الدرس : 02 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 2-6 ، الأجل وحكمة تغييبه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 02 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 2-6 ، الأجل وحكمة تغييبه


2004-12-17

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الثاني من دروس سورة الأنعام .

مخاطبة الله سبحانه وتعالى آدم من خلال ذريته:

 مع الآية الثانية وهي قوله تعالى :

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)﴾

 بعد أن قال الله عز وجل :

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾

 يعدلون عنه إلى غيره أي يشركون به :

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ﴾

 أرجح التفسيرات أن الله سبحانه وتعالى يخاطب ذرية آدم من خلال آدم عليه السلام ، أو يخاطب آدم من خلال ذريته ، فآدم خُلق من تراب ، أو أن الإنسان حينما يُخلَق لأن الأم والأب يأكلان ويشربان من طعام نبت من تراب ، فمحصلة هذا الإنسان هو الطعام الذي يأكله ، أرأيت إلى طفل صغير حينما يلد ووزنه 3 كغ ، يصبح 80 كغ ، 100 كغ ، من أين جاء هذا الوزن ؟ من الطعام الذي يأكله ؛ نبات ولحوم ، أصل اللحم كائن أكل نبات ، والنبات من تراب ، فبالمعنى التحليلي أن هذا الإنسان الذي ولد وينمو هو من التراب ، أو أن الله سبحانه وتعالى خاطب آدم من خلال ذريته ؛ أن الإنسان خلق من تراب .

 

الحكمة التي أرادها الله من تغييب الموت عنا :

 قال تعالى :

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾

 قضى لهذا المخلوق أجلاً ، كل واحد منا له عند الله أجل ، لا يستقدم ساعة ولا يستأخر ، لذلك الإنسان مهما اعتنى بصحته الأجل لا يتغير ، لكن قد يمضي هذا العمر بصحة وعطاء ونشاط ، وقد يمضيه بمرض واستلقاء على السرير ، أما الأجل فلا علاقة له بالمرض إطلاقاً ، فما منا واحد إلا وله عند الله أجل ، ومتى ؟ لا أحد يعلم .
 رأى بعض العلماء ملك الموت مرةً فسأله : كم بقي لي من أجلي ؟ أشار له هكذا ، يعني خمساً ، فلما استيقظ ازداد حيرة يا ترى خمس سنوات ، أم خمسة أشهر ، أم خمسة أسابيع ، أم خمسة أيام ؟ فلما سأل عالماً من علماء التعبير عن الرؤيا قال : يقول لك : يا إمام ، إن هذا السؤال من خمسة أسئلة لا يعلمها إلا الله .
 الإنسان قد تنسج أكفانه وهو لا يدري ، قد يبقى له عدة ساعات وهو في أتم صحته ، وقد يخرج ولا يعود ، وقد يعود ولا يخرج ، وقد يعود ويخرج في نعش ، وقد يسافر ولا يعود ، وقد يشتري بيتاً ولا يسكنه ، وقد يخطب امرأة ولا يتزوجها ، وقد ينال شهادة ولا ينتفع بها ، وقد يجني ثروة طائلة ولا ينفعه منها شيء .
 إذاً الموت غيبه الله عنا ، وحكمة تغييبه عنا أن نسعى جاهدين لطاعة الله عز وجل ، وأن نكون جاهزين لاستقبال الموت ، حتى إن بعض الآيات الكريمة وهي قوله تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾

( سورة آل عمران )

 كأن الموت بيدنا ، لكن علماء التفسير قالوا : إياكم أن يأتيكم الموت إلا وأنتم مسلمون، ينبغي أن تستعدوا لاستقباله في أية لحظة ، والإنسان لا يدري هل يعيش ساعة بعد الساعة التي هو فيها ؟

 

قصص تؤكد أن الإنسان يجب أن يكون مستعداً للقاء الله تعالى :

