الخطبة : 1057 - اللقاء العالمي حول الوسطية في الإسلام - مخترع البريد الساخن . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1057 - اللقاء العالمي حول الوسطية في الإسلام - مخترع البريد الساخن .


2007-11-30

الخطبة الاولى
     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة حول التطرف :

1 – تطرُّف التفلت وتطرُّف التشدُّد:

     أيها الإخوة الكرام، شاع مصطلح في السنوات الأخيرة هو التطرف الديني، والحقيقة أيها الإخوة أن هناك مَرَضين خطيرين، تطرف إباحية، وتطرف تشدُّدٍ، وكلا التطرفين بعيدان عن حقيقة الدين، تطرف تفلت، تطرف تشدد، لذلك ظهر بشكل أو بآخر مصطلح ثالث هو الإسلام الوسطي.

2 – الإسلام واحد ليس فيه إسلام وسط وإسلام متطرِّف:

     والحقيقة أن حول هذا المصطلح كلام كثير، ليس هناك إسلام وسطي لأن الإسلام هو الإسلام، الإسلام دين الله، الإسلام توقيفي:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

( سورة المائدة )

3 – الإسلام دين الله خالق البشر:

     الإكمال نوعي والإتمام عددي، فعدد القضايا التي عالجها الدين تام عدداً، وطريقة المعالجة كاملة نوعاً، لأن الإسلام ليس منتجا بشرياً، إنما هو وحي من السماء، إذاً: هو لا يخضع لا للتطوير، ولا للتعديل، ولا للإضافة، ولا إلى للتحديث... وكل ما يطرأ على صنع البشر يحتمل التحديث والتطوير، والحذف والزيادة، وما شاكل ذلك، أما دين الله عز وجل فهو من عند الخالق العظيم، من عند الخالق الذي تنزهت صفاته عن كل نقص.
     ولكن اضطر المسلمون إلى استخدام هذا المصطلح عقب تطرف تفلتي وتطرف تشددي، وكنت في الأسبوع الماضي في ملتقى دولي حول الوسطية، وقلت في هذا اللقاء كلمة.

حقائق مهمة :

الحقيقة الأولى: الجمعُ بين المصادر الدينية والمصادر الدنيوية:

     الحقيقة الأولى أيها الأخوة، لا بد من أن نجمع بين مصادر المعرفة الدينية والدنيوية، لأن العلم بخلق الله أصل في صلاح الدنيا، وصلاح الدنيا سبب قوة المسلمين، فإذا قال الله عز وجل:

 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

     أن نعرف العلوم أن نتفوق بها أن نستخدمها كوسيلة لقوتنا هذا جزء من ديننا، فلذلك لا يكفي أن نبحث في شؤون الدين وحده، يجب أن نتفوق في العلوم العصرية، لأنها مصدر قوتنا، لذلك قالوا: هناك علم بخلقه، هذا اختصاص الجامعات في الأرض، وهناك علم بأمره، هذا اختصاص كليات الشريعة في الأرض، وهناك علم به، وهذا هو المنجي، والذي قال عنه الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: " حيثما وردت كلمة العلم به في القرآن الكريم فتعني العلم به "، فالعلم بخلق الله عز وجل أصل في صلاح الدنيا، والعلم بأمره أصل في العبادة، لكن العلم به أصل الدين أن تعرفه.

(( يا ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر ]

إتقان العلوم المادية قوة للمسلمين ، وجزء من الدين :

     فحينما يفهم المسلم أن إتقان علم ما، أن إتقان خبرة ما، أن إتقان حرفة ما، أن تطوير صناعة ما، أن تلبية حاجة المسلمين فيما هم في أمسّ الحاجة إليه من أجل أن نستغني عن الآخر، وعن بضاعة الآخر، وعن هيمنة الآخر، وعن تحكم الآخر فهذا عمل إسلامي عظيم، حينئذ نكون قد فهمنا الإسلام فهماً وسطياً.
     هناك كتاب الله المسطور، وهناك كتاب الله المنظور، وهو الكون، فتتبعُ قوانين الكون، ومعرفة أسرار الكون، واستغلال هذه القوانين لصالح المسلمين، أن تزداد قوة المسلمين بهذه المعرفة، هذا جزء من دينهم، لقوله تعالى:

 

﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

     من أجل أن محرك طائرة واحد نحتاج إلى خمسة ملايين دولار، أربعة محركات بعشرين مليون، مليار ليرة، المليار ليرة كم طنًّا من القمح ؟ نبيع معظم ما نملك من مواد أولية، ونأخذ بعض تقنيتهم وبعض خبرتهم، فلابد من أن يقوى المسلمون بإتقان علوم العصر، هذا جزء من دينهم، ألم يشر النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك حينما قال:

(( من تعلم لغة قوم أمن مكرهم ))

[ ورد في الأثر ]

     ومن تعلم صناعة أساسية في حياتنا خرج من سيطرتهم.
     هذه الحقيقة الأولى، لا بد من أن نقرأ في كتاب الله المنظور ولا بد من أن نقرأ في كتاب الله المسطور، المسطور هو القرآن، والمنظور هو الكون:

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

( سورة العلق )

     أؤكد لكم أيها الإخوة، وهذا من أعماق الأعماق: لا ينجح داعية على وجه الأرض الآن إن لم يستوعب ثقافة العصر، إن لم يفهم مراكز القوة فيه، إن لم يطلع على ما يجري عند الآخر، هذا من قوة الإنسان في هذا العصر، لذلك الجهاد البنائي أساسه التمكُّن من ثقافة العصر.
     الطالب الذي يدرس الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، يتقنها، ماذا أقول لكم في الخطبة التالية، أؤكد لكم تأكيداً لهذه الحقيقة.

