إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 10 - الضلال الجزائي مبني على الضلال الاختياري. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 10 - الضلال الجزائي مبني على الضلال الاختياري.


2019-05-15

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
 وبعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي: "ربيع القلوب" برمامج قرآني إيماني نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً وتأملاً وعملاً، "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة، نسعد معكم بضيفنا الدائم فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم..
المذيع:
 مسمع صوتي عن آيات اليوم، ثم نعود مع شيخنا لنقف معه حولها تأملات وخواطر، يقول ربنا جل وعز:

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾

[سورة آل عمران: 8]

 في مناسبة هذه الآية لما قبلها..

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

[سورة آل عمران: 8]

 تحدثت الآية التي قبلها عمن زاغت قلوبهم فاتبعوا ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة، فجاءت هذه الآية لتعلمنا كي نطلب من الله أن يحمي قلوبنا من الزيغ، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾

[سورة آل عمران: 8]

 شيخنا بارك الله بكم ما المراد بالإزاغة هنا؟

 

الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري :

الدكتور راتب:
 أولاً: أريد أن أوضح حقيقة خطيرة جداً وهي أن الإزاغة إذا عزيت إلى الله، أو أن الإضلال إذا عزي إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، كلام دقيق جداً، إذا عزي الإضلال يضل من يشاء، الإزاغة لا تزغ قلوبنا، إذا عزيت هذه المعاني السلبية إلى الذات الإلهية الكاملة فمعناها الدقيق والحتمي أن هذا الضلال الذي عزي إلى الله هو الضلال الجزائي الذي بني على ضلال اختياري، أوضح مثل طالب جامعي لم يداوم، لم يشتر الكتب، لم يقدم امتحاناً، بعثنا أول إنذار، وثاني إنذار، وثالث إنذار، والتقينا معه، ونصحناه، أي بذلنا معه أساليب لا تعد ولا تحصى كي نقنعه أن يتابع الدراسة، فأصر على موقفه، عندئذ يصدر قرار بترقين قيده من الجامعة، فالضلال أو الإزاغة إذا عزيا إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، هو خلقنا ليرحمنا، قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود :119]

 خلقنا ليسعدنا في الدنيا والآخرة، خلقنا للجنة في الأساس، هذا الذي يليق بكماله، وعظمته، ووحدانيته، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، فإذا وجدنا آية إذا ورد المنقول بما يخالف المعقول ينبغي أن نؤول المنقول بما لا يخالف المعقول، هذه قاعدة أساسية، فإذا عزي الإضلال إلى الله هذا هو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري..
 هذا الترقين للطالب ليس ظلماً بالمثال، هو استجابة إلى موقفه العنيد، موقفه الثابت، فالإنسان إذا دعي إلى الله من خلال لقاء، من خلال خطبة جامع، من خلال ندوة تلفزيونية عميقة جداً، من خلال كتاب تفسير، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، فإذا رفض كل هذه الطرائق الآن يصدر امر بإضلال إلهي مبني على ضلال اختياري، هذا الذي يليق بالذات الإلهية ذات الكمال المطلق.
المذيع:
 شيحنا في نفس الآية:

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾

[سورة آل عمران: 8]

 نريد أن نعدد أنواعاً من رحمة الله بالخلق.

 

أنواع من رحمة الله بالخلق :

الدكتور راتب:
 سيدي إن رحمة الله أولاً الكلمة كبيرة جداً، رحمة الله مطلقة، أوسع كلمة في القرآن هي رحمة الله، أحياناً الله يرحم الإنسان يغنيه، أحياناً يرحمه بالإفقار، شارد عن الله بعث له مصيبة لفتت نظره فتاب، أحياناً متكبر بعث له موقف أحرجه فتاب، نحن عندنا أول شيء الهدى البياني، هذا أرقى شيء في الحياة، القرآن والسنة، خطيب جامع وكتاب تفسير، لكن الإنسان عندما لا يستجيب إلى الهدى البياني يأتي التأديب التربوي، يوجد مصائب نفسية، مصائب جسدية، مصائب نقص، مصائب زيادة، مصائب قلق، أي المصائب لا تعد ولا تحصى، يجمعها اشتقاقها مصيبة من إصابة الهدف، فالمتكبر له مصيبة الإذلال، والمسرف له مصيبة الإفقار، وكل غلط يقابله شيء، هذه كلها معالجة إلهية، وكل بطولة الإنسان، وكل ذكائه، وكل نجاحه، وكل توفيقه، أن يفهم على الله حكمته من هذه المصيبة، من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، صار هو المصيبة، المصيبة تصيب الهدف، من عند الخبير، من عند العليم، من عند الرحمن الرحيم، من عند رب العالمين، الآية تقول كالشمس:

﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾

[ سورة النساء: 174 ]

 أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعذبوا بلا سبب، أبداً، هذا شيء من مسلمات الدين، ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة، أما الشاردون عن الله فيفهمون فهماً آخر، إذا أنت رأيت أباً يضرب ابنه الصغير، والأب تعرفه أستاذ جامعة، وثقافته عالية جداً، وتعرف أنه مؤمن إيماناً كبيراً، كيف تفهم هذا الضرب؟ لمصلحة الابن، مادام الأب كبيراً وعالماً ودارس تربية ومؤمناً وصاحب دين يضرب ابنه معنى هذا هناك خطأ كبير ارتكبه ابنه، أراد هذا الأب المربي أن يحدث في نفسه خبرة مؤلمة، مرتبطة بهذا الذنب حتى يتركه.
المذيع:
 شيخنا علماء التفسير يقولون: مادام الله عز وجل يأمرنا أن ندعوه لئلا تزيغ قلوبنا معنى ذلك أن الأمر بيدنا.

 

رحمة الله الواسعة تقتضي ألا يرد بأسه عن القوم المجرمين :

الدكتور راتب:
 يا أخي الكريم الأمر دقيق جداً هو بيدنا وبيد الله معاً، بيد الله حدوثاً وفعلاً، وبيدنا اختياراً وكسباً، أي شيء وقع أراده الله، والكلام دقيق جداً أي لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، كل شيء وقع بالخمس قارات من آدم إلى يوم القيامة أراده الله، معنى أراده أي سمح به، لم يأمر به ولم يرضه، لكن سمح به، كيف؟ أب طبيب تزوج، عشر سنوات لم ينجب، ثم أنجب ولداً آية في الجمال، تعلق به تعلقاً مذهلاً، ثم اكتشف الأب الطبيب أن مع ابنه التهاباً بالزائدة، هذا الأب الولهان بابنه يسمح بتخديره تخديراً كاملاً، وأن يفتح بطنه، وتستأصل هذه الزائدة، فكل شيء وقع أراده الله لا تعني أنه أمر به، وكل شيء وقع سمح الله به، لم يرضه ولم يأمر به ولكن الحكمة المطلقة تقتضي أن يعاقب هذا الإنسان، لا عقاب نقمة بل عقاب محبة، بل عقاب رحمة، قال تعالى:

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين﴾

[سورة الأنعام:147]

 تقتضي رحمته الواسعة ألا يرد بأسه عن القوم المجرمين..
المذيع:
 لماذا قال الله ربنا ولم يقل إلهنا؟

 

الإله هو المسير والرب هو الممد :

الدكتور راتب:
 لأن الحقيقة الإله هو المسير، والرب هو الممد، فأقرب اسم إلهي للإنسان هو الرب، الحمد لله رب العالمين، أما أمدك بالصحة، أمدك بزوجة، أمدك بحرفة تكسب بها المال، أمدك بملايين الأشياء، فالرب هو الممد، والإله هو المسير، حركة القمر والشمس والأفلاك والنجوم والمجرات إله، أما أمدك بالطعام والشراب والزوجة والأولاد فهو رب، أما خالق فالله خالق ورب ومسير، خلق كل شيء من لا شيء، ومن دون تصور سابق، أما إذا الإنسان صنع شيئاً فصنع شيئاً من كل شيء ومع مئة تصور سابق، فالله عز وجل خالق ورب ممد، أمدك بالحياة، القلب يتحرك، عندما قطع الإمداد توقف القلب انتهت حياته، الكلية تعمل، عندما مات توقفت الكلية، الله يمد، الإمداد هو الربوبية، والخلق هو الخالق، والتسيير هو الألوهية.
المذيع:
 لذلك معظم دعوات الأنبياء كانت ربنا، شيخنا أثناء الحديث وأثناء تأملاتكم ووقفاتكم في قوله تعالى:

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾

[سورة آل عمران: 8]

 كيف لنا أن نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء))

[مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص]

الله عز وجل يملأ القلب انشراحاً عند الطاعة وقلقاً عند المعصية :

