أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 035 ب - اسم الله المهيمن 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 035 ب - اسم الله المهيمن 2


2007-10-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: ( المهيمن ):

تذكيرٌ بمعاني ( المهيمن ):

1 – ( المهيمن ) لا يخفى عليه شيء:

 أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم ( المهيمن )، و ( المهيمن ) كما تبين في الدرس السابق هو الذي:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

( سورة آل عمران )

2 – ( المهيمن ) يحقق مصالح المهيمَن عليه:

 و ( المهيمن ) هو القادر على تحقيق مصالح من يهيمن عليه، قدرة علم، وقدرة قوة.

3 – ( المهيمن ) إليه المصير وحْده:

 و ( المهيمن ) إليه المصير، إليه مصير كل شيء.

الآيات القرآنية ذات الصلة باسم ( المهيمِن ):

 أيها الإخوة، مع الآيات القرآنية:

الآية الأولى:

 الله عز وجل يقول:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الرعد الآية: 11 )

 أيّة حركة، أية سكنة، أية كلمة، أي موقف، أي عطاء، أي منع، أي صلة أية قطيعة:

 

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾

  من الملائكة:

 

 

﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾

 

الآية الثانية:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

( سورة آل عمران )

الآية الثالثة:

 المعنى الآخر:

﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾

( سورة سبأ الآية: 2)

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

 مهيمن.

 

الآية الرابعة:

﴿ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الحجرات )

 عليم علماً مطلقاً، علم تعلق بكل ممكن.

 

الآية الخامسة:

 أيها الإخوة، قادر قدرة علم، وقدرة قوة.

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة المائدة )

 حينما تشعر أيها المؤمن أن الله يحفظك، وأنه أقوى من كل قوي، وأن أمرك بيده، ومصيرك بيده، وأنه ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك، وقال لك:

 

الآية السادسة:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾

( سورة هود الآية: 123 )

 أنت حينما تشعر أن كل طموحاتك، وأن كل مصالحك عند الله عز وجل.

 

الآية السابعة:

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 54 )

الآية الثامنة:

﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

( سورة الزمر )

 ( المهيمن ) بيده مصائر الخلق، بيده كل مَن حولك، مَن كان فوقك، ومَن كان دونك، وكان في مستواك، أقرب الناس إليك، أبعد الناس عنك، أقوى الأقوياء، أضعف الضعفاء، هو ( المهيمن ):

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

 

الآية التاسعة:

﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 84 )

الآية العاشرة:

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف )

الآية الحادية عشرة:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح الآية: 10 )

  هؤلاء الأقوياء الذين يتوهم عامة الناس لضعف إيمانهم، وضعف توحيدهم أن الأمر بيدهم، هذا نوع من الشرك، كيف يأمرك أن تعبده وقد أسلمك إلى غيره ؟ قال لك:

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

 ( المهيمن ) نهاية العلم.

 

 

﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾

 ( المهيمن ):

 

 

﴿ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

 ( المهيمن ):

 

 

﴿ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

 

 ( المهيمِن ) قادر، هناك معلومات دقيقة جداً، و قدرة لا نهاية بها، فهو قادر قدرة علم وقدرةَ قوة أن يحقق لك مصالحك.
 أيها الإخوة، ( المهيمن ) مَن إليه المصيرُ.

 

الآية الثانية عشرة:

العناية الربانية بموسى صورةٌ  من صورِ اسم ( المهيمن ):

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ﴾

( سورة القصص الآية: 7 )

 أيّ طفلٍ في عهد فرعون ينبغي أن يُقتل.

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾

 دقق:

 

﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

 

( سورة القصص الآية: 7 )

 أي شيء يدعو إلى العجب:

 

﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

 هذا الصندوق يتحرك بأمر الله.

 

﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾

( سورة القصص )

  المصير بيده، طفل صغير في صندوق في نهر، يتحرك بأمر الله، ساقه الله إلى قصر فرعون، وأوقفه عند غصن، وألقى في رُوع امرأة فرعون أن انزلي إلى الشط، فتحت الصندوق فرأت طفلاً جميلاً، فألقى اللهُ حبَّه في قلبها.

