إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 07 - لنرقى عند الله أعطانا القوة الإدراكية وهي بحاجة للعلم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 07 - لنرقى عند الله أعطانا القوة الإدراكية وهي بحاجة للعلم.


2019-05-12

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
 أما بعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي: "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات، تدبراً وتأملاً وعملاً، "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة، نسعد معكم مع فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم.
المذيع:
 مسمع صوتي عن آيات اليوم يقول الله عز وجل:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة البقرة:248 ]

 شيخنا بارك الله بكم كالمعتاد نبدأ بوجه مناسبة هذه الآية بما قبلها..

 

الله عز وجل مالك كل شيء خلقاً وتصرفاً ومصيراً :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أخي الكريم؛ بارك الله بكم، ونفع بكم، هذه الآية كما يقال جامعة مانعة:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة البقرة:248 ]

 أي الله عز وجل مالك السماوات والأرض، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، ملكية مطلقة، الإنسان قد يملك ولا يحكم، وقد يحكم ولا يملك، وقد يملك ويحكم ولا يملك مصيره، أما الله عز وجل فمالك كل شيء خلقاً وتصرفاً ومصيراً، لذلك:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة البقرة:248 ]

 والسماوات والأرض مصطلحٌ قرآني، أي الكون، والكون ما سوى الله،

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

 ملكية خلق وتصرف ومصير.
 النقطة الدقيقة جداً هذا الإنسان إن ذكر أم لم يذكر، إن أعلن أم لم يعلن، إن بيّن أم لم يبين، إذا كان هناك مرض يعاني منه، هذا المرض يعيق دخوله للجنة، أو يعيق سعادته في الدنيا، فالله عز وجل هو الرب الرحيم، هو الشافي، هو المدبر،

﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

 المحاسبة تأخذ منحيين؛ إما أن تقبل عليه فيطهر قلبك، وتشفى من ذنبك، وإما أن تنتظر لا سمح الله ولا قدر معالجة إلهية، فنحن عندنا حالة رائعة جداً، الهدى البياني، الله بيّن في القرآن، النبي صلى الله عليه وسلم بيّن في السنة، العلماء بينوا بالتكليف، هذا البيان يكفي، فإذا الإنسان لم يستجب فهناك علاج آخر، أما إذا استجاب لبيان الله، يكون أرقى درجة اسمها الهدى البياني، وأنت صحيح، معافى في بيتك، لا يوجد عندك أية مشكلة، استمعت إلى تفسير آية، استمعت إلى خطيب مسجد، تابعت ندوة إسلامية، قرأت تفسيراً، الهدى البياني، شيء رائع جداً، الموقف الكامل منه الاستجابة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

 الإنسان قد يكون عند الله ميتاً، مع أن قلبه ينبض ثمانين نبضة، النبض مثالي، والضغط مثالي، وعند الله ميت، قال تعالى:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[سورة النحل: 21]

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون: 4 ]

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾

[ سورة المدثر : 50]

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة : 5 ]

 أوصاف قرآنية مخيفة، أول شيء: أموات غير أحياء، الشيء الثاني: خشب مسندة، الشيء الثالث: إن هم إلا كالأنعام، الشيء الرابع: كمثل الحمار يحمل أسفاراً، فكل إنسان شرد عن الله، ولم يقبل منهج الله، وعاش لشهواته وغرائزه، تنطبق عليه هذه الآيات الخمسة، أموات غير أحياء،خشب مسندة، إن هم إلا كالأنعام، كمثل الحمار يحمل أسفاراً، شيء مخيف، أي خيارك مع الدين ليس خيار وردة حمراء تزين بها صدرك، بل خيار هواء تستنشقه، فإن لم تستنشقه فالمصير هو الموت.
المذيع:
 جميلة هذه العبارة.
الدكتور راتب:
 خيارك مع الدين ليس خيار وردة حمراء تزين بها صدرك، بل خيار هواء تستنشقه، فإن لم تستنشقه فالمصير هو الموت.
المذيع:
 شيخنا بارك الله فيكم تحدثت الآية التي قبلها عن المهتدين الذاكرين، وما مصيرهم، وجاءت هذه الآية تتحدث عن المعرضين عن الله.