الدكتور راتب:
 الحقيقة هذا له فهم عميق جداً جداً جداً، من رحمة الله بنا أن قلبنا بيده، فإذا فعلنا عملاً صالحاً الله ملأ هذا القلب تفاؤلاً، ورحمة، ومحبة، شجعنا، وإذا فعل عملاً سيئاً بينه وبين الله امتلأ القلب كآبة، فكون أن الله عز وجل يملأ القلب انشراحاً عند الطاعة، ويملأ القلب قلقاً عند المعصية، أي أعاننا على طاعته..
المذيع:
 كيف ذلك؟
الدكتور راتب:
 أنت عندما تبت إلى الله تشعر بسعادة كبيرة، تقول: أنا الأرض لا تحملني، وعندما ترتكب معصية فيما بينك وبين نفسك تشعر بكآبة، فالكآبة رحمة، أي عمل لك عقاباً نفسياً بينك وبينه، والسعادة أيضاً رحمة، الله شجعك بالسعادة عند الطاعة، وكرهك بالمعصية عند المعصية، معالجة نفسية، قال لنا دكتور في الجامعة: نسب الكآبة في العالم الغربي مئة واثنان و خمسون بالمئة، ما فهمنا هذه النسبة، قال: مئة بالمئة معهم كآبة، واثنان وخمسون يوجد معهم كآبتان، أي عقاب الفطرة لصاحبها هي الكآبة، الذي لم يقرأ شيئاً عن الدين فكر بالإله العظيم، لم يقرأ القرآن، لم يقرأ أي كتاب سماوي، عندما يعصي الله يشعر بكآبة، عندما يرتكب فاحشة يشعر بكآبة، هذا عقاب الفطرة ما دليلها من القرآن؟ قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾

[ سورة الروم: 30]

المذيع:
 هنا في قوله تعالى:

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾

[سورة آل عمران: 8]

 نفهم من هذا أو معنى ذلك كما ذكرتم في تفسيركم أن الإنسان عليه أن يبقى مستعداً لأي معركة مع الشيطان...

 

نهاية وسوسة الشيطان قفزة نوعية نحو الله :

الدكتور راتب:
 طبعاً ما دام في الدنيا له خصم وحيد، هذا الخصم دون أن يشعر له عمل إيجابي، هذا الشيطان يوسوس، نهاية الوسوسة قفزة نحو الله نوعية، كل شيء يبحث به الشيطان ويسعى له، له نتائج إيجابية عند المؤمن، اسأله سؤالاً كبيراً في العقيدة يقلق، لا ينام الليل، يبحث عن عالم كبير ليسأله فيعطيه الجواب فيرتاح.
المذيع:
 شيخنا بالمقابل في نفس الآية الإنسان عليه أن يؤمن، وعليه أن يصون إيمانه، وعليه أن يجدد إيمانه، لو تحدثنا..

الإيمان تصديق وإقبال والكفر تكذيب وإعراض :

الدكتور راتب:
 موضوع الإيمان يحتاج إلى تجديد، الإيمان قناعات، لكن الإيمان بالتعريف الدقيق الدقيق تصديق وإقبال، فإذا فهم الإيمان تصديق فقط هذا فهم خاطئ، الإيمان تصديق وإقبال، والكفران تكذيب وإعراض، هناك حالة أيديولوجية عقلانية، وحالة نفسية، هذا الإيمان ليس إيمان فهم، لا، الإيمان تصديق أي فهم وإقبال، والكفر تكذيب وإعراض، أحياناً الإنسان يكون إيمانه جيداً، لكن إقباله ضعيف على الله، عنده مخالفات، المخالفات حجبته عن الله، يمل، فالإيمان دائماً من دون إقبال ممل، ألف الصلاة والصوم، لكن لم تنعقد صلته مع الله، أي بشكل أو بآخر هذا البيت فيه كل الأجهزة الكهربائية لكن لا يوجد به كهرباء، تصبح هذه الأجهزة مملة، كلها قطع بلاستيك تأخذ حجماً، أما إذا جاءت الكهرباء فالبراد برد، والغسالة غسلت، والمروحة دارت، صار هناك حياة.
المذيع:
 في قوله تعالى:

﴿ وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾

[سورة آل عمران: 8]

 أنا أنقل كلاماً جميلاً لكم في تفسيركم ثم أترك لكم.، كلمة الرحمة كلمة جامعة مانعة، مطلق عطاء الله أن الله يرحمك، يرحمك فيسبغ عليك صحة، يملأ قلبك أمناً، يرحمك يسمح لك أن تتصل به، يرحمك يذيقك من حلاوة القرب، يرحمك يعطيك الحكمة، لو تحدثت عن الرحمة ساعات لا تنتهي.

 

الرحمة مطلق عطاء الله :

الدكتور راتب:
 مطلق عطاء الله..
المذيع:
 ثم ختمتم بعبارة جميلة مطلق عطاء الله.
الدكتور راتب:
 قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود :119]

 خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم لجنة عرضها السماوات والأرض، خلقهم للأبد...
المذيع:
 ما الذي ترشدنا إليه هذه الآيات؟

 

سعادة الإنسان مع الله الذي هو أصل الجمال و الكمال و النوال :

