الخطبة : 1058 - الحج ، خصائص ومكانةهذه العبادة - خطبة النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1058 - الحج ، خصائص ومكانةهذه العبادة - خطبة النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع .


2007-12-07

الخطبة الاولى :
     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة لعبادة الحج :

               أيها الإخوة الكرام، نحن على مشارف عبادة كبرى من عبادات الإسلام ؛ إنها عبادات الحج، والعبادات كما تعلمون تعاملية وشعائرية، فالشعائرية يقع على رأسها الصلاة، ولا خير في دين لا صلاة فيه، ومن أقام الصلاة فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين.
     أيها الإخوة الكرام، الصلاة شحنة يومية، شحنة روحية علمية يومية، علمية، لأنه ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، وإيمانية هي قرب من الله عز وجل:

 

﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾

(سورة العلق )

               هي دعاء وهي ذكر:

 

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

( سورة طه)

               شحنة علمية روحية، وخطبة الجمعة شحنة أسبوعية ورمضان شحنة سنوية، لكن الحج شحنة العمر.

من خصائص الحج :

1 – الحج يفتح للمسلم صفحة بيضاء:


     عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

 

[البخاري والنسائي وابن ماجة وأحمد]

               كما أن الصيام فرصة كي تفتح مع الله صفحة جديدة كذلك الحج فرصة العمر كي تخرج من ذنوب كيوم ولدتك أمك.

2 – الحج مغادرة الأهل والولد والمكانة:

               أيها الإخوة الكرام، إلا أن عبادة الحج لها خصائص، الصلاة والصيام والزكاة والنطق بالشهادة تؤدى وأنت في بيتك، وأنت في مكان إقامتك، إلا أن هذه العبادة تحتاج إلى تفرغ تام، إذاً: ينبغي أن تغادر مدينتك، تغادر بلدتك، أن تغادر بيتك، أن تغادر مركز عملك، أن تغادر مكانتك في بلدك، أن تغادر ما أَلِفته من نعيم الدنيا، إنها رحلة قبل الأخيرة، كيف أن الرحلة الأخيرة رحلة إلى القبر، لا يأخذ الإنسان معه إلا الكفن.

3 – الحج تذكيرٌ بالرحلة الأخيرة للإنسان إلى ربِّه:

               وكأن الله أرادنا من خلال هذه العبادة ألا ننسى الموت، ألا ننسى أن الإنسان ينتقل بالموت من دنياه العريضة إلى قبر صغير، وليس عليه إلا كفن يسير.
     لذلك رحلة الحج رحلة تذكرنا بالآخرة، رحلة تذكرنا بأن كل الأقنعة التي يتواضع الناس على قيمتها لا قيمة لها، لا يستطيع الغني أن يرتدي ثياباً غالية، ولا يستطيع ذو الرتبة العسكرية أن يضع النياشين وهو يطوف، كل هذه الأقنعة التي ألِفناها في دنيانا سوف تنزع عنا في الحج، وكأن الله عز وجل أرادنا أن نَصْحُوَ من غفلتنا.

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل

               يا أيها الإخوة الكرام، إن البيت العتيق هو أول بيت وضع للناس، هو أول بيت أقيم في الأرض لعبادة الله، ومجدِّدُ بناءه هو الخليل إبراهيم، وولده الذبيح إسماعيل، وهما الرسولان الكريمان اللذان جعل الله في ذريتهما هذه الأمة المسلمة، واستجاب دعوتهما الخالصة، وهما يشيدان هذا البناء:

 

﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

( سورة البقرة)

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

( سورة البقرة)

               دققوا الآن:

 

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

( سورة البقرة)

               لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى ))

[ الجامع الصغير عن عبادة بن الصامت بسند صحيح ]

4 – الحج دليلُ حبِّ المسلمِ لربِّه:

               أيها الإخوة، الحج برهان عملي يقدمه المؤمن لربه ولنفسه على أن تلبية دعوة الله عز وجل، بدافع محبته وابتغاء رضوانه أفضلُ عنده من ماله وأهله وولده، وعمله ودياره.
     ومما تتميز هذه العبادة أنها تحتاج إلى تفرغ تام فلا تؤدى إلا في بيت الله الحرام، إذاً: لا بد من مغادرة الأوطان، وترك الأهل والخلان، وتحمل مشاق السفر، والتعرض لأخطاره، وإنفاق المال في سبيل رضوانه.

