حياة المسلم - مدارج السالكين2 – الحلقة : 21 - ذنوب كالجبال - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم - مدارج السالكين2 – الحلقة : 21 - ذنوب كالجبال


2019-04-25

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين، ربنا صل وسلم، أنعم وأكرم على نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، مرحباً مستمعينا الكرام مع فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، حياكم الله شيخنا وأستاذنا.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 حياكم الله يا دكتور.
 "ذنوب كالجبال" هو عنواننا لهذا اليوم، نتحدث فيه عن أولئك الذين يذنبون ويذنبون، أيقبل الله توبتهم؟ ولعلنا جميعاً من عباد الله المذنبين، ونسأله التوبة. نبدأ حلقتنا بقول الله سبحانه وتعالى:

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾

[سورة نوح: 10]

 وقوله سبحانه وتعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[سورة الزمر: 53]

 ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوالنا، وما ورد بالأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم:

((لا يمل الله التوبة حتى تملوا من الاستغفار))

 شيخنا الكريم نبدأ بتوضيح المفاهيم، ما هي الذنوب بداية؟

مفهوم الذنب :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 الانحراف عن المنهج هو الذنب
الأصل في الموضوع أن الإنسان هو المخلوق الأول، والمكرم، والمكلف، لأنه قبل في عالم الأزل حمل الأمانة، كلفه الله عز وجل بأشياء كثيرة، كلفه بمنهج يسير عليه، هذا المنهج هو تعليمات الصانع، والصانع هو الخبير، فانطلاقاً من أن الصانع هو الجهة الوحيدة الخبيرة فالانحراف عن هذا المنهج هو الذنب.
 الشهوات أودعت فينا، لكن أية شهوة أودعت فينا لها مجال مباح، ومجال ممنوع، ما دام هناك فائدة قصوى متبادلة الشهوة مقبولة، هناك حاجة للمرأة فالسبيل لذلك هو الزواج، هناك حاجة إلى المال فالسبيل هو العمل، فعندنا أهداف مشروعة لأنها حاجات أودعت فينا، ولهذه الحاجات التي أودعت فينا وسائل مشروعة، فالذنب هو خروج عن منهج الله عز وجل، فكسب المال الحرام ذنب كبير، العدوان على أعراض الآخرين ذنب كبير، فالذنب هو حاجةٌ لُبِّيت بخلاف منهج الله عز وجل، هذا أصل الذنب.
المذيع:
 وما هي التوبة دكتور؟
الدكتور راتب:
 لكن الله عز وجل رحمةً بنا منه هذه الرحمة، أن الإنسان إذا أخطأ هناك توبة، لولا التوبة الذنوب تتفاقم، والإنسان ينتقل من مذنب إلى مجرم، لكن:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾

[سورة الزمر: 53]

 يا عبادي، ياء النسب، أنتم عبادي، كأن يقول أب: أنتم أولادي، فيها معنى آخر، أنه أنتم عبادي.

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[سورة الزمر: 53]

 والله عز وجل ما أمرنا أن نتوب إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا لذلك الله عز وجل رحيم، خلقنا ليسعدنا.

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود: 119]

 لكن الإنسان إذا زلت قدمه، وكل إنسان:

((كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ))

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

 ولولا التوبة لانتقل الإنسان من معصية صغيرة إلى جريمة كبيرة.
المذيع:
 كيف يكون ذلك دكتور؟

 

التوبة النصوح :

الدكتور راتب:
 ما دام لا يوجد توبة، التوبة غير موجودة، يفعل ما يشاء، أما:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[سورة الزمر: 53]

 الله يتوب على التائب من ذنبه
لكن بشرط، ما معنى التوبة بدقةٍ بالغة؟ الندم على ما مضى، والإقلاع عن الذنب كلياً والعزيمة في المستقبل ألا نعود إليه، هذه التوبة النصوح.
المذيع:
 شيخنا الكريم، الذنب.

 

الدكتور راتب:
 وإذا تاب العبد توبة نصوحة، أنسى الله حافظيه؛ الملكين، والملائكة، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه.
المذيع:
 لهذا الحد! وكأنه لم يذنب.
الدكتور راتب:
 وإذا تاب العبد توبة نصوحة، أنسى الله حافظيه، والملائكة، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه. هو تواب، معنى تواب؛ صيغة مبالغة، المبالغة إذا نسبت إلى الذات الإلهية مبالغة نوع وكم، فأكبر ذنب تتصوره الله يتوب عليك منه، ومليون ذنب يتوب عليك، فهي مبالغة كم ونوع.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[سورة الزمر: 53]

 إلا أن الذي يستخف بهذه التوبة ويعيدها، التوبة الثانية أصعب بكثير.
المذيع:
 شيخنا الكريم، حتى تتضح المعاني تماماً عند الجميع، الذنب هو خروج عن منهج الله مخالفة شرعية، التوبة هي العودة من جديد بندم إلى شرع الله.

