سراييفو : المحاضرة 02 - الدعوة الى الله وشروطها. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠32ندوات مختلفة - سراييفو
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

سراييفو : المحاضرة 02 - الدعوة الى الله وشروطها.


2019-10-29

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

من تكريم الله للإنسان أنه منحه عقلاً يدرك وقلباً يحب وجسماً يتحرك :

 من المسلمات البديهية أن الأرض جماد، ونبات، وحيوان، وإنسان، الجماد له وزن، وحجم، وطول، وعرض، وارتفاع، هذا الجماد، أما النبات فيزيد عليه بالنمو، وأما الحيوان فيزيد عليهما بالحركة، وأما الإنسان فيزيد على كل ذلك بقوة إدراكية أودعها الله فيه، أي بعقل، هذه القوة الإدراكية تلبى بطلب العلم، والإنسان إن لم يطلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، أصبح كالجماد، قال تعالى:

كرم الله الإنسان بقوة إدراكية أودعها فيه

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل:21]

 ميت، إن لم تطلب العلم فأنت ميت، أو:

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ﴾

[ سورة الفرقان: 44]

 أو:

﴿ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون:4]

 أو:

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة: 5]

 كلها أوصاف قرآنية، لذلك من تكريم الله للإنسان أنه منحه عقلاً يدرك، وقلباً يحب، وجسماً يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب الذي يسمو به، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا غذى الإنسان عقله بالعلم، وجسمه بطعام اشتري بمال حلال، تفوق، أما إذا اكتفى بواحدة تطرف، هذه مقدمة أساسية.

 

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :

 الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 ليس على الأرض أفضل ممن دعا إلى الله
أي ليس على وجه الأرض أحد أفضل إلى الله ممن دعا إلى الله، الداعية في أعلى مرتبة عند الله، دعا إلى الله بلسانه، ودعا إلى الله بعمله، وعمل صالحاً، حركته في الحياة، كسب ماله، إنفاق ماله، اختيار زوجته، تربية أولاده، علاقته بمن حوله، آلاف النقاط كلها وفق منهج الله.

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾

[ سورة هود: 112]

 الآن الأمر يخص أخوتنا الكرام، الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، لماذا تصلي؟ يأتي الجواب: لأنها فرض، ويجب أن تعلم علم اليقين أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، ولكن في حدود ما تعلم ومع من تعرف، والدليل ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، ولا تقبل شيئاً إلا بالدليل، ولا ترفض شيئاً إلا بالدليل، الدليل:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾

[ سورة يوسف:108]

 قال بعض العلماء: البصيرة؛ الدليل والتعليل، أي:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 أمر.

﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 إذاً الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، في حدود ما يعلم، ومع من يعرف، التحذير والذي لا يدعو إلى الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، والآية تقول:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾

[ سورة آل عمران: 31]

 أما الدعوة إلى الله كفرض كفاية أي إذا قام بها البعض سقطت عن الكل فتحتاج إلى تفرغ، وإلى تعمق، وإلى تبحر، وإلى تدبر، بالدليل والتعليل.

 

شروط الدعوة إلى الله :

1 ـ القدوة قبل الدعوة :

 هذه الدعوة إلى الله أعظم عمل على الإطلاق، لكن لها شروط دقيقة، أساسية، نص عليها الشرع، من هذه الشروط: القدوة قبل الدعوة

لابد للداعي أن يكون قدوة

لأن الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، فإذا لم يسمع الابن من أبيه كلمة نابية يتعلم منه ضبط اللسان من دون توجيه، وإن لم ترَ البنت أمها تكذب على أبيها تتعلم الصدق من دون تعليم، القدوة قبل الدعوة، فالقدوة وحدها وسيلة قوية فعالة.

