إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 11 - وسائل تدبر القرآن - لكل آية سباق وسياق ولحاق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 11 - وسائل تدبر القرآن - لكل آية سباق وسياق ولحاق.


2019-05-16

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
 وبعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي: "ربيع القلوب" والذي يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة، نسعد معكم في هذه السلسلة المباركة بعنوان: "ربيع القلوب" مع فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 مسمع صوتي عن آيات اليوم، ثم نعود مع شيخنا لنقف معه حولها تأملات وخواطر، يقول ربنا جلّ وعز:

﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾

[ سورة النحل: 98-100 ]

 مناسبة هذه الآية لما قبلها:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل:97 ]

 تحدثت الآية التي قبلها عن الحياة الطيبة، وجاءت هذه الآية لتبين أن الحياة الطيبة لا تكون إلا مع القرآن الكريم، وإلا مع الاستعاذة بالله، واللجوء إليه، والبعد عن مسالك الشيطان، شيخنا الكريم بارك الله بكم، ونفع بكم، في قوله جلّ وعز:

﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾

[ سورة النحل: 98]

 ذكر في الآية وسيلة ناجعة من وسائل تدبر القرآن ما هي؟ وهل الآية مطلقة في أحكامها؟

 

لكل آية معنى سياقي و سباقي و لحاقي :

الدكتور راتب:
 والله الآيات أحياناً لها معنى سياقي، أو سباقي، أو لحاقي، لكنك إذا نزعتها عن سياقها وسباقها ولحاقها هي قانون، أي من اتقى الله في تطليق زوجته يطلقها ثلاث، وليس مرة واحدة، طلقها كما جاء في الشريعة العظيمة، من اتقى الله في تطليق زوجته جعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها، إذا طلقها وفق الشرع طلقة وانتظر ثلاثة قروء أي انتظر تسعين يوماً، والثانية ثلاثة قروء، والثالثة ثلاثة قروء، هذا الطلاق الشرعي، إذا اتقى الله في تطليق زوجته جعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها إذا ندم، الآية تنزعها من سياقها ومن سباقها ومن لحاقها يتكلم عليها سنة، من اتقى الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلافه، من اتقى الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من فساد العلاقة الزوجية، يتكلم عليها ألف صفحة الآية لو نزعت من سياقها، فعظمة هذا القرآن لكل آية سياق و سباق و لحاق، فإذا نزعت من مكانها أصبحت قانوناً، هذه النقطة الدقيقة جداً، يمكن أن نفهم القرآن فهماً متعلقاً بالسياق و السباق و اللحاق، أو أن نفهمه فهماً عميقاً كقانون وكمنهج وكقواعد.
 سيدنا يونس، نادى في الظلمات ثلاث ظلمات، ظلمة بطن الحوت، و ظلمة الليل، و ظلمة البحر، قال تعالى:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

[ سورة الأنبياء: 87]

 الآية تقول:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87]

 انتهت القصة، قلبت إلى قانون، قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 88]

 في أي عصر، في أي مصر، في أي ظرف، بأي مكان، بأي زمان، بأي ظرف:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 88]

 وأنا أرى أن القصص القرآني يجب أن ينقلب إلى قواعد، لأن هناك حكمة بالغة أنه لا يوجد تفاصيل، عندما افتقر القصص القرآني إلى التفاصيل ما أراده أن يكون قصة وقعت ولن تقع، أرادها الله أن تكون قانوناً، لذلك افتقار الآيات إلى التفاصيل الحيثية المكانية والزمانية والحوار والأشخاص، في القصة القرآنية شمول وإبهام هادف، أرادها الله أن تكون قانوناً وما أرادها الله أن تكون قصة، لذلك هناك حكمة بالغة من فهم قصص الله عز وجل في كتابه..
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 99 ]

 ما الصفات التي ينبغي الاتصاف بها حتى لا يكون للشيطان على الإنسان سبيل؟

 

الصفات التي ينبغي الاتصاف بها حتى لا يكون للشيطان على الإنسان سبيل :