 

﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا ﴾

 

( سورة القصص الآية: 9 )

 تروي الروايات أن فرعون رأى أن طفلاً سيقضي على ملكه، القضية سهلة جداً، بيده الأمر فيما يبدو، فأمر بقتل أبناء بني إسرائيل، وأيّة ولاّدة، أو أية امرأة تولِّد لا تخبر عن طفل ذكر تُقتل مكانه، أما الطفل الذي سيقضي على ملكه فرباه في قصره، لأن الله هو ( المهيمن ).
 تصور من قدرة الله اللانهائية أنه يحفظك بأقلّ الأسباب، كما تروي بعض الروايات، بخيط العنكبوت حفظت هذه البعثة، وأنه يدمر الإنسان بأتفه الأسباب، لأنه سبحانه ( المهيمن ).
 أيها الإخوة،

 

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾

  هناك أمران، ونهيان وبشارتان
 الأمر الأول:

 

 

﴿ َأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾

 الأمر الثاني:

 

 

﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

 النهي الأول:

 

 

﴿ وَلَا تَخَافِي ﴾

  النهي الثاني:

 

 

﴿ وَلَا تَحْزَنِي ﴾

  البشارة الأولى:

 

 

﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ﴾

 البشارة الثانية:

 

 

﴿ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾

 

( المهيمِن ) هيمنة حب وشفقةٍ ورحمةٍ:

 من فروع اسم ( المهيمن ) أن هذه الهيمنة هيمنة حب وشفقة، كيف أن الأم تحوم حول سرير طفلها المريض، وتراقب أنفاسه، وحركاته، وحرارته، والأدوية، هذه هيمنة حب، وهيمنة شفقة، وهيمنة اهتمام:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾

﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾

 هيمنة حب وشفقة، لا هيمنة سيطرة واستغلال.

 

( المهيمِن ) بمعنى الحافظ:

 الهيمنة أيضاً فيها معنى الحفظ.

الآية الثالثة عشرة:

﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾

( سورة يوسف )

 في بعض الآثار: أن الله عز وجل يسأل العبد يوم القيامة: أن يا عبدي، أعطيتك مالاً فماذا صنعت به ؟ لا كذب يوم القيامة، يقول: يا رب، لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي مِن بعدي، يقول له: ألم تعلم أنني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولاده من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لعبد آخر: أعطيتك مالاً، فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب، أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، يقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك.
 ( المهيمن )، كل شيء بيده، الإنسان يحب القوي، يحب المسيطر، بأي مكان إذا كان رجل قوي كانت الأنظار إليه، والثقة به، والطلب منه، لأنه قوي، الله ( مهيمن ) هيمنة لا حدود لها.

 

( المهيمن ) إليه المصير:

 أيها الإخوة، الآن المصير له، ماذا فعل إخوة يوسف ؟ ألقوه في البئر ليموت ، ما الذي كان ؟ أنه صار عزيز مصر.

الآية الرابعة عشرة:

 في هذه القصة الطويلة آية واحدة تقول:

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )

  أيها الإخوة، نهاية العلم، نهاية القدرة، المصير إليه، الحب والشفقة، الأمانة والحفظ، الأمر كله بيد الله، هذه بعض معاني اسم ( المهيمن ) مع الآيات التي تؤكد هذه المعاني.

 

التطبيق العملي لاسم ( المهيمن ) عند المسلم:

 ولكن ما التطبيق العملي ؟ نحن قلنا كثيراً في لقاءات سابقة:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )

1 – على المؤمن التخلُّقُ ببعض كمال الله:

 يجب أن تتخلق بكمال مشتق من كمال الله، حتى تتقرب إلى الله بهذا الكمال، فإن رحمت الخلق تتقرب بهذه الرحمة إلى الرحيم، وإن كنت منصفاً تتقرب بهذا الإنصاف إلى العدل، وإن كنت حكيماً تتقرب بهذه الحكمة إلى الحكيم

