر أخطاء أولادنا من الآباء، والمعلمين الذي أخطؤوا في تعليمهم، القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، املأ قلب من تدعوه بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك.
المذيع:
 هشام العربي يسأل يقول: كيف نكافح الإلحاد الآن ويتحدث عن الكثير من المسلمين خرجوا من الإسلام ربما لديانات أخرى، ربما للإلحاد، لأنه رأى فكرة الصراعات والحروب والقتل والظلم في أراضي المسلمين، كيف نواجه هذا الأمر؟

كيفية مواجهة الإلحاد :

الدكتور راتب :
 إذا شخص أمسك بسكين لا سمح الله ولا قدر وطعن بها قلبه، هذا اسمه منتحر، نحر جسمه، وإذا إنسان عصى الله فالمعصية نقلته إلى البعد عن الله، البعد عن توفيقه، البعد عن الأنس به، البعد عن الإقبال عليه، بالمعصية طعن نفسه، نحر نفسه، فإذا ألحد نحر عقله، عندي بحث سيدي حوالي عشرين ملحداً كبيراً أي دعاة ملحدون ماذا قالوا على فراش الموت؟ قالوا عكس عقيدتهم، ماذا قال الله عز وجل:

الملحد إنسان نحر عقله

﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ *انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

[سورة الأنعام:23- 24]

 لا تصدق ملحداً مقتنعاً بإلحاده، أنا أقول كلمة: أنا من عادتي لا أناقش ثلاثة، أعتبر مناقشتهم حمقاً، المنتفع، والقوي، والغبي، ثلاثة لا يناقشون، ارتح، ناقش شخصاً يطلب حقيقة، مرة قالت لي أخت كريمة ابنها ملحد: هل يوجد حل عندك؟ قلت لها: إذا كان منتفعاً من إلحاده لا يوجد عندي حل، إذا كان ليس منتفعاً عندي حل ونصف، إذا منتفع يدافع عن انتفاعه، فالمنتفع لا يناقش، والغبي لا يناقش، والقوي لا يناقش..
المذيع:
 لكن هناك بعض الحالات تكون حالة غضب أكثر من حالة إلحاد، أي غضب من الواقع.

 

على الداعية أن يستوعب المدعو :

الدكتور راتب :
 الغضب شيء طارئ نناقشه، والعبرة من الداعية ينبغي أن يستوعب المدعو، هذه البطولة أساساً، شاب غير منضبط التقى النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: ائذن لي بالزنا، لماذا لم يطرده؟ قهره؟ وبخه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل ترضاه لأمك؟ قال له: لا، قال: ولا الناس يرضونه لأمهاتهم، قال: أترضى لأختك؟ ناقشه، حاور ولا تقمع، أو اقنع ولا تقمع.
المذيع:
 محمد هاني يسأل: ما هي مساحة التقاطع بين الدعوة إلى الله وبين الواقع الحالي؟ وما هو دور الداعية الحالي في ظل الأحداث التي تمر بها بلادنا وبلاد المسلمين؟

الدعوة إلى الله فرض إلهي تدور مع الإنسان أينما دار :

الدكتور راتب :
 الدعوة فرض إلهي، لا تقف دقيقة في الأرض، تدعو الناس إلى الله بلسانك، أو بعملك، الأمين داعية، الصادق داعية، الطبيب المخلص داعية، أي إنسان بحرفته داعية دون أن يشعر، دون أن ينطق.
المذيع:
 كيف؟
الدكتور راتب :
 عندما هو نصحك قال لك: القضية سهلة جداً، فقط تحتاج إلى حمية، شخص ثان يعطيك أشياء كثيرة، أنت حينما تكون صادقاً تكون داعية، حينما تكون رحيماً تكون داعية، بتعبير أدق: إذا تخلق الداعية بأخلاق الله كان داعية ناجحاً جداً، ورد بالأثر: تخلقوا بأخلاق الله، الله رحيم، الله عز وجل عادل، النبي صلى الله عليه وسلم جاء صهره ليقاتله، لكن صهره كان زوجاً وفياً لابنته، قال: والله ما ذممناه صهراً، عندما قال هكذا لين قلبه، أنت مهمتك تليين قلب الآخرين، الإحسان قبل البيان، املأ قلب من تدعوه بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك، القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، والأصول قبل الفروع.
المذيع:
 سؤال محمد يفتح باباً إلى فكرة ما يحدث في الأمة أين هم الدعاة مما يحدث؟