 

بطولة الإنسان أن يكون في الجانب الإيجابي ويطبق منهج الله :

الدكتور راتب:
 هذه اسمها في القرآن الكريم الاثنينية، يذكر الكفر والإيمان، والصدق والكذب، والإخلاص والرياء، والإيمان والكفر، هذه الاثنينية رائعة جداً، يعطيك الطرفين المؤمن والكافر، الدنيا والآخرة، الحياة والموت، الغنى والفقر، التوفيق وعدم التوفيق، التيسير والتعسير، الاثنينية ملمح من ملامح القرآن الكريم، أي كل آية تنثني على أختها مثان، القرآن مثان، فلذلك البطولة أن تكون في الجانب الإيجابي.
 يا أيها الذين آمنوا أكثر من مئتين وخمسين آية، وأنا أتمنى على الأخوة المستمعين أنه إذا قرأ القرآن الكريم وذكر يا أيها الذين آمنوا يا ترى هل أنا مطبق لهذه الآية؟ هذه بطولة، هذا تدبر، القرآن الكريم يتلى عبادة، ويفهم تفسيراً ويتدبر أين أنت من هذه الآية، كلما قرأت آية اسأل نفسك هذا السؤال الدقيق وقد يكون المحرج: أين أنت من هذه الآية هل أنت مطبق لها أم لست مطبقاً؟
 بيوتنا كلنا فيها لوحات باسم الله الأعظم، آية الكرسي، وفي السيارة يوجد مصحف، هذه الأشياء رائعة لكنها لا تقدم ولا تؤخر، البطولة أن تطبق منهج الله، أي إذا شخص معه مرض جلدي، ونصح من قبل الطبيب أن يتعرض لضوء الشمس، وجلس في بيت قميء مظلم، فيه رطوبة عالية، وتحدث عن الشمس ما أروعها! ما أعظم شفاءها! كل هذا الكلام لا قيمة له ما لم يتعرض لضوء الشمس، فالحديث عن الدين سهل جداً، نحن عالمنا الإسلامي كلنا نتحدث عن الدين، ولكن كل وعود الله غير محققة، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، نحن لسنا مستخلفين في الأرض:

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 قانون، هل هذا الدين الإسلامي الآن ممكن في الأرض؟ يواجه حرباً عالمية ثالثة كانت تحت الطاولة واليوم فوق الطاولة جهاراً نهاراً، أحد أعضاء الكونغرس قال: لن نسمح بقيام حكم إسلامي، من الأخير، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 كلمة واحدة:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 إذا أخلّ الطرف الآخر بما كلفه الله به من عبادة فالله جلّ جلاله في حلّ من وعوده.
المذيع:
 شيخنا كل ما في السماوات والأرض ملك لله عز وجل، ماذا يعني مصطلح السماوات والأرض؟

 

الكون مصطلح يعني السماوات و الأرض معاً :

الدكتور راتب:
 الكون، والكون ما سوى الله، يوجد ذات إلهية كاملة وما سواه هو الكون، الكون المصطلح العلمي الآن، يقابله في القرآن الكريم السماوات والأرض، أي بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، والشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي يدخل في جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، والله حينما يقول:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج : 1 ]

 الأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً، منها برج العقرب، كنت في أمريكا بمعرض فلكي، الأبراج بقبة كبيرة جداً، فيها نجوم السماء، إلا أن الأبراج خطوط بين نجومها، مصطنعة اصطناعاً، الحقيقة برج العقرب كأنه عقرب تماماً، هذا برج العقرب فيه نجم صغير أحمر اللون، اسمه قلب العقرب، هذا النجم يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، قلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟

فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
ولو لاح من أنوارنـا لـك لائـــــحٌ  تركــــت جميع الكائنـــــــات لأجلنــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـى  سهولته قلنــــــا له قـــــد جهلتنـــــــــــــا
فأيسر مافي الحب للصب قتـلـه  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـــا
***