 ذكرت لكم قصة مرات عديدة لكنها مناسبة في هذا المكان ؛ أنني جلست مع إنسان وحدثني عن مشاريعه المستقبلية ، ولا أبالغ حدثني عن عشرين عاماً قادمة ، وسوف يسافر ، وسوف يقيم في هذا البلد خمس سنوات ، وسوف يزور في الصيف هذا البلد في أول صيف ، وهذا البلد في ثاني صيف ، وهذا البلد في ثالث صيف ، وهذا البلد في رابع صيف ويعود ، ويقدم استقالته ، ويأخذ التعويض ، وينشئ محلا تجارياً يبيع فيه التحف ، ويجعله منتدىً فكرياً ، ساح معي عشرين عاماً قادمة ، وأقسم بالله العظيم أنني رأيت نعيه في اليوم نفسه .
 أذكر قصصاً عديدة تؤكد هذا المعنى ، في جلسة من جلسات الأخوة الطيبين قال لي أحدهم : إنني لن أموت مبكراً ، اعتمدَ على شيء علمي ، على صحته الطيبة ، وعلى رشاقته ، وعلى خفة وزنه ، وعلى طعامه الصحي ، وعلى عنايته بالرياضة وبالسباحة ، وعلى بعده عن الشدة النفسية ، هذا كلام علمي ، ذكر كل أسباب طول الحياة ، ذكر هذا يوم السبت ، وكان في السبت التالي تحت الأرض .
 طبيب بأمريكا يرى أن الجري هو الطريق الوحيد لوقاية القلب من النوبات القلبية والجلطات ، يجري في اليوم الواحد عشرين كيلومتراً ، وعمل ندوات في التلفزيون ، ومقالات في الصحف ، وألقى محاضرات في المنتديات وهو يزعم أن الجري هو السبيل الوحيد لوقاية القلب ، وهذا كلام صحيح ، وكلام علمي ، وله ثمار طيبة ، لكنه عد الجري مانعاً للموت ، مات وهو يجري ، في الثانية والأربعين من عمره ، مات وهو يجري .
 أحياناً الطبيب المختص باختصاص نادر يتوهم أنه بعيد عن أمراض اختصاصه ، ولحكمة بالغة يصاب المختص بالمرض نفسه ، لأنه أله الجري ، وجعله عاصماً من الموت ، على كلٍ لا أحد يعلم متى سوف يموت ؟ وقد أخفى الله أجل الإنسان ليكون مستعداً في كل لحظة للقاء الله عز وجل ، هذا ينتج عنه أن تكتب وصية الأموال التي باسمك ، والديون التي عليك ، والأمانة المودعة في بيتك ، والأموال التي أودعتها في صندوق وفي حوزتك مفتاحه ، لو أن  الإنسان مات فجأة هذا المال يُظن أنه له ، فأي قضية عالقة مالية ، أمانة ، تسكن بيتاً ليس لك ، سُجل باسمك بيت هروباً من ضريبة معينة ، فأي علاقة مالية ينبغي أن تكون واضحة في الوصية لأن الإنسان لا يدري متى سيموت .
 حدثني أخ أودع عند إنسان مبلغاً من المال ليغير له نوع العملة بعد ساعتين ، في هاتين الساعتين جاءته المنية ، وليس مع أهله إيصال إطلاقاً .
 حدثني أخ أيضاً أنه أُودِع عنده مبلغاً فلكياً لاستثماره ، وليس في حوزة الأهل علم ولا إيصال ، ومات فجأة صاحب المبلغ ، ولولا الذي أودع عنده المال أمين لأكله على ورثته .
 هذا الكلام يعني أن تكون مستعداً للقاء الله دائماً ، مستعداً بتوبة ، مستعداً بطاعة ، مستعداً بأداء عبادة ، مستعداً بتوضيح العلائق المالية التي يمكن أن تكون سبباً إما أن تطعم الناس مالاً حراماً ، أو أن تأكل أنت مالاً حراماً وأنت لا تدري .

 

الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه:

 قال تعالى :

 

﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾

 لكل واحد منا أجل لا يقدم ولا يؤخر ، في بعض برامج الكمبيوتر تعطيه تاريخ الميلاد ، يقول لك : بعد ثوانٍ أنت بلغت من العمر فرضاً ثلاثة وخمسين عاماً وثمانية أشهر وأربعة أيام وخمس ساعات وسبع دقائق وثمان ثواني ، والإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه :

 

