الدرس : 02 - سورة غافر - تفسير الآية 4 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 02 - سورة غافر - تفسير الآية 4


1993-06-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الثاني من سورة غافر، ومع الآية الرابعة وهي قوله تعالى:

﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴾

مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ

1 ـ الجدال نشاط عقلي:

 الجدال نشاطٌ عقلي، العقل في الأصل أودعه الله في الإنسان ليكون أداة معرفة الله، فلو أن الإنسان أعرض عن طريق الله عزَّ وجل، واتبع طريق الدنيا، وطريق الملذات والشهوات، فلديه عقل وقوة إدراكية، وبإمكانه أن يستغل هذا العقل ويسخره لشهواته، ولمآربه، من هنا يأتي الجِدال، لماذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا(54) ﴾

( سورة الكهف )

 لأن الإنسان في الأصل أعطي قوة إدراكية، أعطي عقلاً، بهذا العقل يسأل ويجيب، يستفهم، يدرك، يوازن، يقارن، يحاكم، يتصور، يتخيَّل، ولهذا العقل قوة إدراكية كبيرة جداً، بل لست مبالغاً إذا قلت: إن أعظم شيءٍ مخلوقٍ في الكون هو العقل البشري، وهو عاجزٌ عن فهم ذاته.
 هذا العقل البشري في الأصل الله زوّد الله به الإنسان مِن أجل أن يتعرف إلى الله، فماذا فعل المعرض عن الله ؟ ماذا فعل الذي أراد الدنيا ؟ أحب الدنيا، وأراد شهوات الدنيا، وأراد أن ينغمس في الملذات والمتع الرخيصة، رأى لديه عقلاً، وهذا العقل بإمكانه أن يفلسف انحرافه، وبإمكانه أن يغطي عدوانه بكلامٍ معسول، الكافر متفلسف دائماً، يرتكب أكبر الجرائم، ويقنعك أن عمله هذا مشروع، ويدّعي أنه عمل مشروع، فكيف أتيح له أن يغطي انحرافه ؟ كيف أتيح له أن ينفي رسالات الأنبياء ؟ عن طريق عقله التائه.
 ربنا عزَّ وجل أشار في آيات أخرى إلى أن العقل قد يضل، وقد يغتر، وقد يطغى، قال:

 

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24)إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27)لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ(28) ﴾

 

( سورة المدثر )

2 ـ العقل البشري يجادل حين يسيء الإنسان استخدامه:

 إذاً العقل البشري متى يجادل ؟ إذا أساء الإنسان استخدامه، منحك الله العقل من أجل أن يرقى بك إلى الإيمان بالله، من أجل أن تتعرف إلى الله به، ولكن الإنسان الشارد أراد الدنيا، فمضى لاهثا وراء الشهوات، والمُتَع الرَخيصة، ثم هو يفكر بعقله تفكيرًا أحمق لفلسفة المعصية، لتغطية المعاصي، للإيقاع بأعدائه، لتكذيب رسل الله عزَّ وجل، للطعن بإخلاص الأنبياء والمرسلين، للتشكيك في معجزاتهم التي جاؤوا بها بما فيها كتب السماء، للتقليل من أهمية الآيات الكونية التي تدل على عظمة الله عزَّ وجل، للطعن بكل داعيةٍ مخلصٍ أراد نشر الحق من خلال دعوته وسلوكه ومن خلال علمه.
 هذا العقل البشري أداةٌ خطيرةٌ جداً، إما أن تُوظَّف للوصول إلى أسمى هدفٍ وغاية، وإما أن تودي بصاحبها إلى الدركات السُفلى في النار، كهذا المحرك الذي يوضع في المركبة، إنه يوضع في الأصل ليدفعها إلى أهداف صاحبها المشروعة، فإذا أراد صاحب المركبة أن ينحرف، فهذا المحرك يزيده هلاكاً لو خرج عن الطريق الصحيح، فيصير المحرك أداة هلاك.

3 ـ الجدال تشكيك في القيم الدينية:

 فيا أيها الإخوة كلمة يجادل التي وردت في الآية تعني أن الإنسان يشكك في القيم الدينية، ينحو منحى السفه العقلي، فمثلاً: يقول لك عن الإنسان: إن الإنسانَ أخلاقي إذا كان ضعيفًا، أما إذا كان قويًا فلن يكون أخلاقياً، يطعن كذلك بكل القيم الدينية، يقول لك: هذا الدين شعور الضعف أمام قوى الطبيعة، والشعوب المتخلفة كلها تؤمن بالدين، أما الشعوب المتقدمة التي اتخذت العلم ديناً لها فلا تعبأ بالدين، فهذا الكلام كلام فيه جدل، فيه قلب الحق إلى باطل، فيه قلب الباطل إلى حق، كل شهواته غير المشروعة يفلسفها العقل البشري إذا ضل وانحرف، ولم يعمله صاحبه فيما خُلِقَ له، ويصبح أداة لتغطية كل انحرافٍ وكل جريمة.
 إذاً:

﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ ﴾

4 ـ آيَات اللَّهِ:

 تعلمون أيها الإخوة أن الآيات جمع مفردها آية، والآية العلامة، فهي علامةٌ على وجود الله، علامةٌ على كمال الله، علامةٌ على وحدانية الله، فالآيات التي تدل على الله عزَّ وجل كثيرة، فالكون هذا كله آيةٌ دالةٌ على وجود الله وكماله ووحدانيته، وكلام الله عزَّ وجل آياتٌ قرآنيةٌ تعرّفنا بالله عزَّ وجل - أي علامات مقروءة - وحينما يقع الزلزال، وحينما تحدث الفيضانات، وحينما تأتي بعض الكوارث الطبيعية لأناسٍ ضلوا وأضلوا، وانحرفوا وانغمسوا في الملذات وظلموا، تشعر أن هذه الأفعالَ أفعالُ الله عزَّ وجل أيضاً، وهي آياتٌ دالة على عظمة الله عزَّ وجل.
 إذاً: كلمة الآيات تعني الآيات الكونية، وكلمة الآيات تعني الآيات القرآنية، وتعني كذلك الآيات التكوينية، أي أفعال الله عزَّ وجل، فكلها تدل على عظمة الله، فالذي يشكك بمصداقيتها، والذي يشكك بدلالتها، والذي يشكك بقيمتها، والذي لا يعبأ بها، والذي لا يلتفت إليها أشارت إليها الآية التالية:

﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

5 ـ الكافر هو المجادِل في آيات الله:

 هذه الآية دقيقة جداً تعرفنا أن أصل الدين معرفة الله، فأنْ يكفر إنسانٌ بالله شيءٌ طبيعيٌ جداً ومن لوازم الكفر بالله أنْ يستخف بآياته ؛ إنِ الكونية، وإنِ القرآنية، وإنِ التكوينية، فأنت الآن أمام مؤشر، مؤشر دقيق، فالذي يعظم آيات الله فهذا التعظيم علامة إيمانه، والذي لا يبالي بها، ويقلّل أهميتها، يجعلها خارج اهتمامه، فهذا من علامات الكفر.
 والكفر كما تعلمون أيها الإخوة تكذيبٌ وإعراضٌ، وبشكل أو بآخر يعني عدم رؤية عظمة الله عزَّ وجل، أو قل: الكفر عمى يحجب صاحبه عن رؤية عظمة الله.
 ما الذي يملأ عين الكافر وقلبه ؟ أشخاص أقوياء، أو أشخاص أغنياء، أو أشخاص يتمتَّعون بقدرٍ عالٍ من الجمال، فهذا عندئذ إما أنْ أنه يؤلّه الأشخاص الذين نالوا حظوظاً كبرى من الله عزَّ وجل، أو يؤله أشخاصاً آتاهم الله قوةً، أو يؤله أشخاصاً أتاهم الله مالاً، فهو ذائبٌ في هؤلاء محجوب عن الإيمان، وكان عليه أن يرى من خلال هؤلاء أن الله سبحانه وتعالى هو القوي، وهو الغني، وهو الجميل، وهذا هو الإيمان.
 الإيمان أن تتجاوز الخلق إلى الخالق، أن تتجاوز النعمة إلى المنعم، أن تتجاوز النظام إلى المنظِّم، أن تتجاوز التسيير إلى المسيِّر، أن تتجاوز الفاني إلى الباقي.

الفرق بين المؤمن والكافر:

 وإذًا فما الفرق بين المؤمن والكافر ؟ الكافر أمام شمس، يقول لك: هذه شمس، وهذا قمر، وهذه جبال، وهذه نجوم، وهذه أزهار، وهذه أطيار، وهذه أسماك، فهو لا يستطيع أن ينكر هذا الكون وما فيه من عظمةٍ، ومن جمالٍ، ومن نفعٍ، ومن خيراتٍ لا يحصيها إلا الله عزَّ وجل ؟ أجل لا يستطيع، ولكن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، أن المؤمن يخترق الكون إلى المكوِّن، يخترق النعمة إلى المُنعم، يخترق النظام إلى المُنَظِّم، يخترق التسيير إلى المسيِّر ؛ أما الكافر فيقف عند الكون، وهذا مبلغه من العلم، هو مع النعمة لا مع المُنعم، هو مع الكون لا مع المكوِّن، هو مع النظام لا مع المنظِّم.
 الله سبحانه وتعالى أخبرنا وقال:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104) ﴾

( سورة الكهف )

 وقال الله عزَّ وجل يصف أهل الكفر:

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾

( سورة الروم )

 فأبسط مثل: قد يستمع الكافر لنشرة جوية، فيقول لك مثلا: سيتعرض القطر إلى منخفض جوي متمركز فوق قبرص، وسيصل بعد عشرين ساعة، سرعته كذا، وهو منخفض مُمْطِر، لا يخطر في باله أبداً إلا أنه مُنْخَفَض، وبعد أيام هناك أمطار، ولكن المؤمن يرى من خلال هذه النشرة الجوية أن هذا المنخفض رحمة الله عزَّ وجل، وأن الله هو الرزَّاق، هو الذي ساق الأمطار لينبت النبات، ليكون متاعا لنا ولأنعامنا.
 فالفرق فرق رؤية، فالكون هو كون، لا أحد بإمكانه أن ينكر وجود الكون، ولا مظاهر الكون، ولا خصائص الكون، ولكن الفرق الدقيق بين المؤمن وبين غير المؤمن هو أن المؤمن انتقل من الكون إلى المكوِّن، من النعمة إلى المُنعم، من التسيير إلى المسيِّر، من النظام إلى المنظِّم، من الربوبية إلى الرب.
 هناك نقطة مهمة جداً، ألا وهي أن الإنسان إذا أراد أن يفعل ما يشاء مما يحلو له، إذا أراد أن يقتنص الشهوات، ويفنى في خضمها، هذا الاتجاه نحو التمتع في الدنيا والانكباب على شهواتها لا يتناسب مع معرفة الله ومع الانضباط بشرعه، فلما يصر على المعاصي تجده يقلل من قيمة الدين.

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2) ﴾

( سورة الماعون )

 هو نفسه، كأن هناك علاقة ترابطية، إن كذَّبت بالدين فعملك سيِّئ، وإن كان عملك سيِّئاً فلابد من أن تكذب بالدين.

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2) ﴾

( سورة الماعون )

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص: من الآية 50 )

 فالمرءُ بين حالين ؛ إما أن تتبع الهوى، وإما أن تتبع الله عزَّ وجل فيما أمر ونهى، أي إما أنّ الإنسان رحماني، وهذا فضلٌ كبير، أو أنه شيطاني، وهو إما أن يتحرَّك بوحيٍ من إلهامات الملائكة، وتوجيهات الأنبياء، وكلام الله عزَّ وجل ؛ أو يتحرك بوسوسةٍ من الشياطين، وبدافعٍ من شهواته وغرائزه.
 إذًا: عندنا نموذجان اثنان لا ثالث لهما.

 

فلسفة الكفار في الدنيا:

 

