مقتطفات من لقاء مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي : الأخوّةَ الإيمانية لجميع المسلمين - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠82ندوات مختلفة - قناة الخليجية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مقتطفات من لقاء مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي : الأخوّةَ الإيمانية لجميع المسلمين


2019-06-10

مقدمة :

المذيع:
  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله شرح صدور قومٍ فانقادوا إلى طاعته آمنين.

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾

[ سورة الحجرات: 7]

 وانقلبوا بنعمته راشدين.
 أحبتي في كل مكان، أهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، أحبتي ها نحن في ليلةٍ رحل فيها العلم إلينا، وكان الأولى أن نرحل نحن إليه.
 معنا في هذا اللقاء الطيب المبارك فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي من علماء الشام، والأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، وأستاذ الأعجاز العلمي في القرآن الكريم في دمشق، أهلاً ومرحباً بشيخنا الكريم.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم.
المذيع:
 مرحباً دكتور محمد، شرفنا وسعدنا بهذا اللقاء، دكتور محمد لكم في القلب قدر ومقام، ونحن كما تعلمنا من علماء الشام العلم نتعلم منهم كذلك الأدب والتواضع.
 فضيلة الدكتور لا أدري من أين أبدأ مع فضيلتكم كي أنهل من فيض علمكم تفضل سيدي الدكتور.

كل شيء وقع في الكون أراده الله :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 الحقيقة أن كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به فقط، فالأب أحياناً على ما ينطوي من رحمةٍ ومحبةٍ لأولاده، قد يسمح باستئصال الزائدة لأحدهم إذا نمت، فهذا السماح لا يعني أنه يتمنى أن يفعل هذا، لكن ما دام هذا الابن بحاجة إلى هذه العملية فالأب الرحيم يسمح بها، هذا معنى كل شيء وقع ولو كان سلبياً أراده الله، أي سمح به، وفرق كبير بين أن يكون قد سمح به وبين أن يكون قد أمر به، لم يأمر ولم يرضَ، لكنه سمح، كما أن الأب لم يأمر بفتح بطن ابنه، ولم يرضَ بهذا الفتح، إلا أن هذا المرض الطارئ يقتضي أن يفتح بطن ابنه.
 إذاً الحقيقة الدقيقة: كل شيء وقع في الكون أراده الله، بمعنى أنه لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، أراده أي سمح به لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، أي هناك أشياء لن نفهم حكمتها إلا بحالة مستحيلة، أن يكون لنا علم كعلم الله، لكن لابد من التسليم، هذا الكون ينطق بعظمة الله، هذا الكون يشف عن وجود الله، وعن كماله، وعن وحدانيته، هذا الكون يعطينا مبادئ كبرى في الدين.
 فلذلك حينما يقع الشيء معنى ذلك أن هذا الخالق العظيم، الحكيم، العليم، الرحيم، العادل، سمح به لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.
 إذاً كل شيء وقع أراده الله وسمح به، معكوسة، وكل شيء أراده الله وقع، المعنى واحد.

تعلق الإرادة الإلهية بالحكمة المطلقة :

 الآن الإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة، فالذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، والذي وقع لو لم يقع لكان هناك لوم، لأن الله هو الفعال:

﴿ لِمَا يُرِيدُ ﴾

[ سورة هود: 107]

﴿ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة هود: 107]

 وكل شيء أراده الله وقع، والإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، بمعنى أن الشر الذي يبدو لنا شراً هو في الأصل موجه، موظف للخير المطلق، لذلك:

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾

[ سورة آل عمران: 26]

 لم يقل والشر، لأنه خير مطلق، حتى الشر الذي يبدو لك شراً هو في الأصل موجه إلى الخير المطلق، هذه حقيقة أصولية تشف عن حقيقة ما يجري من مصائب، لأن هذه الدنيا دار ابتلاء، من أروع ما قرأت من خطب النبي صلى الله عليه وسلم:

((إن هذه الدنيا دار التواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))

 الحقيقة الدقيقة: تصور إنساناً عنده ثلاثة أولاد، عنده ولد منغولي، لا يفعل معه شيئاً، لأنه لا يوجد أمل.