الحقيقة الثانية: توافقُ النقل مع العقل:

     أيها الإخوة، نحن حينما نقدس النص التشريعي، النص القرآني، النص النبوي الصحيح طبعاً، هذا لا يعني أن نحتقر العقل، العقل أصل في الدين أيضاً، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن يتناقض النقل مع العقل، لأن النقل من عند الله، والعقل مقياس أودعه الله فينا، بل إنّ بعض الأئمة الكرام أكد في كتاب دقيق حتمية توافق النقل مع العقل، وأعظم ما في هذا الدين العظيم أن الدين يتوافق مع العقل مئة بالمئة، بل ما من حقيقة علمية صارخة يمكن أن يكون في القرآن الكريم ما يناقضها، هذا مستحيل، لكننا نثني على العلم إذا وافق القرآن الكريم، ولا يليق بنا أن نثني على القرآن إذا وافق العلم، القرآن الكريم وحي السماء، القرآن الكريم هو الأصل، والنقل هو الأصل، والعقل لفهم النقل، والعقل للتأكد من صحة النقل، إذاً: فقد تطرف بعض المسلمين بأن يقدس أحدُهم النص ويحتقر العقل، العقل لا يحتقر، لأن الآيات التي تشير إليه مع فنون العلم والتذكر، والتفكر والمحاكمة تقترب من ألف آية:

 

﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾

( سورة يس)

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾

( سورة الغاشية )

     إذاً: من خصائص الوسطية ـ إن صح التعبير ـ في الإسلام أننا كما نقدس النص الشرعي، ونحتفي به يجب أن نحترم العقل.

ماذا لو وجد تعارض بين العقل والنقل :

     يجب أن نعتقد أنه لا يمكن للعقل أن يناقض النقل إلا في حالتين:
     هاتان الحالتان هما:
     عدم حَدية أحدهما، بفهمٍ خاطئ لآية كريمة، أو فهمٍ خاطئ لحديث شريف، أو نظرية لم تثبت بعد.
     ويتناقض النقل مع العقل إذا كان النقل غير صحيح، أو أوِّل تأويلاً غير صحيح، ويتناقض النقل مع العقل إذا كان العقل غير صريح كأن كان عقلاً تبريرياً.

الحقيقة الثالثة: الاتِّباعُ في الدين والابتداع في الدنيا:

     أيها الإخوة الكرام، هناك حقيقة دقيقة، يمكن أن تكون أحد خصائص الوسطية في الإسلام، أن المسلم عليه أن يقلد في دينه، وأن يبتدع في دنياه، يجب أن نطور حياتنا، يجب أن نطور معيشتنا، وسبل رزقنا، أن نحل مشكلات شبابنا، ألاّ ندع مشكلة تعيق تطورنا، هذا تطوير وتحديث من أجل قوتنا، أما الدين فلا يطوَّر، الدين لا يضاف عليه، ولا يحذف منه، الدين توقيفي، فكيف بالمسلمين إذا قلّدوا في حياتهم، ولم يخترعوا، ولم يطوروا صناعتهم، ولم يستخرجوا ثرواتهم، ولم يستصلحوا أراضيهم، ولم ينشئوا السدود، لم يطوروا الزراعات، قلّدوا في دنياهم، وارتضوا أن يكونوا مستوردين من الطراز الأول، وطوروا في دينهم، إذْ أضافوا إلى الدين ما ليس منه، وحذفوا ما ينبغي أن يعلم بالضرورة ؟!
     أكبر خطر أن نطور في الدين، وأن نقلِّد في الدنيا، وأفضل ميزة للأمة أن تطور في دنياها، وأن تقلد في دينها، لأن الدين كما قلت قبل قليل: توقيفي، لا يحتمل الزيادة ولا النقصان.
     أيها الإخوة الكرام،

(( وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ...))

[ مسلم والنسائي، واللفظ له عن جابر]

     هذا في شؤون الدين، في شؤون العقائد والعبادات، أما في شؤون الدنيا فيجب أن نطوّرها، يجب أن نحل قضية السكن، يجب أن نحل قضية الطاقة، يجب أن نحل قضية الإسكان، يجب أن نلبي حاجات الشباب، يجب أن نطور في دنيانا، وأن نقلد في ديننا، والطامة الكبرى أن نقلد في دنيانا، وأن نبتدع في ديننا.