 

أنواع الذنب :

الدكتور راتب:
 لكن الذنب نوعان، ذنب بينك وبين الله، وذنب مع البشر، لذلك هناك ذنب يغفر ما كان بين العبد وربه، كالتقصير بالعبادات، وذنب لا يترك، ما كان بين العباد، يغفر بإحدى حالتين، إما بالأداء أو المسامحة، وذنب لا يغفر أصلاً هو الشرك بالله، لأن الطريق إلى الله أنت أغلقته، سلكت طريقاً آخر.
المذيع:
 المقصود شيخنا، بأن الشرك لا يغفر أي إذا مات الإنسان على شركه؟
الدكتور راتب:
 طبعاً.
المذيع:
 لكن لو كان أشرك الإنسان ثم أسلم؟
الدكتور راتب:
 ممكن.
المذيع:
 فإسلامه يجُبُّ كل ما كان من قبل.
الدكتور راتب:
 أبداً، الإسلام يجُبُّ ما قبله.
المذيع:
 شيخنا الكريم، في الآية الكريمة التي ذكرت:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الزمر: 53]

 يا عبادي كما تفضلتم هي تحبب من الله إلى العباد، والله سبحانه وتعالى غني عنا.

﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الزمر: 53]

 من هم المسرفون؟

 

الابتعاد عن القنوط و إحسان الظن بالله :

الدكتور راتب:
 في المعاصي والذنوب، هناك ذنوب كثيرة وكبيرة، حينما تأتي المبالغة تعني مبالغة كم ومبالغة نوع، مهما كثرت تُغفر، ومهما كبرت تُغفر، الله ينتظرنا، وينتظر توبتنا، يا ربي لقد تبت إليك، يلقي في روع العبد وأنا عبدي قد قبلت.

القنوط يقترب من الكفر

 

((لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد))

 

[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

المذيع:

﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[سورة الزمر: 53]

 لماذا نُهي الإنسان أن يقنط من رحمة الله؟
الدكتور راتب:
 لأن القنوط يقترب من الكفر، القنوط من رحمة الله يقترب من الكفر.
المذيع:
 القنوط دكتور هنا المقصود فيه بأن الإنسان يظن أن ربنا لن يقبل توبته، هذا هو القنوط، وهذا يقترب بصاحبه من الكفر.
الدكتور راتب:
 بسبب الجهل طبعاً.
المذيع:
 عليه أن يحسن الظن بأن ربنا سيغفر، الله يفتح عليك يا دكتور لهذا التوضيح والتبسيط.
 شيخنا الكريم، قبل قليل كنت تتحدث عن الاستخفاف بالذنب ما هو الاستخفاف بالذنب دكتور؟

 

الاستخفاف بالذنب :

الدكتور راتب:
 هو الذنب إذا صغر عندك كبر عند الله، وإذا كبر عندك صغر عند الله.
المذيع:
 هل يمكن أن تشرحها أكثر دكتور؟
الدكتور راتب:
 مشكلة المسلمين بالإصرار على الصغائر
أنت تمشي في طريق على بُعد ثلاثين متراً على اليمين هناك وادٍ سحيق، وعلى بُعد ثلاثين متراً على اليسار أيضاً يوجد وادي سحيق، لو حرفت المقود سنتيمتراً واحداً وثبَّتّه تهوي إلى الوادي، مع أنه ذنب صغير، أما الذنوب الكبيرة فهي تسعون درجة، لو استغفرت من الكبيرة نجوت، لذلك الحديث:

((لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار))

 مشكلة المسلمين ليست في الكبائر، خذ ألف بيت، موضوع القتل والخمر والزنا قلائل جداً، أما الصغائر تؤخذ كعادات وتقاليد، اختلاط، غش بالبضاعة، كذب بالأيمان، هذه الصغائر تنقلب إلى كبائر، كيف؟ بيت فيه جميع الأجهزة الكهربائية، لو قطعت التيار عن هذه الأجهزة سنتيمتراً أو متراً لن يختلف الوضع، التيار انقطع، فالذنب حاجب عن الله، فأنت قد تحجب بذنب صغير مصر عليه كالاختلاط، تظنه صغير، لا ليس صغيراً، كالبيع بسعرين مثلاً، في البيع هناك ذنوب، في الشراء هناك ذنوب، في الزواج، في الطلاق، ما دام هناك ذنوباً صغيرة فسوف تتراكم وتكبر، أما إذا تبت توبة نصوحة فتحت مع الله صفحة جديدة.
المذيع:
 عندما ذكرت شيخنا البيع بسعرين هل من الممكن أن نوضحها لمن لا يعرف المقصود بها؟
الدكتور راتب:
 كأن تقول لفلان البيع بالتقسيط له سعر، ونقدي له سعر، لا بيع بعقدين، القضية خلافية هذه لا أريد أن أثيرها في هذا اللقاء.
المذيع:
 شيخنا الكريم.