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

 اجعل هذا التخلق بالكمال الإلهي وسيلة إلى الله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 35 )

  اجعل هذا التخلق هذا الكمال الإلهي وسيلة إلى الله:

 

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

 

 

2 – على المؤمن أنْ لا يتّحهَ إلى غير الله ( المهيمن ):

 معنى آخر: حينما تعلم أن الله هو ( المهيمن ) لا تتجه إلى غيره ولا تشرك به، ولا تعلق الأمل على غيره، بل تتجه إليه، وتتوكل عليه، وتخلص له، تطيعه ولا تطيع أحداً في معصية.
 هذان معنيان دقيقان، تقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، واجعله وسيلة لك بالمعنى الأول، أو تعرف على أسماء الله الحسنى حتى تتجه إليه، وحتى تعرض عن غيره.

3 – على الرجل القيادي الإحاطة علمًا بالمهيمَن عليه:

 التطبيقات العملية لهذا الاسم: إذا كنت في موقع قيادي، أقلُّ موقع قيادي أن تكون أباً، إن كنت أباً فما فوق ذلك، إلى أن تكون على رأس أمة، إن كنت أباً فما فوق ذلك فلن تكون مهيمناً هيمنة حب وشفقة إلا إذا كانت معك المعلومات الدقيقة، فابنك مَن صديقه ؟ لماذا تأخر البارحة ؟ أين كان في هذه الساعة ؟ إن لم تملك المعلومات الدقيقة فلن تستطيع أن تسيطر عليه، وإذا قلت: سيطرة فأعني بها سيطرة الحب والشفقة، لا أعني بها سيطرة القوة والاستعلاء إطلاقاً:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

 يجب أن تكون معك معلومات دقيقة جداً، غابت ابنتك ليلة أين كانت ؟ هي قالت: عند صديقتها، هل تحققت من ذلك ؟ لن تستطيع أن تربي أولادك إلا إذا ملكت المعلومات الدقيقة جداً.
  أيها الإخوة، النقطة الدقيقة هنا أن المعلومات الصحيحة أساس القرار الصحيح، وأي قرار خاطئ هذا القرار مستند إلى معلومات غير صحيحة، فلذلك لن تستطيع أن تحكم قيادة هذه الإنسان إلا إذا كانت المعلومات عنه دقيقة صحيحة، الآن يسمونها تقصي الحقائق، قبل أن يُتَّخذ قرار، تُرسَل لجان إلى موقع المشكلة لتقصي الحقائق، عوِّد نفسك أن تتقصى الحقائق.

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

( سورة النمل )

 هذه صفة يحتاجها أولياء الأمور، يحتاجها أي إنسان في أي موقع قيادي، والأب بموقع قيادي، والمعلم بموقع قيادي، لابد من تقصي الحقائق، لا بد من معلومات صحيحة، هذا أول تخلق بهذا الاسم، أما الإنسان الذي تجري من تحته المياه وهو لا يدري، هذا لن يكون مهيمناً إطلاقاً على أسرته.

 

صورة نبوية حية لأهمية المعلومات الدقيقة للقيادة الحكيمة:

 شيء آخر، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( لا تقتلوا عمي العباس ))

[ ورد في الأثر ]

 كان هذا في موقعة بدر، عمه العباس مقيم في مكة، هناك صحابي قال: أينهانا عن قتل عمه، وأحدنا يقتل أباه وأخاه ! ثم تبين أن عمه العباس كان مسلماً، وكان عينه في مكة، قيادة ذكية جداً، وكان أيّ قرار يتخذ في مكة ينقله له عمه العباس، ويعلم ما عند الطرف الآخر، فقيادة النبي كانت ذكية جداً، فكان العباس قد أسلم إسلاماً حقيقياً، وقال له: ابقَ فيهم، الآن جاءت موقعة بدر ـ دقق ـ إن لم يشارك كشف نفسه، وانتهت مهمته، إذاً العباس سيشارك في المعركة من جهة قريش، والنبي إن قال: عمي لقد أسلم، كشفه وانتهت مهمته، لو سكت لقتلوه، أعطى توجيها مختصرا، ولا يضاف عليها كلمة،