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 هذه حالة، وعنده ولد ذكي جداً، ومتفوق بالدراسة، أيضاً تركه، هذا الولد حقق الهدف الذي أراده الأب له، أما الولد الثالث، فهذا مشكلته أنه ذكي جداً، ومقصر، لذلك هذا الولد تنصب عليه تربية الأب، المنغولي تركه، والذكي المتفوق تركه، أما هذا الذكي المقصر فتنصب عليه حكمة الأب وتربيته.
فأنا أقول كلمة: لمجرد أن الله يسوق للمسلمين بعض المصائب، هذه المصائب معناها أن هذا المسلم عنده إمكانية التوبة، والرجوع إلى الله عز وجل.
 فالحقيقة الأولى: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، بالكون لا يوجد شر مطلق، يوجد خير مطلق، وشر نسبي موظف للخير، هذه حقيقة إيمانية كبرى، تفسر كل ما يحدث في الأرض، لأنه حينما نتوهم أن الله لا علاقة له بما يجري، هذا يعد نقصاً في ألوهية الإله، كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، وإراداة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.

ما من مصيبة تصيب المؤمنين إلا بعدها نقلة نوعية في الإيمان :

 الآن: يوجد طغاة في الأرض، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 دقق:

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص: 4-6]

 حينما يسمح الله لمصيبة أن تصيب شعباً، أو أمة، هذا لحكمة بالغة أرادها الله، ولعل بعد هذه المصيبة هناك نقلة نوعية في الإيمان، فلذلك ما من مصيبة تصيب المؤمنين إلا تعد دفعاً أو رفعاً، مصائب الكفار ردع أو قمع، أما مصائب المؤمنين فدفع أو رفع.
 مصائب الأنبياء كشف، ينطوي النبي على كمال لا يظهر إلا بمصيبة.
 كان النبي الكريم يذهب مشياً على قدميه إلى الطائف، ثمانون كيلو متراً، أهل الطائف ردوه، وسخروا منه، وكذبوه، فلما جاء ملك الجبال قال يا محمد:

(( أمرني ربي أن أكون طوع أمرك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون))

 هذا الكمال النبوي، فلذلك هذه المصيبة في الطائف كشفت حقيقة النبوة، إذاً الأنبياء مصائبهم تكشف كمالاتهم، والمؤمنون مصائبهم تدفعهم أو ترفعهم، أما الطرف الآخر فمصائبهم ردع أو قمع.
المذيع:
 لا زلنا مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي من علماء الشام، وشرفنا به في هذا اللقاء الطيب المبارك، تفضل سيدي الدكتور.

 

المسلم صفة رائعة جداً :

الدكتور راتب :
 أنا كنت أقول دائماً: لا يضاف على كلمة مسلم ولا كلمة، كيف؟ المسلم تحبه غنياً، متواضعاً، سخياً، تحبه فقيراً، عفيفاً، تحبه تاجراً، تحبه صانعاً، تحبه موظفاً، تحبه طالباً، تحبه متزوجاً، حريص على وفائه لزوجته، تحبه غير متزوج، يغض بصره، فالمسلم صفة رائعة جداً فلا يضاف على المسلم ولا كلمة، فلذلك إذا أرادنا أن نتحدث عن المواطنة فالمواطنة تلغي الأقليات.
المذيع:
 فضيلة الدكتور، أحبكم الله، هل لكم صداقات مع مشايخ وعلماء مصر؟

صداقة الدكتور راتب مع الشيخ الشعراوي :

الدكتور راتب :
 والله أنا زرت الشيخ الشعراوي رحمه الله عدة مرات، والتقيت معه لقاءات، وسجلت الحديث بيني وبينه، وهذا الحديث جعلته كتاباً عن الشعرواي.
 أنا أرى أن هذا العالم له خصائص دقيقة جداً، أنه بسط الدين، وعقلنه، وطبقه، بسطه، وعقلنه، وطبقه، أي أعطى الأحكام تعليلاً عقلياً.
 والإنسان عقل، فعقلنة الدين شيء مهم جداً، ولا سيما في هذا العصر، وبسطه، الآية شرحها شرحاً يفهمه الناس جميعاً، لا يحتاج إلى مراجع، وإلى تعليقات، وإلى حواش، شرح هذا الدين العظيم، شرح القرآن الكريم، وبسطه، وعقلنه، فهو قدم شيئاً للأمة، أنا أعد منهج الشعرواي منهجاً كبيراً جداً.
 أنا أسمى في الشام شعراوي الشام.
المذيع:
ما شاء الله!
 فضيلة الدكتور، اسمح لي أن أنتقل نقلة سريعة إلى العلم حتى نستفيد من حضرتك معنا.
 طالب العلم متحير، ومشتت، لا يعرف من أين يبدأ؟ بم يبدأ؟ ومع من يبدأ؟ فنوجه نصيحة لطالب العلم.