 

كلما كان حساب الله لعبده سريعاً كان العبد أقرب إلى الله :

الدكتور راتب:
 لكن حينما يزداد الثمن مع الزمن فهناك مشكلة.
المذيع:
 أي ذنب صغير الذي هو بعيد عن الكبائر كالقتل، والشرك، والسحر، والربا، لو كان صغيراً بظن الإنسان إذا أصرّ عليه تحول إلى كبيرة.
الدكتور راتب:
 حجبه عن الله.
المذيع:
 تحول إلى كبيرة وعقابها تحجبه عن الله.
الدكتور راتب:
 أحياناً بيت يكون له بابان، أعطى الأب أمراً أن باب غرفة الضيوف ممنوع استعماله كلام طيب، هناك باب آخر إلى الصالون، جاء ابنه وخالف توجيهات الأب، خرج من باب غرفة الضيوف، فالأب عاقبه، عاقبه على أمر وضعي، الأب وضعه، لكن لو ابنه الصغير وضع يده على المدفأة المشتعلة يحترق. العلاقة بين العقاب الأول عقاب وضعي، أما العلاقة بين الذنب والنتيجة في العقاب الثاني عقاب علمي.
 فالذنوب التي حرمت علينا فيها أسباب نتائجها علاقة علمية، أي معصية، في هذه المعصية بذور النتائج، مثلاً أطلق بصره، ضاق ذرعاً بأهله، حياته لم تعد كما ينبغي.
المذيع:
 لكن أحياناً دكتور بعض الناس يعصي الله وتفتح له الدنيا أبوابها، مثلاً يتعامل بالربا وأموره تمام.
الدكتور راتب:
 هذا له معاملة خاصة، إن من عبادي لا يصلحه إلا الغنى فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، الله له حكمة، من حكمته أحياناً أن يحاسب العبد المؤمن على أقل ذنب مباشرة، وكلما كان الحساب سريعاً كان العبد أقرب إلى الله.
المذيع:
 نرجو مزيداً من التوضيح شيخنا.

آثار الذنب المتكرر :

الدكتور راتب:
 إنسان أخطأ خطأً بسيطاً، هذا الخطأ البسيط قطعه عن الله، هو مع الله سعيد جداً، هذا الخطأ نتيجته كبيرة جداً، أنه حُجِب عن الله، فيعالج هذا الخطأ مباشرة لتعود له الصلة مع الله، أما إذا الإنسان أخطاؤه كثيرة فقد يتأخر العقاب.
المذيع:
 إذاً ليست علامة خير، الذي يذنب وربنا يعاقبه.
الدكتور راتب:
 أي ذنب يرفع حجابا بين العبد وربه
بالعكس، إذا أحب الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن شكر اقتناه.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور. نكمل أكثر في هذا الموضوع، ونتحدث عن الذنوب التي تتكرر، والذنوب التي تعظم وكأنها كالجبال فيضيق صاحبها ذرعاً في هذه الدنيا. ذنوب كالجبال، نتحدث فيه عن الذي يذنب ويذنب، له من الذنوب الكثيرة وله من الذنوب الكبيرة.
 شيخنا الكريم، وضحت أن الذنب هو كل خروج عن أمر الله، وأن التوبة هي عكس الذنب، هي العودة من جديد بندم وانكسار بين يدي الله، وإلى شرعه سبحانه وتعالى، وأن الذنوب الصغيرة التي يبسّطها صاحبها تتحول مع الوقت لإصراره على هذه الذنوب تحدياً لله فأصبحت كالكبائر، وكبار الذنوب بالتوبة لا قيمة لها يمحوها الله سبحانه وتعالى.
 شيخنا الكريم نقرأ في قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّ الْعَبْدَ إِذا أخْطَأَ خطيئَة، نُكِتَتْ في قلبه نُكْتَةٌ، فإِذا هو نَزَعَ واسْتَغْفَرَ وتابَ صُقِلَ قلبُه، وإنْ عادَ، زِيدَ فيها، حتى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وهو الرَّانُ الذي ذكره اللّه))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه]

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

[سورة المطففين: 14]

 دكتور، ما هي آثار الذنب المتكرر؟
الدكتور راتب:
 أي ذنب مهما يصغر يرفع حجاباً بين العبد وربه، هذا الحجاب يرق أو يسمك بحجم الذنب، بحجمه أي بنوعه، وبتكراره، فالتكرار يزيد من حجم الحجاب، والتوبة تزيل هذا الحجاب.
المذيع:
 اسمح لي دكتور، ما هو الحجاب؟

 

الذنب من نتائجه الحتمية الحجاب عن الله عز وجل :