الدكتور راتب:
 أخي الكريم تقريباً هذا الهاتف الذي أمامي يحتاج إلى شحن، لو أوقفنا الشحن أصبح قطعة بلاستيك لا يساوي شيئاً، فكل خصائصه بالشحن، والمؤمن يحتاج إلى شحن دوري، فخطبة الجمعة شحن أسبوعي، والصلوات الخمس شحن يومي، مادام هناك شحن لهذا المؤمن فهو متألق، عقله نير، نفسه مطمئنة، أعضاؤه مرتاحة، بيته سعيد، بعمله منضبط، عنده سعادة كبيرة، هذه أقل كلمة نقولها عن رسول الله وعلى أسعدنا محمد، فإن اصطلحت مع الله ولم تقل ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني هناك مشكلة كبيرة، أنت مع الله، مع الخالق، مع القوي، مع الغني، مع الجميل، يوجد سعادة، أنت ترى منظراً طبيعياً تتشوق إلى أن تراه دائماً، فأنت مع أصل الجمال والكمال والنوال، مع الذات الإلهية، أنت تسعد بتوفيق الله، تسعد بفهم حكمة الله، تسعد في أي بيت صغير أم كبير، تسعد مع أي زوجة بارعة أو أقل براعة، هذا المؤمن وصل إلى أصل السعادة، أصلها عند الله، أصل الجمال والكمال والنوال هو الله عز وجل، الجمال سعادة مادية، شيء جميل، والكمال سعادة سلوكية، والنوال عطاء، هو أصل الجمال والكمال والنوال.
المذيع:
 شيخنا في قلب المؤمن رحمة، وكلمة رحمة واسعة جداً، لو علقنا على هذه العبارة التي ذكرتها قبل قليل في قلب المؤمن رحمة..

كلما ارتقيت مع الله عندك شفافية ترحم كل الخلائق :

الدكتور راتب:
 أحد الصحابة ذبح شاة أمام أختها فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هلا حجبتها عن أختها أتريد أن تميتها مرتين؟ ما هذه الرحمة؟ رأى جملاً ذرفت عيناه، فاقترب منه ومسح ذفريه، وقال:

(( من صاحب هذا الجمل؟ قال فتى من الأنصار: هو لي يا رسول الله، قال له النبي الكريم: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه))

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]

 ما هذه الشفافية؟ كلما ارتقيت مع الله عندك شفافية ترحم كل الخلائق، والله صعب أن تدوس نملة، هي تمشي على المغسلة توقف الوضوء، لا يوجد عندك إمكان أن تغرق نملة.
المذيع:
 ختام الآية شيخنا قوله تعالى:

﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾

[سورة آل عمران: 8]

 كلمة وهّاب..

 

نعمة الإيجاد و الإمداد والهدى والرشاد هبة بلا عوض :

الدكتور راتب:
 سيدي الهبة بلا عوض، قد تشتري بعوض، بالمال، هناك آلاف العلاقات لها ثمن إلا الهبة بلا عوض، منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، هذه كلها هبة بلا عوض، أي تفضل علينا أنه خلقنا، وخلقنا ليرحمنا، قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود :119]

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾

[ سورة الأنعام : 115]

 أي يا عبادي منكم الصدق ومني العدل، تتفاوتون عندي بصدقكم وأنا أعدل بينكم.
المذيع:
 ختاماً ما التطبيق العملي لهذه الآية؟

 

الاتصال بالله لأداء واجب العبودية :

الدكتور راتب:
 هو الاتصال بالله، الحج يسقط عن الفقير، وعن المريض، والزكاة تسقط عن الفقير، والصيام يسقط عن المريض، وعن المسافر، والشهادة ينطق بها مرة واحدة في الحياة، ما هو الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال؟ هو الصلاة، هذا العبد الفقير يتصل مع الغني، فيغتني بغنى الله، هذا العبد الجاهل يتصل مع العليم يصبح عالماً بعلم الله، هذا العبد القاسي قلبه يتصل مع الرحيم فيشتق الرحمة من الله، هذه الصلاة أخي، قال تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

[سورة طه:14]

 قال تعالى:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[سورة البقرة:125]

 أي يا عبادي إذا اتصلتم بي أديتم واجب العبودية، إذا ذكرتموني في الصلاة أديتم واجب العبودية، فإذا ذكرتكم أنا منحتكم الحكمة، الرضا، السعادة، التوفيق، قال تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

[سورة طه:14]

 قال تعالى:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[سورة البقرة:125]

 إذا الله ذكرك فهذا شيء لا يصدق، منحك الحكمة، الرضا، السعادة، التوفيق بعملك، وزواجك صالح، وأولادك أبرار، إذا لم تقل: ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني فهناك مشكلة مع الله.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 بارك الله بكم شيخنا، شكراً لكم شيخنا، إن العبد إذا أقبل على الله عز وجل منحه الله العلم، والقوة، والحكمة، شكر الله لكم أخواني على طيب المتابعة، وجميل الاستماع، نلقاكم غداً حتى ذلكم الحين نترككم في حفظ الله ورعايته.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018