دروس جامع التقوى - الجزء الثاني : الدرس 005 - كليات الدين - ١- العقيدة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

دروس جامع التقوى - الجزء الثاني : الدرس 005 - كليات الدين - ١- العقيدة.


2019-09-20

الدين أربع كليات و أول هذه الكليات العقيدة :

 أيها الأخوة؛ كنت مرة في أمريكا، وأحد الأخوة الكرام دعاني إلى زيارة معمل للسيارات، هو المعمل الأول في العالم، بقيت في المعمل سبع ساعات، قال لي المرافق الخبير: هذه المركبة فيها ثلاثمئة ألف قطعة، أما أنا كراكب سيارة فأرى أن لها غلافاً معدنياً، و محركاً، وعجلات، و مقاعد، و مقود، وبنزين، ستة أشياء، من ثلاثمئة ألف لستة.
 الإنتاج العقلي لا يزيد عن علم وفلسفة وفن
لو طبقت هذا المثل على موضوع الدين، و الله الدين فيه مئة ألف موضوع، فيه مئة ألف عالم، فيه مئة ألف مجلد، ألف وأربعمئة سنة، كم عالم؟ كم جامعة؟ كم مؤسسة؟ كم جامع؟ لكن هل يمكن أن أضغط هذا الدين العظيم، الدين الخاتم، منهج الله، وحي السماء، هذا الإسلام العظيم هل يضغط بكليات؟ نسميه كليات، الحقيقة ممكن، بفضل من الله وجدت لهذا الدين أربع كليات، أول كلية هي العقيدة، إن صحت العقيدة صح العمل، لها اسم ثان التصور، لها اسم ثالث الأيديولوجيا، لها اسم رابع المنطلقات النظرية، الفكر الإسلامي، الفلسفة الإسلامية، كلها مثل بعضها.
 بالمناسبة النشاط العقلي، والشعوري، ممكن أن يقسم إلى ثلاثة أقسام، أول قسم؛ العلم، القسم الثاني؛ الفلسفة، الثالث؛ الفن، فالعلم ما هو كائن، و الفلسفة ما يجب أن يكون، و الفن ما هو ممتع، الإنتاج العقلي و الشعوري للبشرية لا يزيد عن علم، و فلسفة، و فن، العلم ما هو كائن، و الفلسفة ما يجب أن يكون، والفن ما هو ممتع، الأصح من ذلك هناك وحي السماء و هناك علوم الأرض، وحي السماء شيء آخر، من عند الخالق، من عند المطلق، من عند الحكيم، الخبير، العظيم، طليق الإرادة، الوحي شيء آخر، هذا وحي السماء.
 أحياناً قاض عاش في القضاء خمساً و أربعين سنة، أصدر ثماينة آلاف حكم، قد يكون عنده حكمان، أو ثلاثة، أو أربعة خاطئة، لكنه عند أهل الأرض قاضٍ عادل، أي الإنسان قد يخطئ، وغير مقصود الخطأ، أما عند الله عز وجل فكل أفعاله مطلقة، عالية، مئة بالمئة، إذاً النسبية بين بني البشر، فالله عز وجل كماله مطلق، حكمته مطلقة.

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :

 من العبارات التوحيدية الراقية: كل شيء وقع بالكون من آدم ليوم القيامة، كل شيء وقع صار فعلاً، حرب، اجتياح، زلزال، بركان، ديكتاتور، كل شيء وقع في الأرض أراده الله، لا تعني أراده أنه قبل به، و لا تعني أراده أنه أمر به، لم يأمر، و لم يرضَ.
 كل شيء وقع وقع بإرادة الله
للتوضيح: أب تزوج و لم ينجب، ووضعه المادي جيد جداً، والعلمي أستاذ جامعة، عشر سنوات لم ينجب، ثم أنجب طفلاً آية في الجمال، تعلق به تعلقاً مذهلاً، ثم اكتشف الطبيب الأب أن ابنه مصاب بالتهاب الزائدة، هذا الطبيب الولهان بابنه يسمح بتخديره، و فتح بطنه، و استئصال الزائدة، كلامي دقيق.
الإرادة الإلهية كل شيء وقع بالقارات الخمسة من آدم ليوم القيامة أراده الله، لا تعني أنه أمر به، و لا تعني أنه رضيه، لكن سمح به، معكوسة؛ كل شيء أراده الله وقع، و الإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة، و الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، أي لا يوجد شر مطلق بالكون، ما معنى الشر المطلق؟ الشر للشر، يوجد شر لكنه موظف للخير، هناك شر موظف للخير، كلام دقيق جداً، فتح البطن ليس سهلاً، تخدير كامل، بعد التخدير آلام شديدة، عندما ينتهي المخدر هناك آلام شديدة لكن لا بد منه.
 فكل شيء في الكون أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، الإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، لا يوجد شر مطلق في الكون، لأنه يتناقض مع وجود الله، واضحة تماماً؟

معرفة الله أعظم شيء بحياة الإنسان :

 هذه الكلية الأولى العقيدة، إن صحت العقيدة صح العمل، العقيدة فسدت فسد العمل، فالإنسان عندما يقتطع من وقته وقتاً ثميناً لمعرفة العقيدة الصحيحة، هذا أهم عمل على الإطلاق.
 آتي أنا من البيت إلى هنا، كم بناية يوجد؟ وكل بناية كم طابقاً؟ و كل طابق كم شقة؟ و كل شقة كم فرد فيها؟ المفروض لا يوجد إنسان لا يطلب العلم، صح؟ لذلك الله عز وجل فضل علينا جميعاً أنه سمح لنا أن نعرفه قليلاً، هذه المعرفة القليلة و الله لا أبالغ منعتنا من مليون عمل غلط.
 كلما ارتقى الإنسان كان رحيما بكل شيء
هل تستطيع أن تدوس نملة؟ كلكم يقيناً لا تفعلون ذلك، وردة جميلة ببستان، صفراء، فيها مركز لونه خمري، تقطفها؟ لا والله، كلما ارتقيت تشعر بحساسية بالغة جداً، اترك الوردة تسبح الله عز وجل لماذا تقطفها؟ دع النملة ماشية لا تغرقها بالماء، هذا المؤمن.
 فأنتم أخواننا الكرام هناك نقطة قد لا تنتبهون لها، أنت بسبب إيمانك المتواضع ليس العالي كثيراً، تارك مليون عمل غلط.
 مرة قال لي شخص بالجزائر- يبدو كان عندهم حرب جزائرية- قال لي الضابط: اقتل فلاناً، قال لي: قتلته، مشى دمه اثني عشر متراً، قال لي: أستاذ هذه الصورة ما غابت عن ذهني مدة اثنتين و عشرين سنة، كل يوم، اسمعوا هذه الكلمة ما أدقها: يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، إياك، تنتهي عند الله عز وجل، وهناك حديث آخر أشد إخافة:

(( لا توبة لقاتل ))

 لا يوجد توبة أبداً، تقتل مليون و تنفذ بعد ذلك؟

(( لا توبة لقاتل ))

 أخواننا الكرام؛ خيارك مع الدين ليس خيار وردة حمراء تضعها على صدرك، أنا مؤمن، أنا حافظ كتاب الله، لا، خيار هواء تستنشقه، فإن لم تستنشقه انتهت حياتك، فمعرفة الله أعظم شيء بحياتك.

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ حديث قدسي ]

 نسأل الله أن يرزقنا الصواب، لنعرف الله قبل فوات الأوان.

الابتعاد عن اليأس لأن اليأس يقترب من الكفر :

 أقول لكم كلمة لكنها صعبة: من أكفر كفار الأرض؟ يقال: فرعون، لماذا؟ قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24 ]

 هل هناك كفر أشد من هذا؟ يبدو أنه وجد نفسه مخطئاً، قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38]

 الأولى منتهى الكفر.