الحقيقة الرابعة: لا بد من تلازم وتوافق بين الظاهر والباطن:

     أيها الإخوة الكرام، لا بد من تلازم وتوافق بين الظاهر والباطن، قال تعالى:

 

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾

( سورة الزمر)

     الأمر موجَّه إلى الجوارح، فاعبد الله أي: صلِّ، فاعبد الله صم، فاعبد الله حجَّ بيت الله الحرام، فاعبد الله أدّ زكاة مالك، فاعبد الله كن صادقاً، فاعبد الله كن أميناً، فاعبد الله كن عفيفاً، فاعبد الله مخلصاً.
     إنّ عبادة القلب الإخلاص، وعظمة المؤمن أنك لا ترى فرقاً بين ظاهره وباطنه، ولا بين علانيته وسريرته، ولا بين خلوته وجلوته، ولا بين ما يقول وما يعتقد، فهو يقول ما يعتقد، ويعتقد بما يقول، وسريرته كعلانيته، وخلوته كجلوته، وسره كظاهره، هذا هو التوافق، وأعظم ما عند الأنبياء وهم قمم البشر الذين غيّروا تاريخ البشر، الذين غيروا بيئات البشر، هؤلاء لا تجد مسافة إطلاقاً بين أقوالهم وأفعالهم، فما أَمَر النبيُّ عليه الصلاة والسلام بشيءٍ إلا كان أسبق الناس إليه، ولا نهى عن شيء إلا كان أبعد الناس عنه، هذه المسافة المعدومة بين الأقوال والأعمال هي سر قوة الإنسان.
     التقيت بداعية كبير في مصر قبل عشر سنوات تقريباً، وقد توفي ـ رحمه الله ـ ففي نهاية اللقاء سألته أن يقدم نصيحة إلى الدعاة إلى الله، وكنت أظنه أنه سيتكلم ساعة أو أكثر، فإذا هي جملة واحدة ما زاد عليها كلمة قال: " ليحذر الدعاة أن يراهم المدعوون بخلاف ما يدعونهم إليه ".
     أكبر قوة تملكها أن تفعل ما تقول، وأن تقول ما تفعل فقط، هذا الدرس يحتاجه الأب والأم والمعلم ورئيس الدائرة، وكل من يحتل منصبا قياديا، إياك أن يراك الذين حولك في حالة تتكلم عكسها، أو تدعو إلى غيرها، هذا نسميه التلازم بين الظاهر والباطن، قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: " الأعمال صور قائمة، أرواحها وجود سر الإخلاص فيها ".

الحقيقة الخامسة: مراعاةُ مقاصد الشريعة:

     شيء آخر، ينبغي أن نراعي مقاصد الشريعة، أضع بين أيديكم حالة صارخة:
     قبل وقت طويل كان الحجاج في منى يذبحون الأضاحي بإحصاء قريب من الصحة حوالي مليون رأس غنم يُذبح في الأرض، ويترك فيها، هل تتصور أن شرعاً إلهياً يأمرك أن تذبح مليون رأس غنم في جو تزيد الحرارة فيه على خمسين درجة، ويترك في العراء ؟
     حدثني أخ يسكن في منى قال: والله روائح الجيف تستمر أشهراً عديدة، هل هذه هي الشريعة ؟ مستحيل أن يكون هذا شرع الله عز وجل، هذا الهدي يجب أن يصل إلى أصحابه المحتاجين، هذه هي الشريعة، أما أن تذبح، وتترك الذبيحة في العراء حتى تتفسخ بعد حين، ليس هذا من شرع الله عز وجل، فلذلك الآن الحمد لله كل هذه الذبائح تبرَّد وتشحن إلى بلاد فقيرة ليأكلها الجياع في العالم، هذا هو الشرع.
     إذا فهمت مقاصد الشريعة، فاتجه الفقيه اتجاهاً صحيحاً عند البحث في الفقه، وعند الاجتهاد، وإذا فهمت مقاصد الشريعة اتجه المفتي إفتاءً صحيحاً عند الإفتاء، وإذا فهم الإنسان مقاصد الشريعة اتجه الباحث اتجاهاً صحيحاً عند إبداء الرأي، فالذي لا يحسن ضبط الكليات لا يحسن فهم ومعالجة الجزئيات، يجب أن نذكر دائماً مقاصد الشريعة.
     حينما نغفل المقاصد نغرق في الجزئيات، فإذا الجزئيات تتناقض مع مقاصد الشريعة، لذلك هناك كلمة لا أرتوي من تردادها لعالم جليل يقول: " الشريعة عدل كلها ـ مقاصد الشريعة العدل بين الناس ـ مصلحة كلها، رحمة كلها، حكمة كلها، وأية قضية خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى القسوة، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى خلافها فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل ".
هذه عظمة منهج الله عز وجل.

الحقيقة السادسة: التأدُّبُ مع قوانين الله:

     أيها الإخوة، وأنا أرى، وأكدت هذا كثيراً في أكثر من خطاب: لا تكون مسلماً إلا إذا احترمت قوانين الله عز وجل، دعك من الشريعة، إذا احترمت قوانين الله في صحتك تكون عبداً لله، حذرك الطبيب مثلا من تناول الملح في الطعام لارتفاع ضغط عندك، أن تقول: سمِّ بالله وكل، ولا تعبأ بكلام الأطباء، أنت بهذا لا تتأدب مع منهج الله، الله عز وجل لن يخرق من أجلك القوانين، هذه القوانين من خَلْق الله عز وجل، فمن علامة عبوديتك لله التأدب مع هذه القوانين، تأكل الفاكهة من دون أن تغسلها، وتقول: سمِّ بالله، ولا يضر مع اسمه شيء، هذا كلام غير صحيح،

