جامع التقوى - الدرس : 269 - قصص من واقع الحياة تبين إيجابيات بلاد المسلمين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

جامع التقوى - الدرس : 269 - قصص من واقع الحياة تبين إيجابيات بلاد المسلمين.


2019-05-16

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

قصص من واقع الحياة تبين إيجابيات بلاد المسلمين :

 أخواننا الكرام؛ الله عز وجل قال:

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة يوسف:111]

 معنى ذلك أن القصة إطار تعبيري ناجح جداً، لأنه حقيقة مع البرهان عليها، ولأن أقرب إطار أدبي للإنسان القصة، فيها شخصيات، فيها حوار، فيها بيئة مكانية، بيئة زمانية، فيها بداية، عقدة، نهاية، وفيها مغزى.
 وأنا أتمنى على الأخوة الكرام، أن يسلك مع أولاده في التوجيه أسلوب القصة، ممتعة جداً، تجذب الحاضرين، لها آثار إيجابية تفوق حدّ الخيال، عندنا عدة حكايا، ألف صفحة رواية، مئة صفحة قصة، عشرون صفحة أقصوصة، صفحة واحدة حكاية.
 القصة أقصر طريق لإيصال فكرة
يقول أحد الأشخاص: مرة طرق بابي رجل فسألني: هنا بيت فلان؟ قلت: نعم، أنا فلان، قال لي: هل عندك خمس دقائق لأحدثك؟ قلت له: تفضل، قال لي: أنا طبيب أعمل في بريطانيا، بمانشستر، دخلي ثمانية آلاف جنيه إسترليني- كان المبلغ فلكياً في ذلك الوقت - وسيارتي جاغوار، أريد أن أعود إلى بلدي مختاراً، وقبلت أن أتقاضى راتباً في بلدي لا يزيد عن ثلاثة آلاف ليرة، من ثمانية آلاف جنيه إسترليني إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية- القصة طبعاً بالسبعينيات وليست الآن- ما السبب؟ قال: على أن أعمل في جامعة دمشق، قلت: ما الذي حملك على أن تعود إلى بلدك وأن تعمل في هذا البلد الطيب مع هذا الدخل القليل؟ قال قصة عانيتها في البناء- ببريطانيا- الذي أسكنه في مانشستر، قلت: ما هذه القصة؟ قال: يسكن في الطابق الثالث في البناء الذي أسكنه بالذات رجل إنكليزي، وقد توفي في بيته، ومرّ على وفاته ستة أشهر، والطقس في الشتاء بارد جداً، والبيت في آخر طابق، والبيت محكم الإغلاق، إلى أن تفسخت جثته، وشعر الجيران أن إنساناً ميتاً في الطابق العلوي، فاقتحموا الباب عن طريق الشرطة، وإذا بمنظر لا يصدق، إنسان متفسخ، أسود اللون، روائح، ودود لا يحتمل، أما الشيء الغير طبيعي والذي لا يصدق أن لهذا الرجل ستة أولاد يقيمون في لندن، وما خطر لواحد منهم أن يزوره في هذه الستة أشهر مرة واحدة، ثم قال لي: من أجل هذا عدت إلى بلدي.
 نحن عندنا مرض اسمه: جلد الذات، وعندنا وهم كبير أن الناس في أوروبا يعيشون حياة راقية، نحن عندنا إيجابيات بحياتنا ألف ضعف عن الآخرين، ألف ضعف.
 أذكر مرة طبيباً، دخله ثمانية آلاف جنيه إسترليني، في برلين، تقول له ابنته: أنتم بابا، يقول لها: نحن من؟ أنتم، شيء غير معقول، تكرر هذا كثيراً، ذهب إلى المدرسة، فإذا بالمعلمة تقول: أنتم متخلفون، العالم الإسلامي، فهي طفلة صغيرة سمعت: نحن متخلفون، فقال لي: والله ألغيت ثمانية آلاف جنيه إسترليني ورجعت لمبلغ بسيط بدمشق لعلها تقول بعد خمس سنوات: نحن بابا، من كلمة أنتم لكلمة نحن.
 المودة بالبيت تخفف مليون خبر سييء خارج البيت
أنا أقول هذا الكلام لست مدغدغاً لمشاعركم، حتى تعرفوا ما نتمتع به بفضل هذا الدين العظيم.
 أحد طلابي كان بباريس عمل نزهة على نهر السين، رأى شاباً واقفاً، أراد أن يكلمه بالفرنسي حتى يتدرب على اللغة الفرنسية، قال له: بماذا تفكر؟ قال له: أفكر بقتل أبي- شخص مسلم، شرق أوسطي، عندنا قيم، عندنا عادات، عندنا مبادئ- قال له: لِمَ؟ قال له: أحب فتاةً فأخذها مني.
 أنا أقول لكم ولا أبالغ: مئة ألف إنسان ساكن بدمشق بأرقى الأحياء، يبيع بيته يشتري أربع بيوت بجوبر ويزوج أولاده، ابحث عن إيجابيات حياتنا، تحب بلدك، في ترابط، الأب أب، الأم أم، الأخت أخت، والله في عندي ألف قصة، التربابط هذا يساوي الحياة جنة.
 أقول أنا دائماً: ما دام هناك مودة بالبيت، المودة البالغة بالبيت تخفف مليون خبر سيئ خارج البيت، لكن إذا كان في البيت شقاق فهذه مشكلة كبيرة، فلذلك لا نعرف قيمة بلادنا إلا إذا غادرنا هذه البلاد.
 أحد أخواني طبيب بأمريكا، أنا مرة سافرت إلى أمريكا التقيت معه، حصل معه مايلي، طلب والدته لتأتي من الشام لأمريكا لتزوره، وصلت للمطار، وجدت ابنة ابنها شاردة، جانبها رفيقها، يده بيدها، قالت لها: من هذا؟ قالت لها: رفيقي، قلبت وماتت، لم تتحمل، امرأة مسلمة، شرق أوسطية، بنت ابنها، شاب ليس زوجها، ولا خطيبها، لكن رفيقها.
 أنا أقول: يجب أن نعرف إيجابيات حياتنا، تعرف إيجابيات بلادنا، وفيها مشاكل كثيرة طبعاً، لكن كل هذه المشاكل لا تعادل ما يعانيه الغرب من مشاكل.

