دروس جامع التقوى - الجزء الثاني : الدرس 004 - قصة حب - حب أبي العاص للسيدة زينب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

دروس جامع التقوى - الجزء الثاني : الدرس 004 - قصة حب - حب أبي العاص للسيدة زينب.


2019-09-02

الإسلام دين الحياة :

 موضوع هذا الدرس قصة حب، في الحلقة الضيقة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أردت من هذه القصة أن أؤكد لكم أن الإسلام دين الحياة، دين التوازن، دين أن تعمل لآخرتك ولدنياك، دين أن يحب قلبك.
 فلذلك الإسلام لا يتناقض مع أن تعيش حياة رغيدة سعيدة، لا يتناقض مع أن يكون لك أسرة هي مأمنك و سرّ سعادتك، أن تعيش مع أولادك، أن تعيش مع أصهارك، مع كنائنك، أن تكون في الدنيا سعيداً، و في الآخرة ناجحاً وسعيداً أيضاً.
 طبعاً قبل الإسلام ذهب أبو العاص رجل ممن حول رسول الله قبل البعثة، إلى النبي صلى الله عليه وسلم و قال له: أريد أن أتزوج ابنتك الكبرى، زينب- كل كلمة في هذه القصة قانون- فقال النبي الكريم: لا أفعل حتى أستأذنها، ما هذا الإسلام؟! لا يقبل عقد زواج إلا بموافقة الفتاة.
 لايتناقض الإسلام مع أن يكون لك أسرة هي مأمنك وسر سعادتك
أنا بعمري الدعوي عندنا بالشام الكثير من عقود القران تتم في البيوت قبل المحكمة، لا يمكن أن أبرم العقد إلا عندما أستمع من وراء الباب لموافقة الزوجة، وإلا فالعقد باطل، مهما يكن الأب قوياً، مهما يكن مسيطراً، مهيمناً، جباراً، إن قالت: لا، لا يوجد زواج، لا يوجد عقد زواج.
 أبو العاص ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة، وقال له: أريد أن أتزوج ابنتك الكبرى زينب، فقال له النبي الكريم: لا أفعل حتى أستأذنها، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على زينب وقال: يا بنيتي، إن ابن خالتك جاءني وذكر اسمك، انظر لهذه الكناية اللطيفة! أحبّ أن يتزوجك، لا، ليس هكذا، ذكر اسمك، يا بنيتي! إن ابن خالتك جاءني وذكر اسمك فهل ترضين به زوجاً لك؟
 نبي الأمة، رسول الأمة، سيد الخلق، حبيب الحق، لا يمكن أن يستخدم مكانته الكبرى في الأرض، رسول، نبي، أب، زعيم، قائد، حاكم، يا بنيتي! إن ابن خالتك جاءني وذكر اسمك هل ترضينه زوجاً لك؟
 طبعاً أجمل ما في الفتاة حياؤها، و أجمل ما في الرجل شجاعته، أعلى صفة بالمرأة حياؤها.

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾

[ سورة القصص الآية: 25]

 أعلى صفة بالمرأة حياؤها
يا أخي الحياء فُقد الآن، أجمل شيء بالمرأة حياؤها، وخجلها، الآن يرتفع صوتها، وتخاطب زوجها بقسوة بالغة، ولا تعبأ، هذا بعلم النفس يفقدها أنوثتها، المرأة جميلة بالأساس، لكن أجمل ما في المرأة أنوثتها، الأنوثة تأتي من حيائها، من خجلها، من سكوتها أحياناً، هناك صفات تعد قمة في أخلاق المرأة، وتعد وصمة عار في حق الرجل، يوجد أخلاق للنساء على رأسها الحياء، ورد بالاثر:

(( إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت))

 أي آخر رادع يردع الإنسان عن أن يقترف الكبيرة الحياء.
 فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على زينب وقال: يا بنيتي إن ابن خالتك جاءني وذكر اسمك، هل ترضينه زوجاً لك؟ الجواب: احمر وجهها، وابتسمت، أي رضيت.
 من عظمة هذا الإسلام أن النبي الكريم قال: إذنها صمتها، ماذا تقول لك؟ أتمنى أن أتزوجه، لا تتكلم، حياؤها يمنعها، صمتها موافقتها، صمتها رضاها.
 تزوجت زينب أبا العاص بن الربيع لكي تبدأ قصة حب قوية.