5 – الحج يمحو الذنوب:

               وإذا صح أن ثمن هذه العبادة باهظ التكاليف فإنه يصح أيضاً أن ثمرة هذه العبادة باهرة النتائج، حيث قال المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم:
     عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[البخاري والنسائي وابن ماجة وأحمد]

               كالصيام تماماً.
     وقال أيضاً:

(( وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ))

[ مسلم عن عمرو بن العاص ]

(( وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ))

(( الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم ))

[ البزار عن جابر بسند حسن، انظر الجامع الصغير ]

               عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ))

[ الترمذي ]

6 – الحج راحة من هموم الدنيا:

               أيها الإخوة الكرام، بل إن النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله، يذهب المسلم إلى بيت الله الحرام، ويخلف في بلدته هموم المعاش، هموم الرزق، هموم العمل والكسب، هموم الزوجة والولد، هموم الحاضر والمستقبل، وبعد أن يحرم من الميقات يبتعد عن الدنيا كلياً، ويتجرد إلى الله عز وجل، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

مقاصد أعمال الحج :

1 – التلبية:

               هذه التلبية ما معناها ؟ أنا أقول لفلان: تعال إلي، فيقول: لبيك، هي استجابة لنداء، ودعوة يقعان في قلبه، أن يا عبدي خلِّ نفسك وتعال.
     تعال يا عبدي لأريحك من هموم كالجبال.
     تعال يا عبدي لأريحك من هموم كالجبال تجثم على صدرك.
     تعال يا عبدي لأطهرك من شهوات تنغص حياتك.
     تعال يا عبدي، وذق طعم محبتي.
     تعال يا عبدي وذق حلاوة مناجاتي، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
     تعال يا عبدي لأريك من آياتي الباهرات.
     تعال لأريك ملكوت الأرض والسماوات.
     تعال لأضيء جوانحك بنوري الذي أشرقت به الظلمات.
     تعال لأعمر قلبك بسكينة عزت على أهل الأرض والسماوات.
     تعال لأملأ نفسك غنىً ورضىً شقيت بفقدهما نفوس كثيرات.
     تعال يا عبدي لأخرجك من وحول الشهوات إلى جنات القربات.
     تعال يا عبدي لأنقذك من وحشة البعد إلى أنس القرب.
     تعال لأخلصك من رعب الشرك وذل النفاق إلى طمأنينة التوحيد وعز الطاعة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
     تعال يا عبدي لأنقلك من دنياك المحدودة، وعملك الرتيب، وهمومك الطاحنة إلى آفاق معرفتي، وشرف ذكري، وجنة قربي.
     تعال يا عبدي، وحط همومك ومتاعبك ومخاوفك عندي، أنا أضمن لك زوالها.
     تعال يا عبدي، واذكر حاجاتك وأنت تدعوني فأنا أضمن لك قضائها، إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر.
     كيف يكون إكرامي لك إذا قطعت المسافات، وتجشمت المشقات، وتحملت النفقات، وزرتني في بيتي الحرام ؟ ووقفت بعرفة تدعوني، وتسترضيني، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
     تعال يا عبدي، وزرني في بيتي لتنزاح عنك الهموم، ولتعاين الحقائق، وتستعد للقاء:

(( إن عبدا أصححت له جسمه، ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم ))

[ الجامع الصغير بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري]

2 – الطواف حول الكعبة:

               تعال يا عبدي، وطف حول الكعبة طواف المحب حول محبوبه، واسعَ بين الصفا والمروى سعي المشتاق لمطلوبه.
     تعال يا عبدي وقبّل الحجر الأسود، واذرف الدمع على ما فات من عمر ضيعته في غير ما خُلِقت له، وعاهدني على ترك المعاصي والمخالفات، وعلى الإقبال على الطاعات والقربات، وكن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يُصلحك، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك وما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، خلقت لك ما في الكون من أجل فلا تتعب، وخلقت من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

3 – الوقوف في عرفة:

               تعال يا عبدي إلى عرفات، فيوم عرفة هو يوم اللقاء الأكبر، تعال لتتعرض إلى نفحة من نفحات تطهر قلبك من كل درن وشهوة، وتصفي نفسك من كل هم وشائبة، هذه النفحات تملأ قلبك سعادة وطمأنينة، وتشيع في نفسك سعادة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، عندئذ لا تندم إلا على ساعة أمضيتها في القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.
     تعال يا عبدي إلى عرفات فيوم عرفة لتعرف أنك المكرَّم الأول من بين كل المخلوقات، ولك وحدك سخرت الأرض والسماوات، وأنك حملت الأمانة التي أشفقت من حملها الجبال والأرض والسماوات، وأني جئت بك إلى الدنيا لتعرفني، وتعمل صالحاً يؤهلك لجنة الخلد.
     تعال إلى عرفات، فيوم عرفة لتعرف أن الإنسان لفي خسر، إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وإنك أن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتُّك فاتك كل شيء.
     بعد أن يذوق المؤمن في عرفات من خلال دعائه وإقباله واتصاله روعة اللقاء، وحلاوة المناجاة ينغمس في لذة القرب، عندئذ تصغر الدنيا في عينيه، وتنتقل من قلبه إلى يديه، ويصبح أكبر همه الآخرة، فيسعى إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وقد يكشف للحاج في عرفات أن كل شيء ساقه الله إليه مما يكرهه هو محض عدل، ومحض فضل، ومحض رحمة، ويتحقق قوله تعالى:

 

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

( سورة البقرة)

               وبعد أن يفيض الحجاج من عرفات، وقد حصلت لهم المعرفة، واستنارت قلوبهم، وصحت رؤيتهم، يرون أن السعادة كلها في طاعة الله، وأن الشقاء كله في معصيته، عندئذ يرى عداوة الشيطان، وكيف أنه يعد أولياء بالفقر إذا أنفقوا، ويخوفهم مما سوى الله إذا عملوا الصالحات، وإذا أنابوا وتابوا:

 

﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾

( سورة النساء)

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

( سورة إبراهيم)

4 – رمي الجمرات:

               عندئذ يعبر الحاج عن عداوته للشيطان تعبيراً رمزياً برمي الجمار، ليكون الرمي تعبيراً مادياً وعهداً موثقاً في عداوة الشيطان، ورفضاً لوساوسه وخطراته.
     يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: " اعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى في العقبة، وفي الحقيقة ترمي بها وجه الشيطان وتقصم ظهره ".
     ولا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله تعالى، فإذا عدت كما كنت قبل الحج كان الشيطان هو الذي رجم هذا الإنسان.

5 – الهدي والأضاحي:

               وحينما يتجه الحاج لسَوق الهدي، ونحر الأضاحي، وكأن الهدي هدية إلى الله تعبيراً عن شكره لله على نعمة الهدى التي هي أثمن نعمة على الإطلاق، وكأن ذبح الأضحية ذبح لكل شهوة ورغبة في إرضاء الله عز وجل، وتضحية بكل غالٍ ورخيص، ونفس ونفيس في سبيل مرضاة الله رب العالمين.

 

﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾

( سورة الحج)

6 – طواف الإفاضة والوداع:

               ثم يكون طواف الإفاضة تثبيتاً لهذه الحقائق وتلك المشاعر، ثم يطوف طواف الوداع لينطلق منه إلى بلده إنساناً آخر، إنساناً استنار قلبه بحقائق الإيمان، وأشرقت نفسه بأنوار القرب، وعقد العزم على تحقيق ما عاهد الله عليه، وإذا صح أن الحج رحلة إلى الله فإنه يصح أن تكون الرحلة قبل الأخيرة، لتكون الرحلة الأخيرة مفضية إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

7 – معاني زيارة المدينة النبوية:

               وبعد أن ينتهي الحجاج من مناسك الحج يتجهون إلى المدينة المنورة التي هي من أحب بلاد الله إلى الله، يتجهون إليها لزيارة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( أنه من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ))

[ رواه البيهقي بسند ضعيف]

               وقد علقت في مكان بارز من الحجرة الشريفة الآية الكريمة:

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

( سورة النساء)

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾

( سورة النساء)

