إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 12 - الإيمان منهج تفصيلي في كل أدوار الحياة - النجاح أحادي والفلاح شمولي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 12 - الإيمان منهج تفصيلي في كل أدوار الحياة - النجاح أحادي والفلاح شمولي.


2019-05-17

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
 أما بعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي: "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً وتأملاً وعملاً، "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة، باسمكم جميعاً يسعدني أن أرحب بضيفنا الدائم فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم..
المذيع:
 مسمع صوتي عن آيات اليوم ثم نعود مع ضيفنا لنقف معه حولها تأملات وخواطر، يقول ربنا جل وعز:

﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل:96 ]

 مناسبة هذه الآية لما قبلها، قال تعالى:

﴿تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ*وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة النحل:94-95]

 تحدثت الآيات التي قبلها عن الأيمان وعن ضرورة حفظها، وعن عهد الله، ولزوم الوفاء به، فجاءت هذه الآية لتبين أن ثواب الله خير وأبقى لمن حفظ أيمانه وعهده، شيخنا بارك الله بكم ونفع بكم بداية لو تحدثنا عن قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

البطولة والذكاء أن ندخل الآخرة في حساباتنا :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أخي الكريم بارك الله بك، الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، يلغي كل شيء، فالإنسان إذا تعلق بالدنيا، هو يقامر ويجازف، لأن خط بيانه يصعد، من ولادته تكلم، مشى، دخل التعليم الأولي، المتوسط، الثانوي، دخل الجامعة، أخذ شهادة عليا، تزوج، اشترى بيتاً، وسع بيته، بدل سيارته، خطه البياني صاعد يأتي الموت يرجعه إلى الصفر، أنهى الموت قوة القوي، وضعف الضعيف، وعلم العليم، وجهل الجاهل، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، أنهى كل شيء، إلا أن المؤمن يمتاز بخاصة دقيقة جداً، هذا الخط البياني الصاعد إذا جاء الموت يبقى صاعداً إلى أن يصل إلى الجنة، أهل الجنة إذا رأوا مقامهم في الجنة يقولون: ما رأينا شراً قط، بينما أهل النار إذا رأوا مكانهم في النار يقولون: ما رأينا خيراً قط، لذلك البطولة والذكاء أن ندخل الآخرة في حساباتنا، ما رأيت أعقل ممن أدخل الآخرة في حسابه.

العبادة الشعائرية لا تصح ولا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

 لذلك ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في معظم آيات القرآن الكريم كالإيمان بالله واليوم الآخر، إن آمنا باليوم الآخر إن لم تنعكس مقاييسنا مئة وثمانين درجة، المؤمن يسعده أن يعطي لا أن يأخذ، أن يصل لا أن يقطع، يسعده العمل الصالح، يسعده المؤاثرة لا الأثرة، إن لم تنقلب أخلاق المؤمن مئة وثمانين درجة نحو الأفضل هناك مشكلة في الإيمان، أنا أتمنى أن يفهم الأخوة المستمعين أن الإيمان ليس قضية صلاة، وصوم فقط، منهج تفصيلي، يبدأ من أخص خصوصيات الإنسان من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، نحن نفهم الدين عبادات شعائرية؛ كالصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، هذه عبادات شعائرية، نجاحها ثمرة العبادات التعاملية، فكما أن هناك عبادة شعائرية هناك عبادة تعاملية، هذه العبادة التعاملية أشار إليها سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن الإسلام، فقال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء...))

[ ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 هذه بعض بنود العبادة التعاملية، و العبادة الشعائرية لا تصح ولا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية..

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فنحن إذا فهمنا الدين فهماً شعائرياً فهناك مشكلة كبيرة.

