جامع التقوى - الدرس : 261 - حكم الدعوة إلى الله وأنواعها وقواعدها. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

جامع التقوى - الدرس : 261 - حكم الدعوة إلى الله وأنواعها وقواعدها.


2019-02-01

 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :

 أيها الأخوة الكرام؛ لو سألت مسلماً يصلي: لِمَ تصلي؟ يعجب أشد العجب من هذا السؤال، يقول: لأن الصلاة فرض، الشيء الطبيعي أن نؤدي هذا الفرض.
 هل تصدقون أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، مرة ثانية: فرض عين على كل مسلم، ما الدليل؟ قيل: لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
 إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذي مالوا.
 لذلك فرض عين على كل مسلم، ولكن فرض عين على كل مسلم في حدود ما يعلم ومع من يعرف، مثلاً استمعت إلى درس دين في مسجد، شرحت آية.

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف:108]

 معنى ذلك الذي لا يدعو إلى الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، الدليل من القرآن:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف:108]

 فالذي لا يدعو إلى الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله قولاً واحداً.
 لكن هناك دعوة إلى الله هي فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، فرض الكفاية يحتاج إلى تفرغ، وإلى تعمق، وإلى تبحر، وإلى توسع، وإلى قدرة على أن تجيب عن كل سؤال فيه شبهة، هذه الدعوة كفرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، إذاً هناك دعوتان، دعوة هي فرض عين، ودعوة هي فرض كفاية، فرض عين في حدود ما تعلم، ومع من تعرف فقط، سمعت درساً، حضرت خطبة بمسجد، تأثرت بالخطبة، يوجد بالبيت زوجتك، أولادك، بعد يومين هناك لقاء مع أخوتك، مع أخواتك، بمحلك التجاري، مع شريك، هؤلاء الذين تعرفهم انقل لهم ما سمعت، هذه الدعوة فرض عين تجب على كل مسلم كائناً من كان، ولا عذر لأي مسلم لا يفعلها، فرض عين في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، واضحة، فرض العين على كل مسلم، فرض الكفاية على المتفرغ، والمتعمق، والمتبحر الذي ينقل للناس أصول الدين، وتفاصيل الدين، وعنده إمكان أن يرد على كل شبهة.

الموازنة بين دعوتين لا بين داعيتين :

 الآن لا توازن بين داعيتين، الدعاة إلى الله تماماً كالفواكه، كلهم طعمهم حلو، كل واحد له طعم خاص، هذه الفردية بالإنسان، الإنسان فيه جانب اجتماعي مشترك، وجانب فردي، هذا يستخدم الأمثال، هذا القصص، هذا النصوص، هذا يعطي الجانب اللازم، الثاني الجانب الاختياري، يوجد تنوع، فالله يحب كل عباده، جعل لكل شريحة داعية يقنعهم، ويفهمون عليه، فإذا شخص لم يفهم على أحد الدعاة، الجواب: ليس من شريحته، من شريحة أخرى، من محبة الله لعباده جعل لكل شريحة من شرائح المجتمع داعية يقنعهم، فلذلك هناك قواسم مشتركة، وهناك فروقات بين الدعاة.
 للتقريب: الدعاة جميعاً بلا استثناء في دائرة واحدة، ولكن هناك دعاة تفوقوا في التفسير، نضع هنا مثلثاً، هذا في التفسير، هذا في الحديث، هذا في السيرة، هذا في الفقه، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، هذه نقطة مهمة جداً.
 إذاً الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، في حدود ما يعلم، ومع من يعرف، وفرض كفاية للبعض، هؤلاء البعض يحتاجون إلى تفرغ، وإلى تعمق، وإلى تبحر، وإلى متابعة، وإلى إعطاء الدلائل القطعية، والنصية، والواقعية، والاجتماعية، وما إلى ذلك.
 أنا أسمي هؤلاء الدعاة الصادقين، المؤثرين، الذين لهم بصمات في المجتمع، هؤلاء هم الدعاة الربانيون، هناك عالم شيخه أقرانه، أي أخوانه الذين حوله، أصدقاؤه، جعلوه عالماً، وهناك عالم شيخه الأقران، وهناك عالم شيخه السلطان، وهناك عالم شيخه الزمان، مع التقدم بالسن، وهناك عالم شيخه الرحمن، فكن عالماً ممن شيخه الرحمن.