الدكتور راتب:
 إذا الله عز وجل أعطى للإنسان سلاحاً فتاكاً للشيطان، لمجرد أن يستعيذ بالله بقلب حاضر يحترق الشيطان، هذه الاستعاذة مهما كانت الوسوسة قوية، مهما كان الإغواء قوياً، لمجرد أن تستعيذ بالله انتهى الشيطان، الهو أعطاك سلاحاً فتاكاً للشيطان، قال تعالى:

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾

[سورة الفلق:1-2]

 ليس من الشيطان فقط، من الأقوياء، من الظلام، من شر ما خلق، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾

[سورة الفلق:3]

 أي الشيطان دخل للنفس، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾

[سورة الفلق:4-5]

المذيع:
 شيخنا في نفس الآية:

﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 99 ]

 ما السلطان لإبليس على الذين آمنوا؟

 

سلطان إبليس على المؤمنين :

الدكتور راتب:
 قال تعالى:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 22 ]

 هذا موقف الشيطان يوم القيامة.
المذيع:
 شيخنا الاستعاذة عند قراءة القرآن الكريم.
الدكتور راتب:
 لأنه قد تأتي خواطر، قد يكون آية لها بعد بعيد، فالإنسان ما فهمه، فلئلا يظن بالله ظن السوء يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في سوء فهمه لكلام الهف أحياناً.
المذيع:
 لماذا سبقت هذه الآية:

﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

[ سورة النحل: 98 ]

 سبقت بقوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾

[ سورة النحل:97 ]

 ما المناسبة بين من عمل صالحاً ثم ذكرت بعدها إذا قرأت القرآن فاستعذ؟

 

الإنسان كلّ متكامل :

الدكتور راتب:
 الحقيقة الإنسان كلّ متكامل، أحياناً نخاطب عقله، أحياناً نخاطب قلبه، أحياناً نخاطب جسمه، فحينما يكون القرآن شمولياً، والقرآن الشمولي هو كلام الله، فأحياناً يخاطب عقله، يغذي عقله بالعلم، ويغذي قلبه بالحب، ويغذي جسمه بالطعام والشراب بمال حلال، فإذا غذى الإنسان عقله بالعلم، وغذى قلبه بالحب، وغذى جسمه بطعام وشراب اشتري بمال حلال تفوق، فإذا اكتفى بواحدة تطرف، والفرق كبير بين التفوق وبين التطرف، هناك توازن سيدي، العقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، فإذا طلبت العلم غذيت عقلك بالعلم، وإذا صحبت الصالحين غذيت قلبك بالحب، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 وإذا كسبت مالاً حلالاً، اشتريت به طعاماً طيباً بمعنى أنه اشتري بمال حلال، ارتقيت عند الله، فلا بد من تغذية العقل بالعلم، والقلب بصحبة الصالحين، والجسم بطعام وشراب اشتري بمال حلال:

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 ما معنى أطب مطعمك؟ لا أن تأكل اللحم مثلاً، الأكل النفيس، لا، أن تأكل طعاماً اشتري بمال حلال:

(( ..أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

المذيع:
 قال تعالى:

﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل:97 ]

الحياة الطيبة هي الصلة بالله لأنه أصل الجمال و الكمال و النوال :

الدكتور راتب:
 والله يا أخي الكريم، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، أي مؤمن بأي قارة، بأي بلد، بأي دولة، بأي نظام، مادام تعامل مع الله له حياة طيبة، بصرف النظر عن جميع الظروف والمعطيات، والأزمات والحالات الصعبة، في الحياة له معاملة خاصة، لكن هذه الحياة الطيبة لا تعني أنه غني أو بيته واسع جداً، لا، تعني أن له صلة بالله، لأن الله أصل الجمال والكمال والنوال، الإنسان إذا اتصل بالله سعد به، اتصل بالرحيم صار رحيماً، اتصل بالعليم صار عالماً، اتصل بالحكيم صار عنده حكمة، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً، الأخلاق الحسنة الأصلية الناتجة عن اتصال بالله هذه الأخلاق يتميز بها المؤمن، لكن هناك أخلاق الأذكياء، أحياناً يكون الإنسان من مصلحته أن يكون دقيقاً في تعامله مع الآخرين، من مصلحته أن يكون صادقاً، من مصلحته أن يكون متقناً لعمله، هذه الأخلاق من نوع ثان ليست هي المطلوبة، نريد أخلاقاً نابعة من الإيمان، لا من الذكاء، لأن الله أحياناً ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة، والدنيا تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم، فالقوي إذا عدل لمصلحته، لبقائه.
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