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24 ]

 و الثانية:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38]

 ماذا قال حينما أدركه الغرق؟ قال:

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة يونس: 90]

 الله ماذا قال له؟

﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

[ سورة يونس الآية: 90]

 انتهيت، مثلاً: شخص لم يدرس حتى الامتحان، دخل الامتحان و لم يكتب أي شيء، قدم الورقة بيضاء، فأخذ صفراً بجدارة، رجع إلى البيت فتح الكتاب المقرر فهم الموضوع، رجع قال: أعطوني الورقة، انتهى، انتهى الموضوع، لذلك:

﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾

[ سورة الأنعام: 158]

 راجع نفسك.
 ابتعد عن اليأس فما دمت تتنفس فهناك فرصة للعودة
مرة كنت بجدة، بدعوة دعوية، كان في الفندق الذي على البحر أمامي بناء شيء لا يصدق من فخامته، أربعة عشر طابقاً، و الله و أنا سهران مع الأخوة الكرام قلت لهم: هذا البناء يلفت النظر! قالوا: هذا له قصة، ما قصته؟ قال: ثلاثة تجار عمار كبار- جدة الآن قطرها شمال جنوب حوالي تسعين كيلو متر، أي مركز المدينة لأقصى شيء بالشمال يوجد خمسة و أربعون كيلو متراً - بدوي، أعرابي، لا يوجد عنده معلومات إطلاقاً، جاء مكتب عقاري اشترى الأرض منه، لكن لا يوجد عنده خبرة بالبيع، وجد أن المبلغ فلكي فباعها، و لكن المبلغ ربع قيمتها، ضحكوا عليه وأخذوها بربع قيمتها، و عمروا هذا البناء، أحد الشركاء أصحاب البناء وقع من فوق لتحت نزل ميتاً، و الثاني دُهس، الثالث انتبه، ربط بين مقتل شريكيه، الأول بالسقوط من الطابق الرابع عشر، و الثاني مات دهساً، فبحث عن الأعرابي، يقسم بالله بحث عنه ستة أشهر، كان يجلس بخيمة، ثم عثر عليه، أعطاه ثلاثة أمثال حصته، فقال له هذا الأعرابي كلمة قال: أنت لحقت حالك.
 و كل واحد منا ما دام قلبه ينبض يستطيع أن يراجع نفسه، الصلحة بلمحة، راجع نفسك.
 و الله مرة أذكر لي قريب عنده محل كاتو بالمرجة، في مركز المدينة، دخل لعنده شخص أعطاه عشر ليرات و هرب، ما قصته؟ قال لمن يعمل عنده: الحقه، لحقه والله، سأله: لم فعلت هذا؟ قال له: أنا من عشر سنوات أكل قطعة كاتو و لم أدفع ثمنها، من عشر سنوات، و أنصحكم يا جماعة إن هناك غلطة قديمة ادفعها، يقول لي: أنا لا أفضح نفسي، لا تفضح نفسك، ابعتها حوالة، لست مكلفاً بفضح نفسك.
 قال لي مرة شخص - القصة خاصة - : أنا كنت أقبض رشاوى، ماذا أفعل؟ و الله هذا شيء يحير! قبض هذه المبالغ من مئة ألف شخص، قلت له: هناك حل، قال: ما الحل؟ قلت: الدولة مكلفة أن تساعد الجمعيات الخيرية، مكلفة تكليفاً رسمياً، تعطي منحاً، فأنت باعتبار أن هذه المبالغ متعلقة بالدولة ادفعهم صدقات للجمعيات الخيرية، تنفد، لا يوجد شيء ليس له حل إلا الموت، و الله دفعهم، قدر رقماً كبيراً و وزعه على الجمعيات الخيرية بنية أنه كان قد قبضهم بالحرام، طوال ما قلبك ينبض تستطيع أن تلحق، وهناك حل لكل مشكلة، لكن المؤمن يرى حلاً لكل مشكلة، والمنافق يرى مشكلة في كل حل، أما المؤمن فعنده حل لكل مشكلة، الصلحة بلمحة، ما دليلها؟

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

[ سورة الزمر: 53]

 إيان أن تيئس، اليأس يقترب من الكفر.