الدعوة إلى الله الخالصة تلغي اليأس وتعطي الأمل :

الدكتور راتب :
 الدعاة كثر ومعظمهم قاموا بواجباتهم، ولولا الدعاة لكان هناك يأس، الدعوة إلى الله الخالصة تلغي اليأس تعطي الأمل، أبداً.
المذيع:
 السؤال عن الأمل هل ما زال في ظل هذه الدنيا التي نعيش فيها أمل؟

الإيمان أمل و تفاؤل و الكفر قنوط وإحباط :

الدكتور راتب :
 مادام الإله موجوداً هناك أمل كبير، مادام الله الرحمن الرحيم هو الحكيم العليم، والله من قدراته المتناهية أن يقلب الموازين بدقيقة واحدة، هذا شيء من مسلمات الدين، الله بيده كل شيء، لذلك اليأس والقنوط والإحباط المستمر يقترب من الكفر، والإيمان بالله قال تعالى:

المؤمن لا يقنط من رحمة الله

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران:139 ]

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 قانون، والدليل..

﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أي دين وعد بتمكينه؟ الدين الذي ارتضاه الله لنا، وليس ديناً فلكلورياً، ليس دين عادات وتقاليد، ليس دين مظاهر، قال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 ديننا الآن غير ممكن، لأنه لم يرتضه لنا، الدين معاملة، الدين استقامة، الدين عمل صالح، الدين عدل، الدين رحمة، فإذا اكتفينا بالشعائريات، بصلوات غير محكمة، بصيام غير منضبط، بزكاة غير متواضعة، الدين منهج تفصيلي، منهج يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، والله عز وجل تولى نصرة عباده المؤمنين، عندما قال الله:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

[ سورة النور: 55 ]

 مفتاح آخر كلمة يعبدونني، فإذا أخلّ الناس بعبادة الله فالله عز وجل - والحقيقة مرة - في حلّ من وعوده الثلاث، الدين ليس مظاهر، هناك مظاهر كثيرة، الدين سلوك، انضباط، خضوع لمنهج الله، الدين افعل ولا تفعل.
 سيدنا عمر أراد أن يمتحن راعياً، فقال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟! عندما تقول: أين الله؟ نجحت ورب الكعبة، ممكن تعمل أشياء كثيرة لا تنكشف إذا قلت: أين الله..
 قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟ هذه ليس لها حل عندما يقول الأخ المستمع أين الله؟ مؤمن ورب الكعبة.
المذيع:
 أحمد الفرحاني من إسبانيا وشيبان سؤال واحد، بماذا تنصح الدعاة في أوروبا كيف يوفقوا بين العيش في أمريكا والدعوة إلى الله؟

 

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب :
 اتق الله حيثما كنت، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، إنك تستطيع أن تتقي الله في أي مكان، ولكن الله قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 تحتاج إلى حاضنة إيمانية، رفيق مؤمن، سهرة مع مؤمنين، شركة مع مؤمنين صادقين، لا بد من حاضنة إيمانية، آية أخرى:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[ سورة الكهف:28 ]

 ملمح لطيف، معنى أغفلنا باللغة لا تعني أن الله جعله غافلاً، تعني أن الله وجده غافلاً، هذا المعنى بالضبط، عاشرت القوم فما أجبنتهم ما وجدتهم جبناء، عاشرت القوم فما أبخلتهم ما وجدتهم بخلاء،..