 

عظمة هذا الدين أنه دين فردي وجماعي :

 العالم الإسلامي يزيد عن المليارين، ومع ذلك كل وعود الله بالنصر غير محققة، لأن العبادة التعاملية قصر فيها المسلمون، فلما قصروا فيها كان حجاب بينهم وبين الله، هذا الحجاب منعهم أن يعقدوا مع الله صلة حقيقية، وكأنني وضعت يدي على مشكلة المسلمين الأولى، يوجد عبادات شعائرية، وهناك مساجد، وجوامع، ودروس علم، وبرامج إسلامية للإذاعة والتلفاز، أما إذا لم يطبق هذا الدين بتفاصيله، إذا لم يعد هذا الدين منهجاً تفصيلياً لحياتنا فهناك مشكلة كبيرة تتعطل وعود الله بالنصر، والآية تقول:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 الآية طويلة، آخر كلمة في الآية:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 إذا قصر المسلمون في عبادتهم، هذه الوعود لا تطبق، أو أن الله عز وجل في حل من وعوده الثلاث، يوجد استخلاف و تمكين و تطمين، الثلاثة ليست محققة في الأعم الأغلب، أنا لا أعمم، بعضهم قال: التعميم من العمى، لكن عظمة هذا الدين أنه دين فردي وجماعي، لو طبقه الفرد وحده قطف كل ثماره الفردية، أما إذا طبقته الأمة فتقطف ثماره الجماعية.
 الآية الثانية قوله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 معنى أنت فيهم أي سنتك قائمة في حياتهم، مطبقون لمنهجك ، الفردية قوله تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 عظمة هذا الدين فردي وجماعي في آن واحد، طبقه الفرد قطف كل ثماره الفردية، لا الجماعية، وحده، طبقته الأمة انتصرت، لذلك البطولة أن نصل إلى أصل المشكلة، أي الكرة في ملعبنا.
المذيع:
 ما أصل المشكلة؟

 

عدم تطبيق منهج الله أصل المشكلة عند المسلمين :

الدكتور راتب:
 أصل المشكلة أن هذا المنهج التفصيلي غير مطبق، لقاءاتنا، سهراتنا، رحلاتنا، تجارتنا، أحياناً كسب أموالنا، سفرنا لا يطبق فيه منهج الله بالتفصيل، اكتفينا بالعبادات الشعائرية، والشيء الدقيق الدقيق الدقيق:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 انتهت الصلاة، الصوم:

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 انتهى الصوم، الحج:
 " من حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب ونادى: لبيك اللهم لبيك، نودي أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك".
الزكاة:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 53 ]

 انتهت الزكاة، الشهادة:

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

 هذا الكلام دقيق جداً، ما لم نطبق منهج الله بتفاصيله لا نقطف ثمار الدين ولا نستحق وعد الله لنا بالنصر.
المذيع:
 كلام لطيف شيخنا في قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 لماذا قال الله تعالى من ذكر أو أنثى ولم يقل من عمل صالحاً وهو مؤمن؟

 

المساواة التامة بين الذكر والأنثى في التكليف والتشريف والمسؤولية :

الدكتور راتب:
 أريد أن أؤكد أن في اللغة قاعدة بلاغية أن هناك أكثر من مئتي آية يا أيها الذين آمنوا، عندنا في البلاغة قاعدة اسمها: التغليب، لو دخلت أربعون فتاة ومعهم شاب واحد نقول: دخل الطلاب، أربعون فتاة وشاب واحد، تغلب الذكر على الأنثى في الجمع نقول: دخل الطلاب، فإذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا قطعاً ويا أيتها الأخوات المؤمنات، مئتا آية يا أيها الذين آمنوا قطعاً المعنى القطعي أن المؤمنات معنيات بهذه الآيات، هذا التغليب سيدي، لكن أحياناً والآيات قليلة جداً يأتي الذكر والأنثى معاً، لتأكيد أن هذا الدين فيه مساواة تامة بين الذكر والأنثى في التكليف، وفي التشريف، وفي المسؤولية، المرأة مساوية للرجل في التكليف والتشريف والمسؤولية، ولكن ماذا نفعل بقوله تعالى:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ﴾

[سورة آل عمران: 36]

 نقول: خصائص الرجل الفكرية والنفسية والاجتماعية والجسمية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت به، و خصائص المرأة الفكرية والنفسية والاجتماعية والجسمية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بها، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ﴾

[سورة آل عمران: 36]