المذيع:
 لا فض فوك شيخنا وسلمت أنفاسك، شيخنا لو تحدثنا عن قول الله عز وجل:

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

[ سورة البقرة:248 ]

من شاء المغفرة من دون عقاب يغفر الله له إن تاب :

الدكتور راتب:
 من محبته، ومن رحمته، ومن علمه، ومن رأفته، ومن شفقته، إن عبرت عن مرض تعاني منه نفسك أو لم تعبر لا بد من محاسبة الله لك، أي إذا كان ابن والده طبيب، فالأب الطبيب يجمع بين الرحمة والعلم، فإذا رأى وجهه مصفراً إن شكا الابن لأبيه الطبيب أو لم يشك، الأب الطبيب جمع بين الرحمة والعلم لا بد من أن يعالجه، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة:248 ]

 من شاء المغفرة من دون عقاب يغفر له، إن تاب فالتوبة تلغي ما كان قبلها، يغفر لمن يشاء، و إن لم يتب فيعذب من يشاء، يوجد طريقان الأول معه التهاب معدة حاد جداً، زار الطبيب قال له: يوجد حمية قاسية ستة أشهر إن طبقتها تشفى شفاءً تاماً، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، إن عبرت عن المرض أو لم تعبر أنت بين يدي رحيم، رحيم وعليم، وخلقك لجنة عرضها السماوات والأرض، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء.
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة البقرة:248 ]

 للشفاء من أمراض النفس طريقان سليم ومتعب ما معالم كل منهما؟

 

معالم طريقي الشفاء من أمراض النفس :

الدكتور راتب:
 السليم أن ترجع إلى الله، أن تتوب إليه، أن تصطلح معه، ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيَّته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني، اعتمد على صديقه الغني، أو قريبه القوي، أو على ماله، أو على جاهه، أو على علمه، أو على منصبه، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطَّعت أسباب السماء بين يديه، لا يوجد إلا الله، إما أن تعرفه فأنت أسعد الناس، وإما أن يغفل الإنسان عنه فهو أشقى الناس، لا يوجد حل وسط، إما سعادة أو شقاء، إما توفيق أو تعسير، إما رضا أو سخط.
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

[ سورة البقرة:248 ]

 نعود إلى الوراء قليلاً لنتحدث عندما يسأل أحدهم: لماذا خلقنا الله عز وجل ليسعدنا في جنة عرضها السماوات والأرض وأيضاً لمهمات أخرى ما الدليل على ذلك؟

 

الهدف من خلق الإنسان :

الدكتور راتب:
 قوله تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود:119]

 خلقنا ربنا ليرحمنا، خلقنا لنسعد في الدنيا والآخرة، والدليل:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

 جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، خلقنا ليغفر لنا، خلقنا ليتوب علينا، خلقنا ليرحمنا..
المذيع:
 في قوله تعالى:

﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة البقرة:248 ]

 أخذنا ملمحاً بسيطاً قبل قليل، لو تحدثنا عن المعنى الإجمالي لهذه الآية.

 

البعد عن الله أخطر مرض يعاني منه الإنسان :

الدكتور راتب:
 إنسان يعاني من مرض خطير هو البعد عن الله، ولأن الله رب رحيم، وعليم، وقدير، يخيره، إما أن تتوب إليّ إذا تاب إلى الله توبة نصوحة، أنسى الله حافظيه, وبقاع الأرض كلها خطاياه, وذنوبه، و إما أن يعالج معالجة ليست سهلة، عندك هدى بياني وعندك تأديب تربوي، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 21]

 وعندنا إكرام استدراجي، يمدهم مداً ثم عندنا قصم، فالإنسان بين الهدى البياني؛ قرآن، سنة، خطبة جمعة، كتاب تفسير، الاستماع إلى درس علم، هدى بياني، الموقف الكامل الاستجابة، هذه أعلى درجة، لم يستجب هناك تأديب تربوي الموقف الكامل التوبة، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 21]