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[ سورة الكهف:28 ]

المذيع:
 أحمد الشريف يقول: في ظل هذه الأزمات التي تعيشها الأمة الإسلامية من حروب وبعد عن الدين وانتشار الفتن ما نصيحتك لنا ونحن حائرون لا نعرف الحق أين ومع من؟

 

من علم الله منه بحثاً عن الحقيقة سيهديه إليه لا محالة :

الدكتور راتب :
 من طلب الحقيقة هداه الله إليها
يا أخي أولاً هذا اجتهاد مني إنسان طلب الحقيقة من الله في سجوده، أنا أقول: من سابع المستحيلات ألا يرى الحقيقة لأن الله ينتظرنا.. وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إذا شخص جالس في ألاسكا، ثلج فقط، قال: يا ترى هل هناك إله لهذا الكون؟ يجد عملاً في كندا، يسافر يوافقون يفرزونه إلى الخليج، يسكن في بيت بجواره يوجد داعية، عندما قال في ألاسكا: هل هناك إله يا ترى؟ أنا والله إيماني بهذا الكلام كإيماني بوجودي، لمجرد أن يعلم الله منك بحثاً عن الحقيقة، وطلباً لها، زوال الكون أهون عليه من ألا تهتدي إليه، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

[ سورة العنكبوت: 69 ]

 هذه لام التوكيد.
المذيع:
 نشوان يسأل: هل من نصائح للدعوة إلى الله في ظل الحياة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي؟ الشباب الذين يتمسكون بالدعوة إلى الله بماذا تنصحهم؟

 

نصائح للدعوة إلى الله في ظل الحياة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي :

الدكتور راتب :
 عدة نصائح متتالية، القدوة قبل الدعوة، الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، الإحسان قبل البيان، املأ قلب من تدعوه بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك، الأصول قبل الفروع، التدرج لا الطفرة، الله عز وجل قال:

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾

[ سورة النساء : 43 ]

 هذه الآية منسوخة لم بقيت في القرآن الكريم؟ ليعلم الدعاة في آخر الزمان إذا كان عنده عشرون مشكلة تكلم له عن اثنتين فقط، كل أسبوع اثنتان، الطفرة مرفوضة بالقرآن.
 المضامين لا العناوين، شخص أسلم على يد شيخ أبقاه في أحكام المياه ستة أشهر حتى خرج من الدين، لم يتوضأ، بعد أن التقى مع إمام كبير قال له: الماء الذي تشربه توضأ منه، نحن بحاجة إلى تبسيط وعقلنة وتطبيق.
 المبادئ لا الأشخاص، نحن نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال، شخص مشهور جداً تكلم كلمة، أو شيئاً خاطئاً، لمصلحته المادية..
المذيع:
 لدينا سؤال من مصطفى؛ يقول: ما هي نصيحتك لطلاب العلم من أجل بناء مستقبل أفضل في بلدانهم في المجال الاقتصادي، الاجتماعي، الصناعي، لأننا نعلم أن الأمة التي تستهلك ولا تنتج مصيرها الفناء والشكر لك دكتور.
الدكتور راتب :
 والله أنصح أن يكون قدوة قبل أن يتكلم، وأن يلتقي مع حاضنة إيمانية، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 وأن يستخدم أسلوب التدرج لا الطفرة، وأن يكون قدوة لمن حوله، وأن يقنع ولا يقمع، هذه كلها صفات الداعية الناجح في حياته.
المذيع:
 سؤال من سيدة حساب سبحان الله وبحمده.. هي تقول: السلام عليكم أنا داعية ومعلمة قرآن، كنت أعمل في تركيا، وأنا الآن في كندا، سؤالي: كيف أقوم بالدعوة هنا في كندا وأنا لا أخرج من بيتي إلا برفقة زوجي لأني منقبة وأخشى أن أتعرض للأذى؟ وهل يجوز خلع النقاب إن كانت هناك ضرورة لخلعه؟