الدكتور راتب:
 أي إنسان له أب، والابن صادق أمين، متفوق في دروسه، ففي مودة بالغة بينه وبين الأب، الأب يضمه، ويقبله، ويعطيه مكافأة، فلما تأتي شكوى من المدرسة على هذا الابن بتقصيره، ينشأ حجاب بين الابن وبين أبيه، أي كأنه خيب ظن أبيه.
 الحجاب إعراض، فالذنب من نتائجه الحتمية الحجاب عن الله عز وجل، الإنسان يستحي من ربه أن يعصيه.
المذيع:
 كيف يكون هذا الحجاب دكتور؟ كيف يعرض الله عنا؟
الدكتور راتب:
 يأتي ليصلي يشعر أن صلاته لا معنى لها، حتى قال أحدهم: من صلى فلم يشعر بشيء إطلاقاً، ومن قرأ القرآن فلم يشعر بشيء إطلاقاً، ومن ذكر الله فلم يشعر بشيء فليعلم أن لا قلب له.
المذيع:
 هذا هو الحجاب، يصلي، ويقرأ القرآن، لكن لا شعور.
الدكتور راتب:
 لا يوجد تجاوب، ولا سعادة، ولا تجلي، ولا سكينة، ولا سرور، حركات وسكنات.
المذيع:
 وعكس هذا الحجاب ما هو دكتور؟
الدكتور راتب:
 الإقبال على الله، الحقيقة هو الإيمان يقين وإقبال.
 مثلاً، إذا جاء الابن ومعه درجات أعماله وهو تفوق، يأتي إلى والده ضاحك، جاب الجلاء الأب يقبله، ويأخذه ضاماً له، لأن الابن متفوق، معه شيء يرفع رأسه به، والأب تجاوب مع ابنه وضمه إلى صدره، أما لو كان راسب يخاف من أبوه، قد ينام قبل أن يأتي، راسب لأنه.
 فالذنب يقيم حجاباً بين العبد وربه، والعمل الصالح يقيم علاقة متينة.
المذيع:
 وهذا الحجاب هو لا يعني أنه لا يصلي، ولا يتعبد، وإنما لا يشعر بشيء.

كلما كان الميزان دقيقاً مع الله يشعر المؤمن بذنبه أكثر :

الدكتور راتب:
 لو فرضنا سهرة لا ترضي الله، قام ليصلي العشاء، محجوب عن الله، قرأ الفاتحة وركع، وسجد، محجوب عن الله. بائع أقمشة، جاءت أخت كريمة، يبدو أنها غير ملتزمة بالحجاب، وهي حسناء ملأ عينه من محاسنها، عندما أذن الظهر ذهب ليصلي فوجد حجاباً بينه وبين الله، لأنه نظر إلى امرأة لا تحل له، أو ملأ عينه من محاسنها، لم يغض بصره.
المذيع:
 المؤمن يفترض أن يتألم لهذا الحجاب، لأن ربنا صده عن الإقبال.
الدكتور راتب:
 كلما كان الميزان دقيقاً مع الله، يشعر المؤمن بذنبه أكثر.
المذيع:
 وهل يمكن لهذا الحجاب أن يزول دكتور؟
الدكتور راتب:
 بالتوبة، إذا تاب العبد توبة نصوحة، أنسى الله حافظيه، والملائكة، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه.
المذيع:
 حتى لو كانت كالجبال؟
الدكتور راتب:
 الصلحة بلمحة.

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الزمر: 53]

 أي كالجبال:

﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[سورة الزمر: 53]

المذيع:
 شيخنا الكريم، قبل قليل ذكرت أن الله يلقي في روعه، هذا الإلقاء من الله سبحانه وتعالى، إذا تاب الإنسان هل يعطيه ربنا علامة أنه أصبح الآن قريباً من الله؟

 

ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رُفع إلا بتوبة :

الدكتور راتب:
 الله عز وجل رب، إذا أخطأ الابن، واعتذر من والده، وبعد شهر جاء ومجموع درجاته فيها تفوق، فهو الآن عمل عَملاً مخالفاً لذنبه السابق، كان عنده تقصير في الرياضيات، جاء بعلامة جيدة، فالابن يقبل على أبيه، بابا انظر لمجموع درجاتي، وهذه علامتي، يقدمها بتفاؤل، أما المجموع الأول الذي فيه صفر في الرياضيات ينام قبل مجيء والده من عمله، يخاف.
المذيع:
 مانزل بلاء إلا بذنب
أي أن الإنسان إذا كان بعيداً عن الله تبارك وتعالى، واستغفر، وربنا قبل توبته، ربنا يلقي في قلبه إحساس، أو في قلبه شعور، كذلك دكتور عند الذنب؟ قد يذنب بعض الناس ذنوباً لا يلقي لها بالاً، يكون في جلسة فيها غيبة ونميمة، ولا يلتفت كثيراً لما حصل، هل ينبهه الله في روعه؟
الدكتور راتب:
 تنبيه ذاتي، حينما يغتاب يُحجب عن الله تلقائياً.
المذيع:
 هذا هو التنبيه، أن يحجب عن الله، قد يقل أدبه مع والديه دون أن يلتفت.
الدكتور راتب:
 لا يستطيع البكاء في صلاته، لا يجد تفاعلاً مع الآيات.
المذيع:
 إذاً أفهم من كلامك شيخنا، أي حجاب عن الله هو بسبب ذنب ارتكبه.
الدكتور راتب:
 ما نزل بلاء إلا بذنب، قاعدة أصولية، ولا يرفع إلا بتوبة.