المذيع:
 في نفس الآية:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 لماذا قيم الله الأعمال الصالحة بالإيمان في هذه الآية؟

 

الإيمان المنجي هو الإيمان بالله :

الدكتور راتب:
 لأن الإنسان الذكي يرى مصلحته مادية الدنيوية أن يكون صادقاً كالغرب، الإنسان الذكي يرى مصلحته أن يكون متقناً لعمله، فأحياناً يأتي الإتقان والعمل الطيب من خلال ذكاء الإنسان، أما هنا وهو مؤمن، قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 يجب أن ينطلق بعمله الصالح من إيمانه بالله، لذلك إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة، الإنسان الآخر الطرف الآخر قد يعتقد أنه إذا أتقن عمله يربح أكثر، وإذا أدى البضاعة في وقتها المناسب يربح أكثر، من هنا الدنيا لها شأن والآخرة لها شأن، الدنيا تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم، وهذا يفسر قوة العالم الغربي، فيه إتقان بالعمل، فيه دقة بالتعامل، فيه تكافؤ فرص بين أفراد المجتمع، فيه أشياء كثيرة يتميزون بها، لكن هم ما أرادوا طاعة الله أصلاً، أرادوا مصلحتهم، لذلك الإيمان الذي ينجي أن تؤمن بالله، وأن تنطلق بإيمانك بالله إلى طاعته، لذلك إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة، والدنيا تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم، كلام ابن تيمية، فقوة الغرب من هنا جاءت، المواطن له حقوق يأخذها بالتمام والكمال.
المذيع:
 في قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 ربطت الحياة الطيبة في الآية بأمرين ما هما؟ وما الحياة الطيبة؟

 

الحياة الطيبة :

الدكتور راتب:
 الحياة الطيبة هي الحياة التي تطيب نفسك بها، أي يوجد سكينة، وتوفيق، وتفاؤل، و وقار، وبيت إسلامي، وعمل مشروع، وعلاقات طيبة مع المجتمع، والله الحديث الذي يقول:

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 لو أمضينا كل الوقت فيه لا ننتهي منه، استقام فكان سعيداً في بيته، استقام فكان موفقاً في عمله، استقام فأعانه الله على تربية أولاده، وحفظ بناته، استقام فاختار حرفة يرقى بها عند الله، لأن ألصق شيء بحياة الإنسان حرفته وزوجته، فإذا وفق في اختيار حرفة ترضي الله، واختيار زوجة لا تعصي الله، هذا النجاح الكبير، وهذا ينقلنا إلى أن هناك نجاحاً وهناك فلاحاً، النجاح أحادي، قد تنجح في كسب المال، أو تنجح باعتلاء منصب رفيع، أو تنجح بزواج، أما الفلاح فأن تنجح مع ربك معرفة وطاعة وتقرباً إليه بالعمل الصالح، وأن تنجح في بيتك إدارة وضبطاً وتألقاً، وأن تنجح في عملك إخلاصاً واستقامة، وأن تنجح مع صحتك، مجموعة النجاحات تسمى فلاحاً، والآية تقول:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 157 ]

 النجاح أحادي، أما الفلاح فشمولي..
المذيع:

﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 فلنحيينه ثم قال ولنجزينهم، ما توجيه ذلك؟

 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء :

الدكتور راتب:
 لأن هناك حياة طيبة، لكن بعد هذه الحياة الطيبة يوجد حياة آخرة، الجزاء على الاستقامة على أمر الله، وأخذ ما ينبغي، وترك ما ينبغي، يوجد دنيا سعيدة وآخرة سعيدة، الدليل قال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن : 46]

 جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، لذلك الحظوظ، المال حظ، الوسامة حظ، و الذكاء حظ، والثروة الطائلة حظ، وُزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، والغني ابتلي بالغنى، الغني ابتلي بالغنى، والفقير ابتلي بالفقر، والذكي ابتلي بالذكاء، والأقل ذكاءً ابتلي بقلة الذكاء، والمريض ابتلي بالمرض، والصحيح بالصحة، الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
المذيع:
 شيخنا هذه الآية:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 ما الذي ترشدنا إليه؟