 

للأهداف النبيلة وسائل نبيلة :

الدكتور راتب :
 لا، لأن الأهداف النبيلة لها وسائل نبيلة، الوسائل من جنس الأهداف، هذا الموضوع دقيق جداً، الإنسان دعا إلى الله في بيته بسهرة، الدعوة ليس درساً في جامع، نساء يسهرن مع بعضهن أحياناً، هذه الأخت الكريمة تفهم آية تتكلم بها، هذه الدعوة فرض عين، حديث، تابعت درساً في التلفاز، تأثرت بشرح حديث تقوله، الدعوة أينما تكون.
المذيع:
 الأهداف النبيلة تحقق بوسائل نبيلة
أنا فهمت أنها سوف تخلع النقاب وليس الحجاب..
الدكتور راتب :
 أنا لا أوافق عليه إطلاقاً..
المذيع:
 هي تسأل عن النقاب وليس الحجاب.
الدكتور راتب :
 عن النقاب أنا عندي رأي دقيق أتمنى على المنقبة ألا تنتقد المحجبة، وأتمنى على المحجبة ألا تنتقد المنقبة، حالتان لهما وجوه مقبولة أحياناً.
المذيع:
 هي كمنقبة يمكن أن تخلع النقاب وتحتفظ بالحجاب..
الدكتور راتب :
 هناك نصف نقاب، العيون تظهر، هذا حل وسط.
المذيع:
 سؤال من أحمد محمود يقول: ماذا علينا أن نفعل تجاه أخواننا المستضعفين في بورما أو تركستان أو سوريا أو اليمن أو في جميع بقاع الأرض؟

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

الدكتور راتب :
 أنا أرى أن أية طريقة تملكها لنصرتهم إياك أن تتريث في فعلها، تملك المال ادفع المال، تملك النصيحة أد النصيحة، تملك موقعاً في الانترنيت اجعل في هذا الموقع دعوة إلى الله، أي شيء تملكه وبإمكانك أن تنفقه إياك أن تتردد ثانية واحدة في إنفاقه، لأن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، ولأن علة وجودك في الدنيا العمل الصالح، والدليل:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون : 99-100]

 والعمل الصالح سمي صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، ماذا أبقيت لي للدرس المحضر لك؟ كله أسئلة.
المذيع:
 هذه الأسئلة كثير منها أنا أحاول أن أختصر منها على قدر المستطاع. هناك تركماني يقول: ما هو العمل الذي يعين على القيام لصلاة الفجر؟

 

العمل الذي يعين الإنسان على القيام لصلاة الفجر :

الدكتور راتب :
 أن تنام باكراً، وأن تنوي أن تقوم الفجر، صدق ولا أبالغ لو هيأت الساعة كي توقظك الساعة الرابعة صدق ولا أبالغ تستيقظ قبل دقيقة، إذا علم الله منك صدقاً في صلاة الفجر تستيقظ دون منبه، حتى أن العلماء اكتشفوا أن هناك ساعة منبه في الرأس، إذا عندك سفر مهم جداً تستيقظ قبل ساعة، ولو كنت نائماً قبل ساعة إذا علم الله منك نية صادقة أن تصلي الفجر تستيقظ و تصلي، لذلك:

(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

[سنن ابن ماجة عَنْ سَمُرَةَ ابْنِ جُنْدَبٍ]

(( مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ))

[ مسلم عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

المذيع:
 العتر اسم حساب يقول: أريد أن أكون مطمئناً عند الموت ولا أريد أن أكون في حالة اضطراب وخوف، ماذا أفعل استعداداً للموت؟

 

كيفية الاستعداد للموت :