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾

[سورة الشورى: 30]

 مِن: لتعداد الجزئيات.

﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

[سورة الشورى: 30]

المذيع:
 شيخنا الكريم، من يشعر أنه محجوب عن الله تبارك وتعالى لذنوب صغيرة أو كبيرة، لكنه لا يعرف ما هو ذنبه، أي أنه يحاول أن يتذكر ولا يتذكر، ماذا يفعل ليصل إلى الذنب فيستغفر عنه؟

 

على الإنسان أن يتوب من ذنوب يعلمها ومن ذنوب لا يعلمها :

الدكتور راتب:
 يتوب من ذنب يعلمه، ومن ذنب لا يعلمه، هذه الصيغة.
المذيع:
 وكيف هذا دكتور؟
الدكتور راتب:
 يا ربي تب عليّ من ذنب لا أعرفه، لكنّ الحقيقة الدقيقة: لا يمكن لإنسان أن يغلط إلا ويعلم أنه قد أخطأ، هذه الفطرة، لأن الله عز وجل قال:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾

[سورة الروم: 30]

 إقامة وجهك للدين حنيفاً هذا ما فطرت عليه.

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾

[سورة الروم: 30]

﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

[سورة الروم: 30]

 والدليل الأقوى:

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾

[سورة القيامة: 14ـ 15]

المذيع:
 بارك الله بكم يا دكتور. كيف يكون بالنسبة للإنسان علامة قبول الله لتعظيمه؟
الدكتور راتب:
 إذا قدّم الإنسان كأسين من الشراب، كأس ممتلئ، وكأس أقل امتلاءً، وصاحب البيت وضع الكأس الممتلئ نحوه، فأنت بغيابه بدلته، ألا تشعر بخطأ؟ أدق خطأ تحس فيه.

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾

[سورة القيامة: 14ـ 15]

المذيع:
 بارك الله بكم يا دكتور. إلى جولة من مشاركات مستمعينا.
 دكتور حتى تكون معنا مشاركات مستمعينا الكرام الهاتفية، في موضوعنا ذنوب كالجبال، ما هي علامات قبول التوبة؟ كيف يعرف أن الله سبحانه وتعالى قد غفر له، أو قبل منه توبته، ما هي علاماتها دكتور؟

 

علامات قبول التوبة :

الدكتور راتب:
 الحقيقة إلهنا رب، عندما يتوب العبد يلقي الله في روعه، في كيانه، أنه قَبِله، مستحيل ألا يكون ذلك، يشعر بكل خلية في جسمه، يشعر بكل قطرة في دمه أن الله قَبِله، يلقي الله في روع الإنسان أنه قَبِله.
المذيع:
 إذاً من علامات قبول التوبة، أفهم من فضيلتكم شيخنا.
الدكتور راتب:
 شعور عميق نفسي أن الله قَبِله.
المذيع:
 والحجاب الذي صده عن الله يزول، ويشعر بالإقبال من جديد، هذه علامات قبول التوبة، كأن يقال دكتور أن الإنسان إذا ربنا فتح له أبواب العبادة والحسنات والطاعات فهذا من علامات قبول التوبة، يسر له طاعة، يسر له أن يساعد إنسان.
الدكتور راتب:
 الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح
لو فرضنا تاب من ذنب وقَبِل الله توبته، الآن هناك معاملة جديدة لهذا العبد، مثلاً يبكي في الصلاة، يتأثر، ينجح بعمل صالح، ينجح في لقاء مهم.
المذيع:
 قد يكون في الطريق فيسوق له ربنا أن يصنع عمل خير مع أحد من الناس، هذا من علامات قبول التوبة أن الله فتح له أبواب الطاعة.
الدكتور راتب:
 وأبواب العمل الصالح، العمل الصالح رزق من الله، عندما سيدنا موسى سقى للفتاتين ماذا قال؟

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

[سورة القصص: 24]

 لذلك العلماء قالوا: الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح، لذلك قال بعضهم: الغنى والفقر بعد العرض على الله، لا يسمى الغني في الدنيا غنياً، ولا يسمى الفقير فقيراً، قد يكون الغني معه مئات الملايين، لكن ليس له أي عمل صالح، وقد يأتي إنسان فقير معه مليون عمل صالح، فالغنى والفقر بعد العرض على الله.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور.
 أبو محمد، تفضل.