دقات قلب المرء قائلة له  إن الحياة دقائق وثوان
* * * *

 لذلك أدق تعريف للإنسان أنه بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
 الإنسان إذا نام قد لا يستيقظ ، أحد علماء دمشق الكبار آوى إلى الفراش ، وقبل أن يؤوي إلى الفراش تسلم رسالة مني ، وبعث إلي بسلام حار ، وأثنى على خطبة العيد ، وفي الصباح قيل لابنه : أيقظ والدك على صلاة الفجر ، فكان ميتاً .
 الإنسان يموت فجأة ، قد ينام ولا يستيقظ ، قد يستيقظ ولا ينام ، قد يذهب ولا يعود ، والإنسان يقرأ كل يوم نعي الآخرين ، هذا عميد أسرتهم ، وهذا الطبيب ، وهذا المهندس ، وهذا العالم ، وهذا الصيدلي ، وهكذا ، وفي أحد الأيام لا بد من أن يقرأ الناس نعينا ، شئنا أم أبينا ، ندخل كل يوم إلى المسجد لنصلي ، وسوف ندخله مرةً ليصلى علينا ، مرةً قرأت كلمة أعجبتني : صلِّ قبل أن يصلى عليك .

 

 

أعلى أنواع الذكاء أن تتكيف مع الموت بالتوبة والاستقامة وإتقان العبادة :

 قال تعالى :

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ ﴾

 هذا الأجل أجل ، فأحد أسباب النجاح في الحياة الدنيا أن تبدأ من النهاية ، ما هي النهاية ؟ الموت هذا أخطر حدث في حياة الإنسان بل إن الله قدمه على الحياة قال تعالى :

 

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾

( سورة الملك )

 دائماً أقول : أدق تعريف جامع مانع للذكاء هو التكيف ، ولأن أخطر حدث سيكون هو الموت ، فأعلى أنواع الذكاء أن تتكيف مع الموت ، تتكيف مع الموت بالتوبة ، والاستقامة ، وإتقان العبادة ، والإنفاق من مالك ، وتربية أولادك ، ورعاية من حولك ، هكذا تستعد للموت ، ودائماً أحب أن أوضح هذا المثل :
 إنسان فقير جداً جاءه عرض مغرٍ جداً ، أنك إن نلت الدكتوراه يمكن أن تكون في أعلى منصب ، وفي أجمل بيت ، وتقترن بأجمل امرأة مثلاً ، ولك بيت في المصيف ، وبيت على البحر ، ومركبة فارهة وما إلى ذلك ـ هذا الذي يحلم به الناس دائماً ـ وذهب إلى بلد غربي ليدرس ، فقير جداً ، اضطر أن يعمل في المطاعم ، اضطر أن يكون حارساً ، يعمل ساعات طويلة في البرد والحر ، وقد يعمل عملاً مهيناً أحياناً ، ويدرس في الليل ، ويذهب إلى الجامعة في النهار ، ويسهر إلى ساعة متأخرة لتحضير ما عليه ، وأمضى سنوات طويلة حتى نال الدكتوراه ، وأخذ الشهادة وصدقها من الخارجية والقنصلية ، وما إلى ذلك ، ثم قطع بطاقة العودة وذهب إلى المطار ، ونودي على الركاب أن يتجهوا إلى الطائرة ، ومعه بطاقة الصعود ، فإذا وضع رجله في درج الطائرة هو بحسب وضعه وطموحاته والوعود التي وعد بها هو الآن أسعد إنسان في الأرض ، لأنه حينما وضع رجله على سلم الطائرة مضت مرحلة الشقاء ، مرحلة التعب ، مرحلة الهم ، مرحلة القلق ، مرحلة الجهد الكبير والدخل القليل ، وجاءت مرحلة الغنى والعز والراحة ، وما إلى ذلك . هذا حال المؤمن حينما يأتي ملك الموت .

