الدرس : 01 - سورة الأنعام - تفسير الآية 1 ، الحمد والنِّعَم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 01 - سورة الأنعام - تفسير الآية 1 ، الحمد والنِّعَم


2004-12-10

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الأول من دروس سورة الأنعام .

ارتباط الحمد بالنعم:

 مع الآية الأولى وهي قوله تعالى :

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾

 أيها الأخوة ، في قوله تعالى :

﴿ اَلْحَمْدُ للهِ ﴾

 الحمد دائماً مرتبط بالنعم ، فالنعم يحمد عليها ، لكن القضية أنه لا خلاف في النعم ، ولكن لمن يكون الحمد على هذه النعم ؟
 الإنسان موجود ، نعمة الإيجاد ، من أوجده ؟ الإنسان يرى ، نعمة العينين ، نعمة الأذنين ، نعمة التفكير ، نعمة الأجهزة ، نعمة الهواء ، نعمة الماء ، نعمة الزوجة ، نعمة الأولاد، هذا الجمال في الأرض ، ألوان الطعام والشراب كلها نعم ، لا يشك لثانية واحدة أنها نِعم ، بل إن العالم الغربي هو العالم الأول الذي استمتع بهذه النعم إلى درجات قصوى ، بينما في هذه الآية يشار إلى المنعم ، هذه النعم لمن تعزى ؟ من أوجدك ؟!

 

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾

( سورة الإنسان )

 من منحك نعمة الوجود ؟ أنت الآن موجود ، لماذا أوجدك ؟

 

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119)﴾

( سورة هود الآية : 119 )

 خلقهم ليرحمهم ، فأنت موجود برحمة الله ، وقد خُلقت ليرحمك الله .

 

إعجاز الله في خلقه :

 لو نظرت حولك لوجدت نعم لا تعد ولا تحصى ، بل إن الله سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ (34)﴾

( سورة إبراهيم الآية : 34 )

 نعمة واحدة ، هذا الشيء المفرد يُعد ؟ كأن الله أراد من خلاله قوله تعالى :

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ ﴾

 أن يشير إلى أن النعمة الواحدة لو أمضيتم كل أوقاتكم في تعداد بركاتها وفضائلها لا تستطيعون ، فإذا كنتم عاجزين عن تعداد بركات نعمة واحدة فأنتم عن شكرها أعجز ،

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

 وفرق كبيرٌ كبير بين أن تعد فضائل نعمة واحدة وبين أن تشكر عليها ، كما أنه فرق كبير بين أن تحصي عدد الهدايا التي تلقيتها في مناسبة سارة وبين أن ترد على هذه الهدايا ، فرق كبير جداً ، الإحصاء سهل ، نحن عاجزون عن إحصائها ، فلأن نكون عاجزين عن شكرها من باب أولى .
 أيها الأخوة الكرام ، في خلق الإنسان أي خلل يجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، فمثلاً : هذه العين ، يوجد في الشبكية في الميليمتر المربع مئة مليون مستقبل ضوئي ، بينما في أرقى آلة تصوير رقمية احترافية في عشرة آلاف ، ما معنى وجود مئة مليون مستقبل ضوئي في الميليمتر المربع من الشبكية ؟ من أجل أن تميز بين ثلاثة ملايين لون ، لو أن اللون دُرج إلى ثمانمئة ألف درجة من أجل أن تميز بين درجتين ، ولماذا كانت القرنية شفافة شفافية تامة ؟  لأنها تتغذى عن طريق الحلول ، لا عن طريق الأوعية الشعرية ، ولو غُذيت عن طريق الأوعية الشعرية لرأيت من خلال شبكة الأوعية .