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الإنسان:9]

 أقوى دليل:

﴿ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان:9]

 العلامة الصادقة لا يريد منك شيئاً مادياً، ولا معنوياً، ولا تكريماً، علاقتك مع الله أيها الداعية، أنت تقدم هذه الدعوة لوجه الله، ما دامت لوجه الله لا تبتغي منها ثواباً ولا شكوراً.
 لكن الدعاة الربانيون طعمهم حلو، مؤثرون، لهم بصمات في المجتمع، هناك من يستمع لهم، لأنهم تجردوا عن حظوظهم الدنيوية.
 إذاً عالم شيخه السلطان، وعالم شيخه الأقران، وعالم شيخه الزمان، متقدم بالسن، وعالم شيخه الرحمن.
 الآن لا توازن بين داعيتين، كل واحد له طعم، لكن وازن بين دعوتين، الدعوة هذه لا تستند إلى نصوص صحيحة بل إلى نصوص موضوعة، هذه الدعوة لا تستند إلى إخلاص بل إلى مصلحة، يوجد مصالح.

العصور متنوعة منها عصر المبادئ :

 بالمناسبة أخواننا الكرام؛ العصور متنوعة، أذكر مرة أن سيدنا عمر جاءه ملك الغساسنة مسلماً، اسمه جبلة بن الأيهم، هذا الملك أثناء طوافه حول الكعبة أعرابي داس طرف ردائه دون قصده، فانخلع رداؤه عن كتفه، هذا الملك ضرب هذا الأعرابي ضربة هشمت أنفه، ملك أثناء الطواف، رجل من دهماء الناس، من سوقتهم، من عامتهم، يدوس طرف ردائه، ضربه ضربة هشمت أنفه، وكان الوضع في الحج، سيدنا عمر موجود بالحج، شكاه إلى عمر، شاعر معاصر توفي قبل سنوات صاغ هذا الحوار شعراً، قال سيدنا عمر لجبلة: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ فقال: لست ممن ينكر شيئاً، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي، فقال له سيدنا عمر: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذاك يا أمير؟! أي معقول! هو سوقة، أي من عامة الناس، من دهماء الناس، من الطبقة الدنيا، وأنا عرش وتاج كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ فقال له سيدنا عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، قال له: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، قال له: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى، هذا عصر مبادئ.
 أخواننا الكرام، إذاً لا توازن بين داعيتين، بل وازن بين دعوتين، هناك دعوة مؤصلة بالكتاب والسنة، وبالسيرة الصحيحة، وبالأحاديث الغير موضوعة، بالأحاديث الصحيحة، أنت وازن بين دعوتين، لا بين داعيتين، دعك من الأسماء، ابقَ بالمضامين لا العناوين، وهناك المبادئ لا الأشخاص، أية دعوة تخاطب العقل بالعلم، والقلب بالحب، والجسم بالطعام والشراب والحاجات الأساسية، هذه دعوة صحيحة، على منهج النبي الكريم.

استخدم ضمير الغائب والجمع بالإفراد وعدم التعميم في الدعوة إلى الله :

 الشيء الدقيق: لا تستخدم ضمير المفرد، لا تقل: أنا، قل: نحن، أي غير محمود أن تقول: أنا، أنا فعلت كذا، أنا عملت، ابتعد عن أنا، ونحن، ولي، وعندي، ابتعد عن أنا، ونحن:

﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

[ سورة النمل:33]

 ولي:

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

[ سورة الزخرف:51]

 وعندي:

﴿ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ﴾

[ سورة يوسف:55]

 ابتعد عن أنا، ونحن، ولي، وعندي، إذاً لا تستخدم ضمير المخاطب، بل استخدم ضمير الغائب، النبي ماذا قال؟

(( ما بَالُ أقوامٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك]

 قد يكونوا أمامه جالسين.

(( ما بَالُ أقوامٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك]

 ضمير الغائب، ما قال: ما بال فلان، فضحه، لا.