نصيحة لطالب العلم :

الدكتور راتب :
 والله طالب العلم يجب أن يبحث من بين الدعاة عن داعية يطمئن له، ويثق بورعه، وعلمه، لابد من ورع وعلم، فإذا بحث عن داعية يطمئن لورعه ولعلمه ينبغي أن يلزمه، ويطبق توجيهاته، هذا طالب العلم إذا طبق التوجيهات يرتقي عند الله.
 وأقول كلمة متعلقة بالتوحيد: إذا سأل الله أن يدله على من يعرفه، يا ربي دلنا بك عليك، أو دلني على من يدل عليك، فإذا كان جزء من طالب العلم توجه إلى الله بأن يجمعه بأهل الحق، هذه نعمة كبيرة جداً، يكون وظف وقته بالخير، وكسب وقته.
 وأنا أقول: وأنا لي ثقة بأن فعل الله عز وجل بهذا الموضوع في منتهى الروعة، إذا علم الله من عبد، أو من شاب صدقاً في طلب الحقيقة، أنا قناعتي الثابتة واليقينية لا بد من أن يجمعه بأهل الحق.

((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدي))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن عبد الله بن مسعود]

 إذا صدق طالب العلم بطلب العلم الخالص الذي يقرب إلى الله، الله عز وجل يتولى بذاته العلية أن يجمعه بأهل الحق.

((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدي))

[متفق عليه عن عبد الله بن مسعود]

 طبعاً الحديث طويل، لكن المعنى الأول يهدي إلى الحق، يهديك إلى الشيخ الذي تنتفع به، فأنا هذا الذي أتمناه على الطالب طالب العلم بهذه المناسبة أن يتوجه إلى الله، يا رب دلني على من يدلني عليك.
المذيع:
 أحسنت يا دكتور ما شاء الله!
 حضرتك ما شاء الله! نستفيد منك كثيراً في علم التفسير، ولك مؤلفات كثيرة وانتهيت من تفسير القرآن كاملاً.
الدكتور راتب :
 خمسة وثلاثون عاماً، والآن الكتاب يطبع إن شاء الله.
المذيع:
 حضرتك محاضر في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، سيدي الدكتور لو أردنا أن نوضح للمشاهد الكريم بطريقة مبسطة ما هو الإعجاز في القرآن الكريم؟

 

الإعجاز في القرآن الكريم :

الدكتور راتب :
 الله عز وجل حينما يرسل رسولاً يقول هذا الرسول الإنسان: أنا رسول الله، هناك من يكذبه، بل معظم الناس يكذبونه، ألا ينبغي أن يشهد الله أنه رسوله؟ طبعاً، فكيف يشهد الله لنبي أو رسول أنه رسوله؟ بمعجزة، المعجزة أن يعجز عنها الآخرون، المعجزة شهادة الله لرسوله أنه رسوله، فالنار لم تحرق إبراهيم عليه السلام، هذه شهادة، البحر ضربه سيدنا موسى فأصبح طريقاً، هذه معجزة، معجزات الأنبياء السابقين معجزات حسية، كتألق عود الثقاب، تألقت وانطفأت، أصبحت خبراً يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه.
 لكن لأن النبي الكريم لكل الأمم والشعوب، للناس كافة، ورسالته خاتمة الرسالات، وكتابه خاتم الكتب، فلابد من أن تكون المعجزة مستمرة، ولن تكون مستمرة إلا إذا كانت علمية، لذلك في القرآن ألف و ثلاثمئة آية كونية، إشارات علمية دقيقة جداً، الآن تكشف حقائقها، فهذا الكتاب الذي جاء من عند الله يذكر حقيقة علمية الآن كشفت، هذا دليل قطعي على أن هذا الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.
 مثلاً: رائد الفضاء الأول قبل خمس و عشرين سنة، لما ركب المركبة الفضائية رأى الأرض كرة، لكن فجأة صاح بأعلى صوته: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، ما الذي حدث؟ لما خرج من الهواء ألغي انتثار الضوء، فأصبح الجو مظلماً، قال: أصبحنا عمياً، الآن افتح القرآن قبل ألف و أربعمئة سنة.

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 14-15]

 ما هذا التطابق؟ شيء كشفه رائد فضاء قبل عشرين عاماً، وكتاب أُنزل قبل ألف و أربعمئة عام، من هذا القبيل أكثر الآيات العلمية في القرآن حقائق دقيقة جداً الآن تكتشف، وقد القرآن أشار إليها قبل ألف و أربعمئة عام.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018