 إن الإنسان حينما أتاه الله عقلاً آتاه إياه ليتعرف من خلاله إلى الله، ليرقى به إلى الله، أما حينما اتجه إلى الدنيا، وأصر على شهواتها، سخّر عقله ليعنيه على فلسفة معصيته، وعلى إسكات خصومه، وعلى التحلّل أو التحرر من كل قيدٍ أخلاقي، ومن كل قيدٍ اجتماعي، ومن كل قيدٍ ديني، يقول لك: الأخلاق نسبية، بذكاء يقول لك: يا أخي، ما تجده هنا حراماً أو عيباً، تجده في مكان آخر مقبولاً، إذاً الأخلاق عبارة عن أعراف.
 حينما ينفي الإنسان القيم الثابتة في المجتمع البشري على مدى العصور والدهور فهذه أخطر فكرة، إنها فكرة خطيرة جداً، ثم هو يدّعي أن ليس في الأخلاق شيء ثابت، أي كل المجتمع الذي ألف أن هذا عيب، وهذا مقبول، بينما تجد مجتمعًا آخر يرفض ما أقره المجتمع الأول، فالعقل البشري حينما يعمل ببرمجة الشهوات ؛ لا ببرمجة الحقائق، حينما يتحرك الفكر البشري ليغطي الانحرافات والمعاصي يكون الجدل.
 مثلاً: إنسان يحب الاختلاط، اسمعه ماذا يقول لك ؟ يتفنن في الحديث عن الاختلاط، وعن ميزات الاختلاط، فيقول لك: يهذب المشاعر، والمجتمع الذي فيه امرأة يصبح كل فرد فيه ينتقي كلماته اللطيفة، ويتحلى بأناقة خاصة، ويلهث وراء التنقيب عن ميزات الاختلاط، ولا يقول لك: إن هناك آلاف اللقطاء الذين لا أباء لهم من نتائج الاختلاط، هذا يغفله، اللقطاء يغفل أمرهم، أما التهذيب وانتقاء العبارات هذه يبرزها، وهذه هي المجادلة، فهو يبحث عن منافع موهومة للمعاصي ويبرزها، يقول لك: الدين يجعل الإنسان متخلفًا، كل شيء حرام في حياة المسلم !! بيت المسلم مثل القبر، لأنّ كل لهو مثلا حرام، فهذه هي المجادلة.
 إذا ضبط الأب أولاده يقول عنه: قمعهم قمعًا، وإذا أرخى الأعنّة لميولهم فهو عندهم أطلق الحرية لبناته، يقول لك: هذا أب ديموقراطي، إذا قد أطلق الحرية للبنات أصبح ديموقراطيًا، أما إذا ضبطهم بالأخلاق، وتابعهم صار قمعيًا، وبين قمعي وبين ديموقراطي مسافة كبيرة، هذه فلسفة الكفار.
 هو يفلسف لك الزنا فيقول لك: هي راضية، يفلسف لك الربا، فيقول لك: هل من المعقول أن أجمِّد المال، ولا أربح منه ؟ يفلسف لك كل المعاصي.
 دائماً المجتمع الكافر فيه كلام مزخرف يغطي كل المعاصي، هذه المجادلة، فهو يشكك بالقيم الدينية، وإذا كان انحرافه كبيراً فليس له إلا أن يشكك بوجود الله عزَّ وجل، فيأتي لك بشبه مثل: فمَنْ الذي مات ورجع، وقال لك: هناك آخرة، فقد قال المعري:

زعم المنجم والطبيب كلاهما  لا تبعث الأموات قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسرٍ  أو صح قولي فالخسار عليكما
***

 قال أحدهم لآخر: المصيبة ألا نجد جنة في الآخرة، ونكون قد تعبنا بهذه الدنيا على غير شيء، هذه المجادلة، أي أنّها سخريةٌ، وتشكيك، وعبث، واستهزاء بكلام الله إذْ لم يصدقه، فإذا قلتَ له: الله عزَّ وجل يقول لك:

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

 

( سورة النور: من الآية 30)

 يقول لك: أين أذهب بعيوني ؟ هذا كلام لا يسمع، ألم يقل الله عزَّ وجل:

 

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ﴾

 

( سورة البقرة: من الآية 286 )

 فتجده يضعك بزوايا ضيقة: وماذا عليّ أن أفعل ؟ لا بد من الربا، ولابد من إطلاق البصر، ولابد من الاختلاط، لابد من فعل كذا وكذا، نحن يجب أن نعيش واقعنا، يجب أن نتفاعل مع الواقع، يجب أن نُدرك معطيات البيئة.
 أحياناً يقول لك: بيئة، وأحياناً واقع، وحينا يقول: تفاعل، وحينا آخر علاقة ترابطية، هذه هي المجادلة، فلسفة عقيمة، وعبث بالعقول، لكنّ الله عزَّ وجل أعطانا منهجًا، وهذا كلام خالق الكون، فالحذر الحذر من التمادي.
 أذكر لكم واقعةً هي صغيرة جداً، ولكن لها معنى كبير، إنسان يعمل في إصلاح السيارات، أمسك بشيء مما وضعته الوكالة أو المصنع لمحرك السيارة، ونزعه، وألقاه في الأرض، وقال: هذا ليس له لزوم، قلت له وقتها: ليس عندي استعداد أن استمع إليك إطلاقاً، شركة عمرها مئة سنة، وعندها خمسة آلاف مهندس، ويمكن أن تكون أنت على صواب، وهي على غلط ؟ مستحيل، فأنت لا تقبل من إنسان يعمل حديثاً في تصليح السيارات، ويلغي شيئًا بالسيارة كان المعمل قد وضعه، إنّ المعمل مبني على خبرة، مبني على علم، مبني على تجارب، لديه متابعة، مجموعة من المهندسين، فهل من الممكن لهذا العامل البسيط أن يكون رأيه أصوب ؟ أنا لا أصدّق، وأرفض ذلك واقعا و عقلاً.

 

الحَذرَ الحَذَرَ من الإيمان الإبليسي

 

 لتعلم أيها الإنسان أنّ هذا كلام الله عزَّ وجل، كلام خالق الكون، إذا كان ليس عندك هذا اليقين، فقف، وابحث عن دليل قطعي على أن هذا الكلام كلام الله عزَّ وجل، فاسلك الطريق الذي لا بد منه، إذ لابد من معرفة الله، هذه المعرفة السطحية التي لا تثمّر استقامةً، أعجبني إنسان والله، وأدهشني إذ سمّى إيمان أولئك الناس: " إيمان إبليسي"، لأن إبليس قال:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

( سورة ص: من الآية 82 )

 إبليس هل أنكر وجود الله عزَّ وجل ؟ لا، خاطب الله عزَّ وجل وقال له: رب، وقال له: فبعزتك، ومع ذلك هو إبليس من قبل مقالته ومن بعدُ، فماذا يفعل ؟ كل معصية وموبقة.
 كل إنسان إن لم يفضِ به إيمانه إلى طاعة الله فهذا إيمان إبليسي، ليس له قيمة إطلاقاً، الإيمان الصحيح هو الذي ينقلك إلى الطاعة، هو الذي يترجم بسلوك، هو الذي يفضي إلى مواقف، إلى عطاء، إلى منع، إلى غضب، أن تغضب لله، أن ترضى لله، أن تُعطي لله، أن تمنع لله.
 لو أن إنسانًا رأى الشمس ساطعة في كبد السماء، وفكر، وفكر، وفكر، وفكر، ثم قال: الشمس ساطعة، خيرًا إن شاء الله، فهي ساطعة، أقررت بها أم لم تقر فهي ساطعة، إن قلت: ساطعة فهي ساطعة، وإن قلت: الشمس ليست ساطعة، فكلامك لا قيمة له لأنها ساطعة، فالذي يكتفِ بالإيمان بلسانه فقط ماذا فعل ؟ نقول له: أنت ماذا فعلت ؟ اكتفيت أن تفوهت بكلمة الإيمان، وهذا الإيمان لم يترجم إلى سلوك ؛ بيتك غير إسلامي، عملك غير إسلامي، جوارحك منطلقة عشوائيا، لسانك أفعى تلدغ، بيتك غير منضبط. هذا انطبق عليه الحديث الشريف:

 

(( وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

 

[ من سنن الترمذي عن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ]

المجادلة استخدام العقل في غير ما خُلِقَ له:

 إذاً: المجادلة عملية استخدام العقل في غير ما خُلِقَ له، بينما خُلِقَ، وأودع في الإنسان ليكون أداة معرفة الله، فإذا استخدمته للطعن بالتشريع الإلهي، للطعن بمصداقية القرآن، للتشيكيك بقيمة الوحي، للتشكيك بكمال الأنبياء، للتشكيك بالدعاة الصادقين، إذا أردْت أن تستخدم العقل للتشكيك وللطعن فهذه هي المجادلة، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، قال تعالى:

﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

 هنا معنى المجادلة، التكذيب، التشكيك، الطعن، التقليل، البحث عن المثالب، وحاشا أن توجد في كتاب الله، أما بالنسبة للمؤمن فعلى سبيل المثال، فالمؤمن ليس معصوماً، ولكن يغلب عليه الإيمان، يغلب عيه الورع، يغلب عليه حب الله عزَّ وجل، إذا كان له قريبان ؛ قريب مؤمن وقريب غير مؤمن، تجد أن القريب المؤمن لا يرى من هذا المؤمن إلا الفضائل، القريب غير المؤمن إذا عثر على زلةٍ صغيرة، أو على غلطٍ قليل، أو على تقصير طفيف، هذا التقصير الطفيف يكبِّره ويكبره، ويبالغ به ليجعله مجرماً، ويصوره تصويرا بشعا، لأن المؤمن حجة على غير المؤمن، فإذا أخطأ المؤمن، تجد أن أهل الدنيا يسارعون إلى نشر هذا الغلط، وإلى تكبيره وتفخيمه، فما الدافع إلى ذلك ؟ الدافع إلى ذلك أن الكافر عنده قلق عميق، وعنده شعور بالذنب مستمر، فإذا رأى المؤمن يغلط، فهذا الغلط يتخذه حجةً، فيقول على الفور: ألم أقل: إنّ كل أصحاب الدين هكذا، يكون له قريب له التزام ديني قليل، إذا غلط معه قريبه يتهم كل أهل الدين بالخطأ.
 يستخدم الإنسان عقله لغير ما خلق له، يستخدمه أداة لتبرير غلطه، يستخدمه أداة لفلسفة المعصية، وتستخدمه كأداةٍ لتغطية الانحراف، إذا غَطَّيْتَ الانحراف، وفلسفتَ المعصية، وبررت التقصير، فهذه هي المجادلة، وذو الجدال لا يستطيع ذلك إلا أن يطعن بالأنبياء، أن يطعن بالوحي، يقول لك: الوحي منام، هكذا تراءى للنبي، أو قد يسبغ هؤلاء وأهل الكفر على الأنبياء طابع العبقرية ليقللوا من شأن الوحي، فيقولون: يا أخي هذا محمد عبقري، ليس محمدً رسولاً، بل هو عبقري، وهذا بحث آخر، لكن الحق كل الحق أنّ محمداً رسولُ الله يوحى إليه، لا ينطق عن الهوى، هذا وصف الله له، وهذه حقيقة لا تعمى أمامها الأبصار، و لكن تعمى القلوب التي في الصدور، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾

( سورة المائدة: من الآية 67 )

 قال:

 

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾

 

( سورة النجم )

 الله عزَّ وجل يصف النبي بأنه يوحى إليه، وبأنه لا ينطق عن الهوى، وبأنه معصوم، ومع ذلك يرغب المجادلون بإسباغ صفة العبقرية على النبي عليه الصلاة والسلام ليقللوا من قيمة الوحي، ومن قيمة العِصمة، ومن قيمة التشريع حتى ينفوا الإسلام و النبوة، و يردوا القرآن.
 أو يقولون لك: إنّ النبي عليه الصلاة والسلام تعلم كل هذا العلم من بَحِيرَة ـ هذا الراهب الذي التقى به في الشام ـ فهل يعقل لطفل صغير خلال ساعة أن يتعلَّم علمًا غزيرًا ؟ أو يُعقل أنّ هذا الإسلام العظيم، وكل ما فيه من علمٍ جاءنا عن طريق النبي بلقاء تم خلال هذه الساعة ؟ هذا شيءٌ مضحك.
 حدثني أخ كريم، وهو أستاذٌ في الجامعة ـ دكتور في التاريخ ـ قال لي: إنه بعد تحقيق وتمحيص وجد أنّ: " قصة بحيرة بقضها وقضيضها، جملةً وتفصيلاً لا أصل لها في التاريخ إطلاقاً "، وهذا رأي عالم باحث محقِّق.

التفسير العلمي المحض للظواهر الكونية نوع من الجدال:

 إذا استمعت لأهل الدنيا كيف يتحدثون، في محور واحد، الطعن والتشكيك والتقليل من أهمية الآيات الكونية، والآيات القرآنية، والآيات التكوينية.
 مثلاً: لو قلت له: هذا الزلزال الذي حدث في بلد يعج بالفجور و الفسق، وإلى حدّ أنّ فيه نواديَ للعراة، ويفلسفون هذا كله باسم صناعة والسياحة المتفوقة جداً، ما معنى صناعة السياحة ؟ أي انحراف ما بعده انحراف، يقول لك: لا، ليس مصيبًا، فالزلزال عبارة اضطراب يحدث في القشرة الأرضية، كما يفسره العلم، ونقول بدورنا: لا يمنع أن تفسِّر الزلزال تفسيرًا علميًا، وأن يكون هذا التفسير العلمي موظَّفاً كآيةً من آيات الله الدالة على أنه شديد العقاب.
 المجادلة، أي أنه يطعن في الآيات الكونية، أو يقلل من قيمتها، أو يطمسها، أو يغفلها، أو لا يعجبه التفسير الذي تطرحه أنت من خلالها، هذه هي المجادلة، وأهلها كلُّ خصيم مبين.
 أما الآيات القرآنية فيقول لك: إنّ الصحابة اختلفوا في بعض الروايات في قراءات القرآن الكريم، فلماذا هناك قراءات ؟ ويرى أنّ في القراءات مجالاً للطعن، أو يدَّعي أنّ القرآن ليست موضوعاتُهُ موحدة، فيقول لك: عجيب يا أخي، فالآيات في سورة واحدة ذات موضوعات متنوعة، ليتها كانت مرتبة بحيث تدور الآيات في السورة الواحدة حول موضوع واحد فقط، هكذا يتمنى أن يكون هذا الكتاب منظمًا، فصل عن بني إسرائيل، فصل عن الكونيات، فصل عن الساعة، فصل عن الجنة، فصل عن النار، من قال لك: إن هذا الكتاب كتابٌ علمي ؟ هو كتابٌ هدايةٍ ورَشَد، وهو مرتب ترتيبًا يسمونه بالتعبير المعاصر: سيكولوجي ـ نفسي ـ مرتب ترتيبًا نفسيًا، الإنسان في السورة بحاجة إلى آية كونية، وخبر عن أمة سابقة، ومشهد من مشاهد يوم القيامة، وحكم شرعي، كل ذلك آخذ بعضه برقاب بعض، ومنه التكامل، فالقرآن الكريم مرتَّب لا على أساس الموضوعات، بل على أساس حركة النفس، فالنفس تحتاج إلى شيء مُقْنِع، وإلى ردع، وإلى مخاطبة الوجدان، وإلى مخاطبة العقل، وإلى الأخبار الصادقة، والتفسير التاريخي الصحيح، فالنفس بحاجة إلى هذا كله في آية واحدة، لأنها في معرض تثبيت العقيدة و ترسيخ الإيمان.
 كانت السورة من السور، وكأنها سور تحيط بالآيات، إحاطة سور البستان بالأشجار، فالبستان فيه أشجار مثمرة، وفيه خضروات، وفيه أزهار، فالزَّهرُ ليس للأكل بل للتمتع بمنظره، والفواكه للطعام، والقمح قوت، والماء للشرب، فهذا هو البستان، فلماذا لا يوجد بستان كله ماء ؟ يقول لك: فلماذا تجد بستانًا كله أشجار حور، أو بستان كله زيتون ؟
 أما البستان فهو بستان فيه زيتون، وفيه تفاح، وعنب، وجداول الماء السلسبيل، هكذا السورة، فأساس المجادلة هي عملية طعن بالآيات ؛ كل الآيات سواء منها: الآيات الكونية، والقرآنية، والتكونينة، حتى الزلازل والبراكين والحروب الأهلية لا يقبل إلا أن تفسَّر تفسيرًا أرضيًا، لا يقبل أن تكون آياتٍ دالةً على عظمة الله وعلى عدالته، كلما علّلت الأحداث الكبرى التي تجري في العالم على أن الله عزَّ وجل بيده كل شيء وأنه هو المصرِّف، وهذه مشيئته:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح: من الآية 10 )

 والله عزَّ وجل خبير، وهؤلاء كلهم عباده، يعاملهم وفق حكمةٍ مطلقةٍ، وفق ميزان عدلٍ كبير، فهذا التفسير لا يعجبه، بل يطعن بهذا التفسير، ويعترض، و يماري:

﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

من أصول الدعوة: لا تناقش الكافر في الفروع:

 لذلك إذا كان الإنسان كافرًا بالله فلا تحاول إطلاقاً أن تدخل معه بموضوعات فرعية، فهو كافر بالأصل، أصل الدين معرفة الله، هو لا يعرف الله، إذا كان لا يبالي بكل الآيات الدالة على عظمة الله ولا يعطيها قيمةً ويصم دونها آذانه فهذا من باب أولى إهماله.
 وكأَنَّ هذه الآية فيها توجيه لنا، فأنت قبل أن تناقشه في التعدُّد، فدائماً أعداء الدين لا يذكرون سوى التعدد: أنتم عندكم تعدُّد زوجات، لا تناقشه في تعدد الزوجات، ناقشه في وجود الله، وإذا آمن بوجود الله ناقشه في الكتاب، إذا آمن في الكتاب فعندئذ من الممكن مناقشته، وقد يستجيب لنتيجة النقاش.
 لدينا في الإسلام تسلسل وترتيب: أوّلا، لا جدوى من الإيمان بالأنبياء قبل أن نؤمن بالله، ولا جدوى من الإيمان بالكتاب قبل أن نؤمن بالله، فإذا آمنا بوجود الله ؛ آمنا به خالقاً، آمنا به رباً، آمنا به مسيِّراً إلهاً، ثم آمنا بأن هذا القرآن كلامه من خلال الإعجاز، وآمنا بأن الذي جاء بهذا القرآن المُعْجِز هو رسول الله.
 إذا سرنا بهذا الترتيب، الإيمان بالله أولاً ؛ الإيمان بالله موجوداً، والإيمان بالله كاملاً،

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف: من الآية 180 )

ابحث في الإعجاز العلمي:

 والإيمان بالله واحداً، هو واحدٌ في ذاته، وواحدٌ في صفاته، وواحدٌ في أفعاله، إذا آمنا بالله ؛ بوجوده وكماله ووحدانيته، ذاتاً وأفعالاً وصفاتٍ، فقد بات ممكنًا أن نؤمن بكلامه من خلال الإعجاز، وابحث فهناك إعجاز لا حصر له، قال تعالى:

﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ(2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ ﴾

( سورة الروم )

 أدنى يقابلها أعلى، أدنى وأعلى، الروم التقت مع الفُرس في غَوْر فلسطين، وقبل مئات السنين فقط عرف أن أخفض نقطة في الأرض هي غور فلسطين، الآن معروف أنّ أخفض نقطة في البحر هي خليج مِرْيَانة في المحيط الهادي، وأخفض نقطة في اليابسة غور فلسطين، والتاريخ يؤكِّد أن المعركة التي جرت بين الفُرس وبين الروم كانت في غور فلسطين، ولم يكن معروفاً قبل مئة عام أن هذا المكان هو أخفض نقطةٍ في الأرض، فالله عزَّ وجل قال:

 

﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3) ﴾

 

( سورة الروم )

 غلبوا، غلبوا فِي بِضْعِ سِنِينَ، ففي الآية إعجاز إخباري، والإخبار في القرآن الكريم إخبارٌ عن الماضي.