(( مَن أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه ))

[ الطبراني عن سلمان بسند ضعيف، وانظر الجامع الصغير ]

     هناك قوانين ÷ وقد قلت قبل قليل: دعك من المنهج الإلهي، أنت الآن مع الطعام والشراب، مع صحة الجسد، مع قوانين الكون، مع قوانين الفيزياء والكيمياء، والفلك والرياضيات، إياك أن تتصور أنها تخرق لك، فمن علامات عبوديتك لله الخضوع لها، والتأدب معها.
     مثلاً: الابن مريض، ماذا يأمرك الدين ؟ أن تأخذه إلى أمهر طبيب، وأن تشتري الدواء الجيد، وأن تعطيه الدواء في أوقاته، وبعد ذلك تقول: يا رب، أنت الشافي،.
     لابد أن تراجع مركبتك مراجعة تامة قبل السفر، المكابح، الميزان، الأشرطة، الزيت، تراجعها مراجعة كاملة، وتقول من أعماق أعماقك: يا رب، أنت الحافظ، أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، هذا هو الدين.
     الغربيون أيها الإخوة أخذوا بالأسباب، واعتمدوا عليها، وألّهوها، واستغنوا بها عن الله عز وجل، فأشركوا، ووقعوا في الشرك، والشرقيون بسذاجة حمقاء لم يأخذوا بها، يتوكلون بل يتواكلون، لا يفعلون شيئاً، يقولون: كل شيء ترتيب سيدك، الله هو المعطي، هو المانع، هو المقدر، يا رب، عليك بهم، فإنهم لا يعجزونك، يا رب، دمرهم، يا رب أهلكهم، والله لا يهلكهم، ولم يدمرهم، لأنهم أخذوا بالأسباب، هذه الدنيا بالأسباب، أي إنسان أخذ بالأسباب تملكها، من هنا قال بعض العلماء: " إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة "، ومن هنا قال بعض العلماء: " الدنيا تصلح بالعدل و الكفر، ولا تصلح بالإيمان والظلم "، قال تعالى:

 

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

( سورة الأنعام )

     نظام الدنيا نظام آخر، بل إن بعض العلماء يفهم الآية الكريمة:

 

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾

( سورة الأنبياء)

     الصالحون لإدارتها، الصالحون لإعمارها، هؤلاء الذين حلوا مشكلات الناس، أعطوا الإنسان حقه، أعطوه كرامته، هؤلاء يتولون الأمور في الدنيا، هذه حقيقة مؤلمة، تقول لي: مسلم، وأنت تظلم زوجتك ؟! تصلي خمسة أوقات ولا تؤدي الحقوق ؟! ما قيمة إسلامك ؟

(( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ))

[ ورد في الأثر ]

     دانق من حرام.

(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافي في مسجدي هذا ))

[ الترغيب والترهيب عن ابن عباس بسند ضعيف]

من لوازم الوسطية : الوعي بسنن الله في الخلق والكون :

     لذلك أيها الإخوة، من تعريفات الوسطية الوعي بسنن الله في الخلق والكون.
     مرَّ سيدنا عمر برجل معه جمل أجرب، قال له: << يا أخ العرب، ما تفعل به ؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، قال له: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ؟ >>.
     هل من المعقول لإنسان أن يركب مركبته، وانطفأ محركها فجأة، ماذا يفعل ؟ خرج من المركبة وقال: يا رب لا إله غيرك، يا رب أصلحها، لن تسير السيارة، افتح غطاء المحرك، وابحث عن الخطأ، فكر تفكيرا علميا، الله موجود، الله عز وجل يصلحها إذا بحثت عن السبب وحللته، الله يعطي بسبب، ويأخذ بسبب، الله يلهمك موضع الخطأ، افتح الغطاء، وانظر أين الخطأ، وأصلحه حتى تسير، لا أتحرك، ولا أفكر، ولا أبحث، ولا آخذ بالأسباب، وأقول: يا رب، لا إله غيرك، عليك بهم، فإنهم لا يعجزونك، اللهم دمرهم، اللهم اجعل تدبيرهم في تدميرهم، كلما دعوت لا يدمرهم الله، بل يزدادون قوة، لأننا نمشي في الطريق الخطأ، نمشي في طريق مسدود، نحن متواكلون، قدم شيئاً ثميناً لأمتك، وانتظر نصر الله لك، نصر الله لك له ثمن، وثمن باهظ، مهما دعوت، مهما رفعت صوتك، القرار الإلهي واضح:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

( سورة محمد الآية: 7 )

     كما فعل صلاح الدين، أزال كل المنكرات، وعلّم الجيل الصاعد، تغلب على سبعة وعشرين جيشاً أوربياً، وفتحُ القدس مفخرة من مفاخر صلاح الدين، كيف فتحها ؟ بالدعاء، لا والله، فتحها بالعمل، فتحها بإزالة المنكرات، فتحها بتعليم الشباب، فتحها بالعلم، وبعد ذلك جاءت معونة الله.
     أيها الإخوة الكرام، من رحمة الله بنا أن الله ما كلفنا أن نعد لأعدائنا القوة المقابلة، هذا أمرٌ مستحيل، الفرق كبير جداً، لكنه كلفنا أن نعد القوة المتاحة، وهو يتولى الباقي، كلفنا أن نعد القوة المتاحة فقط، الدليل:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