 

الموضوعية علم و أخلاق :

 كنت أنا مرة بأستراليا، يوم غادرت ودعني رئيس الجالية، شخص مثقف ثقافة عالية لدى شبابنا المسلم إمكانيات كبيرة جدا
والله يا أخوان الذي قاله لي بالحرف الواحد: بلغ أخواننا بالشام- أنا كنت مقيماً بالشام- أن مزابل الشام خير من جنات أستراليا، شخص مثقف ثقافة عالية، بيته بأستراليا يفوق حدّ الخيال، يملك سيارتين أو ثلاث، دخل فلكي، بلغ أخواننا بالشام أن مزابل الشام خير من جنات أستراليا، قلت له: والله ما فهمت عليك، اشرح لي؟ قال لي: الابن بأستراليا يكون خمسين بالمئة ملحداً، والخمسين الثانية ليته منحرفاً أخلاقياً، هو شاذ، أستراليا عاصمة الشذوذ، ملحد عقدياً، وشاذ سلوكياً.
 أين شبابنا ببلادنا! تجد المسجد كله شباب، كلكم شباب، الشاب تجد له مكانة عند أمه وأبيه، بار بوالديه، يسعى لزوجة صالحة، نمط حياتنا نمط له قيمة، لكن الغرب عمل لنا حالة اسمها: جلد الذات، متخلفون، لا، لسنا متخلفين، عندنا أساسيات تفوق حدّ الخيال، عندنا تماسك أسري، عندنا الأب يرعى أولاده، همه الأول أن يرعى أولاده، والله أعرف آلاف القصص، ترك بيتاً بالشام بأبي رمانة، أرقى أحياء دمشق، بالمالكي، وسكن بجوبر، اشترى ببيته خمسة بيوت، وزوج أولاده، بطولتك أن تكون موضوعياً.
 أخواننا الكرام؛ الموضوعية علم، الموضوعية أخلاق، تلتقي القيم الأخلاقية مع القيم العلمية بالموضوعية، يجب أن تعرف إيجابيات بلادنا، التماسك الأسري، العطف الأبوي، الأب أب، الابن ابن، الزوجة زوجة، أي يوجد إشكالات كبيرة جداً في العالم الغربي، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن نعرف قيمة بلادنا.