[ سورة النحل: 99 ]

 لماذا ختم الله تعالى بأمر التوكل؟

 

معاني التوكل على الله :

الدكتور راتب:
 هذا التوكل له معان واسعة جداً هو ليس القصد أن يا ربي توكلت عليك، هو توكل على الله في طاعته له، وفي تطبيق منهجه، وفي سره وعلانيته، في بيته، وفي عمله، في غناه، وفي فقره، الإنسان أحياناً لا يقبل التقلب بحسب الظروف، يوجد فقر فكان بخيلاً، لا، الإنسان الأخلاقي الذي أخلاقه أساسية من الله لا يتأثر بالظروف، بل يتأثر بقربه من الله فقط، الإنسان قد يكون بحالات صعبة، كلامه قاس جداً مع الناس، وفي الحالات التي هو ضعيف يكون لطيفاً، هذا النوع من التلون بالأخلاق ليس هو المقصود بهذا الدين.
المذيع:
 في قوله تعالى:

﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾

[ سورة النحل: 98]

 هل ممكن أن نتحدث عن طرق الشيطان في الغواية والإضلال؟

 

طرق الشيطان في الغواية والإضلال :

الدكتور راتب:
 هو في الحقيقة له دور، قد يكون هناك إيجابيات يوسوس للإنسان، يوسوس أن الله من الذي خلقه؟ لا يتحمل يذهب إلى شيخ يثق به يعطيه جواباً كافياً، فمن قوى إيمان الإنسان؟ الوسوسة، لها سبب إيجابي، عندما يكون هناك مشكلة، المشكلة لها سلبيات كثيرة، لكن أحياناً لها إيجابيات، فلو أن شخصاً قيل له: من خلق الله مثلاً؟ يتعثر، فيلتقي بعالم كبير يعطيه جواباً فيرتاح، نما علمه بهذه الطريقة، فكل شيء سلبي له أثر إيجابي دون أن تشعر، إن لم يكن فيه شيء إيجابي لم يكن الله قد سمح بوجوده أصلاً.
المذيع:
 الطرق الشيطان.
الدكتور راتب:
 الوسوسة فقط، لكن أكبر طريق عنده إفساد العلاقة بين الزوجين، هذا البيت هو اللبنة الأولى في المجتمع، هذا البيت فيه زوجة، فيه أولاد، قد يكون الدخل قليلاً لكن يوجد سعادة، قد يكون العمل شاقاً للزوج لكن فيه صبر من الزوجة، قد يكون هناك حالات صعبة جداً لكن يقابلها حالات إيجابية، أما إذا استطاع الشيطان أن يفسد العلاقة بين الزوجين فهذا أحد أكبر أهدافه، لذلك الإنسان قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ﴾

[سورة فصلت: 37]

﴿ وَمِنْ آيَاتِه اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾

[سورة فصلت: 37]

 من آياته الكون، الآن قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ ﴾

[سورة الروم: 21]

 الواو حرف عطف تفيد التماثل، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

[سورة الروم: 21]

 فالمودة والرحمة بين الزوجين من خلق الله عز وجل، فكل إنسان هذه الآية محققة فيه معنى هذا أنه يمشي بشكل صحيح، إذا كان هناك خصام دائم، نفور دائم، ابحث عن السبب، أي خلل في الزواج وراءه معصية، ابحث عن المعصية.
المذيع:
 بارك الله بكم شيخنا، قال تعالى:

﴿ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 175 ]

 على قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله ..