 

أسئلة المستمعين :

المستمع:
 السلام عليكم، تحياتي لحضرتك، ولفضيلة الشيخ. سيدي العزيز، بخصوص الذنب، أنا أتكلم عن نفسي وأريد أن استشير الشيخ بأمر معين يخصني أنا بالذات، أنا لا أريد أن أمدح نفسي على الهواء، الله يعلم ما الذي نحافظ عليه بشكل مستمر، بتجنب الذنوب بشكل كامل، فالحمد لله، الله أنعم علي بعائلة رائعة، وأولاد أتقياء، الحمد لله من فضل رب العالمين، وأطلب من رب العالمين دائماً في صلاتي أموراً معينةً تخص عائلتي وتخص الناس بشكل عام، وأشعر أن ربنا قد يستجيب لي ولكنه يمتحنني في أمر معين، أنا ضعيف فيه، أي ذنب معين، أحياناً يأتني كل شهر، كل شهر ونص، فأنا أرسب في هذا الامتحان، فهو ذنب وحيد في حياتي أنا أرتكبه.
المذيع:
 ما هو السؤال أبو محمد حتى يجيبك عليه الدكتور.
المستمع:
 السؤال هل هذا الذنب ممكن يكون حاجزاً بيني وبين الذي أطلبه من رب العالمين؟
الدكتور راتب:
 حاجز مؤقت، فإذا تبت منه ألغي الحاجز.
المذيع:
 وإن كان ذنباً واحداً يحجزه والحل بالتوبة. إلى محمد باتصال جديد، تفضل يا محمد.
المستمع:
 السلام عليكم، سعيد جداً بالدكتور محمد راتب النابلسي. دكتور، أنا أخطأت خطأ ولا أعرف أن ربنا تاب علي أم لا؟ أن ربنا غفر لي أو لا؟ ذهبت مرة عند شباب، وقاموا بإغرائي، فأنا ابتعدت عن الشباب وتبت لربنا، هل الله يغفر لي هذا الذنب الذي أنا اقترفته مثلاً أم لا؟

التوبة تجبّ ما قبلها لكن الشيطان مهمته الوحيدة أن يجعلك يائساً :

الدكتور راتب:
 إذا تاب العبد توبةً نصوحة، التوبة النصوحة دون عودة إلى هذا الذنب، إذا تاب العبد توبةً نصوحة، أنسى الله حافظيه، والملائكة، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور، أبو جابر باتصال جديد تفضل.
المستمع:
 الله لا يحاسب على الخواطر
السلام عليكم، الله يعطيكم العافية يا دكتور على هذا البرنامج الرائع. شيخنا العزيز، أنا أريد أن أسأل سؤالاً، أنا عندي إحساس أن العمل الذي أعمله لا إخلاص فيه، فأنا أصوم والحمد لله، وأتصدق والحمد لله، وقمت بعمرة وحجة، وأصلي بمواعيد الصلاة، والحمد لله ملتزم، لكن عندما أقوم للصلاة، أو أقوم بأي عمل أتقرب فيه لله عز وجل أشعر أنني غير مخلص، أن هناك أشياء أكثر من ذلك يفترض أن أقدمها.
الدكتور راتب:
 لعل هذا من وساوس الشيطان، ما دام عملاً صالحاً في ظاهره وباطنه، فأنت عند الله مقبول.
المذيع:
 كيف يتأكد أنه أخلص النية دكتور؟
الدكتور راتب:
 أن تقول: يا رب اقبل هذا العمل، اقبل هذه التوبة، والله يستجيب، هذه وساوس، الشيطان مهمته أن يجعلك تيأس، يذكرك بأشياء ماضية، تاب توبة نصوحة، انتهى كل شيء، التوبة تجبّ ما قبلها، الشيطان مهمته الوحيدة أن يجعلك يائساً من التوبة، ويغريك من الذنب الذي تبت منه بالذات.
 شيء ثاني هذا تطمين: الله عز وجل يحاسب على الذنب فقط، على السلوك فقط، وليس على الخواطر، فاطمئن، أي خاطر مهما كان خطيراً لا تحاسب عليه، لكن إذا أنت دفعته بيقين، بتوبة ينتهي ويتلاشى، فإذا تابعته أنت بتصورات إيجابية قد ينقلب إلى عمل.
المذيع:
 الحل هنا أن يستعيذ من هذه الوساوس ولا يفكر فيها.
الدكتور راتب:
 لا يحاسب إلا على العمل فقط.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور، الله يجزيكم الخير. حديثنا عن ذنوب كالجبال، دكتورنا الكريم، كيف يمكن لهذه الذنوب التي حصّلها الإنسان أن تمحى من صحيفته، وأن يغفرها الله له؟

 

الذنب يحجبنا عن الله والتوبة تزيح هذا الحجاب :

