الدرس : 254 - خواطر عن الحياة والموت. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 254 - خواطر عن الحياة والموت.


2018-04-20

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

عالم الغيب لا يعلمه إلا الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ استثناءً من الموضوعات المتسلسلة عن قوانين القرآن الكريم، هذا الدرس له موضوع خاص.
 الحقيقة أن هناك عالمين، عالم الغيب، وعالم الشهادة، نحن الآن بعالم الشهادة أما ما سيكون فهذا عالم الغيب، يوجد آية جامعة، مانعة، قاطعة:

﴿ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة النمل: 65]

 وأي إنسان يدّعي علم الغيب اركل كلامه بقدمك:

﴿ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة النمل: 65]

 آية قطعية الدلالة، وبالأصل قطعية الثبوت، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أيضاً لا يعلم الغيب، لكن الله أعلمه، فكل حديث شريف بلا استثناء، صحيح يتحدث عن أشراط الساعة هذا من إعلام الله لرسوله.

 

ظواهر حدثت في زماننا أخبر النبي عنها و هذا من إعلام الله له :

 أخواننا الكرام؛ أحد هذه الأحاديث:

(( موت يكون في أمتي كعقاص الغنم ))

[الحاكم عن عوف بن مالك]

 العقاص؛ وباء يصيب الغنم، بالمئات، بالألوف، بعشرات الألوف.

((لا يدري القَاتِلُ في أَيِّ شيء قَتَلَ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 في تاريخ البشرية المجرم يقتل، القاتل يُقتل، الذي شقّ عصا الطاعة على أولي الأمر يُقتل، إلا في هذه الأيام بلا سبب.

(( موت يكون في أمتي كعقاص الغنم ))

[الحاكم عن عوف بن مالك]

 دولة عظمى عندها سلاح مخيف، لتقاتل دولة عظمى أخرى، أما يأتي هذا السلاح لدولة نامية ضعيفة، بقرية ينزل الصاروخ يهدم عشرين أو ثلاثين بيتاً، مع أربعين أو خمسين قتيلاً، والعالم ساكت، ولا كلمة، ولا اعتراض، المفارقة الحادة التي لا تحتمل من أجل صحفي واحد العالم قام بأكمله ولم يقعد، من أجل مليون قتيل مدني أعزل، ولا كلمة، ولا تعليق، ولا تنديد، لذلك النبي الكريم قال:

(( تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً ))

 الحروب العالمية كان محصلتها خمسين مليون قتيل، تقريباً أوروبا كلها هُدمت، ومرة بآسيا، ومرة بإفريقيا، نحن في آخر الزمان.

(( تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً، فيأتي أخي عيسى يملؤها قسطاً وعدلاً ))

 عودة هذا النبي الكريم ثابتة في الكتاب والسنة، بل إن عودته أحد أكبر أشراط الساعة.

(( تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً، فيأتي أخي عيسى يملؤها قسطاً وعدلاً ))

 أول ظاهرة:

(( موت يكون في أمتي كعقاص الغنم ))

[الحاكم عن عوف بن مالك]

((لا يدري القَاتِلُ في أَيِّ شيء قَتَلَ، ولا يدري المقتولُ في أَي شيء قُتِلَ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير.
 الشيء الغريب أنه قديماً كان هناك مآس كثيرة، لكن لم يكن هناك إعلام، أربعون ألفاً قتلوا بالثمانينات، ولا كلمة، ولا تعليق، لم يكن هناك إعلام، أخبار متفرقة قليلة جداً، الآن إذا شخص عطس عطسة بأستراليا تظهر على الشاشة، كل ما يجري على الشاشة، تحت سمع الناس وبصرهم، ومع ذلك لا يوجد حركة.

 

الانتماء الفردي :

 ممكن أقول: عندنا حالة مرضية خطيرة، ما اسمها؟ الانتماء الفردي، فقط يهمك بيتك، ودخلك، وأهلك، لا يوجد انتماء عام أبداً، والانتماء عندما يصير فردياً تضعف الأمة، لأن قوتها في اتحادها، قوتها في تضامنها، قوتها في حركتها، فلذلك:

(( تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً، فيأتي أخي عيسى يملأها قسطاً وعدلاً))

(( موت يكون في أمتي كعقاص الغنم ))

[الحاكم عن عوف بن مالك]

((لا يدري القَاتِلُ في أَيِّ شيء قَتَلَ، ولا يدري المقتولُ في أَي شيء قُتِلَ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

نعم ألفت فنسيت :

 أحب أن أنبه الناس، الأخوة الكرام في هذا البلد الطيب: إلى نعمة ألفتموها، والنعم إذا أُلفت نُسيت، ودعاء النبي الكريم في لفتة رائعة:

(( اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها))

 أنتم في هذا البلد يوجد ثلاث نعم، يغلب على ظني أنكم لا تعرفونها، لأنكم ألفتموها بديهة، تشبه شخصاً سافر لأمريكا مدة شهرين، خلال شهرين ما خطر في باله لثانية واحدة أن هناك رجلاً أجنبياً دخل لبيته، لثقته بزوجته، هذه نعمة لا تقدر بثمن لكن أُلفت فنسيت.
 شخص استقيظ صباحاً كهذا اليوم، استيقظ وقف، سمعه، بصره، قوته تمام، نعمة لا تقدر بثمن، من يخطر في باله أن هناك دعاء خاصاً لصلاة الفجر، استيقظ:

(( الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي ))

 يا عيني! أي سمح لك بيوم جديد، كم إنسان ينام لا يستيقظ؟ كم إنسان يخرج من بيته و لا يعود؟ كم إنسان يعود ولا يخرج؟ بالآلاف.

(( الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي ))

 وقف، حركته جيدة، سمعه، بصره.

(( وعافاني في بدني ))

 نعمة ثانية، والله غلطة بالجسم تجعل حياة الإنسان جحيماً.
 مرة قال لي شخص: الدمع الفائض له قناة، من العين إلى الأنف، لماذا أنفك رطباً؟ لأنه يوجد دمع، عندما سُدت صار الدمع يسيل على خده، بعد فترة صار بخده أخدوداً، لأن الدمع مادة قلوية، هذه القناة الدمعية لو سُدت الحياة لا تحتمل، معه منديل دائماً يمسح، يمسح، حتى هذا الدمع القلوي عمل له أخدوداً بخده.
 والله يا أخوان إن شاء الله لا أبالغ، يوجد مليون نعمة بصحتك لست منتبهاً لها أنت.
 شخص كان عندنا رئيس وزارة، له مكانة كبيرة، ضعفت ذاكرته، يخرج و لا يعود، يبحثون عنه بالشام للساعة الثانية عشرة حتى يجدوه، يمشي بالطريق، لكنه فقد ذاكرته.
 شخص آخر فقد ذاكرته لم يعد يعرف الأقارب، جاء ابنه من أمريكا، قال له: من أنت؟ قال له: بابا أنا ابنك، قال له: لا أعرفك.
 كل واحد منكم والله عندك مليون نعمة، لكنها أُلفت فنسيت، عندك أولاد، عندك زوجة، عندك بنات، عندك أصهار، عندك عمل، قد يكون متواضعاً، عندك دخل هذه نعمة كبيرة.
 أخواننا الكرام؛ أذكر مرة كان عندي سفر بالصيف، وانتهينا من نشاط اليوم الأول الساعة الرابعة، فيجب أن نبقى لليوم الثاني قطعاً، احتجنا إلى فندق من الساعة الثانية عشرة ظهراً للساعة الثانية عشرة بالليل تمنينا أن نجد مكاناً ننام فيه، لم نجد أي مكان، كله ممتلئ، ثم نمنا في الممر على فراش من الإسنفج ووسادة من سنة لم تغسل، وشعرت أن هذا مأوى، خطر في بالي دعاء النبي عندما دخل بيته:

(( الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له))

 أنا أقول الذي معه مفتاح بيت، قد يكون ملكاً، وقد يكون أجرة، وقد يكون كبيراً، وقد يكون صغيراً، غرفة ونصف، وقد يكون بحي راق، وقد يكون بحي الفقراء، ممكن.
 مرة دعيت إلى محاضرتين، الأولى بالبقعة، بعمان، والثانية بعبدون، فقر مذقع بالبقعة، البيت غرفة وحدة، ثم ذهبت لعبدون، بعبدون كان هناك تعزية، ثريات غير معقول، من نوع غال جداً، البلاط إيطالي مستورد، الأثاث فاخر جداً، شيء مستحيل، طوال الجلسة بالتعزية أقول من اختار الثريات؟ المرحوم، من اختار البلاط؟ المرحوم، من اختار الأثاث؟ المرحوم، من صمم البيت؟ المرحوم، من صمم الجبصين؟ المرحوم، أين المرحوم؟ تحت الأرض.

(( عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت على وجه الأرض إنساناً أعقل، ولا أذكى ممن يعمل لهذه الساعة التي لا بد منها.

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

 عندي موضوع دقيق جداً: خمسة عشر ملحداً، ملحد داعية، ليس ملحداً الدين لم يعجبه فسكت، لا، ملحد داعية، ماذا قالوا على فراش الموت: مرة ألقيتها بدرس، خمسة عشر ملحداً، ملاحد ودعاة، ماذا قالوا على فراش الموت؟
 لذلك أقول كلمة دقيقة: أنت مع مليار موضوع بحياتك تملك خيار القبول أو الرفض، هذه المخطوبة لم تعجبك، أخلاقها ليست جيدة، تقول: أنا لا أريدها، البيت لم يعجبك، بعيد وغال، لا أريده، هذه الحرفة لم تعجبك دخلها قليل، ودوامها كبير، فأنت معك مئات الملايين من الخيارات بحياتك خيار رفض، إلا خيار الإيمان خيار وقت، إما أن تؤمن في الوقت المناسب، وأنت صحيح شحيح، ترجو الحياة، ترجو الغنى، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان.

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

 لا يوجد عودة.

(( رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ))

 أدخل هذا اليوم بحسابك اليومي، تدخل لبيتك قائماً، تخرج بشكل أفقي، أربع و ثمانون سنة تدخل بشكل عامودي، لكن مرة واحدة تخرج يشكل أفقي، هذه الحالة أدخلها بحسابك اليومي، هذه الصفقة لا ترضي الله.
 أحياناً يوجد شركات عملاقة بأوروبا لها وكيل، إذا لم يأخذ من كل المواد لا يعطونه الوكالة، هناك مواد خمر يشتريها، يقول لك: مضطر، لا، لست مضطراً، كلمة مضطر تعلموها، ممكن أنت تتساهل بالأحكام الشرعية إذا كنت مضطراً، إذا كنت تخشى القتل، أو تخشى فقد الحرية للأبد، أو تخشى موت أحد الأقارب، هذا معنى المضطر، مضطر أخي نريد أن نبيع ونشتري، والمادة فيها حرمة.

 

من عرف سرّ وجوده دخل الجنة :

 أخواننا الكرام، القضية ليست سهلة، نحن نفهم فهماً خاطئاً ساذجاً، ما الدين؟ صلاة وصوم، وحج، وزكاة، لا، هذه عبادات شعائرية، والله لا أبالغ، تقول خمسة آلاف ممكن، خمسة آلاف حكم بالتعامل، بكسب المال، بإنفاق المال، بالعلاقة مع الأهل، مع الوالدين، مع الأقارب، مع الجيران، مع من حولك، مع صحتك، مع أولادك، يوجد أناس يعيشون هكذا.
 هناك دراسة أكاديمية دقيقة جداً، ثلاثة بالمئة من البشر فقط يعلمون لماذا هم في الدنيا، لكن هناك دراسة جامعية، قامت باستبيان لمئة ألف، لماذا أنت في الدنيا؟ يقول لك: لا نعرف لماذا نحن نعيس في الدنيا، وهناك كلمة أخرى: نعيش من قلة الموت، يوجد كلمة ثالثة: هكذا نعيش، كلام فارغ، أنت الله أرسلك إلى الدنيا لكي تدفع فيها ثمن الجنة، إلى الأبد، الواحد عندما يعرف سرّ وجوده.

الخيار مع الدين خيار هواء تستنشقه :

 أخواننا الكرام؛ أنا لا أبالغ حضور مجلس علم فرض، تعرف من أنت، أنت أول مخلوق، أنت مكرم، أنت فوق الملائكة.
 ركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كيلهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.
 إما فوق الملائكة، أو دون أحقر حيوان، هل هناك حيوان أحقر من الجرذ؟ أحقر منه.
 كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***

 و:

كل ابــن أنثى وإن طالت سلامــته  يـــوماً على آلة حدبـــاء محمول
فإذا حمــــلت إلى القبور جنـــــــــازة  فاعــــلم بأنــــك بعدهـــــــا محمول
***

 قصة رمزية: شخص وصل لطريقة أنه يرى مارداً يعطيه ما يشاء، طلب قصراً، أعطاه قصراً، طلب أن يتزوج بنت الملك، أخذ بنت الملك، بيت، على تجارة، على أموال، بالتعبير الدارج: بيت بالمصيف، بيت بالجبل، بيت على البحر، سيارتان أو ثلاث، الآن عندما خطب ابنة الملك وافق الملك، عندما وافق الملك كان سيختل توازنه من الفرح، صار معه أموال طائلة، وبأعلى درجة اجتماعية، جاءه ملك الموت - القصة رمزية - قال له: إذا رأيتني عند قدمي الإنسان فلن يموت - هو طبيب - عالجه، قل له: حبتان قبل الطعام، وحبتان بعد الطعام، هذه على الريق، سيعيش، وإن رأيتني عند رأسه لا تقترب منه فإنه سيموت، أنصحك أن تنسحب بانتظام، هذا ليس من اختصاصي لا تؤاخذوني، انسحب رأساً، فمرضت بنت الملك، وجده عند قدميها إذاً ستعيش، طار عقله لأنه سيتزوج ابنة الملك، يوم عرسه جاءه ملك الموت، قال له: تفضل، قال له: اليوم؟ قال: اليوم، قال له: والله لو أخذتني قبل هذا لكان أفضل لي.
 هذه قصة متكررة، بعدما وفى ديونه، غيّر بيته، وسعه، غير سيارته، أخذ بيتاً كاحتياط، شيء بالمصيف، شيء على البحر، بعدما وصل لأوجه، يأتي أبو العز ملك الموت تفضل، قال له: والله لو جئتني في الأول لكان أفضل، إلا المؤمن الله وعده بالجنة، بأي لحظة، ليلاً، نهاراً، لي شيء عند الله بعد الموت، ميزة المؤمن لأنه يمشي بشكل صحيح، مستقيم، يصلي، له طمع بهذا الدين، بأي لحظة يموت، له شيء عند الله، له شيء رائع جداً.
 فلذلك أخواننا الكرام؛ الخيار مع الدين ليس خيار وردة حمراء تزين بها صدرك، خيار هواء تستنشقه.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لكم إيمانكم جميعاً، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، وبلادكم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018