حاجة الحياة إلى قيم أخلاقية :

 أخواننا الكرام؛ هذه القصة الأولى، يقابلها يروي أحد أخواني أن هناك رجلاً عنده خمسة أولاد، فجأة رأى إبهام قدمه الأيسر يسود، عندما ذهب إلى الطبيب قال له: هذا السواد مرض خطير، هذا المرض اسمه غرغرين، قال له الطبيب: لا بد من قطع الإبهام اليوم، أما غداً فيقطع مكان أكبر، بعد أيام يقطع القدم كله، ولهذا الأب خمسة أولاد، أربعة أولاد قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا أمر الله، قضاء الله عز وجل وقدره، ووافقوا على أن يقطع إبهام أبيهم، إلا أن أحد هؤلاء الأولاد يبدو على بر شديدٍ بوالده، وعلى محبة قصوى، اعترض على أن يقطع إبهام أبيهم، فقال له الطبيب: أنت مخطئ يا بني، إن لم نقطع الإبهام اليوم قطعنا القدم بعد أيام، رأى الطبيب هذا الابن يهوي من شدة الألم، انهار الابن من أجل قطع الباهم، يتألم ويتوسل ليس هناك طريقة؟ ألا يوجد حلّ؟ ألا يوجد علاج؟ الطبيب عندما رآه بهذه الحالة احترم بره لوالده، قال له: يوجد حالة لكنها صعبة جداً، هناك علاج، احتمال نجاحه خمسة بالمئة، هذا الإبهام يحتاج لثلاثة حمامات باليوم، وحمامات مع مواد معينة، ولمدة طويلة، وهناك احتمال أن تنجح هذه المعالجة دون قطع إبهام أبيك، قال له: أنا أتكفل بها يا دكتور، أنا أتكفل بها، الطبيب قال له: إن امتد السواد ميلي متر لابد من قطع الإبهام، أما إذا توقف السواد فلن نقطعه.
الحياة تحتاج إلى قيم أخلاقية وعمل صالح
هذا الابن يعمل موظفاً، ويسكن في المزرعة، حي المزرعة في الشام، والده بالجادة السادسة بالمهاجرين، مسافة بعيدة جداً، من المزرعة للجادة السادسة كل يوم، يذهب الابن كل يوم من بيته الساعة السادسة صباحاً إلى بيت أبيه، يجري له هذا الحمام مع المواد، وينطلق إلى عمله، ويأتي ظهراً إلى بيت أبيه مرة ثانية، ويعود مساء وهكذا، هذا الأخ الذي يروي القصة قال لي: والله يا أستاذ الابن البار بوالده حجمه المالي الآن حوالي مئتي مليون، أقسم بالله، حجمه المالي مئتا مليون، إذا الله أعطى أدهش.
 يا أخوان الحياة تحتاج إلى قيم أخلاقية، فيها عمل صالح، فيها بر والدين، فيها بر الأم عندما أنت تعمل عملاً صالحاً، أقول لك كلمة أدق؟ علة وجودك في الدنيا العمل الصالح.

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون: 99 ـ 100]

 وسمي العمل صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.