     هذا الذي تستطيعه افعله وقدمه.
     من منا لا يستطيع أن يكون صادقاً في عمله وأميناً ؟
     من منا لا يستطيع أن ينفع المسلمين من خلال حرفته ؟
     إذا كان الموظف يلبي المواطن، وما أجّله، تعال غداً، وبعد غدٍ، وما ابتز ماله، والطبيب إذا لم يكلف المريض إلا بالقدر المقبول علمياً، كذلك المهندس، والمدرس علّم الطلاب تعليماً جيداً، فلا يجري لهم مذاكرة فوق مستواهم فيأخذون الأصفار، وبعدئذ يدعوهم إلى دروس خاصة، من منا لا يستطيع أن يخدم أمته ضمن حرفتك، ضمن عملك، ضمن اختصاصك ؟ ذلك بالإمكان، فإذا فعلنا هذا نصرنا الله، عندئذ ننتظر نصره.

الحقيقة السابعة: الارتباط بالأصل والاتصال بالعصر:

     أيها الإخوة الكرام، من الذي قيل في هذا اللقاء الدولي ينبغي أن نرتبط بالأصل وأن نتصل بالعصر، يعني أن تبتعد عن طبيعة العصر، ألا تعبأ بوسائل النشر الحديثة، يقول أحدُهم: في الجامع ألف شخص يسمعون الخطبة، ويمكن أن يسمعها الآن عشرون مليونًا بوسائل العصر الحديثة، يمكن أن تصل إلى عشرين مليونا، يمكن أن يصل الدرس إلى ثمانين مليون إنسان، والدرس هو هُو، هذه المنجزات العصرية ينبغي أن تُؤَسلَم، أن يستخدمها المسلمون لقوة هذا الدين.
     صدقوا أيها الإخوة الكرام، جاءتنا رسالة من سيبيريا في روسيا، وهم يتابعون موقع الإنترنت المعلوماتي، ومن أطراف الدنيا، من كندا، مرة من ألاسكا، وجاءتنا رسالة من جنوب إفريقيا، ومن أستراليا، الآن هناك وسائل ذات انتشار واسع جداً، هذه ينبغي أن نستغلها لقوة هذا الدين.

الحقيقة الثامنة: ثبات الأهداف، ومرونة الوسائل:

     أيها الإخوة، مشكلتنا بين الثبات الجامد والمرونة الماحقة، فنحن إمّا في ثبات جامد وإما في مرونة ماحقة، والحقيقة ثبات في الأهداف، ومرونة في الوسائل، الآن لو فرضنا أن ثمة توجيها نبويا أن تقدم الزكاة طعاما، أعطِ إنسانا ساكنا في حي شعبي فقير جداً مساحة بيته خمسون مترا، وهو تحت الأرض شمالي، أعطِه كيس قمح كصدقة، هذا بلاء، أين يغسله ؟ أين يطحنه ؟ أين يخبزه ؟ الإنسان المقيم في مدينة أعطه مالا، أما المقيم في قرية فالتنور جاهز، والمطحنة جاهزة، أعطه كيس قمح لا مانع، فالمسألة تحتاج إلى مرونة، عليك أن تؤدي زكاة مالك، لكن في مكانها، ولصالح الفقير، أن تعطيه مالاً، وفي مكان آخر لصالح الفقير أن تعطيه قوتاً، الهدف أداء الزكاة، أما المرونة فبحسب مصالح الفقير.

الحقيقة التاسعة: قوّةُ المضمون وجمالُ العرض:

     شيء آخر، قد يذهب الإنسان إلى بلاد الآخرين، هذه البلاد فيها أناقة، وجمال، ونظام، ثم يأتي إلى بلاد المسلمين فلا يرى هذا الجمال، ما الذي يمنع أن نكون مع عمق الموضوع، مع سلامة المنهج ؛ أن يكون مظهرنا مقبولا جميلا أنيقا، فالجمال حاجة أساسية في الإنسان، والجمال لا يحتاج إلى مال إطلاقاً، الجمال يحتاج إلى ذوق فقط، فقد ترى بيتًا فيه لمسات جمالية، فيه ألوان متناسبة، من الذي قال: إن الجمال والأناقة من نصيب الكفار ؟ من قال هذا الكلام ؟ هذا من أساسيات المسلمين، يعني
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ ))

[ أبو داود وأحمد ]

     لماذا صيدلية المسلم مهملة، والغبار على الأدوية، وأحيانا يبحث عن الدواء ربع ساعة ؟ لماذا إذا دخلت صيدلية أخرى تجد كل دواء ي مكانه ؟ والبلور يلمع لماذا ؟ أنا أريد مع قوة المضمون جمال العرض، مع عمق الأخلاق جمال المظهر، لذلك:

(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ ))