 

أجل الإنسان قد يُعلم لكن أجل يوم القيامة لا يعلمه أحد إلا الله:

 الموت عرس المؤمن ، الموت تحفة المؤمن ، وا كربتاه يا أبتِ ، قال : لا كرب على أبيك بعد اليوم ، التعب انتهى ، الجهد انتهى ، التكليف انتهى ، مجاهدة النفس والهوى انتهت ، معاناة الدعوة انتهت ، خصوم الإيمان انتهينا منهم ، أعداء الدين انتهينا منهم ، كل متاعب الدنيا تنتهي ، فلذلك :

 

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)﴾

( سورة يس )

 قال تعالى :

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾

 طبعاً آجال الناس تُعلم بعد تنفيذها ، الإنسان مات إذاً عُلم أجله ، تقول له : كم مضى من عمره ؟ يقول لك : 63 سنة ، فالإنسان حينما يموت يُعلم أجله بالدقائق والساعات .
 شيء آخر ، حينما يأتيه مرض عضال يُتوقع أن يموت بعد حين وقد يقول الأطباء : بقي له أسابيع ، وقد تأتي توقعاتهم صحيحة ، فالأجل أجل الإنسان يُعلم ، لكن الأجل أجل يوم القيامة لا يعلمه أحد إلا الله .

 

﴿ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾

 عنده علمه وحده ، إذاً هناك أجلان ، إذاً هناك يوم مفقود هو الماضي ، ويوم مشهود هو الحاضر ، ويوم مورود هو الموت ، ويوم موعود يوم القيامة ، ويوم ممدود إلى أبد الآبدين ، نحن أمام خمسة أيام ، لكن أخطر هذه الأيام اليوم المشهود ، لأنك في هذا اليوم المشهود يمكن أن تتوب إلى الله ، ويمكن أن تصطلح معه ، أن تنفق من مالك ، ويمكن أن تعمل لآخرتك .

 

إعجاز كتاب الله يشهد أنه كلامه سبحانه :

 قال تعالى :

 

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾

 الامتراء هو الشك ، يعني تجادلون من قبيل الشك ، يقول لك بعضهم : من الذي مات ورجع وأخبرنا بما رأى ؟ إله عظيم خلق السماوات والأرض ، وكل هذا الكون يشهد له بعظمته .

 

﴿ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1)﴾

( سورة الكهف الآية : 1 )

 إعجاز هذا الكتاب يشهد أنه كلام الله ، وقد أخبرك الله عز وجل عن مشاهد يوم القيامة ،

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾

 بل هل يعقل أن تكون الدنيا من دون آخرة ، هل يعقل أن يكون القوي قوياً ، والغني غنياً ، والضعيف ضعيفاً ، والمظلوم مظلوماً ، والمقهور مقهوراً ، والفقير فقيراً ، والمريض مريضاً ، والصحيح صحيحاً ، وتنتهي الدنيا هكذا ؟! بلا حياة أخرى ؟! إذا أردت أن تتجاوز الآخرة يقفز أمامك آلاف الأسئلة ليس لها جواب ، بل إن بعض العلماء الكبار يرى أن الإيمان باليوم الآخر أصله عقلي وتفصيلاته نقلية ، لأن هذه الحياة لا تستقيم في فهمها من دون يوم آخر تسوى فيه الحسابات ، هؤلاء الطغاة في الأرض يقتلون ، ويهدمون البيوت ، ويستبيحون المحرمات ، ويقتلون المرضى والأطفال وكأنهم يقتلون حيوانات وهم مرتاحون ، وتنتهي الحياة هكذا ؟! أناس يموتون من التخمة ، وأناس يموتون من الجوع ، وحقوق الفقراء عند الأغنياء ، وتنتهي الحياة ؟! أناس قاهرون وأناس مقهورون ، أناس ظالمون وأناس مظلومون ، وتنتهي الحياة من دون تسوية حسابات ؟!

 

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

( سورة القيامة )

 وقال :

 

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

( سورة المؤمنون )

إذا آمنا باليوم الآخر الإيمان الذي أراده الله عز وجل لا بدّ من أن تنعكس كل مقاييسنا:

 ما لم نؤمن باليوم الآخر لا نفلح ، إذا آمنا باليوم الآخر الإيمان الذي أراده الله عز وجل لا بد من أن تنعكس كل مقاييسنا ، إذا آمنت باليوم الآخر رأيت الإنفاق هو الذكاء وليس أخذ المال ، رأيت بذل الجهد لخدمة الخلق هو الذكاء وليس أن تستخدم جهود الآخرين ، رأيت أن التواضع هو الذكاء وليس أن تستعلي على عباد الله ، فإذا آمنت باليوم الآخر لا بد من أن تنعكس كل المقاييس التي تقيس بها الأمور :

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾

 هل هناك جامعة في الأرض من دون امتحانات ؟ ما من مؤسسة في الأرض للخريجين فيها ميزات كبيرة من دون امتحانات ، هل سمعت عن طالب يقدم طلباً يقول فيه : أرجو أن أمنح الدكتوراه ؛ من دون دراسة ، من دون تأليف أطروحة ، من دون مناقشة ، من دون جهد كبير ؟ مستحيل .