 

ارتباط إيمان العبد بخوفه من الله :

الدكتور راتب:
 أنت راكب سيارتك، والإشارة حمراء، لماذا تقف؟ سؤال بديهي وسؤال يومي، لأن هناك شرطياً واقفاً أو يوجد كاميرا، مثل بعضها، واضع القانون علمه يطولك، أليس كذلك من خلال هذا الشرطي أو من خلال هذه الكاميرا؟ و قدرته تطولك، على سحب الإجازة سنة، أو على فرض مبلغ كبير، للمخالفة، لماذا تقف أمام شرطي؟ لعلمك اليقيني أن علم واضع قانون السير وهو وزير الداخلية علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، و قدرته تطولك، من خلال سحب الإجازة، أنت كإنسان إذا واضع القانون علمه يطولك، و قدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، اسمع القرآن:

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

 الله عز وجل اختار من كل أسمائه الحسنى اسمين فقط؛ علمه وقدرته، أي الله علمه يطولك، وقدرته تطولك، فأنت لا تعصي شرطياً إذا أيقنت أن علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الشرطي، وقدرته تطولك، فكيف بخالق السماوات والأرض؟ إذا الإنسان فكر لا يمكن أن يعصي الله، بعد هذا قال تعالى:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

[سورة الغاشية:25ـ 26]

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر:92-93]

المذيع:
 الإيمان والتوكل على الله سبحانه سببان للحماية من شرور إبليس ووساوسه لو تحدثنا عن هذه.

 

الإيمان والتوكل على الله سببان للحماية من شرور إبليس ووساوسه :

الدكتور راتب:
 أنا لا اصدق أن تكون جهة في الأرض كائنة من كانت تستطيع أن تحول بينك وبين الله، لأن الطريق إلى الله سالك، هناك إبليس يوسوس، الله عز وجل أعطاك سلاحاً فعالاً، قال تعالى:

﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة الأعراف: 200 ]

 هناك أصحاب يوسوسون عليك بالصحبة الصالحة، قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 لا يوجد مصدر للخطر إلا وهناك علاج قرآني حاسم قاطع.
المذيع:
 الآية في مجملها ما الذي ترشدنا إليه؟

 

من كان مع الله كان الله معه :

الدكتور راتب:
 الإنسان إذا كان مع الله كان الله معه..

كن مـع الله ترّ الله معك  واتـرك الكل وحاذر طمعــــــك
وإذا أعطـاك من يمنعـــه  ثم من يعطـي إذا ما منعك؟
***

 أي إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ هذه الحالة العالية في المؤمن يستغني بها عن كل شيء يوسوس له، أولاً قاعد مع مؤمنين انظر إلى الآية ما أدقها:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 النص الدقيق:

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))

[أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

 هذه الصحبة الإيمانية تعمل حصانة، هي حاضنة إيمانية، تعمل قوة إرادة، وأنا أقول: هناك لعبة شد الحبل، هؤلاء الذين تسهر معهم، إن استطاعوا أن يشدوك إليهم، إلى معصية، إلى ترك صلاة، إلى نظر لا يليق بمسلم، ابتعد عنهم، وإن استطعت أن تشدهم إليك، لا مانع ابق معهم، هذا المقياس الدقيق..
المذيع:
 التطبيق العملي لهذه الآيات في حياتنا اليومية؟

 

من أتقن صلواته وأقبل على ربه فهو في حصن حصين :

الدكتور راتب:
 الحقيقة أن الإنسان إذا أتقن صلواته، وأقبل على ربه، واستعاذ بالله، هو في حصن حصين وبعيد، مثلاً شخص يقف على شاطئ البحر، و هناك أمواج عاتية، قد تأتي موجة كبيرة جداً تأخذه إلى البحر، فإذا كان واقفاً على رأس جبل أين منه أمواج البحر؟ فكلما نأى الإنسان بنفسه عن صحبة الأشرار، وعن مزالق الأقدام، أي نهر عميق جداً له ساحل مائل زلق، وساحل مستو جاف، إذا كان الإنسان يمشي على الساحل المائل الزلق احتمال وقوعه في النهر كبير جداً، وإن مشى على الساحل المستوي الجاف فهو في أمن كبير، فكلما ابتعدت عن أسباب الانحراف البطولة لا أن تبتعد عنه، قد لا تستطيع ابتعد عن أسباب المعصية، لا عن المعصية، بصحبة الصالحين، بحاضنة إيمانية، بتذكير دائم بإتقان الصلوات الخمسة، بغض البصر، بضبط الشاشة، بضبط الاختلاط، لا يوجد سهرات مختلطة، قد يرى امرأة لا تحل له أجمل من زوجته دخل في متاهة..
المذيع:
 ذكرتم في تفسيركم أن العمل الصالح له مصادر ما هي مصادر العمل الصالح؟