     حينما أهملنا بلادنا، أهملنا مرافقها هرب أولادنا إلى الغرب، واستقروا هناك، ألا يؤلمك أن سبعة عشر ألفًا خارج سوريا، بدتيرويت فقط خمسة آلاف طبيب مقيم، هؤلاء من حق سورية، من حق بلادنا، هؤلاء لحم كتفهم من خير هذا البلد، فينبغي أن يعودوا إليه.
     القضية أيها الإخوة الكرام يجب أن نجمّل حياتنا، وهذا من وسطية الإسلام، يجب أن نجذب الناس إلى بلادنا، إلى مرافقنا، إلى جامعاتنا، إلى مدارسنا.
     الشيء الذي يلفت النظر هناك أينما ذهبت ترى نظافة عجيبة، ونظاما عجيبا، وأناقة عجيبة، وترتيبا عجيبا، والأمر لا يكلف إلا تفكيراً وذوقاً، لذلك مما قيل في هذا اللقاء الدوري: لا بد من قوة المضمون مع جمال العرض.
     هذا الكأس يبدو أنه غالي الثمن، إذا فيه مياه آسنة هل تشربه ؟ مع أن الكأس نفيس جداً، لو أن الأمر بالعكس، أغلى شراب مع وعاء فيه صدأ هل تشربه ؟ ينبغي أن تقدم لنا أجمل شراب في أجمل كأس، لذلك قالوا: الطرف الآخر يسوّق أسوء بضاعة بأحلى طريقة، والمسلمون يسوقون أعظم شيء في الحياة بأسوأ طريقة، الطرف الآخر يعملون في الظلام، ونحن نائمون في ضوء الشمس، كل مسلم، طالب، مدرس، صاحب محل تجاري، اجعل من النظام والجمال والأناقة جزءا من حياتك، حتى يشار إليك بالبنان، هذا مسلم نظيف.
     هناك شابان سوريان في لندن لهم صديق بريطاني، كلما اقترب منهم تكلموا الإنكليزية، فلفتوا نظره، سألهم فقالوا: نبينا عليه الصلاة والسلام نهانا إذا كنا ثلاثة أن يتناجى اثنان دون الثالث، لأن هذا يحزنه، فأسلم، وقال عبارة مشهورة: نبيكم حضاري.
     كن حضاريا بلباسك، بأناقتك، في بيتك.
     أقول مرة عاشرة: الأناقة الجمال والترتيب لا يحتاج إلى مال، يحتاج إلى فكر وذوق فقط.

الحقيقة العاشرة: الإنصاف والموضوعية:

     شيء آخر، من عادة المسلمين أنهم إذا غضبوا على جهة جعلوها في الوحل، وإذا رضوا عن جهة قدسوها إلى الأوج، هذا خطأ، كن موضوعياً في أحكامك، الإمام الشافعي يقول: أنا على حق، وقد أكون مخطئاً، وخصمي على باطل، وقد يكون مصيباً، كن معتدلاً، لا تصدر أحكاما قطعية مبالغا بها، تواضع للآخر، يجب أن تكسبه إلى جانبك، الطرف الآخر يحتاج إلى تواضع، الدليل أن الله عز وجل علمنا في القرآن الكريم في أثناء الحوار مع الطرف الآخر:

 

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى ﴾

( سورة سبأ: 24)

     الحق كرة، فإما أنها عندنا أو عنكم، نتناقش في تواضع، قال تعالى:

﴿ قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة سبأ: 25)

     هل هناك من تواضع بعد هذا التواضع ؟ هكذا علّمنا الله.

الحقيقة الحادية عشرة: أنزلوا الناس منازلهم:

     أيها الإخوة الكرام، ينبغي أن ننزل الناس منازلهم، بربكم ؛ النجاشي ماذا فعل مع المسلمين ؟ هل أقام شرع الله كله في بلاده ؟ لا والله ما أقامه، إلا أنه حمى المسلمين المهاجرين، فلما جاء وفده إلى المدينة ماذا فعل معهم النبي عليه الصلاة والسلام ؟ أصر على خدمة الوفد بنفسه، أما الآن إذا كان الطرف الآخر ما طبق الدين مئة بالمئة فهو كافر ! مهلاً أيها الأخ.
     يجب أن ننزل الناس منازلهم، بربكم ؛ قيصر الروم هل هو عظيم حقيقةً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أجيبوني، ليس عظيماً، فكيف أرسل له رسالة قال فيها: من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم، هذا لقبه يا أخي، فإذا نادى إنسان إنسانا بلقبه يقيم عليه النكير، هذا لقبه، والنبي فعل هذا، من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم.

الحقيقة الثانية عشرة: الرحمة والعدل والإحسان:

     كأن الغلظة والقسوة والتكفير ورعٌ وقربة من الله، لا، اسمع القرآن، من هو أكفر كفار أهل الأرض ؟ فرعون، لماذا ؟ لأنه قال:

 

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

( سورة النازعات)

     ولأنه قال:

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

( سورة القصص)

     اسمع القرآن الكريم:

 

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾

( سورة طه)

     يا الله:

 

﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾

( سورة طه)