 

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾

 بما سيكون بعد الموت ، بحساب دقيق .

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الأنعام )

لا يعلم السر إلا الله فهو يعلم ما ظهر وما خفي :

 قال تعالى :

 

﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)﴾

 

( سورة الكهف )

 معنى

﴿ تَمْتَرُونَ ﴾

 إذاً تجادلون شاكين في أحقيتها ، أو بدافع من الشك .

 

﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)﴾

( سورة الأنعام )

 إله في السماء وهو في الأرض إله أيضاً ، أمرنا بيده ،

﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾

 الإنسان يكتم أشياء كثيرة عن من حوله ، فأسراره يعلمها الله ، يعلم ظاهره ويعلم باطنه ، يعلم علانيته ويعلم سره ، يعلم أحوال قلبه وخواطره ، إن تكلم الإنسان فالله سميع ، وإن انطوى على همه أو على نية فالله عليم ، وإن تحرك فالله بصير ، إن تحرك فهو بصير ، وإن قال فهو سميع ، وإن سكت فهو عليم ، ويعلم ما لا تعلمون ، علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، قال تعالى :

 

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)﴾

( سورة طه )

 يعلم الذي تسره ، ويعلم الذي يخفى عنك أنت .

 

الحركة في الحياة هي الكسب:

 قال تعالى :

 

﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)﴾

 الكسب هنا العمل الذي ينتهي بمنفعة ، أو العمل الذي ينتهي بمضرة ، هذا هو كسب الإنسان ، كل إنسان له عمل في الحياة ، بالمعنى المطلق يعني إنسان في حرفته صادق ، ومتقن ، وأمين ، ولا يغش أحداً ، وفي بيته إنسان صالح ، ومعتن ، ورحيم ، وحليم ، فمجموع هذه الشخصية في البيت ، وفي الطريق ، وفي العمل ، وفي الفرح ، وفي الترح ، وفي الحضر والسفر ، وفي كل نشاطات الإنسان هذا إنسان صالح ، وإنسان آخر له موقف مع الناس وله موقف مع ذاته هذا النفاق ، وإنسان سيء مع الجميع هذا الفاجر الذي لا يبالي بسمعته إطلاقاً إذاً :

﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾

 يعني الحركة في الحياة هي الكسب ، هناك حركة خيرة ، وحركة شريرة ، حركة تؤدي إلى منفعة ، وحركة تؤدي إلى مضرة ، حركة تؤدي إلى سعادة ، وحركة تؤدي إلى شقاء ، هذا معنى

﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾

 الكسب هو السعي الذي يسعى فيه الإنسان لمنفعة ، أو يتلافى بها مضرة ، أو ليستحق عليها مضرة .

 

التحليل التوحيدي للأمور يبين أنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة :

 ثم يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)﴾

( سورة الأنعام )

 ما أكثر العبر وما أقل المعتبرين ، العبر تترى ، أحياناً تجد قصصاً صارخة تبين عدل الله ، وتبين رحمته ، وتبين فضله ، وتبين غضبه أحياناً ، تبين بطشه ، تبين إكرامه ، فهناك عبر لا تعد ولا تحصى ، والله عز وجل يسوقها لعباده كي يعرفوا أنه :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ (84)﴾

( سورة الزخرف الآية : 84 )

 أن الأمر كله بيده ، وأن الأمر راجع إليه .

 

﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)﴾

( سورة يس )

 لكن أنت حينما تحلل الأحداث تحليلاً توحيدياً ، وتبين أن الناس حينما تنزل عليهم المصائب يستحقونها أحياناً لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة ، أنت حينما تشرح هذا الشرح هناك أناس يتألمون أشد الألم .