(( ما بَالُ أقوامٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك]

 استخدم ضمير الغائب، واستخدم أسلوب الجمع بالإفراد، ولا تعمم.
 الإله العظيم خالق الأكوان، ماذا قال عن أهل الكتاب؟ ما قال: إن أهل الكتاب، قال:

﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

[ سورة آل عمران:69]

 أنا حصّلت ماجستير في جامعة قوية جداً، وأنا جالس أستمع إلى رسالة دكتوراه لطالب، أثناء شرح ملخص الموضوع، قال له الدكتور وقد كان فرنسياً: قف هذا تعميم، والتعميم من العمى، لا تقل: أهل البلدة منحرفون، كلهم منحرفون؟ الله لم يعمم، قال:

﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

[ سورة آل عمران:69]

 إن من، قل بعض الناس، بعض من رأيت، بعض من سمعت، لا تعمم، التعميم من العمى.

(( ما بَالُ أقوامٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك]

الإحسان إلى الآخرين شرط من شروط نجاح الدعوة إلى الله :

 الآن:

(( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها))

[ ورد في الأثر]

 البند الثاني في هذا اللقاء الطيب: املأ قلب من تدعوه بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك، أنت عندما تُحسن تُحب، والدعوة تحتاج إلى حُب.
 سقراط، فيلسوف كبير، إغريقي، قال له معلم ابنه: خذ ابنك عني إنه لا يحبني، فالحب أصل مع أن الله حلقنا، حياتنا بيده، موتنا بيده، رزقنا بيده، السعادة بيده، الغنى بيده، الفقر بيده، ومع كل ذلك ما قبل أن نعبده إكراهاً، ماذا قال؟

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة: 256]

 بل أراد أن تكون علاقتنا به علاقة حب، قال:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

 إذاً الإله العظيم ما أمرنا أن نعبده إكراهاً بل تمنى علينا أن نعبده حباً، فأنت املأ قلب من تدعوه بإحسانك، ليفتح لك عقله لبيانك.

الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم :

 الشيء الثالث الدقيق بالدعوة إلى الله: الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم.
 أذكر مرة بدرس من دروسي بالشام طبعاً يوجد قسم للنساء بالطابق الأرضي، وابنتي صغيرة جالسة معهم، عمرها ثماني سنوات، هناك امرأة عرفت أنها ابنتي، أنا كنت أتكلم عن العلاقات الزوجية، قالت لها: والدك بالبيت مثلما يتكلم؟
 أنت تنتفع من طبيب لكن من علمه، تريد أن يكون معه بورد بالهضمية، لا يهمك سلوكه، تنتفع من محام، لكن من علمه، معه خبرة بالقوانين عميقة جداً، تنتفع من مهندس، من علمه فقط، إلا رجل الدين لا تنتفع منه إلا إذا كان هناك مصداقية.
 التقيت مع الإمام الشعراوي ثلاث مرات بمصر، سألته سؤالاً باللقاء الثالث: هل من نصيحة للدعاة إلى الله؟ أنا توقعت أن يتكلم نصف ساعة، لأن السؤال كبير جداً، أو ربع ساعة، أو عشر دقائق، أو دقيقة، قال جملة واحدة، قال لي: ليحذر الداعية أن يراه المدعو على خلاف ما يدعوه.
 إذاً الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم.

استخدام أسلوب القصة لتأثيره في الآخرين :

 الإله العظيم أنزل هذا القرآن، والنبي الكريم شرح هذا القرآن، الله قال:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

[ سورة التوبة : 103 ]

 أمر.

﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة : 103 ]