الذكاء والعقل و التفوق في الوصول إلى الله سالماً :

 إذاً هذا الدين العظيم فيه كليات، أحد هذه الكليات العقيدة، أيديولوجيا، تصور، فكر، منطلق نظري، كله مثل بعضه، هذا يحتاج إلى درس علم، لا يأتي لوحده، ليس قضية ثانوية، قضية أساسية، قضية أساسية جداً جداً جداً، كما تشتري شيئاً غالياً جداً.
 أعرف شخصاً عنده مخبر- القصة هكذا قالها لي- يوجد جهاز ثمنه ملايين، تضع نقطة دم يعطيك اثني عشر تحليلاً فوراً، إذا عندك مئة زبون يقفون بالدور وكل واحد مئة دينار، ما وضع هذا الجهاز؟ تصبح مليارديراً، لكن الشركة بالخطأ نسيت أن ترسل لك التعليمات، و إن استخدمته من دون تعليمات نزعته، و إن لم تستخدمه وخفت تجمد ثمنه، أليست التعليمات أهم من الجهاز؟ تمام؟ إن استخدمته من دون تعليمات نزعته، و إن لم تستخدمه جمدت ثمنه، ثمنه مرتفع جداً، أليست التعليمات أهم من الجهاز؟ و أيضاً أنتم تعليمات صانع الدين أهم من وجودكم، لا يعرف يأكل رشوة طوال حياته، لا يعرف يجلس مع نساء كاسيات عاريات، و لم نعمل شيئاً، إن لم تعمل شيئاً ألا يوجد نظر؟ العين تزني وزناها النظر، ليست قضية ثانوية، و الله لا يوجد عندي وقت، إذاً ماذا تفعل بوقتك؟

 معرفة تعليمات الخالق أهم ما في الوجود
إذا شخص باع أساور أمه، و خالته، و عمته، و اشترى بطاقة طائرة، و ذهب إلى أمريكا، عنده طموح علمي كبير، وهو فقير جداً، فباع أساور كل من حوله، أمه، وخالته، وعمته، أخذ بطاقة طائرة، والتحق بالجامعة، و لا يوجد عنده مصروف، اشتغل بمطعم لجلي صحون من الظهر للعشاء، و صباحاً بالداوم، و بالليل يدرس، سبع سنوات، عمل دائم، قبل الظهر بالجامعة، بعد الظهر بجلي الصحون، بالليل دراسة، أخذ دكتوراه، قطع بالطائرة، دقق الآن، جاء إلى المطار، وضع رجله بسلم الطائرة، أول درجة، هذا الموت عند المؤمن، انتهت الدراسة، و التعب، و القلق، و الخوف، و السهر طوال الليل، و جلي الصحون بالمطعم، هذا كله انتهى، موعود بمنصب وزارة، سيجد سيارة فخمة جداً، وسيارة ثانية كاحتياط، و ثالثة لزوجته، و الرابعة لمن حوله، و بيت بالمدينة، و بيت بالجبل، و بيت على البحر، صار شيئاً كبيراً جداً، عندما ركب الطائرة و وضع رجله على سلم الطائرة هذا الموت عند المؤمن.
 يكون مؤمناً، قد يكون دخل السجن لأنه مؤمن، قد يكون فقيراً، قد يكون مليونيراً، عندما يرى مقامه في الجنة، يقول: يا رب لم أرَ شراً قط، ينسى كل متاعب الدنيا، أحياناً يعاقب لأنه دين فقط ببعض البلاد، يعاقب لأنه ضبط متلبساً بالصلاة، الصلاة جريمة في بعض البلاد، يقول: يا رب لم أرَ شراً قط، يأتي شخص ثان، بيوت، و سيارات، و مكانة اجتماعية، و وجاهة اجتماعية، و لقاءات، يرى مكانه بجهنم يقول: لم أرَ خيراً قط، والله كل الذكاء و كل العقل و كل التفوق و كل النجاح، أن تصل إلى الله سالماً.