 

﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ (45)﴾

( سورة الزمر الآية : 45 )

التحليل الأرض الشركي مقبول عند أهل الدنيا أما التحليل التوحيدي فغير مقبول:

 إذا حللت الأحداث تحليلاً أرضياً وشركياً ، وزيد وعبيد ، وفلان وعلان ، والقوة الفلانية والقوة الفلانية ، التحليل الأرضي مقبول عند المشركين ، والتحليل الأرضي مقبول عند من يئس من الآخرة ، التحليل الأرض الشركي مقبول عند أهل الدنيا ، أما التحليل التوحيدي فغير مقبول ، قد تجري أحداث طاحنة في بلاد مجاورة ، طبعاً هناك آلاف التحليلات لكن حينما تقرأ قوله تعالى :

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾

( سورة النحل )

 هذا تحليل قرآني لأحداث جسيمة ظهرت ، لذلك المؤمن يرضيه التحليل التوحيدي الإيماني ، بينما الذي لا يؤمن بالآخرة لا يرضيه أبداً التحليل التوحيدي الإيماني بل يبحث عن تحليل شركي أرضي .

 

كل الحقائق التي جاء بها الأنبياء يكشفها الإنسان عند الموت :

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)﴾

 الحقيقة أيها الأخوة أن كل الحقائق التي جاء الأنبياء يكشفها الإنسان عند الموت .

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾

( سورة ق )

 الحقائق التي جاء بها الأنبياء يعرفها أكفر كفار الأرض عند الموت ، الدليل فرعون الذي قال :

 

﴿ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾

( سورة الأنبياء )

 والذي قال :

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38)﴾

( سورة القصص الآية : 38 )

 حينما أدركه الغرق قال :

 

﴿ آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾

( سورة يونس )

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط:

 الشيء المؤلم أيها الأخوة أن خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط ، لا بد من أن تؤمن عند الموت ولكن بعد فوات الأوان .

 

﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)﴾

( سورة الأنعام )

 خيارك مع ملايين الأشياء خيار قبول أو رفض ، إلا مع الإيمان خيار وقت ؛ إما أن تؤمن قبل فوات الأوان ، أو أنه لا بد من أن تؤمن بعد فوات الأوان .

 

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)﴾

﴿ فَسَوْفَ ﴾

 للاستقبال ، لذلك من أدق تعريفات العقل أن العاقل لا يندم لأن الذي سيأتي توقعه ، الذي سيأتي في المستقبل توقعه فتكيف معه فلم يكن مفاجئاً له .
 مثلاً : طالب يعلم علم اليقين أن الأستاذ نزيه جداً ومعطاء في الدرس ، وأن هناك امتحان دقيق ، وتصحيح أدق ، ونجاح بجدارة ، ورسوب بجدارة ، فما درس ، يقول لك : رسب بجدارة ، مثلاً درس ، أمضى كل العام بالدراسة ، فلما جاء الامتحان هو مستعد له ، ليس عنده مفاجأة ، سؤال الامتحان أجاب عنه ، والثاني أجاب عنه ، والمسألة حلها ، والتحليل حلله ، وإكمال الجمل أكملها ، وملأ الفراغات ، وعلاماته تامة ، الطالب الثاني قال له صديقه : الأستاذ من عادته أن يعطي الأسئلة لمن يقدم له هدية قبل الامتحان ، فوجد أنه لا داعي للدراسة ، أمضى العام الدراسي كله في النزهات ، وفي النوادي ، والملاهي ، واللعب ، اعتماداً على وهمه أن الأستاذ سوف يعطي الأسئلة لمن يقدم له هدية ثمينة ، فجاء بالهدية وقدمها إليه فتلقى منه صفعتين وعرف الحقيقة قبل الامتحان بيوم واحد ، هذه القصة كلها ، إنسان علم ما سيكون فتكيف مع ما سيكون ، وإنسان جهل ما سيكون وفوجئ بما سيكون ، فما هو العقل ؟ العقل هو التكيف مع المستقبل ، أو الذكاء هو التكيف .