 

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

( سورة التين )

بعض من نِعم الله سبحانه وتعالى :

 لو أمضيت سنوات وسنوات تتحدث عن نعمة العينين ، قال تعالى :

 

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)﴾

( سورة البلد )

 لو أمضيت سنوات وسنوات تبحث في نعمة السمع ، تستمع إلى أدق الأصوات ، وكأنك بخلق بديع ، لا تستمع إلا إلى الذي تهتم له ، فلو جلست مع صديق حميم ودار بينكما حوار طيب ، ووضعت مسجلة على النافذة كل الأصوات التي سجلتها المسجلة لا تسمعها أنت أبداً، لأنك منشغل بموضوع آخر ، فما كل صوت يصل إلى أذنك ، وكأن هناك تصفية خاصة .
 نعمة العينين ، ونعمة الأذنين ، ونعمة الدماغ ، الإنسان تقريباً يتذكر سبعين مليار ذكرى ، إنسان عاش عمراً متوسطاً في ذاكرته سبعون مليار صورة ، وكل إنسان له نبرة صوت خاصة ، وكل إنسان له رائحة جلد خاصة ، وله قزحية عين خاصة ، وله بصمة إبهام خاصة ، وله خصائص كثيرة جداً جعلت هذا الإنسان فرداً ، وقد ورد في بعض الأحاديث أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته :

(( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ))

[متفق عليه عن أبِي هُرَيْرَةَ]

 أعطاه الفردية وهي من أسماء الله . هو فرد واحد أحد فرد صمد .
 هذه نعمة الحواس الخمس نعمة اللمس ، نعمة السمع ، نعمة البصر ، نعمة الإدراك ، هناك آلية معقدة جداً في جسمك تعمل دون أن تشعر ، من يأمر القلب أن ينبض ؟ لو كُلفت أنت أن تأمر القلب بالنبض لما استطعت أن تنام إطلاقاً ، والرئتان تتحركان بعمل نوبي آلي ، والهضم يتم بأعقد أسلوب وأنت مرتاح ، آلية معقدة جداً ، من نبض قلب ، إلى وجيب رئتين ، إلى عمل جهاز الهضم ، ولو تتبعت الأجهزة في الجسم والأعصاب والدماغ والقلب والرئتين لوجدت خلقاً كاملاً ، وكل هذا كان من قطرة ماء ، شيء لا يُرى إلا بالمجهر ، والبويضة كحبة الملح ، البويضة كحبة الملح مع حوين لا يُرى إلا بالمجهر ، تم خلق الإنسان في تسعة أشهر ، لذلك هذه النعم ؛ نعم خلق الإنسان ، نعم الفواكه التي حوله ، نعمة كأس الحليب ؛ هذه البقرة معمل صامت يحول هذا الكلأ إلى شراب سائل للإنسان ، من صمم تركيب الحليب وفق حاجة الإنسان ، هو الغذاء الكامل ، الغدة الثديية في البقرة على شكل قبة يجري في سطحها الأعلى الدم بشبكة عروق دقيقة جداً ، وهذه الغدة تأخذ من الدم الذي يجري فوقها حاجتها من مكونات الحليب ، وترشح قطرة حليب في سطحها الداخلي وكل أربعمئة حجم دم تساوي حجم حليب واحد ، فالحليب الذي نشربه ، ومشتقات الحليب التي نأكلها من أبرز نعم الله عز وجل .

 

الفرق بين المؤمن وغير المؤمن :

 الإنسان أيها الأخوة يمكن أن يأكل كما تأكل الأنعام ، أما أن يفكر في طعامه ، وفي شرابه ، وفي كأس الماء الصافي العذب الزلال ، وفي ابنه الذي أمامه ، وفي كل حاجاته التي وفرها الله له في الأرض ، هذه النعم ، والفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يخترق النعم إلى المنعم ، بينما غير المؤمن يبقى في النعمة ، يعبدها من دون الله ، بينما المؤمن يعبد المنعم .
 لذلك لا يشك اثنان على سطح الأرض أن الإنسان يتمتع بنعم لا تعد ولا تحصى ، أي شيء يتعطل في أجهزة الجسم أو في الأنسجة يجعل حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق ، لذلك حينما تستيقظ في الصباح معافًى في جسمك ، قوياً في بدنك ، متوازياً في حركتك ، هذه نعمة كبرى .