الفرق بين الرزق و الكسب :

 لماذا يوجد عندنا بالإسلام كلمة فلاح؟ لا يوجد كلمة نجاح بالقرآن، النجاح أحادي، قد تنجح في جمع المال، أنت معك حوالي سبعمئة مليار دولار، مليار وليس مليوناً، هذا جوبز، أكبر ثروة بالتاريخ المعاصر، صاحب أبل، سبعمئة مليار، بيل غيتس يملك تسعين ملياراً، على فراش الموت قال بيل غيتس: هذا الرقم لا يعني عندي شيئاً، صفر.
 سيحاسب الإنسان على كسبه وماله
أقول لكم كلمة دقيقة جداً؟ نحن عندنا رزق، وعندنا كسب، الرزق ما أكلت فأفنيت، و لبست فأبليت، وتصدقت فأبقيت، الرزق لك منه الثلث، الذي دفعته صدقة فقط، الأكل انتهى، أحياناً تحضر عزيمة لكن نادرة جداً، أي الطعام بمستوى غير معقول، بعد أربعة أسابيع أصبت بألم في الضرس لا يحتمل، لو تذكرت الطعام الطيب هل تنسى ألم الضرس؟ هذه الحياة، الدنيا ساعة اجعلها طاعة.
 هذا الرزق، أما المستهلكات فهي ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، واحدة تبقى، تصدقت فأبقيت، أما الكسب فحجمك المالي، سبعمئة مليار، هذا كسب وليس رزقاً، بيل غيتس كسب وليس رزقاً، أما الكسب فلم تنتفع به، لكن ستحاسب عليه، ما قولك؟
 لذلك مرة رأيت أخاً كريماً، قلت له: طمئني عنك؟ قال: و الله الوضع صعب، أي دخلي بقدر مصروفي بالضبط، زيادة لا يوجد أبداً، قلت له: معنى ذلك أصابتك دعوة النبي فخاف! ماذا دعا؟ قلت له: قال:

(( اللهم من أحبني اجعل رزقه كفافاً ))

 ليس معناها أنه فقير و لا غني، عنده دخل يغطي نفقاته.

(( من أحبني ))

 إذا شخص أحبه الله يبعث له كفافاً، لا زيادة و لا نقصان، عنده حاجاته كلها، خذ من الدنيا ما شئت و خذ بقدرها هماً.
 شخص له أموال كلها بالحرام، ذهب لباريس اشترى فندقاً بباريس، وهذا الفندق عبارة عن ثمانين طابقاً، دائماً ممتلئ للأخير، ما هذا الدخل؟ في اليوم الثاني اكتشف أن هناك خطأ بشرائه، لا يطوب له، جاءته جلطة ومات، ما تحمل، هذه الدنيا كلها! وقف القلب انتهى كل شيء، وقف لا البيت لك، ولا السيارة لك.

الطغاة أغبى البشر لأنهم لم يدخلوا محاسبة الله لهم في حساباتهم :

 مرة كنت بالبقعة، بعمان، عقد قران متواضع جداً، البيت عبارة عن غرفتين، لا يوجد شيء، يمكن هذا أفقر بيت دخلته بحياتي، و عندي سبحان الله تعزية بأرقى أحياء عمان، دخلت للبيت شيء ليس معقولاً، الثريات كلها من أرقى الأنواع، و السجاد كله إيراني، والأثاث والبلاط إيطالي، هذا الذي جهز البيت عنده أذواق بالعمار تفوق حدّ الخيال، أنا كنت جالساً أسأل نفسي: الثريات من اشتراها؟ المرحوم، البلاط الإيطالي من اختاره؟ المرحوم، السجاد من اختاره؟ المرحوم، أين المرحوم؟ تحت الأرض.

(( عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 حدثني أخ بمصر- قصة واقعية – سمع النص الذي قلته قبل قليل، وعنده أب غني كبير ومات، ماذا يفعل؟ هو يحب والده كثيراً، ووالده لم يكن رجل دين، ومات، سمع الحديث:

(( رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 الطغاة أغبى البشر لأنهم بنو مجدهم على دم الآخرين وخوفهم
بحث عن أفقر إنسان عثر عليه، نحن عندنا باشام كيس القمح يسمى كيس خيش، هذا لا يوجد عنده إلا كيس خيش، فتحه من قعره من المنتصف من أجل رأسه، ومن الأطراف من أجل يديه، وربطه بحبل، قالوا له: تنام مع والدنا ليلة نعطيك عشرة جنيهات؟ قال: نعم والله، عشرة جنيهات! عنده ثروة كبير جداً - هنا القصة صارت رمزية- جاء الملكان نظروا، يوجد اثنان بالقبر، هذه حالة نادرة، من أين جاء الثاني؟ اكتشفوا أن الثاني ليس ميتاً لأنه حرك رجله، قال الأول للثاني: تعال نبدأ به، أجلسوه، قالول له: من أين أتيت بالحبل؟ قال: من البستان، كيف دخلت للبستان؟ لم يعرف الجواب فضربوه بشدة، خرج في اليوم الثاني وقال: أعان الله والدكم.
تضحك على الناس؟
 شخص معه دكتوراه بالكيمياء، استطاع أن يصنع لبن مصفى، لبنة، استطاع أن يعمل لبنة من دون حليب، و نفس النكهة، و باع كميات كبيرة جداً، وجمع ثروة كبيرة، فلم يمت إلا مجنون يمشي كما خلقه الله.
 إياك أن تتوهم أنك ممكن أن تبني مجدك على أنقاض الآخرين، وحياتك على موتهم، و عزك على ذلهم، و أمنك على خوفهم، و غناك على فقرهم، و تنفد؟

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر:92ـ93]

 لن تنفد، أنا العبد الفقير دارس علم نفس، لا يوجد أغبى من الطغاة، أغبى بني البشر الطغاة، لماذا؟ لأنهم ما أدخلوا محاسبة الله لهم في حساباتهم.
 لذلك ملك سأل وزيره، قال له: من الملك؟ قال له: أنت، قال له: لا لست أنا الملك، الملك رجل لا نعرفه و لا يعرفنا، له بيت يؤويه، و زوجة ترضيه، و رزق يكفيه، هذا الملك، لا نعرفه و لا يعرفنا، له بيت يؤويه، و زوجة ترضيه، و رزق يكفيه، إنه إذا عرفنا جهد في استرضائنا، و إنا إن عرفناه جهدنا في إذلاله، فإذا الله عز وجل رزق الإنسان بيتاً مأوى، غرفة، أو غرفتين فقط فهذه نعمة لا تقدر بثمن.

قيمة الإنسان عند الله بعمله الصالح :

 مرة دخلت لبيت استحى مني صاحب البيت كثيراً، غرفة الضيوف ركبتي عند طاولة الوسط، كانت حوالي متراً و نصف أو مترين، خجل كثيراً، قلت له: لا تخجل، النبي الكريم سيد الخلق، و حبيب الحق، وسيد ولد آدم، غرفته لا تتسع لصلاته و نوم زوجته، هذا من؟ سيد الخلق، لا تخجل، كن طبيعياً، الدنيا لا قيمة لها إطلاقاً، قيمتك بعملك الصالح.

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين))

[الطبراني في المعجم الأوسط]

 أي قطعتا قماش فقط.

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره))

[الطبراني في المعجم الأوسط]

 هذا إيماني أنا، لا يهم وضعك المادي إطلاقاً، يهم إيمانك و عملك الصالح.

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره))

[الطبراني في المعجم الأوسط]

 ابتغوا الرفعة عند الله.
 بارك الله بكم، و نفع بكم، و أعلى قدركم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018