               وقد أشار الإمام القرطبي إلى أن الآية تصدق على زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، وليس هذا لغير النبي عليه الصلاة والسلام.
     وقد أورد الإمام القاسمي صاحب التفسير الشهير في تفسير هذه الآية أن في هذه الآية تنويهاً بشأن النبي عليه الصلاة والسلام، فالرجل حينما يظلم نفسه بمعصية ربه من خلال خروجه عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام وجب عليه أن يستغفر الله أولاً، وأن يعتذر من رسول الله ثانياً، فلا تتم التوبة إلى الله ولا تقبل إلا إذا ضم إلى استغفار الله استغفار رسوله صلى الله عليه وسلم، فطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام عين طاعة الله، ورفض سنة النبي عليه الصلاة والسلام عين معصية الله، وإرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عين إرضاء الله، يستنبط هذا من إفراد الضمير في قوله تعالى عند كلمة يرضوه:

 

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾

( سورة التوبة)

               بضمير المفرد، لأن إرضاء النبي عليه الصلاة والسلام عين إرضاء الله، ومعصية النبي عين معصية الله، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى:

 

﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾

( سورة النساء)

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

( سورة آل عمران)

               ولعل سر السعادة التي تغمر قلب المسلم حينما يزور مقام النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما إن يرى معالم المدينة حتى يزداد خفقان قلبه، وما إن يبصر الروضة الشريفة حتى يجهش بالبكاء، عندئذ تصبح نفس الزائر صافية من كل كدر، نقية من كل شائبة، سليمة من كل عيب، منتشية بحبها له صلى الله عليه وسلم وقربها منه، هذه الحقيقة هي حقيقة الشفاعة التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام:

(( من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً على الله أن أكون له شفيعاً يوم القيامة ))

[ إسناده لا يصح ]

               وإن شئت الدليل القرآني على ما يشعر به المسلم من سكينة وسعادة حينما يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو أو بآخر هو قوله تعالى:

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ ﴾

( سورة التوبة)

               وقال الرازي في تفسيره: " إن روح محمد صلى الله عليه وسلم كانت روحاً قوية صافية مشرقة باهرة لشدة قربه من الله، ولأن قلبه الشريف مهبط تجليات الله عز وجل، فإذا ذكر أصحابه بالخير والود، أو ذكره المؤمنون بالحب والتقدير فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب نفوسهم، وصفت سرائرهم، وهذه المعاني تفسر قوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾

( سورة الأحزاب)

               روي أن بلالاً رضي الله عنه سافر إلى الشام، وطال به المقام بعد وفاة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، وقد رأى وهو في منامه وهو في الشام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال ؟ أما آن لك تزورني، فانتبه حزيناً، وركب راحلته، وقصد المدينة فأتى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فجعل يبكي عنده كثيراً، فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما، وجعل يضمهما، ويقبلهما، فقالا: نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصرا عليه، فصعد على سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقفه، ولما بدأ بقوله الله أكبر، وتذكر أهل المدينة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجت المدينة، وخرج المسلمون من بيوتهم، فما رأيت يوماً أكثر باكية وباكياً في المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم، لقد صدق أبو سفيان رضي الله عنه حينما قال: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمدا.
     هذه الحقيقة ينبغي أن تنسحب على كل مؤمن إلى يوم القيامة، يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))

[ متفق عليه ]

               أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخطبة الثانية

           الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حقائق خطبة الوداع وحاجة الناس إليها اليوم :

               أيها الإخوة الكرام، لقد خطب النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع خطبة جامعة مانعة، تضمنت مبادئ إنسانية سيقت في كلمات سهلة سائغة، كيف لا وقد أوتي جوامع الكلم، فلقد استوعبت هذه الخطبة جملة من الحقائق الذي يحتاجها العالم الشارد اليوم المعذب ليرشد ويسعد.

 

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

( سورة طه)

               لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، إن الله جل وعلا ربى محمداً صلى الله عليه وسلم ليربي به العرب، وربى العرب لمحمد صلى الله عليه وسلم ليربي بهم الناس أجمعين، قال تعالى:

 

﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾

( سورة الحج)

               الآية الدقيقة:

 

﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾

( سورة الحج)

               الله عز وجل حمل هذه الأمة مهمة عظيمة، وهي نقل هذا الدين إلى بقية الأمم والشعوب، فما لم نكن في أعلى درجات التفوق ديناً وخلقاً فلن نستطيع أن نقنع العالم بهذا الدين العظيم.