الدكتور راتب:
 بالاستغفار والتوبة النصوح، والتوبة النصوح تعني الإقلاع عن الذنب فوراً، والندم على ما فعله سابقاً، وعقد العزم على ألا يفعله مستقبلاً، هذه التوبة النصوح.
المذيع:
 فإن عاد ووقع فيه من جديد دكتور؟
الدكتور راتب:
 يتوب مرة ثانية، توبة نصوح، وثالثة، ورابعة، وألفاً، ليس لنا إلا الله.
المذيع:
 قد يستسهل الذنب دكتور.
الدكتور راتب:
 لا، الثانية أصعب، التوبة الأولى سهلة جداً، الثانية أصعب، ما دام نقض توبته ضعف مركزه أمام الله عز وجل، يجد صعوبة كبيرة جداً بالتوبة، لذلك أنا أنصحه أن يضيف للتوبة صدقة، والتوبة الثالثة تحتاج إلى صدقتين.
المذيع:
 الصدقة المقصود بها دكتور عمل صالح، وليس صدقة المال وحدها.
الدكتور راتب:
 والتوبة الرابعة ثلاث صدقات، كلما عاد للتوبة يحتاج دعماً للتوبة.
المذيع:
 إذاً الذنب يحجبنا عن الله، والتوبة تزيح هذا الحجاب، والتوبة هي ندم صادق من القلب على ما كان، ويجب إيقاف الذنب فوراً، والعزم الصادق ألا يعود إليه، وإن تكرر يرافقه بذلك عمل صالح. معنا اتصال جديد، مجدي تفضل.
المستمع:
 السلام عليكم، أريد أن أسأل الشيخ سؤالاً لو سمحت، يا شيخ معظم الذنوب عن حقوق الناس، ممكن يكون ضرب هذا، سرق هذا، حتى على مستوى أي عمل يكون فيه حقوق أناس، فرضنا أن من الممكن أن يسامح.

حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاححة :

الدكتور راتب:
 لا توقف لا تكمل، حقوق الله مبنية على المسامحة، بينما حقوق العباد مبنية على المشاححة، لا بد من أن يؤدى الحق للآخر، أو أن يسامحك.
المستمع:
 قد أكون ضربت فلاناً منذ زمن، أو سرقته، أي من وقت مضى، كيف أستطيع أن أستسمح من الناس؟
الدكتور راتب:
 إن كان يعرفه يجب أن يستسمح منه، إن كان يعرفه وارتكب ذنباً أمام مجموعة، فلا بد أن يستسمح منه علانية.
المذيع:
 إذا كان من الصعب الوصول له دكتور؟ القصة قديمة.
الدكتور راتب
 يدفع صدقة لوجه الله، هذه الصدقة تسجل في صحيفة من أذنبت معه.
المذيع:
 إذاً حقوق العباد مرتبطة بإحدى حلين إما أن يسامحك، أو أن تؤدي الحقوق له، الحقوق المعنوية دكتور لا بد من مسامحة منهم، إذا كنا لا نستطيع الوصول له نتصدق عنه، لو كنا نستطيع الوصول له دكتور لكن فيها حرج شديد، أو تفتح أبواباً من الأذى، كأن أقول لإنسان أنا استغبتك.
الدكتور راتب:
 ليس هكذا، أقول لك مثلاً آخر: دخل لمحل فأكل ولم يدفع، يأتي بعد سنة يلقي المبلغ في المحل ويمشي، ليس مكلفاً أن يفضح نفسه.
المذيع:
 لو كانت حقوق معنوية دكتور، لو ذكرت إنساناً بسوء كيف سأقول له أني ذكرته بسوء قبل سنتين، هذا سيؤدي إلى خصومة كبيرة.
الدكتور راتب:
 أنا أحكي كلمة أمام أشخاص وأسجلها، والله فلان أثق بعلمه وبكرامته، فيوصلوها له.
المذيع:
 أي أنك تحاول أن تعوضه بدل السوء بالخير، إن لم تستطع المسامحة مباشرة. أم محمد باتصال جديد، تفضلي.

المستمع:
 يعطيك العافية، أريد أن أسأل الشيخ سؤالاً، الإنسان مثلاً يبحث عن ذنبه فلا يجد شيئاً محدداً، لكن هل المشاكل التي نعيشها في حياتنا مثلاً مشكلة أسرية كبيرة جداً يمكن أن تؤدي إلى الطلاق، أو عدم سعادة الإنسان في حياته، ينتقل من ابتلاء إلى ابتلاء، يشعر بعدم الاستقرار لدرجة أن يصبح معه اكتئاب، مع أن المؤمن من المفروض كما يقول الشيخ دائماً ألا يمر بهذه الأمراض النفسية، أحياناً يصل لهذه المرحلة، أنا لا أعرف كيف أجد حلاً لكل هذه المشاكل التي حولي، هل يمكن أن تكون بسبب ذنوب أو سيئات؟

طلب العلم لمعرفة الذنب :

الدكتور راتب:
 قبل ذلك هناك نقطة دقيقة، إذا قال أحدهم: أنا ليس عندي ذنوب، لو طلب العلم سيجد مئة ذنب، ضعف العلم يلغي الذنوب، قد تقول: ماذا فعلنا؟ ما عملنا شيئاً، ويكون اغتاب، وتهجم، وكذب ونافق، ويقول ما فعلنا شيئاً، كلام بكلام.

((وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً))

[رواه البُخَارِيُّ وأحمد عن أبي هريرة]

 طلب العلم يعرفك بأنواع الذنوب فتجتنبها
لا بد من طلب العلم حتى تعرف ما الذنب؟ وما مضاعفاته؟
المذيع:
 لو أن الإنسان حاول ألا يقع بالذنوب، وأكثر من التوبة، ومع ذلك حياته تعيسة كيف يتخلص من كل هذه الذنوب؟
الدكتور راتب:
 يكون هناك سبب آخر، البعد عن الله، سوء الظن بالله، ضعف إيمان.
المذيع:
 فالحل في هذه الحالات الإقبال على الله. بارك الله بكم يا دكتور.
 ناصر تفضل أخي باتصال جديد.
المستمع:
 السلام عليكم، أسعد الله مساءك أنت وضيفك الكريم، جزاك الله عنا كل خير دكتور النابلسي يشهد الله أننا نحبك بالله. سؤالي بالنسبة للذنوب بآية تقول:

﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾

[سورة الكهف: 104]

 دكتورنا الكريم، هل هذا من الذنوب أم من سوء العمل أم من سوء نية العمل؟

 

ضرورة طلب العلم لمعرفة الحرام والحلال :

الدكتور راتب:
 من سوء العلم، عمل تجارة ببضاعة ممنوعة، بضاعة منهي عن استعمالها، لكنه ليس طالب علم، أنا ربحت كثيراً في هذه العملية، هذا الربح مبني على تجارة باطلة، فلابد من طلب العلم لتعرف ما الحرام وما الحلال؟ قضية خطيرة، فهناك آخرة وحساب.
المذيع:
 والذي لا أعرفه أستفتي به.
الدكتور راتب:
 الله قال:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة النحل: 43]

 هناك حرف كلها محرمة، وكلها بضاعة محرمة.
المذيع:
 شيخنا الكريم، هل يمكن عند الله أن تتبدل هذه الذنوب والمعاصي يوم القيامة إلى حسنات؟

 

بالتوبة تتبدل الصفات السلبية إلى إيجابية :

الدكتور راتب:
 المعنى الساذج مستحيل، مثلاً كان بخيلاً وعندما تاب إلى الله أصبح كريماً، بدل بخله كرماً، كان عنده حياء من الطاعة أصبح يفتخر بالطاعة، تتبدل صفاته السلبية إلى إيجابية، أما إنسان ارتكب ذنباً ينقلب إلى عمل صالح هذا شيء مستحيل، مستحيل بالمنطق، بالواقع، كان له عملاً سيئاً، كان يغتاب.
المذيع:
 ألا يمكن للتوبة أن تجبّ هذه المعاصي؟
الدكتور راتب:
 طبعاً، لكن الغيبة لا يمكن أن تصبح عملاً صالحاً.
المذيع:
 لكن يغفرها الله للتائب.
الدكتور راتب:
 يغفرها له فقط.
المذيع:
 ويعطيه حسنات لتوبته.
الدكتور راتب:
 يعطيه كلاماً لا غيبة فيه، استقام، تتبدل الغيبة إلى عدم غيبة.
المذيع:
 شيخنا الكريم، في قضية الذنوب إذا كان الإنسان يستحي أن يقف بين يدي الله ويسأله عن ذنوبه، لكنه ارتكب ذنوباً في الماضي، كيف له أن يتخلص من هذه الذنوب القديمة وهو يستحي أن يقف بين يدي الله فيُسأل عنها؟
الدكتور راتب:
 والله بينك وبين الله يجب أن يكون هناك خط مفتوح، يا ربي أنا خجل منك، يا ربي سامحني عن الذنوب السابقة، ليس لي إلا أنت، أنت الغافر، أنت العليم، استرني واغفر لي، أي اجعل بنك وبين الله خطاً ساخناً في الليل، ناجيه، اطلب منه، هو ينتظرك.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور، نستأذنكم شيخنا أن نختم حلقتنا بالدعاء، ونسأل الله القبول.

الدعاء :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وأمناء دعوته، وقادة ألويته وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسينا ذكرك أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا يا رب العالمين، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 الحمد لله رب العالمين، بارك الله بكم فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، كان حديثنا تحت عنوان ذنوب كالجبال، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا جميعاً ذنوبنا، وأن يعيننا أن نكون من أهل طاعته، فالذنوب تعني أن تحجب عن الله فتصلي ولا تدرك ما تصلي، والتوبة إقبال من جديد على الله.
 سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
 والسلام عليكم و رحمة الله و يركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018