 

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (7)﴾

( سورة إبراهيم الآية : 7 )

 كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من منامه قال :

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي ، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 قضية الحمد يجب أن تعزى إلى مستحق الحمد .

(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري ))

[ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]

 فقضية الحمد هنا يجب أن تعزى إلى مستحق الحمد ، ولا يستحق الحمد إلا الخالق ، لا يستحق الحمد إلا الذي وهب النعم ، وهب الوجود ، وهب الإمداد ، وهب الهدى والرشاد ،

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

  وهذه في الفاتحة :

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)﴾

( سورة الفاتحة)

الحمد مستويات ثلاثة :

 الحمد أيها الأخوة مستويات ثلاثة ، لمجرد أن تعلم أن هذه نعمة من الله فهذا أحد مستويات الحمد ، ولمجرد أن يمتلئ القلب محبة لله هذا المستوى الأعلى ، ولمجرد أن تتحرك كي تشكر المنعم لعمل صالح ، لقوله تعالى :

 

﴿ اعْمَلُوا آَلَ داود شُكْراً (13)﴾

( سورة سبأ الآية : 13 )

 هذا المستوى الأرقى ، أرقى مستوى للحمد أن تتحرك لخدمة الخلق ، بعضهم يقول : يا رب لا يحلو الليل إلا بمناجاتك ، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادك ، ومن أراد التقرب إلى الله عز وجل فسبيله خدمة عباد الله ، لأن :

((الخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ أخرجه أبو يعلى في مسنده والبزار عن أنس والطبراني وابن مسعود ]

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

 مصطلح قرآني يعني الأرض والكون ، الكون في بعض التقديرات فيه مليون ملْيون مجرة ، في كل مجرة ـ في بعض التقديرات ـ مليون ملْيون كوكب ونجم ، ومجرتنا درب التبانة مجرة متواضعة جداً ، متوسطة على شكل مغزل ، فيها نقطة هذه النقطة هي المجموعة الشمسية كلها ، والأرض ذرة في هذه النقطة ، أي بين أرضنا وبين أقرب نجم ملتهب إلينا أربع سنوات ضوئية إن أردت أن تصل إلى هذا النجم بمركبة أرضية تحتاج إلى خمسين مليون عام ، مع أن الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلومتر في الثانية

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

 مستحق الحمد وحده هو الله ، لأنه خلق السماوات والأرض .

 

الظلمات جاءت جمعاً بينما النور جاء مفرداً ذلك لأن الحق واحد لا يتعدد:

 شيء آخر ، أنه :

 

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ ﴾

 الشمس ضياء فإذا غابت عمّ الظلام ، فنعمة الضياء نعمة كبيرة ، فهذه العين أيها الأخوة لا قيمة لها إطلاقاً من دون ضياء يتوسط بينها وبين الأشياء ، كذلك العقل لا قيمة له إطلاقاً من دون وحي ينير له السبيل ، فكما أن العين بحاجة إلى ضياء ترى به الأشياء كذلك العقل بحاجة إلى وحي السماء كي ترى بالوحي الحقائق ، لذلك الإنسان اليوم اعتمد على عقله فقط فلما اعتمد على عقله فقط حلت المصائب في الأرض ، ماذا يجري في الأرض ؟ الأرض الآن امتلأت ظلماً وجوراً ، عشرة بالمئة من سكان الأرض يملكون تسعين بالمئة من ثرواتها ، وهم يعيشون حياة تفوق حد الخيال ، بينما المحرومون يعيشون حالة من الفقر والبؤس تفوق حد الخيال، الصراعات في الأرض والحروب وكل ما يجري وما ترونه وما تسمعونه إنما هو بهذا التفاوت الحاد الذي هو من صنع العقل وحده ، لو أن هناك وحي أو تطبيق لمنهج الله عز وجل لما كانت البشرية بهذا الشقاء ، إذاً الله عز وجل فضلاً عن أنه

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ ﴾

 الظلمات جاءت جمعاً ، بينما النور جاء مفرداً ، ذلك لأن الحق واحد لا يتعدد ، بينما الباطل ألوان وأنواع لا تعد ولا تحصى .