(( لا تقتلوا عمي العباس ))

  فهذا الصحابي الذي قال: << أينهانا عن قتل عمه، وأحدنا يقتل أباه وأخاه ! >>، كُشفت له الحقيقة هذا الصحابي، يقول هذا الصحابي: << ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله >>.
  القيادة حكيمة لا بد لها من معلومات دقيقة.
 أنا أخاطب الآباء، لماذا أكثر هذا الطفل، أو هذا الطالب اللقاء مع هذا الطالب بالذات، المعلم يجب أن يكون دقيقاً، هذه ظاهرة، ما وراءها ؟ لعل وراءها انحرافًا، لا بد من أن تكون المعلومات عندك صحيحة.

 

4 – مبدأ المتابعةِ لدى الرجل القيادي:

 أيها الإخوة، وإذا كنت في موقع قيادي يقتضي ذلك المتابعة، أعطيت أمرًا إن لم تتابع هذا الأمر لا قيمة لهذا الأمر، ففي الدول النامية أوامر لا تعد ولا تحصى، كلها لا تنفذ.
 أيها الإخوة، إذاً: المتابعة من خصائص ( المهيمن )، والمعلومات الدقيقة من خصائص ( المهيمن ).

5 – العلم سمةٌ أساسيةٌ لدى الرجل القيادي:

 إن لم تكن أعلم ممن حولك فلن تهيمن، فطبيب من الدرجة العاشرة لن يستطيع أن يدير مستشفى فيه عمالقة من الأطباء، لأنه أقلّ علماً منهم، لذلك الله عز وجل قال:

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

( سورة النساء الآية: 84 )

 لأنك أعلم من زوجتك، لأنك أتقى منها، لأنك أبعد نظراً منها تهيمن، أما إن لم تكن متعلماً ولا هي متعلمة، فهي المهيمنة، لابد إن أردت أن تقود مجموعة أن تكون فوقهم علماً وتقوى، وورعاً وقدرة، والآية دليل:

 

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

 

 أحياناً الإنسان بقرار يصير مديرًا عامًا، عنده موظفون بأعلى مستوى، إذا كان في العلم فوقهم يخضعون له نفسياً، أما إذا كان بحكم القرار الذي كلف به هو المدير العام فيخضعون له شكلياً، إن أردت الخضوع الحقيقي فيجب أن تكون متفوقاً على مَن حولك.

 

6 – القدرة على حلِّ المعضلاتِ صفةٌ هامّةٌ لدى الرجل المهيمن:

 الهيمنة قدرة، قدرة على حل مشكلة، القدرة لها شطران، شطر علمي، وشطر تكتيكي عملي، فإن لم تملك خطة علمية لحل مشكلة في جزئياتها علاقة علمية، علاقات سبب بنتيجة فلن تكون مهيمناً، فإن لم تملك حلاً علمياً لمشكلات من حولك فلن تهيمن عليهم.

7 – القدرة على تحقيق طموحات المهيمَن عليه:

 وإن لم تملك لمن تديره أن تحقق أقصى طموحاته فلن تكون مهيمناً، فالأب الذي لا يعمل، أو عمله قليل، ودخله قليل جداً، كل طموحات أولاده ليست عنده، لذلك ينصرف عنه الأبناء إلى غيره، إلى أصدقائهم الأغنياء، أما إذا كنت تعمل، ولك دخل معقول جيد تحقق به طموحات أولادك فتبقى مسيطراً عليهم، لذلك العمل في بعض معانيه عبادة، << حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي >>.
  حينما تعمل، ولك دخل معقول تحقق به حاجات مَن حولك مِن زوجة وأولاد، عندئذٍ تملك أسباب السيطرة عليهم، وأنا لا أتحدث في الفقر إلا عن فقر الكسل، فقدر القدر صاحبه معذور، وفقر الإنفاق صاحبه مشكور، أما فقر الكسل فمذموم صاحبُه، فلا إتقان، وكثرة إرجاء، وعدم اهتمام، وميل للراحة، وميل للبطالة، هذا الإنسان يكون فقيراً فقر كسل، فهذا لن يستطيع أن يربي أولاده.