 

أخطر شيء في حياة الإنسان صحة الرؤيا أو خطأ الرؤيا:

 قال تعالى :

 

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)﴾

 أي عندما يرتكب إنسان جريمة لا يمكن لمجرم أن يرتكب جريمة إلا وهو يتوهم أنه سينجو من العقاب ، كل أحلامه بهذا المال الذي سيسرقه من هذا المقتول ، بعد أيام صار في السجن ، بعد عشرين يوماً على حبل المشنقة ، هذا الواقع ، لذلك أخطر شيء في حياة الإنسان صحة الرؤيا ، وأسوأ شيء في حياة الإنسان خطأ الرؤيا ، فأنت حينما ترى رؤيا صافية وصحيحة تفلح في عملك ، من هنا كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام : " اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتبعاه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، قال تعالى :

﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ (6)﴾

 القرن قالوا : ستون سنة ، سبعون سنة ، ثمانون ، حتى المئة ، مئة عام الناس كلها التقت مع بعضها بعضاً ، نحن في هذه البلدة الطيبة الناس يعرف بعضنا بعضاً ، هذا يموت قبل هذا ، هذا بعد هذا ، لكن في تعارف إما حقيقي باتصال مباشر ، أو فكري وإعلامي ، القرن كما قلت من ستين إلى مئة عام ، يعني الزمن الذي يجمع الناس ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ))

[ متفق عليه عن عمران بن حصين ]

العطاء الدنيوي ليس دليلاً على أن الله راضٍ عن هؤلاءالناس :

 قال عز وجل :

 

﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً ﴾

 أحياناً الإنسان يذهب إلى بلاد الغرب ، يقول لك : جنات ، كلها خضراء ، قد يركب مركبة ساعات طويلة ، كل الجبال خضراء ، كل السهول خضراء ، كل الوديان خضراء ، الأنهار ، البحيرات ، الأطيار ، الأسماك ، بلاد جميلة جداً ، قال :

 

﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ ﴾

 يعني الأمطار من السماء والأنهار والبساتين والجنات :

 

﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ ﴾

 العطاء الدنيوي ليس دليلاً على أن الله راضٍ عن هؤلاء .

 

(( ألا إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يأكُلُ مِنْهَا الْبرّ والْفَاجر ألاَ وإنّ الآخِرَةَ أجلٌ صَادِقٌ يَقْضِي أفواهها مَلِكٌ قَادِرٌ ))

 

[الطبراني عن شداد بن أوس ]

 

 الله عز وجل يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب :


 الدنيا تعطى لمن يحب ، ولمن لا يحب ، أعطاها الله لقارون ، وهو لا يحبه ، قال :

 

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (78)﴾

( سورة القصص الآية : 78 )

 وقال :

 

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ (81)﴾

( سورة القصص الآية : 81 )

 أعطاها لفرعون ، وهو لا يحبه ، لكن الذي يحبهم ماذا أعطاهم ؟ قال :

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

( سورة القصص )

 الذين يحبهم أعطاهم العلم .

 

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

( سورة النساء )

 الذين أحبهم أعطاهم الحكمة ، الذين أحبهم أعطاهم السكينة ، الذين أحبهم أعطاهم الأمن ، هذه ثمار الإيمان اليانعة ، أن ترضى عن الله ، أن تكون آمناً في سربك ، معافى في جسمك ، عندك قوت يومك ، أن تكون حكيماً ، أن تكون راضياً عن الله عز وجل ، أن يكون لك سمعة طيبة .

 

 

قوة الأمم والشعوب ليست دليلاً على أنها قريبة من الله عز وجل :

 إذاً :

 

 

 

﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾

 أي أن قوة الأمم والشعوب ليست دليلاً على أنها قريبة من الله عز وجل على العكس أحياناً .

 

﴿ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً ﴾

 الأمطار الغزيرة بألوف ، يقول لك : 2000 مم ، 1500 ـ 3000 مم في العام ، في بلاد فقيرة 200 ـ 150 ـ 160 .

 

﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ ﴾

 هناك أنهار غزارتها 300 ألف كم مكعب في الثانية بالأمازون ، وهناك بحيرات ، وجبال خضراء ، وثروات ، وبترول ، وفلزات ، والله عز وجل يقول :

 

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)﴾

( سورة طه )

 ما تحت الثرى الثروات .

 

﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾

 هذه الباء باء السبب ، يعني بسبب ذنوبهم أهلكناهم :

 

﴿ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ ﴾

 ففساد الأمم عاقبته واضحة جداً .
 أيها الأخوة ، نتابع هذه الآيات إن شاء الله في درس قادم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018