 

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (153)﴾

( سورة الأنعام )

 بين نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد ، ولو رسمت ألف مستقيم بين هاتين النقطتين تأتي كل المستقيمات على بعضها بعضاً ، الحق لا يتعدد ، لذلك قالوا : الحرب بين حقين لا تكون لأن الحق لا يتعدد ، بينما الحرب بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق ، أما بين باطلين فلا تنتهي ، حرب لا تكون ، وحرب لا تطول ، وحرب لا تنتهي ، دائماً الحق واحد .

 

الشمس من آيات الله الدالة على عظمته :

 الآن المؤمن إما أن يستوعب الحق ، وإما يتجه ليستوعب الباطل ، لو يعيش الإنسان مليار سنة لا يستطيع أن يستوعب الباطل لكثرته ، الآن أي فرقة ضالة لو درست تاريخها لوجدت نفسك أمام مجلدات ، استيعاب أي باطل يحتاج إلى سنوات وسنوات ، بينما لو استوعبت الحق وحده لكان الحق ميزاناً لك ، فما سواه فهو باطل ، لذلك البطولة أن تمضي وقتك الثمين المحدود في استيعاب الحق لا في استيعاب الباطل ، الحق يمكن أن تستوعبه في عمر معتدل ، بينما الباطل لا يمكن ، الباطل متعدد بينما الحق واحد ، لذلك لا يكفي أن يخلق الله السماوات والأرض لا بد من أن ينورهما بالنجوم والشموس ، فالشمس التي نتعامل معها من آيات الله الدالة على عظمته ، شمسنا تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، وبين الأرض والشمس 156 مليون كيلومتر ، وأن ألسنة اللهب التي تنبعث من الشمس يزيد طولها على مليون كيلومتر ، وأن الأرض إذا ألقيت في جوف الشمس تبخرت في ثانية واحدة ، فإذا كانت الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، وإذا كان بين الشمس والأرض 156 مليون كيلومتر ، فما قولك أن في برج العقرب وهو نجم صغير أحمر اللون متألق ما يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ؟! من هو مستحق الحمد وحده ؟ خالق السماوات والأرض ، فضلاً عن أنه خلق السماوات والأرض نورهما بالشموس ، وفضلاً عن أنه نور السماوات والأرض بالشموس نور العقول بالوحي ، بوحي السماء ، فهناك كون ، وهناك شموس تعطيه الضوء المادي ، وهناك وحي يعطي العقول النور العلمي .

 

الطرف الآخر هم الذين رفضوا الحق ولم يؤمنوا بالآخرة:

 قال تعالى :

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

 هؤلاء الطرف الآخر ، الإنسان يؤمن أو يكفر ، يستقيم أو ينحرف ، يصدق أو يكذب، يخلص أو يخون ، يرحم أو يقسو ، يعدل أو يظلم ، الطرف الآخر هم الذين رفضوا الحق ولم يؤمنوا بالآخرة ، آمنوا بالدنيا ، لم يؤمنوا بالله ، آمنوا بالطاغوت ، هؤلاء الذين كفروا مع كل هذه الآيات الدالة على عظمته ، مع كل هذه الشواهد التي تشهد لله وحدانيته وكماله :

 

﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾

 أما كلمة

﴿ ثُمَّ ﴾

 يعني بعد كل هذه الآية ، بعد كل هذه الأدلة ، بعد كل هذه النعم والنعم التي حولنا نراها رأي العين ، أغمض عينيك ، ما قيمة الألوان ؟ ما قيمة الأشجار ؟ ما قيمة الزهور ؟ كل شيء جميل تراه في عينيك .

 

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)﴾

( سورة البلد )

 ما قيمة هذه الأطعمة لولا حاسة الذوق ؟ ما قيمة هذه الروائح لولا حاسة الشم ؟ ما قيمة هذه الأصوات الندية لولا حاسة السمع ؟ مع كل هذه النعم ، ومع كل هذه الآيات الباهرات تتجه لمخلوق تعبده من دون الله ؟!!

(( أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي أهل شكري ، أهل زيادتي أهل معصيتي ، لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، فإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

المشيمة التي ترافق الجنين فيها آيات لا تصدق:

 قال تعالى :

 

﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾

 لم يقل الله عز وجل : ثم الذين كفروا بالله ،

﴿ بِرَبِّهِم ﴾

 الذي رباهم ، من الذي ربى الجنين في بطن أمه ؟ من شق له سمعه وبصره ؟ من أمده بالحياة ؟ المشيمة التي ترافق الجنين فيها آيات لا تصدق ، المشيمة هي قرص من اللحم ، تجتمع فيه دورتا الأم والجنين ، ولكل دم زمرة ، لو أن دم الأم ودم الجنين اختلاطا لماتت الأم والجنين معاً بحالة اسمها انحلال الدم ، ففي المشيمة يجتمع دم الأم ودم الجنين ولا يختلطان لأن بينهما غشاء سماه الأطباء غشاء عاقلاً ، لأن هذا الغشاء العاقل يقوم بمهمات يعجز عن القيام بها أطباء الأرض مجتمعين ، ماذا يفعل هذا الغشاء ؟ يأخذ الأوكسجين من دم الأم ، ويطرحه في دم الجنين ، كي يحرق السكر في الجنين ، كي ينشأ من هذا الحرق طاقة ، فهو جهاز تنفس ، ويأخذ من دم الأم الأنسولين ويطرح في دم الجنين ليحرق السكر في درجة 37 فهو بنكرياس ، ثم يأخذ مناعة الأم التي حصلتها في عمرها ، ويطرح هذه المناعة في دم الجنين كي لا يمرض ، فهو جهاز مناعة مكتسب ، ثم هم يمنع وصول المواد السامة إلى دم الجنين فهو حصن حصين لحياة الجنين ، ثم إنه يأخذ من دم الأم الحاجة الساعية ، لا أقول : اليومية ، من المواد الغذائية ، كيف يقدر هذا الغشاء ما يحتاجه هذا الجنين من المواد الغذائية من سكر ، ودسم ، وشحوم ، وبروتينات ، وفيتامينات ، ومعادن ؟ وكيف ينفذ هذه المهمة ؟ كيف يعرفها أولاً ، كيف يقدر حاجة الجنين من هذه المواد الغذائية ؟ ثم كيف ينفذ هذا فيأخذ من دم الأم هذه المواد الغذائية ليطرحها في دم الجنين ؟ إذاً هو جهاز هضم ، ثم كيف يعيد من دم الجنين إلى دم الأم ثاني أكسيد الكربون الذي هو محصلة احتراق السكر ، ويعيده إلى دم الأم كي تطرحه عبر جهازها التنفسي زفيراً ؟ زفير الأم جزء منه من الجنين ، وكيف يعيد حمض البول من دم الجنين إلى دم الأم ؟ فهو بمثابة كليتين كي تطرحه الأم عن طريق جهازها البولي ، ما هذا الغشاء العاقل ؟

 

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (88)﴾

( سورة النمل الآية : 88)

أدلة من القرآن والسُّنة عن تكبر الإنسان وعبادته لغير الله :

 قال تعالى :

 

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

( سورة التين )

 البويضة كحبة الملح والحوين لا يرى إلا بالمجهر يتحدان في الرحم ، ثم يتكونان ، فإذا بهذا الكائن بعد تسعة أشهر طفل له عينان ، له أذنان ، له أنف ، له لسان ، له فم ، يبكي ، يتثاءب ، يهضم الطعام ، يتنفس ، ونحن جميعاً مررنا بهذا الطريق .

 

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18)مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19)ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21)﴾

( سورة عبس )

 لمَ التكبر ؟ خرج من عورة ودخل في عورة ثم خرج من عورة :

 

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾

﴿ يَعْدِلُونَ ﴾

 أي يعبدون جهة من دون الله ، يعبدونها وكأنها إله .