مصادر العمل الصالح :

الدكتور راتب:
 الإيمان، أنت حينما تعلم سر وجودك في هذه الدنيا، وغاية وجودك، شخص أرسله والده إلى باريس لينال الدكتوراه من جامعة السوربون، هذه المدينة العملاقة، ما علة وجوده؟ الدراسة، فأنت إذا عرفت سرّ وجودك، وغاية وجودك، تتجه إلى الله، تتجه إلى عمل صالح يقربك إلى الله، تتجه إلى صحبة الأشخاص الطيبين، لا الأراذل المفسدين، الحقيقة الإيمان من لوازمه تصرفات كبيرة جداً، أنت إذا آمنت الإيمان الذي يريده الله عز وجل تختار الزوجة الصالحة، تختار الصاحب الصالح، تختار حرفة شريفة، ليس فيها معصية، أنت تختار زوجتك، بالمناسبة ألصق شيئين بالإنسان زوجته وحرفته، أين بطولة المؤمن؟ أن يحسن اختيار زوجته، مؤمنة، صادقة، عفيفة، راقية، ومصلحته لا يكون فيها شيء متعلق بالفساد، متعلقة ببعض الأشياء التي لا ترضي الله عز وجل.
المذيع:
 عندما يقرأ الإنسان قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل:97 ]

 قد يتبادر إلى ذهني أو يتذكر قول الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 هنا سؤال كيف يعيش الغني معيشة ضنكاً والمال بين يديه كالتراب يستطيع أن يأكل ما يريد ويلبس ما يريد؟

 

ضيق القلب عاقبة من أعرض عن ذكر الله :

الدكتور راتب:
 سئل عالم كبير نفس السؤال فقال: ضيق القلب، عنده قلق، بيل غيتس يملك ثلاثة وثمانين ملياراً قال: ماذا أفعل بهذا المبلغ؟ هذا لا معنى له عندي إطلاقاً، الذي صمم جسر اسطنبول الأول المعلق بالحبال، أثناء افتتاحه ألقى المهندس المصمم بنفسه في البوسفور، فذهبوا إلى غرفته في الشيراتون، كتب ورقة: ذقت كل شيءٍ في الحياة فلم أجد لها طعماً، فأردت أن أذوق طعم الموت.
 طالب شاب صغير يعرف الله قليلاً، يصلي قيام الليل، يغض بصره، ويقرأ القرآن، أسعد من أكبر إنسان في الأرض، لذلك الله يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال، للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين.
المذيع:
 اللهم اجعلنا منهم، آخر محور أو سؤال في قوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾

[ سورة النحل: 100 ]

 ما معنى تولي الإنسان للشيطان؟

تولي الإنسان للشيطان :

الدكتور راتب:
 الحقيقة أن:

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. .. ))

[ أحمد عن شداد بن أوس ]

 عندنا شرك جلي، هؤلاء الذين يعبدون بوذا في شرق آسيا، واقعون في شرك جلي واضح، وصارخ، أما المسلمون فقد نجوا من الشرك الجلي، هذا هو الشرك الخفي، أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله. المشكلة هنا.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 بارك الله بكم شيخنا.
الدكتور راتب:
 وبارك بكم أيضاً، ونفع بكم، وحفظ لكم إيمانكم وأهلكم.
المذيع:
 والشكر موصول لكم أخواني وأخواتي على جميل الاستماع، و طيب المتابعة، نلقاكم غداً حتى ذلكم الحين نترككم في حفظ الله ورعايته.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018