 

سعادة الإنسان بالمباح :

 يا أخوان كلمة دقيقة جداً: ما من شهوة أودعها الله في الإنسان على الإطلاق إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة في الشرع، أي بالإسلام لا يوجد حرمان أبداً، إذا أنت مؤمن فلست محروماً، لكن والله سعادتك بالمباح مليون ضعف بالمحرم، لا أحد ينتبه.
 الإنسان أحياناً يتزوج، يتم لقاء زوجي، يصلي قيام الليل، يبكي بالصلاة، لأنه لم يخرج عن منهج الله، أما لو أنه حدث فتاةً على الهاتف لا تحل له بكلمات فيها غزل، يحجب عن الله، واضح تماماً؟
 لا يوجد بالإسلام حرمان ولكن يوجد ترشيد
أعيدها مرة ثانية: ما من شهوة أودعها الله في الإنسان على الإطلاق إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري خلالها، إذاً لا يوجد بالإسلام حرمان، يوجد ترشيد، اشتهيت المرأة تفضل وتزوج، و هناك من يعينك من المجتمع، و من الأهل، و من أهل الزوجة، والله يوجد أشخاص عندما يجد الشاب مناسباً يقدم له كل شيء.
 أذكر إنساناً يعمل في محل تجاري في الشام، جاءته امرأة لعوب، غمزته، غمزها، قالت له: اتبعنِي، تبعها، في الطريق، والده أخذه إلى الحج من ثماني عشرة سنة، فلما مشى خلفها راجع نفسه، أنا حاجج! إلى أين؟ فاستحى من الله، وركب مركبة ورجع إلى بيته، أي استحى من الله، يقسم هذا الشاب بالله لأحد علماء دمشق الذي ذكر لي القصة، قال له: بعد شهر أو أسبوعين لا أتذكر، بعد فترة أسبوع أو أسبوعين أحد أكبر وجهاء الحي جاء إلى محله التجاري، قال له: يا بني أنت متزوج؟ قال له: لا، قال له: عندي بنت تناسبك، توهم أنها بنت كاسدة بعيدة عن الجمال المطلوب، قال له: ابعث أمك لتراها، أرسل أمه فإذا بالفتاة رائعة جداً، وشابة، كأن الأب هو خطب زوجاً لابنته، أعجبه أعطاه محلاً، وأخذ له بيتاً بالقصور، و سيارة معينة، لأنه استحى من الله ورجع، يا شباب اسمعوا:

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

المشكلة التي ظهرت بين أبي العاص و زوجته زينب :