 

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (43)﴾

( سورة الفرقان الآية : 43 )

 الهوى يعبد من دون الله ، واللذائذ تعبد من دون الله ، والمال يعبد من دون الله لذلك :

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

المقصود من كلمة (يعدلون):

 الإنسان لما يعصي ربه من أجل شهوته فهو يعبد شهوته من دون الله :

 

﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾

 أنا لا أقول : إن واحداً يقول : هذا إله ، لا ، يقول : هذا صديقي ، لكن له صديق قوي يطيعه في معصية الله فكأنه عبده من دون الله :

 

﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾

 أو يعدلون عن الله إلى شركاء ، إما أن تتجه لما اعتقدته نداً لله عز وجل ، هذا المعنى الأول من

﴿ يَعْدِلُونَ ﴾

 أو عدلت عن الله إلى مخلوق من مخلوقاته فجعلته إلهاً تعبده من دون الله :

 

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾

النعم الظاهرة والنعم الباطنة :

 أيها الأخوة ، تحدثنا قبل قليل عن النعم الظاهرة ، النعم الباطنة هي المصائب ، وقد قال الله عز وجل :

 

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20)﴾

( سورة لقمان الآية : 20 )

 ما من إنسان إلا وخضع لمعالجة إلهية ، فمن خلال المعالجة الإلهية تاب إلى الله ، واصطلح معه ، وعفا الله عن ما مضى ، وصار مؤمناً يرقى في معارج الكمال ، ولولا أن الله ساق بعض الشدائد وضيق عليه حتى دفعه إلى التوبة دفعاً ما كان بهذه النعمة ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20)﴾

( سورة لقمان الآية : 20 )

﴿ ظَاهِرَةً ﴾

 أي جلية ،

﴿ وَبَاطِنَةً ﴾

 تلك المصائب ، وقال تعالى :

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

( سورة السجدة )

 وقال :

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾

( سورة البقرة )

حينما تصيبك شدة اعلم علم اليقين أنها رحمة لكنها رحمة باطنة :

 يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن الشيء الذي يزعجنا هو نعمة باطنة ، فربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ، وإذا كشف الله لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء ، لو دخلت إلى مسجد ، ورأيت فيه آلاف مؤلفة يجب أن تعلم أن كل الحاضرين خضعوا إلى عناية إلهية مشددة ، وساق لبعضهم من الشدائد ما حملهم على التوبة .
 إذاً هذه نعمة كبرى ، أن الله سبحانه وتعالى الله سلمنا للدار الآخرة ، فهذا الذي يتأفف من الشدة ، الشدة عين الرحمة ، الدليل :

 

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾

( سورة الأنعام )

 تقتضي رحمته الواسعة أن

﴿ َلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 الذين شردوا على الله شرود البعير ، إذاً أنت حينما تصيبك شدة اعلم علم اليقين أنها رحمة لكنها رحمة باطنة ، وليست رحمة ظاهرة ، مادامت الشدة قد ساقتك إلى باب الله ، وإلى باب التوبة ، وإلى أن تستقيم على أمر الله فهي نعمة باطنة .
 الآن الأب الذي يتشدد مع أولاده فيكونون رجال مستقبل كباراً ، يحمدون له شدته حينما يكبرون ، والأب الذي يتساهل مع أولاده فيكبرون بلا علم ، ولا حرفة ، ولا مال ، ولا كسب يحقدون على أبيهم الذي تساهل معهم ، فالشدة رحمة .
 علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤمن ينبغي أن يحمد الله على كل حال ، إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر ، فليس هذا لغير المؤمن ، المؤمن يدرك أن يد الله تعمل وحدها ، وأن يد الله فوق أيدي هؤلاء الذين ترونهم بأم أعينكم ، في الأرض طغيان ، وفساد، وقهر ، وظلم ، هذا كله شيء ظاهر في الحقيقة :

 

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾

( سورة الكهف )

 المحصلة أن هناك نتائج إيجابية ترى بعد حين ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الشدة التي تصيب المسلمون الآن من نوع النعم الباطنة التي ترأب الصدع وتلم الشمل إن شاء الله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018