 

﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44) ﴾

 

( سورة آل عمران )

 من أين جاء النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الوقائع و أخبارها ؟ إنّ القرآن يردِّد دائماً كلمة فرعون عن حاكمًا لمِصْرَ، أما في قصة سيدنا يوسف فقداكم مصر:

﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ﴾

( سورة: يوسف: من الآية 50 )

 اسأل المؤرخين يخبروك أنّ الذين حكموا مصر هم الفراعنة، إلا في حقبةٍ يسيرة حكمها المُلوك، وحينما التقى سيدنا يوسف بملك مصر، لم يكن فرعون ملكاً، بل كانت أسرة الفراعنة منحّاةً عن الحكم معزولة ؛ فانظر إلى دقة القرآن الكريم.
مثلا: قال الله سبحانه وتعالى في سورة الحج:

﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27) ﴾

( سورة الحج )

 الله لم يقل: بعيد، بل قال: عميق، لأن الأرض كرة، فكلما ابتعدت عن إحدى نقاطها صار الخط منحنيًا، وصار هناك بعدٌ عمق، واللهُ قال:

 

﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27) ﴾

 

( سورة الحج )

 بإمكانك أن تصل من خلال عقلك، وبالدليل العقلي المُطْلَق إلى أن هذا القرآن لا يمكن للبشر مجتمعين أن يؤلفوا مثله، فإذا آمنت بالله من خلال كونه على أنه موجودٌ وكاملٌ وواحد، وآمنت بأن هذا القرآن كلامه، وآمنت بأن الذي جاء بهذا القرآن رسوله، فعندئذ تؤمن أنّ أي شيءٍ أخبرك الله به هو الحق، فانتهى دور العقل الآن وجاء دور النقل، العقل حصان ركبته وأوصلك إلى باب القصر، إذا وصلت إلى باب القصر انتهى دور الحصان، ومن ثَمّ دخلت إلى القصر، فالعقل إذا أوصلك إلى الله، وإلى أن هذا القرآن كلامه، وإلى أن النبي رسوله، فعليك بخبر الكتاب و السنة ( النقل)، ماذا قال الله عزَّ وجل ؟ قال:

 

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

 

( سورة البقرة: من الآية 30 )

لا تأخذ دينك إلا من أهله الموثوقين:

 هو آدم، إذاً نظرية داروين صارت تحت قدمك، لأنها خلاف القرآن، وإذا لم تكن متأكداً فارجع وجدد إيمانك بالقرآن الكريم، فإذا شككت بشيء جاء به القرآن فاعلم أنّ إيمانك بهذا الكتاب لم يكمل، ولا يزال ضعيفًا، أما إذا بلغ إيمانك بأن هذا القرآن كلام الله فأي شيءٍ آخر يتناقض معه تشعر أنه تحت قدمك، لأنه مناقضٌ لكلام خالق الكون.
 الأمر تماماً كما لو أنك جئت بجهاز حاسب إلكتروني ثمنه ثلاثون مليونًا، ومعه تعليمات تقدر بألف صفحة ورسوم، ولك جار يعمل في بيع الألبان، وقال لك: هكذا يعمل، وكان كلامه خلاف التعليمات، فمن تصدق ؟ أيًّا كان هذا الإنسان، قد يكون أخاك، قد يكون قريبًا منك، والمودة بالغة بينك وبينه، فإنك في موضوع تصليح الجهاز وتشغيله تقول له: لا، فهذه ليست من اختصاصك، هذا شيءٌ لا تعرفه أنت، بل يحتاج إلى ذوي اختصاص، فهل يعقل أن أسلِّم جهازًا ثمنه ثلاثون مليونًا وكله صمامات وكله دارات، وشيء معقد جداً، أفأُسلمه لإنسان لا خبرة له بهذا الجهاز ولا بأمثاله، و لو كان أخًا أو صديقا حميمًا ؟
 فأنت عندما تعرف أن للكون إلهًا عظيمًا، وهذا كتابه وهذه تعليماته، وأنت كائن بالغ التعقيد، وتعيش حياة في الدنيا محدودة، وفي الآخرة أبدٌ، فإنك لا تسلم نفسك إلا إلى منهج الله عزَّ وجل وتلتزم به.

(( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ))

[ كشف الخفاء ]

(( يا ابن عمر، دينَك، دينَك، إنما هو لحمك ودمك، فانظر عمن تأخذ، خذ الدين عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين قالوا ))

[ كنز العمال عن ابن عمر ]

 ما قولك أنك إذا صدَّقت إنساناً، ولم تطالبه بالدليل في أمر دينك، واتبعت طريقاً غير صحيح فالعاقبة وخيمة، فلو كان دخلك حراما مثلاً، أو لو مارست هوايةً لا ترضى الله عزَّ وجل على أنها مشروعة، بزعم زيد ودليل عُبيد، ثم فوجئت يوم القيامة أن زيدًا وعبيدًا لا يفقهان شيئاً، وأنهما ليسا مخوَّلين أن يوجِّهاك، وليس لهما عليك سلطان، وأنك تركت كتاب الله وراء ظهرك، واتبعت أمر أناسٍ جهلاء، أليست هذه خسارةٌ كبيرة ؟ قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

( الأنعام: من الآية 20 )

 فأنا متأكِّد أنك لا تسلم ساعتك لإنسان غير خبير، ساعة لا تسلمها، بل تحرص عليها، فكيف نفسك التي بين جَنْبَيك، كيف هذه النفس التي لا تملك أثمن منها ؟ لذلك أكبر خسارةٍ تحيق بك أن تخسر نفسك التي بين جنبيك ؛ أن تبقيها جاهلة، أن تبقيها عاصية، أن تحجبها عن أنوار الله عزَّ وجل، وتنأى بها عن رضوانه، هؤلاء الذين تفوقوا في الدنيا، وغابوا عن معرفة الله ما نالوا شيئاً، لذلك أجمل دعاء أنا أكرره: " يا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ والله لم يفقد شيئًا ـ وماذا وجد من فقدك ؟ " والله لم يجد شيئًا ـ فالدنيا سراب ؛ فهل من مدّكر ؟
 إذًا عليك أولاً أن تؤمن بالله من خلال آياته الكونية، والتكوينية والقرآنية، فإذا آمنت بالله يجب أن تؤمن بكتابه، إذا آمنت بكتابه تؤمن برسوله، لأنه سيضع بين يديك السُنَّة بتفصيلاتها، فإذا آمنت بالله وكتابه ورسوله من الممكن أن تدخل في فروع الدين، أما أن تدخل في فروع الدين قبل أن تؤمن بأصل الدين، هذا طريقٌ مسدود.
 الشيء الذي يلفت النظر قوله تعالى:

﴿ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴾

فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ

1 ـ لا يغرنّك التقلُّبُ في النِّعم:

 أحياناً تجد الإنسان من قِِصَر بصره إذا رأى إنسانًا لا يصلي، أو لا يعتد بقيم الدين، ولا يعبأ بها، و مع ذلك يراه غنياً وقوياً ووسيماً وذكياً وطليق اللسان، ويستخدم ذكاءه للتشكيك بالدين، يستخدم وسامته لإغواء الطرف الآخر، يستخدم ماله مثلا للانغماس في المتع الرخيصة، فالمرء يحتار ويتساءل: يا رب هذا يعصيك، وهو ذو شكل وسيم فما أجمله ؟ والمال بين يديه وافرٌ طائل، وقد كلَّف عرسهم ثلاثة عشر مليوناً، ورغم ذلك ليس لديه لا قيم ولا دين يردع، قال:

﴿ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴾

 فإذا كانوا يتقلبون من بيت لبيت، ومن مركبة لمركبة، من بلد لآخر، ثم يقول لك: كلفتني السياحة ثلاثمئة وخمسين ألفًا، في عشرة أيام، كلها فنادق خمس نجوم، يتقلب من فندق إلى فندق، من بيت لبيت، من قصر لقصر، من مركبة لمركبة، معه أموال طائلة، وهو لا يصلي، ولا يقيم للدين وزنًا، مثل هؤلاء الأشخاص بلاءٌ شديد مرٌّ عند ضعاف الإيمان، ويحدثون فيهم اضطرابًا.

 

﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79) ﴾

 

( سورة القصص )

 هنيئاً له، هكذا قال الذين يريدون الحياة الدنيا، فلتعلم أنك إذا رأيت شخصًا عمره خمس وثلاثون سنة محكوم بالإعدام، وسينفذ فيه بعد أسبوع، ورأيت معه زجاجة عطر ثمنها ثلاثة آلاف ليرة، فهل تقول: هنيئاً له على هذه الزجاجة، إذا كان كذلك فأنت مغفل حقًّا، غابت عنك الحقيقة كلها.

 

﴿ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴾

 المؤمن إذا كان على خطّ طاعة الله فهو الفائز، فإذا لم تعرف نفسك فاعرفها.

 

 

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71) ﴾

 

( سورة الأحزاب )

 والله أيها الإخوة ـ هذا كلام ربما وجدتموه قاسياً ـ إذا كنت مستقيمًا، وّقافًا عند حدود الله، ضابطًا جوارحك، ضابطًا دخلك وإنفاقك، ترضي الله، تؤدِّي الصلوات، تصوم رمضان، تحج البيت، تؤدي زكاة مالك، تغض بصرك، بيتك إسلامي، عملك إسلامي، ورأيت كافرًا فاسقًا فاجرًا على مستوى رفيع من الغنى و الثراء، قلت: هنيئاً له ولو بقلبك فأنت غفلت عن صواب وحقيقة، يقولون لك: والله يا أخي وضعه فوق الريح، ثراؤه فاحش، وهو يعرف كيف يعيش، فهذا القول عنه خطير عليك، خطير على كل من يسمعه.

 

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71) ﴾

 

( سورة الأحزاب )

 هذا هو الفوز، الفوز أن يراك الله حيث أمرك، في الساعة الثانيةَ عشرةَ والنصف أين تجلس ؟ أنت في الجامع يوم الجمعة وليس في النزهة، فقد تجد شخصًا في وقت الصلاة يعدّ سيارته لأنه سينطلق بعد قليل إلى المنتزه، وليس للدين عنده أيّ اعتبار‍‍‍!

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا ﴾

 

( سورة الجمعة: من الآية 9)

 فهو غافل عن هذه الآية، إنه ينظف سيارته الساعة الثانية عشرة تهيئةً للنزهة، َصلَّى أم لم يصلِّ سيان، الاختلاط وعدمه عنده يستويان، دخل حرام، دخل حلال يقول لك: لا تدقّق فالله غفور رحيم، فهذا جاهل كل الجهل، وإنّ الذين كفروا حينما يخرجون عن دائرة معالجة الله يُعطَوْن الدنيا، بالتعبير العامي: " خذوها وانمحقوا "، حينما يصرّون على كفرهم، وحينما ينكبّون على شهواتهم، وحينما يؤثرون الدنيا على مرضاة ربهم، عندئذٍ يُعطَوْن الدنيا:

 

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196) ﴾

 هذه آية في أواخر سورة آل عمران.

 

 

﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197) ﴾

 

( سورة آل عمران )

 وهذه آية ثالثة:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

( سورة الأنعام: من الآية 44 )

2 ـ المسلم المستقيم أسعدُ الناس:

 والله أيها الأخ الكريم، أيها المستقيم، أيها المصلي، أيها الصائم، يا من تغضُّ بصرك، يا من تحرر دخلك، يا من تضبط أعضاءك وجوارحك، يا من تجعل بيتك إسلامياً، وعملك إسلامياً، أيها الأخ الكريم يجب أن تشعر أنك أسعد الناس، وأن طاعة الله أكبر نعمةٍ أنعم الله بها عليك، وأن نعمة الهُدى لا تعدلُها نعمةٌ على وجه الأرض، فأن تكون مهتدياً فأنت الأسعد، والله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(22) ﴾

 

( سورة الملك )

 شخص أغمض عينيه، و يمشي في الطريق، وفي الطريق حفر فوقع في إحداها، وفي الطريق أكمات ارتطم فيها، وفيه مزالق انزلق فيها، فهل يستوي مع إنسانٍ مبصر يقظ يرى كل شيء ؟

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ(18) ﴾

( سورة السجدة )

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(36) ﴾

( سورة القلم )

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

( سورة الجاثية: من الآية 21)

 إنّ شابًا نشأ في طاعة الله، يخشى الله، يؤدِّي صلواته، له مجلس علم، يسعى لهداية الخلق ؛ فهل هذا كشابٍ آخر من بيتٍ إلى بيت يلهو ويلعب، ومن انحرافٍ إلى انحراف، ومن فيلمٍ إلى فيلم، ومن مسلسل إلى مسلسل، كلامه بذيء، منحرف السلوك والأخلاق، يختلط بالفتيات، ويفعل كل الموبقات، أهذا كهذا ؟

 

﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(36) ﴾

 

( سورة القلم )

 هذا مؤمن موعود وعدًا حسنًا من الله عزَّ وجل.

 

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 

( سورة القصص: من آية 61)

 أنا أشعر أن الأخ الكريم أنه يجب أن يقول إذا سألته عن أحواله: الحمد لله على نعمة الهدى، على نعمة معرفة الله، على نعمة طاعته، على نعمة السَيْر على منهجه، على نعمة البيت المسلم، لك زوجة مؤمنة هذه لا تقَدَّر بثمن، تعينك على طاعة الله، فهذه النِعَم العظمى، هذه نعم، لأنها بحقّ سببُ الحياة الأبدية ؛ أما تلك التي سماها الله نَعمة ـ بفتح النون.