 أما المشكلة متى ظهرت؟ ثم بدأت مشكلة كبيرة، حيث بعث النبي صلى الله عليه وسلم نبياً، هنا يوجد مشكلة، كان أبو العاص مسافراً، و حينما عاد إلى بلدته وجد زوجته قد أسلمت، فقالت له: عندي لك خبر عظيم، فقام وتركها، فاندهشت زينب و تبعته و هي تقول: لقد بُعث أبي نبياً، و أنا أسلمت، فقال: هل أخبرتيني أولاً؟ قالت له: ما كنت لأكذب أبي، أبي لا يكذب، و ما كان أبي بكاذب، إنه الصادق الأمين، ولست وحدي أسلمت، لقد أسلمت أمي، وأسلم إخوتي، و أسلم ابن عمي علي بن أبي طالب، وأسلم ابن عمك عثمان بن عفان، وأسلم صديقك أبو بكر، فقال: أنا لا أحب أن يقولوا: خذل قومه، وكفر بآبائه إرضاءً لزوجته، وما أبوك عندي بمتهم، انظر إلى الدقة! أنا لا أكذب رسول الله، لكن أنا لا يناسبني أن أسلم، كلام دقيق و جميل جداً، و ما أبوك عندي بمتهم، فهلا عذرتني و قدرت ذلك؟ انظر إلى الرقة أيضاً، اعذريني، أنا لا أستطيع أن أسلم، فقالت: و من يعذر إن لم أعذر أنا؟ معقول لا أعذرك؟ انظر إلى الموافقة! ولكن أنا زوجتك أعينك على الحق حتى تقدر عليه، يا الله! أعينك على الحق حتى تقدر عليه، أي حتى تأخذ أنت القرار، أنا لا أجبرك.
 وقع أبو العاص أسيرا بعد غزوة بدر
ظلّ أبو العاص على كفره عشرين عاماً، وهو كافر بالدعوة، حتى جاءت الهجرة، النبي سيهاجر، فذهبت زينب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله أتأذن لي أن أبقى مع زوجي؟ انظر إلى الوفاء الزوجي، أبوها نبي، رسول، أتأذن لي أن أبقى مع زوجي؟ فأذن لها النبي الكريم، الأب الذي بعث رسولاً للأمة، ابنته لم تتمكن، وظلت بمكة إلى أن حدثت غزوة بدر، وقرر أبو العاص أن يخرج للحرب في صفوف قريش، زوجها يحارب والدها، فكانت تبكي كثيراً، وتقول: اللهم إني أخشى من يوم تشرق فيه شمسك فييتم أولادي أو أفقد أبي، إحدى حالتين، إما أن أفقد أبي، أو يقتل زوجي، الوضع صعب، أبوها نبي، وزوجها يحارب النبي، ويخرج أبو العاص بن الربيع ويشارك في غزوة بدر، وتنتهي المعركة، فيقع أسيراً، وتذهب أخباره إلى مكة.
 تسأل زينب ماذا فعل أبي؟ يقال لها: لقد انتصر أبوك والمسلمون، فتسجد لله شكراً على الانتصار، ثم تسأل: وماذا فعل زوجي؟ فيقال له: أسره محمد، فقالت: أُرسل في فداء زوجي، لأنه صار أسيراً، لم يكن لديها شيء ثمين تفدي به زوجها إلا عقداً لأمها خديجة، التي كانت تزين به صدرها، العقد من اشتراه لخديجة؟ سيدنا محمد، أرسلت العقد مع شقيق أبي العاص بن الربيع- مع شقيق زوجها- زوجها مسجون، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان النبي جالساً يتلقى الفدية، ويطلق الأسرى، و حين رأى عقد السيدة خديجة سأل: هذا فداء من؟ هو كان قد اشترى العقد لزوجته خديجة، هذا فداء من؟ قال: هذا فداء أبي العاص، أي صهره، فبكى النبي، وقال: هذا عقد خديجة، ثم نهض، حاكم، رسول، نبي، زعيم، حاكم، قائد جيش، فاستشار أصحابه، هلا قبلتم أن تردوا إلى زينب عقدها؟ هذه ديمقراطية، يخلع الحاكم الآن مليون رقبة، هل قبلتم أن يرد إلى زينب عقدها؟ قالوا: نعم يا رسول الله، أعطاه النبي العقد، ثم قال له: قل لزينب لا تفرطي بعقد خديجة، هذا غال عليّ.