الدكتور راتب :
 ساعة الموت تلخص كل حياتك، مادمت في حياتك مستقيماً، أديت الحقوق لأصحابها، كنت أباً صالحاً، زوجاً صالحاً، موظفاً صالحاً، أديت الحقوق، من بديهيات الحياة أن تكون ساعة اللقاء أجمل ساعة، المؤمنون إذا حلت منيتهم يقولون: لم نر شراً قط، يكون قد دخل السجن أحياناً، يكون قد افتقر، وغير المؤمنين إذا حلت منيتهم يقولون: لم نر خيراً قط، صدق ولا أبالغ القضية ليس لها علاقة، هذه ساعة الموت تلخص كل حياتك شئت أم أبيت.
المذيع:
 سؤال آخر يتحدث عن الابتلاء كيف أفرق أن ما يحدث لي هو ابتلاء أم عقاب؟ لي زوجة سيئة الخلق هل أعتبر هذا ابتلاء من الله أم عقاباً من الله؟

الفرق بين الابتلاء و العقاب :

الدكتور راتب :
 شخص عنده زوجة، وعليه زكاة مال، كانت زكاة المال اثني عشر ألفاً وخمسمئة - قصة واقعية- ضغطت عليه ليطلي البيت بدل دفع الزكاة، استجاب لها ولم يدفع الزكاة، عمل حادثاً، الشيء الذي لا يصدق أن الفاتورة كانت اثني عشر ألفاً وخمسمئة، توافق الرقمين رسالة من الله:

(( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 أما إذا آثر الدنيا على الآخرة فهناك عقاب، كلما كان أرقى يكون سريعاً، وكلما كان أقل رقياً يكون بعيداً، ما من عثرةٍ ولا اختلاج عرقٍ ولا خدش عودٍ إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر.
المذيع:
 ما هو الترتيب المناسب لتعلم العلم الشرعي أي هل أبدأ بالفقه أم بالسيرة أم بتعلم أسماء الله الحسنى أم أحكام الترتيل؟

 

الترتيب المناسب لتعلم العلم الشرعي :

الدكتور راتب :
 أنا أتمنى أن تبدأ بهم جميعاً، العلم الواحد إذا كان المدة طويلة بتعلمه يصبح هناك ملل، أي ساعة عقيدة، ساعة سيرة، ساعة تفسير، ساعة حديث، أفضل التنوع، ضروري.
المذيع:
 أحمد يقول: كيف أحب الله وكيف أرضيه وكيف يحبني وكيف يكون همي الآخرة؟

كيف أحبّ الله و كيف يحبني ؟

الدكتور راتب :
 افتح المعجم واكتب إن الله يحب، يظهر معك ثلاث عشرة حالة، يحب المحسنين، الصادقين، المتوكلين، كم مرة تأتي هؤلاء هم، وإن الله لا يحب.. الله يحب هؤلاء ولا يحب هؤلاء، طبق هؤلاء الأولى وابتعد عن الثانية.
المذيع:
 كيف يعلم أن الله يحبه؟
الدكتور راتب :
 من أحب الله ألقى الله في روعه أنه يحبه
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يحبك الله ثم لا يلقي في روعك أنه يحبك، أنت إذا عندك ابن، جاء آخر السنة معه جلاء، وعلاماته تامة، وأخلاقه عليها ثناء، لا تتكلم ولا كلمة أم تعانقه وتشتري له دراجة؟ إذا أب عادي يكافئ ابنه المحسن فكيف بالإله العظيم؟ الله يلقي في روعه أنه يحبه، وإذا ألقى الله في روع الإنسان أنه يحبه يقول: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، إذا لم يقل هذا إذاً عنده مشكلة مع الله، نصلي على أسعدنا محمد صلى الله عليه وسلم، السعادة غير اللذة، السعادة لمجرد أن تنعقد لك صلة مع الله القوي، الغني، الجميل، الحليم، اللطيف، العادل، تقول: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني بأي وضع، بأي دخل، بأي بيت، مع أي زوجة، مع أي أولاد، ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني.
المذيع:
 سؤال آخر باسم.
الدكتور راتب :
 آخر أم قبل الأخير؟
المذيع:
 نحن نود أن نجلس مع حضرتك أكثر من ذلك.
الدكتور راتب :
 نحن في خدمتكم.
المذيع:
 سيد باسم يقول: ماذا أفعل إن حاصرتني الفتن أفر أين المفر إن وجد؟ أتمنى أن أموت قبل أن أفتن من شدة ما أرى، الناس تغيرت ولم أعد أطيق العيش مرغماً على من لا أحب.