 

محبة الإنسان لسلامته وسعادته واستمراره :

الدكتور راتب:
 البشر الآن ثمانية مليارات، ما منهم واحد على الإطلاق إلا ويتمنى ثلاثة أشياء، يتمنى سلامته وسعادته واستمراره، من يحب المرض؟ لا أحد، من يحب الفقر؟ لا أحد، من يحب القهر؟ لا أحد، من لا يحب أن يكون بيته واسعاً وزوجته رائعة وأولاده أبراراً ودخله كبيراً؟ جميعاً نحي ذلك، من لا يحب أن يعيش مئة وثلاثين سنة؟ جميعاً، فالإنسان يحب سلامته وسعادته واستمراره، سلامته باستقامته على أمر الله، لأن الإنسان أعقد آلة في الكون، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرصنا اللامحدود على سلامتنا ينبغي أن نتبع تعليمات الصانع، هذه الاستقامة، وهذا الإله العظيم ذات كاملة، أصل الكمال والنوال والجمال، فتسعد إذا اتصلت به، وحتى تتصل به لا بد من عمل صالح يكون أداة ووسيلة إليه، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

 والإنسان يحب فضلاً عن أنه ينجو من كل مشكلة أن يسعد في حياته، يتمنى الاستمرار بحياته، والإنسان يستمر عن طريق أولاده، فلو بلغت أعلى منصب في الأرض، وجمعت أكبر ثروة فيها، ولم يكن الابن كما تتمنى فأنت أشقى الناس، فالسلامة بالاستقامة، والسعادة بالعمل الصالح، والاستمرار بتربية الأولاد، والثلاثة محققة في الدين .
المذيع:
 الحياة الطيبة محققة في الدين، لو أراد الإنسان أن يكون له منهج من خلاله تكون حياته طيبة، هل من منهج تنصحون به؟

 

وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه :

الدكتور راتب:
 سيدي هذا الجماد، الطاولة أمامي لها طول، عرض، ارتفاع، حجم، النبات يزيد عليها بالنمو، والحيوان بالحركة، والإنسان يزيد على كل أولئك بقوة إدراكية أودعها الله فيه، بالعقل أول كلمة بأول آية بأول سورة قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ ﴾

[ سورة العلق: 1]

 خاطب الله قوته العقلية، قوته الإدراكية، أي اطلب العلم، لكن يوجد آية تحير، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ *عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4]

 أيعقل أن يعلم القرآن قبل أن يخلق؟ الجواب هذا الترتيب ليس ترتيباً زمنياً هو ترتيب رتبي، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه، فلذلك الإنسان يؤكد إنسانيته إذا طلب العلم، والذي شرد عن طلب العلم هو أحد هؤلاء، قال تعالى:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[سورة النحل: 21]

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون: 4 ]

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾

[ سورة المدثر : 50]

خيار الناس مع الإيمان خيار وقت :

 خيارك مع الدين لا خيار وردة حمراء تزين بها صدرك، خيارك مع الدين خيار هواء تستنشقه، فإن لم تستنشقه فقدت حياتك، الدين ضرورة، حاجة أساسية، فرعون أكبر كفار الأرض، قال تعالى:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

 والذي قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38 ]

 فرعون عندما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس: 90 ]

 إذاً خيار الناس مع الإيمان لا خيار قبول أو رفض خيار وقت، لأن أكفر كفار الأرض قبل الموت يقولون: آمنا، لذلك قال تعالى:

﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾

[ سورة الأنعام: 158 ]

المذيع:
 ما التطبيق العملي لهذه الآية؟

 

طلب العلم :

الدكتور راتب:
 لا بد من طلب العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، و إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 بارك الله بكم شيخنا، وشكر الله لكم.
الدكتور راتب:
 شكراً جزيلاً..
المذيع:
 والشكر موصول لكم أخواني وأخواتي على جميل الاستماع، و طيب المتابعة، نلقاكم غداً حتى ذلكم الحين نترككم في حفظ الله ورعايته.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018