 انظر إلى الوفاء، لفتة جانبية، تزوج النبي عائشة شابة، عذراء، جميلة، مرة قالت له- هو يذكر خديجة كثيراً، ماتت، الآن الشخص إذا أخذ شابة، القديمة ماتت يقول لها: خلصنا منها، دون أن يشعر يبخس فيها كي يرضي الجديدة- ألم يبدلك الله خيراً منها؟ قال: لا والله، لا والله، لا والله.
 وفاء لا حدود له، أعطاه لزينب وقال: لا تفطري في عقد خديجة، ثم قال له: يا أبا العاص هل لك أن أساررك؟ أقول لك كلمة لكن مزعجة، ثم تنحى به جانباً وقال له: يا أبا العاص إن الله أمرني أن أفرق بينك وبين زوجتك، أي لا يجوز لمسلمة أن يكون زوجها كافراً، الحكم شرعي، ولكن ممكن المسلم أن تكون زوجته غير مسلمة، هو مؤمن، في قلبه رحمة، أما غير المؤمنة المسيحية، سيدنا المسيح نحن نؤمن بنبوته، لا يوجد تناقض.
 يا أبا العاص إن الله أمرني أن أفرق بينك وبين زوجتك، فهلا رددت إليّ ابنتي؟ العلاقة انتهت، هو أعلن كفره، لأنه يحارب النبي، انظر إلى الأخلاق العالية، كافر وأخلاقه عالية، قال له: نعم، وخرجت زينب ليستقبلها أبو العاص على أبواب مكة، فقال لها حين رآها: إني راحل، قالت: إلى أين؟ قال: لست أنا الراحل، أنتِ سوف ترحلين إلى أبيك، قالت: لماذا؟ قال: للتفريق بيني وبينك، فارجعي إلى أبيك، فقالت: هل لك أن ترافقني وتسلم، قال: لا، لن أسلم، فأخذت ولدها وابنتها وذهبت إلى المدينة، وبدأ الخطّاب يتقدمون إليها على مدى ستة أعوام، بنت رسول الله، وكانت ترفض للوفاء، على أمل أن يعود إليها زوجها، وبعد ستة أعوام كان أبو العاص قد خرج بقافلة من مكة إلى الشام، و في أثناء سيره قابل مجموعة من الصحابة فأسروه من قافلته، وقع الصهر أسيراً عند العم، فسأل عن بيت زينب، الآن هو بالمدينة، وطرق بابها قبيل أذان الفجر- زوجته- فسألته حين رأته: أجئت مسلماً؟ قال: لا، بل جئت هارباً، فقالت له: هل لك أن تسلم؟ قال لها: لا، لن أسلم، قالت: لا تخاف، مرحباً بابن الخالة، مرحباً بأبي علي، وأمامة، أولادها منه.
 وبعدها أمّ النبي المسلمين لصلاة الفجر، اسمعوا الآن المسجد ممتلئ بالصحابة، تخرج هذه البنت الرائعة زينب و تقول: قد أجرت أبا العاص بن الربيع، أن تجير إنساناً خائفاً هذا موجود بالإسلام، أنا أجرته، فقال النبي بأدب جم: هل سمعتم ما سمعت؟ النبي لا يوجد عنده علم إطلاقاً، لا يوجد مؤامرة، ولا تمثيلية، ولا موقف ذكي، ظاهره موقف رائع، والباطن بالعكس، هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم، قالت زينب: يا رسول الله، إن أبا العاص إن بَعُد فهو ابن الخالة، وإن قَرُب فهو أبو الأولاد، فقد أجرته يا رسول الله.