 الإله حياتنا بيده، موتنا بيده، كن فيكون، زل فيزول، قال لك:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 فأنت داعية بيّن السبب، بيّن التعليل، اذكر الحكمة، أقنع ولا تقمع، كفرت؟ لا لم يكفر، هو يسألك، أقنع ولا تقمع، أحياناً الفكرة قد تكون قاسية، مثلاً؛ يا بني لا تسرع، توجيه: إياك أن تسرع، قُد هذه المركبة ببطء، مئة محاضرة ليسوا بقدر حادث مروع رآه الشاب بعينه، هذا الحادث أبلغ من مئة محاضرة، فلذلك استخدم أسلوب القصة، القصة حقيقة مع البرهان عليها.
 أذكر مرة ذكرت بدروسي قبل عشر سنوات قصة أن شخصاً جمع كل محصول الزيتون، وعصره، وكان مجموع العصير ثلاثاً وثلاثين صفيحة، هذه الصفائح ثمن حاجاته، وطعامه، وشرابه، وكسوة أولاده، وأقساط المدارس، مصروف سنته حوالي ثلاث وثلاثين صفيحة زيت، على الحدود قال له الجندي الإسرائيلي: لن تعبر إلا بثمن، قال له: ما الثمن؟ قال له: أن تسب محمداً، قال له: لا أسبه، فأطلق على كل صفيحة رصاصة بأسفلها، حتى سال الزيت كله على الأرض، يقول صاحب الزيت: كأن دمي سال على الأرض، مصروف سنة، أقساط أولاده، طعامه، شرابه، أجور سكنه، وصل للقرية فوجئ ببيته بثلاث وثلاثين صفيحة زيت، علم أهل القرية فقدم كل واحد صفيحة، أنا دمعت عيني قلت: هذه أمة لا تموت، إذا بالأمة كان فيها تعاون، وتكاتف.
 والله بعام 2006 دخل لبلادنا عدد كبير من اللاجئين - والله لا أقولها افتحاراً- لم ينم شخص بخيمة إلا ببيوتنا، الذي صار الآن بالعكس، يسلمون، فرق كبير، أقول لك كلمة دقيقة: المؤمن شيء كبير جداً، عندنا ذهب عياره أربعة وعشرون، وذهب واحد وعشرون، وذهب ثمانية عشر، وذهب ستة عشر، وذهب أحد عشر، لكن كلهم ذهب، و هناك ذهب وتنك، التنك أخف معدن، المؤمن ذهب على تفاوت، أما غير المؤمن فليس ذهباً أبداً، إنه تنك، الفرق ليس بالدرجة بل بالطبيعة.
 لذلك بالدعوة استخدم أسلوب القصة لأنه مؤثر جداً، أحد علماء عمان الأكارم مرة زرته قدم لي كتاباً فيها ثلاثمئة قصة أنا رويتها بدروسي، جمعهم كلهم، ثلاثمئة قصة، القصة لها تأثير كبير، استخدم مع الأولا القصة، التوجيه المباشر مرفوض، اعمل، لا، قل له: يا عم هناك شاب قصر بدراسته، لا عنده بيت، ولا زوجة، ولا أولاد، ولا سيارة، الثاني درس وتعب، أره المآلات، عندنا شيء اسمه: فقه المآل، شخص أكبر منافق بالمدينة، النبي لم يرضَ أن يقتله، قال: لئلا يقال: محمد يقتل أصحابه، هذا اسمه: فقه المآل، فكر إن فعلت هذا ولو كنت على حق لكن له آثار سلبية لئلا يقال: محمد يقتل أصحابه.

مخاطبة عقل المستمع بالعلم و قلبه بالحب و جسمه بالحاجات الأساسية :

 لذلك قالوا: خاطب عقل هذا المستمع بالعلم، وخاطب قلبه بالحب، وخاطب جسمه بالطعام والشراب، وحاجاته الأساسية، أنت كشيخ اسأل هذا الشاب: لك عمل يا بني؟ ألا تدرس؟ ادرس، إن لم تدرس لن يصبح لك قيمة، ادفعه ليدرس، يأخذ لسانس، يتعين، يستأجر بيتاً، يتزوج، يهمه أن تحضر عنده فقط، لا، يجب أن يكون همك أنه هل يدرس ويبني مستقبله؟ لذلك الداعية مربّ، ليس متكلماً فقط، هذه الدعوة اللفظية لا تعلقوا عليها أهمية كبيرة، هذا تلميذ عندك، اسأله عن عمله: درست أم لم تدرس؟ كيف تخطط لحياتك؟ خاطب قلبه بالحب، وخاطب جسمه بحاجاته الأساسية من طعام، وشراب، ومسكن، ومأوى، وزوجة، وولد، وحرفة، وعمل.
 الآن تقدم المبادئ على الأشخاص، والمضامين على العناوين، والكليات على الجزئيات، والحاجات، الحاجات الأكثرية على طموحات الأقلية، هذه كلها من مبادئ الدعوة، نعيدها مرة ثانية: تقدم المبادئ على الأشخاص، والمضامين على العناوين، والكليات على الجزئيات، والحاجات الأكثرية على الطموحات الأقلية.
 مرة كنت بجلسة، كأني توقعت أن فيها تقريباً اثني عشر موظفاً، وثمانية من كبار الأغنياء، قال أحد الأغنياء: أنا ذهبت لأوروبا، كلفتني الرحلة ثمانمئة ألف، هؤلاء الموظفون الذين يجلسون معنا معاش الواحد منهم لا يساوي يوماً من رحلتك، لا تتكلم بهذه القصة، يقول لك:

﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾

[ سورة الشرح: 11 ]

 أي نعمة هذه؟ النعمة العامة، نعمة الهواء، نعمة الماء، نعمة الشمس.
 ذهبت مرة للسويد شعرت بكآبة فظيعة، لا يوجد شمس أبداً، غيوم غيوم، بعد أسبوعين صدقاً ضاق قلبي، لم أعرف قيمة الشمس الساطعة ببلادنا، الشمس الساطعة نعمة كبيرة.
 تحدث عن هذه النعمة، نحن عندنا بحياتنا بديهيات، مرة كنت بأستراليا، ودعني رئيس الجالية وقال لي: بلغ أخواننا بالشام- الأردن شام أيضاً- أن مزابل الشام خير من جنات أستراليا، من فمه، مثقف ثقافة عالية جداً، يحمل دكتوراه، قال لي: بلغ أخواننا بالشام أن مزابل الشام خير من جنات أستراليا، أنا تصنعت أني ما فهمت عليه، قلت: والله ما فهمت عليك، أستراليا قارة، فيها ثمانية عشر مليوناً، فيها فواكه ما سمعت بها بحياتي، ولا رأيت مثلها، تربتنا هنا ببلادنا عمرها حوالي ألفي سنة، التربة هناك عمرها حوالي مئتي سنة فقط، خيارات، قلت: والله ما فهمت عليك، قال لي: ابنك بأستراليا يكون خمسين بالمئة ملحداً، والخمسين الثانية – ليته قال منحرف أخلاقياً- شاذ، وإن لم تصدقني اسأل، نحن أين؟ من ذلك الوقت صار عندي رغبة لأعرف إيجابيات بلادنا، نحن عندنا الأسرة أسرة، الأب أب، والأم أم، عندنا تماسك أسري، تعاطف أسري، يوجد بقية مبادئ وقيم، وهناك شيء اسمه حرام، لا يجوز، واسمه استح يا أخي من ربك، عندنا قيم، نحن نعيش بقيم.
 أخواننا الكرام؛ نحن بحاجة ماسة إلى أن نعود إلى هذا الدين العظيم، وهذا الشرع الحكيم.

حسن الظن بالله ثمن الجنة :

 شيء آخر: النبي الكريم يمشي مع زوجته بالليل، مرّ صحابيان، قال: على رسليكما هذه زوجتي، قالوا: أفيك نشك؟ قال: لئلا يدخل الشيطان بينكم.
 بيّن، وضح، أنا هكذا فعلت، هناك شخص واثق من نفسه، لا يوضح، وضع شكاً حوله.
 شيء آخر: أذكر مرة النبي الكريم قال قبل معركة بدر: لا تقتلوا عمي العباس، ما أضاف ولا كلمة، قال أحدهم بصراحة: أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه؟ هذا نبي مرسل، عمه العباس أسلم وهو في مكة، ولم يعلن إسلامه، وكان عينه في مكة، أي قيادة ذكية جداً، عندها عندها جهاز مخابرات، إن قال لهم: عمي أسلم، أنهى دوره، وانتهت مهمته، وإن سكت قد يقتل، وهو يريد أن يحارب معهم، قال: لا تقتلوا عمي العباس، فهذا الصحابي قال: أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه؟ لم يتحمل، عندما كشف الحقيقة قال: ظللت أستغفر الله عشر سنوات رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله، هذا نبي يوحى إليه، مشرع يغلط؟
 أول شيء تحتاج إلى حسن الظن، هذا قضى عمره كله بالعمل الصالح، ومعرفة الله عز وجل، لن يغلط، إذا بدا لك أنه غلط، يركب سيارة و تجلس امرأة إلى جانبه، تقول: لمَ لم تركب في الخلف؟ هو سائق تكسي، فإذا هي زوجته، قل: لعل هذه زوجته، تحل المشكلة، شخص رأيت لحيته فيها رائحة خمر، قد يكون أحدهم رمى عليه إناء من الخمر، ممكن، دائماً غلب جانب حسن الظن، وحسن الظن بالله ثمن الجنة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018