     أحد أصحاب سيدنا عمر شرب الخمر، وسافر إلى الشام، أرسل له رسالة قال فيها: << أحمد الله إليك، غافر الذنب، قابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول >>، تروي الروايات أن هذا الصاحب قرأ الرسالة، وبكى، وتاب من خطئه، فقال عمر: << هكذا اصنعوا مع أخيكم إذا ضل، كونوا عوناً له على الشيطان، ولا تكونوا عوناً للشيطان عليه >>.
     تحتاج إلى رقة، أمامك إنسان، تقول له: من أنت ؟!! كن لطيفاً، كن مهذباً، كن رحيماً، تكلم بالتي هي أحسن.
     كنت في فندق فيه برانس، كلما نزل نزيل يأخذها معه، فكتبوا رسالة رقيقة فيها: إن نجاح البرانس في فندقنا نجاح باهر، بدليل أن معظم النزلاء يأخذونها معهم، وهذا الأمر دعاية لفندقنا، ولكن نتمنى عليكم أن تبقوها في الفندق، هو يخاطب السارقين، بأي لغة خاطبهم ؟ نجاح البرانس في فندقنا نجاح باهر، السبب أن معظم النزلاء يأخذونها معهم، وهذا عمل يشهر فندقنا، ولكن نتمنى عليكم أن تبقوها في الفندق.
     هذا أسلوب من أساليب وعظ إنسان يسرق، فكلما كان المسلم لطيفاً رقيقاً اختار عباراته، دقق، قال تعالى:

 

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

( سورة النحل)

     هناك فرق أن تلقي محاضرة بالموعظة الحسنة، أما بالحوار فموضوع كرامة، موضوع مشادة، قال تعالى:

 

﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

( سورة النحل)

     إذا كان هناك ألف عبارة حسنة فينبغي أن تختار من الألف أحسن كلمة، هكذا هو خُلقُ المسلم.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

( سورة المائدة)

     تقييم الإنسان ؛ ما له، وما عليه، النبي عليه الصلاة والسلام التقى بأسير ما، معنى أسير ؟ جاء ليقتله، فألقي القبض عليه، من هو الأسير ؟ زوج ابنته أبو العاص، ماذا قال له النبي ؟ أنت، لو كان رجلا آخر لقال: جئت لتقتلني، أنت عدو، كافر، قال: أمّا هذا فما ذممناه صهراً، كان اصهر ممتازا، ما ذكره أنه كان مع المشركين في قتاله، ذكر فضائله، قال: أما هذا ما ذممناه صهراً.
     ارتكب إنسان الخيانة العظمى، أرسل رسالة إلى قريش، أن خذوا حذركم، إن محمد سيغزوكم، الله عز وجل عن طريق الوحي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل رجلين إلى المرأة التي في شعرها هذه الرسالة، فأخذت منها، فإذا فيها: " من حاطب بن بلتعة إلى قريش، إن محمداً سيغزوكم، فخذوا حذركم ":، هذه بمقياس الأرض شرقاً وغرباً قديماً وحديثاً خيانة عظمى، يستوجب صاحبها القتل، فقال سيدنا عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: لا يا عمر، إنه شهد بدراً، ما نسي له أنه شهد بدراً، قال: تعال يا حاطب، لماذا فعلت هذا ؟      قال: والله يا رسول الله ما كفرت، ولا ارتددت، ولكنني لصيق في قريش، وأنا موقن بنصر الله لك، لكنني أردت أن يكون لي عندهم يد بيضاء، لعلها تحمي أولادي ومالي عندهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنا صدقته فصدقوه.
     الدين كله مبادئ وقيم، الدين كله رحمة، فلو أنه قطعت رأسه فما مِن مشكلة أبداً.
     قال لي رجل: قصة اسم ( الستير ) أول ما دخلت إلى دكانه، أسماء الله الحسنى فيها اسم ( الستير )، قلت: القصة أن جامع الورد في السنجقدار له خطيب رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، قال النبي له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، جاره فلان بقّال سمّان وهو خطيب، هو تأثر، كان يتوقع أن تكون البشرى له، طرق باب جاره، قال له: لك عندي بشارة من رسول الله، لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك ؟ لكن الرجل امتنع، وبعد إلحاح شديد قال له: تزوجت امرأة، ومضى على زواجي منها خمسة أشهر، وهي كانت في الشهر التاسع، فالحمل ليس منه، وهذه معصية كبيرة، قال له: بإمكاني أن أسحقها، بإمكاني أن أفضحها، بإمكاني أن أطلقها، والناس معي، والقانون معي، والشرع معي، والدنيا كلها معي، لكنني أردت أن أجعلها تتوب على يدي، جاء لها بقابلة فولدت، وبعد أن أذن الفجر حمل الوليد تحت عباءته، وانتظر حتى بدأ الإمام بصلاة الفرض، فدخل ووضع الوليد وراء الباب، وصلى، فلما انتهت الصلاة بكى الوليد، فتحلق المصلون حوله، وهو تأخر حتى تجمع الجميع حول الوليد، ثم اقترب منهم، قال: ما القصة ؟ قالوا: تعال انظر، إنه طفل، قال: أنا أكفله، أعطوني إياه، أخذه عند أهل الحي على أنه لقيط، ودفعه إلى أمه، هذا إحسان، وهناك عدل، ونحن بكل خطبة نقول عندما ننتهي: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، فكما أنك مأمور بالعدل أنت مأمور أيضاً بالإحسان، فنحن بحاجة إلى رحمة، إلى وضوح، إلى انسجام الظاهر مع الباطن، هذا بعض ما قيل وقلت في هذا اللقاء العالمي حول الوسطية في الإسلام.
     أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.