الموضوعية أخلاق و علم :

 أكثر شيء أثر بي في هذه القصة كلمة واحدة قالها النبي، قال: والله ما ذممناه صهراً، انظر إلى الموضوعية! الموضوعية أخلاق، الموضوعية علم، كافر جاء يحارب النبي، لكن ما نسي أنه كان صهراً جيداً، أنت بطولتك أن تذكر الشيء السلبي، و الإيجابي، يوجد إيجابيات و سلبيات، نقاط مضيئة، و نقاط مظلمة.
 مثلاً؛ هذا الموظف يتأخر كل يوم، و أنت مدير مؤسسة، لكن تعرف أنه صادق مخلص، لم يخنك أبداً، وفيّ لك، لا تنسى فضله، يا أخواننا إذا أحدكم مدير مؤسسة، مدير محل تجاري، و أخطأ أحدهم بحقك مثلاً لا تنس له إيجابياته.
 مثلاً؛ شخص دخل إلى الجامع من شدة حرصه على أن يلحق الركعة الأولى مع النبي ركض و أحدث جلبة، و ضجيجاً، ماذا قال له النبي؟ قال له: زادك الله حرصاً و لا تعد، زادك الله حرصاً.
 الموضوعية أخلاق
نصيحة لوجه الله: أنت أب، مدرس، معلم، صاحب محل تجاري، رئيس دائرة، أي منصب قيادي، و أحد أتباعك أخطأ، لا تنس له إيجابياته، لا تنس له أشياءه المشرقة.
 قال له: زادك الله حرصاً، ركض، أحدث جلبة، و شوش على المصلين، زادك الله حرصاً و لا تعد، هذه قاعدة.
 كان هناك كتاب "دع القلق و ابدأ بالحياة" طبع منه مليون نسخة، كله قواعد أخلاقية، كيف يعامل المدير موظفيه، أحد القواعد، أخطأ الموظف اذكر له قبل كل شيء إيجابياته، إتقانه للعمل، إخلاصه للشركة، ثم حاسبه على التأخر، مع ابنك، معلم، مدرس، رئيس دائرة، أي منصب قيادي أحد أتباعك أخطأ قبل أن تؤنبه على خطئه اذكر بعض فضائله.
 فقال: إن قبلتم أن ترد إليه ماله، إن قبلتم، هو لا علاقة له، هذه هي الديمقراطية، إن قبلتم أن تردوا إليه ماله، و أن تتركوه أن يعود فهذا أحبّ إلي، أتمنى، لكن الأمر لكم، وإن أبيتم فالأمر لكم و الحق لكم، و لا ألومكم عليه، فقال الناس: بل نعطيه ماله يا رسول الله، عندما أخذ الموافقة من أصحابه- هذه الديمقراطية الحقيقية- قالوا: قد أجرنا من أجرت يا زينب، قد أجرنا من أجرت.
 ثم ذهب إليها عند بيتها، قال لها: يا زينب أكرمِي مثواه، فإنه ابن خالتك، وإنه أبو العيال، أبو أولادك، ولكن لا يقربنك، فإنه لا يحل لك، لم يعد بينكما علاقة زوجية، فقالت: نعم يا رسول الله، انظر إلى هذا الأدب! سيد الخلق يذهب لبيت ابنته استقبليه، وأكرميه، لكن هو الآن ليس زوجك، لا يحل لك، لا يقربنك، فدخلت وقالت لأبي العاص بن الربيع، يا أبا العاص أهان عليك فراقنا؟ هل لك إلى أن تسلم وتبقى معنا؟ قال: لا، وأخذ ماله وعاد إلى مكة، قصة عجيبة.
 وعند وصوله إلى مكة وقف وقال: لِمَ كل هذا؟ معه أموال كفار قريش، هو تاجر، وهم مستثمرون عنده، أموالهم معه، وقف وقال: أيها الناس هذه أموالكم، أعطاهم إياها كاملة، هل بقي لكم شيء عندي؟ قالوا: لا، جزيت خيراً، وفيت أحسن الوفاء، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، متى أسلم؟ لم يستغل إسلامه ويأكل الأموال، هذه تصير كثيراً الآن، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم دخل المدينة فجراً، وتوجه إلى النبي الكريم وقال: يا رسول أجرتني بالأمس، واليوم جئت لأقولها صادقاً لا مكرهاً، لا إله إلا الله لأقولها صادقاً، لئلا تفسر أنه نافق، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
 فقال أبو العاص بن الربيع: يا رسول الله هل تأذن لي أن أرجع إلى زينب؟ تسمح لي أن أرجعها؟ فأخذه النبي وقال: تعال معي، وقف عند بيت زينب، وطرق الباب وقال: يا زينب ابن خالتك جاءني اليوم و استأذنني أن ترجعي له، هل تقبلين؟ انظر إلى حق المرأة، فاحمر وجهها وابتسمت، معنى هذا أنها موافقة، وبعد سنة من هذه الواقعة ماتت زينب، فبكى أبو العاص عليها بكاءً شديداً، حتى رأى الناس رسول الله يهون عليه، فيقول له أبا العاص: والله يا رسول الله ما عدت أطيق الحياة بعد زينب، ومات بعد سنة من موتها، هذه قصة حب، لكن حب نقي، طاهر، شريف، حب حقيقي، حب مشروع، لذلك قالت له السيدة عائشة: أتحبني؟ فأجابها إجابة رائعة جداً: والله إني أحبك.

حاجة البيوت الإسلامية إلى الحب :

 أنا أقول: المرأة بالبيت تحتاج إلى حب، كثير من البيوت فيها جفاء، لا يوجد بها مودة.
 حدثني أب ابنته خطبت، قال لي: كانت المكالمة بينهما ثلاث عشرة ساعة، بعد أن تزوج لم يعد يتكلم أية كلمة، كن على مودة، المودة بالبيت من الدين، والإيجابيات اذكرها، كلمات الحب لا تلغها أبداً، أصبحت الحياة يومية روتينية ليس لها طعم إطلاقاً، كل بيت لا يوجد به حب فيه مشاكل كثيرة.
 أرجو الله أن يحفظ لكم إيمانكم جميعاً، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018