8 – علاقةُ المهيمِن مع المهيمَن عليه علاقة حبٍّ وشفقةٍ:

 إن لم تكن العلاقة بينك وبين من تديره علاقة حب وشفقة فلن تهيمن.
  بعض البلاد في أمريكا، وهي أول دولة سابقاً في صناعة السيارات، وأول دولة في استهلاك السيارات، فوجئت بعد حين أن كل عشر سيارات بأمريكا 8 مِن صنع اليابان، مشكلة كبيرة جداً، أرسِلت وفود إلى اليابان لتقصي الحقائق، الإجابة كانت عجيبة جداً، الفرق ليس تقنيًّا، الفرق اجتماعي، العامل هناك له صفات وخصائص لا يملكها العامل في بلاد الغرب، مستقبله مضمون، يعد صهر صاحب المعمل، له حصة من الأرباح، ولا يسرَّح العامل هناك.
  فهذه الضمانات الاجتماعية، والمدير العام يأكل مع عماله، الود الحقيقي بين صاحب المعمل وعماله، هذا سبب إتقان العمل، هذه قاعدة، الشيء الدقيق أن مَن حولك يجب أن تكون العلاقة بينك وبينهم علاقة حب، وتقدير، واحترام، لا علاقة قهر وهيمنة وخضوع، ولن تكون مهيمناً إلا إذا شعر مَن حولك أن مصالحه معك.
  هناك تجربة في بلد إسلامي بماليزيا، هناك مؤامرة لضرب عُملتها، فالمواطنون تدافعوا إلى المصارف لإعطاء الدولار وأخذ العملة الماليزية، على عكس ما يجري في البلاد النامية، يبدو أن المواطن يشعر أن القيادة حريصة على مستقبله ومستقبل أولاده، الحرص الشديد يأتي بأعمال مذهلة، هذه تجربة قرأتها وأُعجِبت بها، لأن في الأزمات الطاحنة بدل أن تشتري الدولار وتدفع بالعملة الوطنية كان العكس، يشترون العملة الوطنية ويدفعون بالدولار، فالأزمة مرت بسلام.
 لما يشعر الآخر أنك حريص على مصالحه، وعلى مستقبله يتفانى في خدمتك، وهذا من علامات نجاح الهيمنة.

9 – المهيمِن إذا قلّده المهيمنُ عليه في الخير له أجرُه وأحرُ مَن قلّده:

 المهيمنون من القادة، أنت أب إذا كنت ملتزماً، مؤدياً للصلوات الخمس، غاضاً لبصرك، ضابطاً للسانك، إذا قلدك أولادك بهذه الأخلاق، وكانوا كذلك لك أجرك لطاعتك لله، ولك أجر أولادك لأنهم قلدوك بهيمنتك عليهم.

﴿ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 31 )

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ﴾

( سورة النساء الآية: 32 )

 في موقع قيادي، أنتم قدوة، فالمهيمن إذا كان كاملاً، وقلده مَن هيمن عليهم تقليداً صحيحاً فله أجره وأجر مَن قلده في هيمنته، بالمقابل إن لم يكن المهيمن ملتزماً، كان يدخن مثلاً، وقلّده مَن حوله فعليه وزره ووزر الذي قلّده.
 سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته، وقال: << إني قد أمرت الناس بكذا، ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير، إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايم الله، لا أوتينّ بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني >>، فصارت القرابة من عمر مصيبة.

 

خاتمة:

 من تطبيقات هذا الاسم العظيم أن تكون كأب، كمعلم، كمدير مؤسسة، كمدير مستشفى، مدير جامعة، الأبوة فما فوقها، أن تأخذ من هذا الاسم الخصائص كي تكون قائداً لمَن حولك إلى طريق الخير والرشاد.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018