 

* * *

الخطبة الثانية

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

لم لا تكون أيها المسلم متفوقا :

     أيها الإخوة الكرام، أخت فاضلة طبيبة ملتزمة، أسأل الله لها التوفيق والسداد، أرسلت لي البارحة رسالة بالبريد الإلكتروني عن قصة مخترع، لكنني وجدتها متصلة بموضوع خطبتي اتصالاً شديداً.
رجل مسلم معه شهادة من أمريكا، يعمل في موقع معلوماتي، وكان يتحاور مع صديقه كثيراً في شأن العمل، لكن المدير العام لم يرق له هذا الحديث، فمنعهم من أن يتحادثوا فيما بينهم، فكر في أن يخترع طريقة في البريد الإلكتروني، لكن هذه الطريقة يجب أن تكون مجانية، وأن تكون فردية، وألا يطلع عليها أحد، وأن يستخدمها في أي مكان في العالم، فاخترع ما يسمى البريد الساخن، ( هوت ميل )، هذا الاختراع جعل خلال سنتين يشتريه عشرة ملايين إنسان، الشركة العملاقة ما يكروسوفت الذي رئيسها بيل غيت أغنى أغنياء العالم عرض عليه خمسين مليون دولار، فطلب خمسمئة، المفاوضة بقيت سنتين حتى اشتريت منه بأربعمئة مليون دولار، عاد إلى بلاده المسلمة، وأنفق ثلاثمئة مليون على التعليم الشرعي.
     المسلم متفوق، اكتشف هذا الاختراع وسجله، وامتلكه، وباعه بأربعمئة مليون، الآن رصيده مئة مليون، أربعمئة مليون عاون بها أهل بلده الفقراء، أسس معاهد ومستشفيات ومياتم، وهناك حديث طويل لا يعنينا كثيراً، لكن يعنينا لمَ لا تكون متفوقاً ؟ لما لا تجعل من قدرتك المالية أو العلمية في خدمة المسلمين ؟ هل ثلاثمئة مليون دولار قليل ؟ يستخدمها في مستشفيات، في مستوصفات، في مياتم، في معاهد، لإطعام الفقراء، في تأمين عمل للشباب.
     الخبر الدقيق رصيده فقط مئة مليون، الثلاثمئة مليون أنفقها في خدمة المسلمين، فحينما تفكر أن تقدم شيئاً للأمة، حينما تفكر أن تكون شيئاً عظيماً، أن تكون شيئاً مرموقاً، لعل الله عز وجل يجري على يديك خدمة المسلمين.
     أمتكم بحاجة إلى الشباب، ريح الجنة في الشباب، لذلك أنا أحثكم دائماً على أن تقدموا شيئاً، على أن تكون شيئاً مذكوراً.

طموحات بحسب قدراتك :

     قلت مرة في درس: مَن يحضر لي اسم تاجر دمشقي عاش سنة ألف وثمانمئة وثلاثة وتسعين، وله علامة تامة، كان عندي أربعون طالبا، ما عرف الجواب أحدٌ، قلت: وأنا لا أعرفه معكم، لكن من منا لا يذكر سيدنا عمر، سيدنا صلاح الدين، سيدنا خالد، هؤلاء العظام على كل لسان، فلمَ لا تكون واحداً منهم ؟ لمَ لا تكون شيئاً مذكوراً في المجتمع ؟ لمَ ترضى أن تكون رقما بسيطا واحدا من الناس ؟ الله أعطانا قدرات بالتساوي.
     أحدث نظرية في القدرات أن هناك قدرات كامنة، إما أن تفجرها أنت، أو لا تفجرها، لكن لا تفاوت، فإذا كانت كل طموح الإنسان أن يشتري بيتا، إذاً ذكاءه يصبح محدودا، حسب طموحه هو يحتاج إلى ذكاء بمستوى طموحه، كل طموحه بحياته، يأخذ بيتا بمساحة خمسين مترا، وهناك إنسان حامل لهمِّ الأمة، الذي يحمل همَّ الأمة يعطى قدرات تتناسب مع الهمّ، كلما كبرت همَّك النبيل يأتيك من الله قدرات تساوي هذا الهمّ، وكلما قلت: يا رب أجر الخير على يدي، يا رب، اجعلني في خدمة المسلمين، اجعلني أن أخفف من متاعبهم، أن أقدم لهم شيئاً نفيساً، يؤتيك الله من القدرات ما لا تملك، لذلك أكبر خطأ أن تتوهم أن القدرات سابقة لطموحاتك، بل هي لاحقة، طموحاتك أولاً، والقدرات تأتي مناسبة لطموحاتك، لذلك الأنبياء بالمقياس الذكائي أعلى درجة من بني البشر مئة وأربعون، وذكاء الناس كله مئة، التسعون بالمئة من أهل الأرض الذكاء مئة، لكن الأنبياء مئة وأربعون، هؤلاء عباقرة، غير أنهم رسل، هذا موضوع ثان، فهم يتمتعون بقدرات عالية جداً، وكل إنسان أراد خدمة الأمة يمنحه الله قدرات استثنائية.

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا تأخذنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، دمر أعداءك أعداء الدين اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، انصر عبادك المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي شمالها وجنوبها، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018