 

ضرورة معرفة الله و معرفة سرّ وجودنا :

 أنت لا بد من أن تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة الله، أي يحتاج إلى درس أسبوعي، درس دوري، تقرأ قرآناً، تقرأ تفسيراً، تحضر درس علم، تغذي عقلك بالعلم، عندنا ثلاثة أشياء، العقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، إذا غذيت عقلك بالعلم، وقلبك بالحب، وجسمك بالطعام والشراب الذي أشتري بمال حلال تفوقت.
 لابد أن يكون لكل واحد منا رسالة في الحياة
أنا أتعجب أن العمر محدود، كلنا سوف نموت، لماذا تعيش؟ هناك كلمات مضحكة تقولها العامة: والله نعيش من قلة الموت، هذا كلام فارغ، ألا يوجد عندك رسالة؟ لماذا الله خلقك؟ ألا تعرف سر وجودك؟

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 ألا تعرف أن هناك جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، ألا تعرف أن هناك حياة أبدية، وهناك قبر، من بيت أربع غرف وصالون، وسيارتين أو ثلاث، وبيت على البحر، وبيت بالجبل، وبيت بالعاصمة، ومعمل ضخم، وسهرات، ولقاءات، وولائم، وسفريات، وسهرات مختلطة، والشاشة فيها مئتا محطة، وفضائية، ألا تعرف أن هذا الشيء ينتهي بالموت.

(( عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 أعرف شخصاً بالشام، عنده بيت بالمزرعة لكنه بيت عربي، فيه ساحة، حفر لنفسه قبراً يضطجع فيه كل خميس مرة، يتلو قوله تعالى:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون: 99 ـ 100]

 يخاطب نفسه ويقول: قومي لقد أرجعناك.

 

الغرق في الجزئيات :

 عندنا مرض اقبلوني بهذا المرض اسمه: الغرق في الجزئيات الموت يأتي فجأة فعلينا أن نعمل لآخرتنا
جدول أعمال، اتصال بفلان، دفع فاتورة، لقاء مع فلان، قبض مبلغ، وإلى متى؟ الموت يأتي فجأة، والقبر صندوق العمل، الموت يأتي بثانية واحدة، بثانية كل طموحات الإنسان، وآماله، وأحلامه، ومستقبله، مبني على ضربة القلب، وقف انتهى كل شيء، أو على نقطة دم لا ترى بالعين تتجمد في أحد أوعية الدماغ، فأنت على غلطة، أشياء طفيفة جداً تقلب حياة الإنسان إلى جحيم.
 شخص معه دكتوراه من فرنسا بالكمبيوتر، وصل لمنصب رفيع جداً، ومكانة اجتماعية، وبيت ببلودان، وبيت بأبي رمانة، وسيارتين أو ثلاث، فقد بصره، هو صديق صديقي، زاره صديقي، قال له: والله يا فلان أتمنى أن أجلس على الرصيف وأتسول وأن يرد الله لي بصري.
 عندك عيون، عندك يد متحركة، عندك بيت – مأوى- عندك زوجة، عندك أولاد، بنعم كبيرة، لذلك: اللهم أرني نعمك بدوامها لا بزوالها.

 

رمضان دورة تدريبية مكثفة للانتقال من حال إلى حال :

 أخواننا الكرام، هذا رمضان دورة تدريبية مكثفة، كي ننتقل من حال لحال، من مرتبة إلى مرتبة، من إيمان إلى أعلى، من ورع إلى أورع، فاستغلوا هذا الشهر سريعاً ما ينتهي، إذا بدأ انتهى، اليوم عشرة أيام، مرة ثانية عشرون يوماً، ثم جاء العيد، فإما يمضي هذا الشهر - لا سمح الله، أنا لا أظن هذا إطلاقاً- بالمسلسلات، والسهرات، والولائم، أو يمضي بعبادة الله، بطاعته، بتلاوة القرآن، بصلة الرحم، بالأعمال الصالحة، هذا نقلة نوعية من حال إلى حال.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لكم إيمانكم، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، واستقرار بلادكم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018