على الإنسان أن يبحث عن المؤمنين و يكون معهم :

الدكتور راتب :
 لا يوجد مكان في الأرض إلا و يوجد به مؤمنون، ابحث عنهم وكن معهم، الدليل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾

[ سورة الكهف:28 ]

 تحتاج إلى حاضنة إيمانية، مجتمع مؤمن تعيش معه، تسهر معهم، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي.
المذيع:
 عزت حنفي يسأل: كيف تكون التوبة النصوحة؟

 

أركان التوبة النصوحة :

الدكتور راتب :
 التوبة النصوحة فيها ثلاثة أركان؛ الندم توبة أولاً، والإقلاع عن الذنب ثانياً، وعقد العزيمة ألا تعيده ثالثاً، ولو عدت إليه توبة ثانية وثالثة ليس لنا إلا الله عز وجل.
المذيع:
 هل من الممكن أن يتوب من الذنب ويعود إليه؟
الدكتور راتب :
 يوجد حل ثان، الأصل ألا تعود، لكن لو إنسان وقع بالذنب مرة ثانية يتوب مرة ثانية ومليون مرة، ليس لنا غير التوبة.
المذيع:
 سؤال أبو حمزة: متى ينصر الله الإسلام ويعز المسلمين ومتى يقهر الظالمين ويتحقق نصر الله؟

نصر المسلمين يتحقق بإقامة منهج الله و تطبيقه :

الدكتور راتب :
 القرآن أجابنا:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

 كلمة واحدة، نصرته في بيتك، أقمت منهج الله في بيتك، نصرته في عملك، ما غششت الناس، ما كذبت عليهم، ما أوهمتهم، دقق:

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 هذا الضعيف إن أطعمته إن كان جائعاً، كسوته إن كان عارياً، علمته إن كان جاهلاً، عدلت معه إن كان مظلوماً، آويته إن كان مشرداً، عالجته إن كان مريضاً، هذا الضعيف الذي أنت أقوى منه يتفضل الله عليك بجائزة من جنس عملك ينصرك على من هو أقوى منك..

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 إن الضعفاء نصرناهم، أطعمناهم، أيدناهم، آويناهم ببيوت، أدخلناهم جامعات..

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

المذيع:
 السؤال الأخير من سيد: هل هناك من مبشرات أمل للأمة ضمن تخبطات الأمة التي يراها الأعمى فضلاً عن المبصر؟

 

التفاؤل بالله عز وجل سبيل نصر الأمة :

الدكتور راتب :
 اليأس والقنوط والتشاؤم يقترب من الكفر، المؤمن متفائل بإيمانه، الله عز وجل قال:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران: 179 ]

 التفاؤل بالله عز وجل، اليأس والقنوط والتشاؤم يقترب من الكفر..
المذيع:
 الأسئلة كثيرة لكن نكتفي بهذا القدر، كانت هناك أسئلة من كثر أن تدعو لهم خاصة، نختم هذه الحلقة بدعاء عام.

 

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 أشكرك شكراً جزيلاً فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، وإن شاء الله نلقاك في حلقات أخرى.
 في نهاية هذه الحلقة أشكركم مشاهدينا الكرام ومتابعينا على أن نلقاكم في حلقة جديدة لكم كل التحية، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018