 

﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾

 

( سورة الدخان )

 هذا المال، وهذا الجمال، وهذا الغني، وهذه القوة، هذه إن لم توظَّف في طاعة الله كانت دركاتٍ إلى جهنَّم، حظوظ النفس إما أنها درجاتٌ إلى الجنة أو دركاتٌ إلى النار، هي حيادية، وأنت توجهها، لذلك سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة يقول:"الحمد لله ثلاثاً ؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني " ديني سليم، فكل ما بعد ذلك سهل ـ صحابية جليلة رأت ابنها بين القتلى، وأخاها بين القتلى، وزوجها بين القتلى، وأباها بين القتلى، و مع كل هذا كانت تقول: " ما فعل رسول الله ؟ "، فلما علمت أنه بخير، قالت: "كل مصيبةٍ بعدك هينةٌ يا رسول الله ".
 نحن من باب أولى ؛ إذا كان دينك سليمًا، دخلك حلالًا، زوجتك محجَّبة، أولادك أبرارًا، عملك مشروع وليس لديك غلط، وليس عندك مادة محرمة في تجارتك، وليس لديك طريقة محرمة بالتعامل، فإذا كانت هناك أزمات تواجهك في حياتك، فهذا مما لا بد منه مع كل الناس، مرحباً بقضاء الله وقدره، فالإنسانُ يمتحن بالبحبوحة وبالضيق، لم أسمع أحدًا جرّب سيارة في طريق نازل، بل يجرّبها في طريق صاعد، خاصة إذا أراد أنْ يختبر مدى قدرتها على التحمل، وأنت مؤمن لابد من أن تمتحن بالشدة أحياناً:
 " أوحى ربك إلى الدنيا أن تكدَّري وتمرري وتضيقي وتشددي على أوليائي حتى يحبوا لقائي ".
ألا تحب أن تكون على رؤوس الأشهاد يوم القيامة مؤمناً صادقاً ؟ ألم يخطر ببالك ذات مرة أن الله عزَّ وجل قادرٌ أن يخلق النبي وأصحابه المحبين له وحدهم في بلد، ولا يعكر حياتهم أو قيدتهم أحد ؟ كل أصحابه ؛ سيدنا الصديق وسيدنا عمر، وسيدنا عثمان وسيدنا علي، وطلحة والزبير، والحسن والحسين، ولا أحد يعاديهم أو يعارضهم، أجل كان ذلك ممكنًا، فالله على كل شيء قدير، لكن إذا لم تكن هناك معارضة ولا متاعب، ولا جهاد، فالحياة عندئذٍ تصبح لا معنى لها، وأنت عندئذ لا ترقى إلى الله عزَّ وجل.

3 ـ الهناء بعد التعب:

 إنّ شخصًا تعب في دراسته إلى أن نال الدكتوراه، يقول لك فيما بعد: أنا في كل حياتي هانئ، فقد تعبت في الأيام السابقة، فلولا هذا التعب لم أبلغ هذه الراحة، هذه الراحة لن يصل إليها أحد إلا بعد اجتياز العقبات، واجتياز طريق الأشواك، والجنة التي وعد الله بها المتَّقين لن يستحقها الإنسان، ولن يشعر بنعمها إلا إذا قد ابتليَ في الدنيا، وامتحن ودفع الثمن، فسلعة الله غالية، ولذلك فالمؤمن كلما ارتقى سلّم الإيمان واجهه الابتلاء، ويشعر أن الله سبحانه وتعالى لابُدَّ من أن يرقِّيه، ولكن مرة بالرخاء ومرة بالشدة، قال أحدهم، و ما أجمل ما قال:

بصُرتَ بالرّاحةِ الكبرى فلم ترَها  تنال إلاّ على جسر من التعبِ
***

﴿ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴾

 لا تغتر.

 

4 ـ ما هو الغرور ؟

 

 ما هو الغرور ؟ الغرور أن تجد علبة بالأرض فتظن أن بداخلها ساعة، فتنكب عليها، فتجد العلبة فارغة. هذا الغرور، أي أن تظن الشيء بحجمٍ أكبر من حجمه الحقيقي، الغرور أن تنكب على علبةٍ، وأنت تحسب أن فيها قطعةً ذهبيةً ثمينة، تفتحها فإذا هي فارغة، هذا هو الغرور، أن تغتر بالشيء، أي أن تراه بحجم أكبر من حجمه، الله عزَّ وجل قال:

﴿ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴾

 سيدنا إبراهيم.

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾

( سورة البقرة: من الآية 126)

 يا رب ارزق المؤمنين فقط، فالله عزَّ وجل قال:

﴿ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126) ﴾

( سورة البقرة: من الآية 126)

 قال الله:

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

 

( سورة النساء: من الآية 77 )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38) ﴾

( سورة التوبة )

 يا عبدي أأنت راضٍ بها ؟ فمتاع الدنيا قليل، ألا تطمع بما عندي من جنة ؟

﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38) ﴾

( سورة التوبة )

خاتمة:

 يا أيها الإخوة الكرام... أعظم نعمةٍ أنعم الله بها علينا أنه هدانا إليه، وعرفنا بذاته، وأعاننا على طاعته، فهذه نعمةٌ ما بعدها نعمة، وما سوى ذلك فكل مصيبةٍ تهون أمام هذه النعمة، كل ضائقةٍ تزول، كل كربٍ ينتهي، كل مرضٍ إلى شفاء إن شاء الله، فالعاقل لا يجعل الدنيا أكبر همه، يجعل معرفة الله أكبر همه، بل يجعل طاعة الله عزَّ وجل أكبر همه، فإذا فعل ذلك كان في رضوان الله عزَّ وجل.
 فالله عزَّ وجل ما منح النبي الكريم وأصحابه الكرام النصر والعز إلا بعد أن دفعوا الثمن، فالإنسان أحياناً يجد متاعب في بيته، متاعب في عمله، متاعب في كسب الرزق، متاعب في الاستقامة، يقول لك: وقعت في حرج، فهذا لا بدّ منه، هذا الإحراج هو الذي يرقى بك إلى الله عزَّ وجل، هذا الإحراج هو الذي يظهر شرفك عند الله وعند الناس، لكن هناك من يرضي الناس كلهم، قالوا: من استطاع أن يرضي الناس كلهم فهو منافق، دائماً يقع واقفاً وهذا يسمونه: العفريت النفريت، يدبر حاله، ويخرج سالما من كل مشكلة، بالطبع على حساب دينه، فهو مع هؤلاء ومع هؤلاء، يرضي كل طرف على حساب دينه، ليس هذا ذكاءً، فالذكاء أن تكون ذا مبدأ، ولك اتجاه واضح الهدف، تتمسِّك بالشرع، وفي ذلك الفلاح والسعادة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018