2 ـ الأصول قبل الفروع :

 الشيء الثاني: الأصول قبل الفروع، نحن عندنا مرض اسمه: الغرق في الجزئيات.
 في هذه الظروف الصعبة نحتاج لتطبيق الدين وتبسيطه للناس
أضرب مثلاً: إنسان فرنسي أسلم على يد شيخ، أبقاه في أحكام المياه ستة أشهر حتى خرج من جلده، لم يحتمل هذه التفاصيل، فالتقى بعالم جليل قال له: الماء الذي تشربه توضأ منه، كأننا اليوم بالظروف الصعبة نحتاج إلى تبسيط لهذا الدين، وعقلنة له، وتطبيق.
 قال يا رب بالمناجاة:

(( أي عبادك أحب إليك؟ حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال هذا العبد في مناجاته: يارب إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي- الشرح: ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني-))

[ حديث قدسي]

 إذاً لابد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله، ومحبة له، وخوف منه.

3 ـ الإحسان قبل البيان :

 لذلك قاعدة ثالثة في الدعوة إلى الله: الإحسان قبل البيان، املأ قلب من تدعوه بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك.
 هذه كلها وسائل للدعوة.

4 ـ المضامين لا العناوين :

 المضامين لا العناوين، إنسان يحج بيت الله الحرام يعود إلى بلده، تقام له الزينات، هذه عناوين، أما المضامين فهل ترك المعاصي والآثام؟ هل ترك المال الحرام؟ هل ترك الاختلاط؟ العبادات لها عناوين، وفيها مضامين.

5 ـ المبادئ لا الأشخاص :

 شيء آخر: المبادئ لا الأشخاص، قال عالم جليل: نحن نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال، الأمر الحق، الأصل الحق، أما في مجتمعات أخرى فلا، لو قال باطلاً قبله الناس.
 لذلك هناك قاعدة دقيقة جداً: كل إنسان يؤخذ منه، ويرد عليه، إلا صاحب القبة الخضراء، سيدنا محمد.

6 ـ التدرج لا الفطرة :

 شيء آخر في الدعوة: التدرج لا الطفرة، إله عظيم كيف حرم الخمر؟ قال:

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾

[ سورة النساء: 43 ]

 هذه الآية نسوها، لِمَ بقيت في القرآن؟ ليتعلم الدعاة منها التدرج في الدعوة مع الطرف الآخر.

 

7 ـ مخاطبة القلب والعقل معاً :

 ومن أصول الدعوة إلى الله مخاطبة القلب والعقل معاً، الآية تقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

[ سورة الانفطار: 6 ]

 يخاطب قلبه.

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

[ سورة الانفطار: 7 ]

 يخاطب عقله.

 

التدخل الإيجابي في سوق الدعوة :

 حياتنا باتت بين شرين والبطولة أن نفرق بينهما
يوجد شيء دقيق جداً: التدخل الإيجابي في سوق الدعوة، أنت يمكن أن تقدم الإسلام واضحاً، معللاً بالأدلة الشرعية، مدللاً عليه بالأدلة الاجتماعية والعلمية، مؤكداً لهذه الدعوة بالتطبيق، هذا اسمه التدخل الإيجابي في السوق، ولك أن تجعل دعوتك هجوماً، ونقداً، وتنديداً، وتضعيفاً لمن حولك، الأسلوب الآخر الآن لا يجدي أبداً.
 الآن حياتنا ليست بين خير وشر، ولكنها بين شرين، فالبطولة أن نفرق بينهما ونختار الأقل شراً.
 لذلك قيل: ليس بخيركم من عرف الخير، ولا من عرف الشر، ولكن من عرف الشريين وفرق بينهما واختار أهونهما.

ضرورة الاعتناء بالمظهر عند الدعوة إلى الله :

 شيء آخر يتعلق بمظهر الداعية ظاهرياً، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة بين الناس ))

[أحمد عن سهل بن الحنظلية]

 فالمظهر له في الدعوة شأنٌ كبير.
 شيء آخر، هذا ليس إجبارياً، قال:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة يس: 20-21 ]

 وهناك نص دقيق: من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لكم إيمانكم، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، ودعوتكم.
 والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018