1 – الإنسانية متساوية القيمة:

               الآن من المبادئ التي انطوت عليها خطبة النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع أن الإنسانية متساوية القيمة في أي إهاب تبرز، وعلى أية حالة تكون، ووفوق أي مستوى تتربع.
     عَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ:

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ))

[ أحمد ]

               الناس سواسية لا فرق بين أحمرهم وأبيضهم وأسودهم، وغنيهم وفقيرهم، وقويهم وضعيفهم ووسيمهم، لا فرق بين واحد منهم إن أكرمكم عند الله أتقاكم، هذا أول مبدأ لحقوق الإنسان، البشرية متساوية في أي إهاب، من أي جنس، من أي طائفة، من أي لون، من أي ثقافة، الكبير والصغير، والحاكم والمحكوم، والقوي والضعيف، والوسيم والدميم.

2 – الإيمان بالله واليوم الآخر ضمان لسلامة الإنسان:

               البند الثاني النفس الإنسانية ما لم تكن مؤمنة بربها، مؤمنة بوعده ووعيده، مؤمنة بأنه يعلم سرها وجهرها، النفس الإنسانية إن لم تكن كذلك تدور حول آثرتها، ولا تبالي بشيء في سبيل غايتها، بل ربما بنت مجدها على أنقاض الآخرين، ربما بنت غناها على فقرهم، بنت عزها على ذلهم، بنت حياتها على موتهم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع:

(( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ظ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ))

3 – خطورة الربا:

               والمال أيها الإخوة قوام الحياة، وينبغي أن يكون متداولاً بين كل الناس، وأنه إذا ولد المالُ المالَ من دون جهد حقيقي يسهم في عمارة الأرض، وإغناء الحياة، فتجمَّع في أيد قليلة، وحرمت منه الكثرة الكثيرة، عندها تضطرب الحياة، ويظهر الحقد، ويلجأ إلى العنف، ولا يلد العنف إلا العنف، والربا يسهم بشكل أو بآخر في هذه النتائج المأساوية التي تعود على المجتمع البشري بالويلات، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع:

(( أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ، وَلَا تُظْلَمُونَ، غَيْرَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ))

[ الترمذي ]

4 – النساء شقائق الرجال:

               الفقرة الرابعة: النساء شقائق الرجال، ولأن المرأة مساوية للرجل تماماً، من حيث إنها مكلفة كالرجل في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، ومساوية له من حيث استحقاقها الثواب والعقاب، وأنها مساوية له تماماً في التكليف والتشريف، لهذا قال عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع:

(( أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ))

[ الترمذي ]

5 – اتقوا الله في دماءِ المسلمين:

               لكن الفقرة الخامسة تشير إلى ما آلت عليه حال المسلمين في آخر الزمان، فعَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ:

(( اسْتَنْصِتِ النَّاسَ، فَقَالَ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ))

               مليون قتيل في العراق، (( اسْتَنْصِتِ النَّاسَ، فَقَالَ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ )).

6 – التمسُّك بالكتاب والسنة:

     وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال:

(( إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ؛ كتاب الله وسنة نبيه ))

[رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ]

(( وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ، ثُمَّ قَالَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَيَنْكُبُهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ))

[أبو داود عن جابر ]

خاتمة :

     أيها الإخوة الكرام، هذه لقطات و ومضات مما ينبغي أن يكون عليه الحاج إذا ذهب إلى بيت الله الحرام، ولكنك أحياناً تلتقي بحاج حج بيت الله الحرام فيحدثك ساعات طويلة عن كل شيء إلا عن الحج، عن كل شيء، عن بيته، وعن الطرقات، وعن الماء البارد، وعن التنظيم الرائع، عن كل شيء إلا عن الحج، إلا بماذا شعر وهو يطوف حول الكعبة، وهو يسعى بين الصفا والمروة، كيف ناجى ربه في عرفات، كيف زار سيد الأنام، فلذلك حينما تبتعد العبادة عن أسرارها وعن حكمتها تقترب من الطقوس التي لا معنى لها.

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال، لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا تأخذنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، دمر أعداءك أعداء الدين اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، انصر عبادك المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي شمالها وجنوبها، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018