 لم يتب يوجد إكرام استدراجي، تأتيه الدنيا، الموقف الكامل الشكر، لم يستجب بالهدى البياني، و لم يتب بالتأديب التربوي، ولم يشكر بالإكرام الاستدراجي بقي القصم، قصمناهم قصماً، وكل واحد منا مخير، الأمر بيده، الآن مادام حياً يرزق ما فاته القطار، لذلك أحد الصالحين في العصور السابقة يضطجع في قبره كل خميس، ويتلو قوله تعالى:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِي*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾

  يخاطب نفسه ويقول لها: قومي لقد أرجعناك.
المذيع:
 البعض يكابر بالمحسوس فيبقى على خطئه ويبقى مصراً على ذنبه، ما الذي يحصل له؟

المؤمن سريع الاستجابة أما الكافر فيبالغ في كفره ويتجاهل النصيحة :

الدكتور راتب:
 المؤمنون من صفاتهم الرائعة قال تعالى:

﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 135 ]

المذيع:
 هذه صفة من صفات المؤمنين..
الدكتور راتب:
 أبداً لم يصروا، المؤمن سريع الاستجابة، تنصحه يتأثر، يبكي، يشكرك، أما الكافر العنيد فيبالغ في كفره، ويتجاهل نصيحتك.
المذيع:
 شيخنا ذكرتم قبل قليل وتحدثتم بين يدي عنوان مضامين عامة وتحته ثلاثة عناوين، وهو العلاج من أمراض النفس، أود لو تتحدثون أكثر عن الهدى البياني، والتأديب التربوي، والإكرام الاستدراجي.

 

مراحل تأديب الله لعبده :

الدكتور راتب:
 الهدى البياني، وأنت مرتاح لا يوجد عندك أية مشكلة، استمعت إلى خطبة جمعة تأثرت بها طبقها، سمعت درساً في المسجد غير الخطبة، تابعت ندوة بين عالمين جليلين، قرأت كتاب تفسير، سمعت جلسة إيمانية، داعية تكلم كلاماً طيباً، هذا الموقف أرقى موقف، أنت بصحتك، وفي بيتك، لا يوجد عندك أية مشكلة إطلاقاً، الله أسمعك الحق، أسمعك الهدى، الموقف الكامل والرائع أن تستجيب لله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

 ما استجاب الله يحبنا ساق لنا بعض الشدائد ليدفعنا بها إلى التوبة.
المذيع:
 وهذا ما يسمى بالتأديب التربوي.
الدكتور راتب:
 المفروض بالهدى البياني أن تستجيب، لم تستجب، المفروض بالتأديب التربوي أن تتوب، لم تتب، مصر أن تكون غنياً فأعطاك الله عز وجل الغنى، فتح عليك أبواب الدنيا، المفروض بالإكرام الاستدراجي أن تشكر لم تشكر، لا بالهدى البياني استجاب، ولا بالتأديب التربوي تاب، ولا بالإكرام الاستدراجي شكر، بقي القصم حادث سير انتهى.
المذيع:
 الموت.
الدكتور راتب:
 الموت علاجه ثلاث معالجات، الهدى البياني، التأديب التربوي، الإكرام الاستدراجي، لكن بالتأديب التربوي يظن أن المنتفعين تسعون بالمئة، أما بالإكرام الاستدراجي فالمنتفعون أقل من عشرة بالمئة، لأنه غني، كل يوم نزهة، وحفلات، ولقاءات مختلطة، وسفر، وسياحة، ومعاص، وآثام، مسرور، شعر بألم في معدته فكانت قرحة، يحتاج إلى حمية، تألم، الله يسوق هذه الشدائد ليستجيبوا إليه فإن استجابوا انتهى الأمر، تأديب تربوي، إكرام استدراجي، قصم.
المذيع:
 الهدى البياني مرتبط بالاستجابة، والـتأديب التربوي بالتوبة، والإكرام الاستدراجي بالشكر؟
الدكتور راتب:
 لا استجاب ولا تاب ولا شكر بقي القصم.
المذيع:
 الإنسان كيف يرتقي إلى الهدى البياني؟

 

الارتقاء إلى الهدى البياني لا يكون إلا بطلب العلم :

الدكتور راتب:
 لا بد من طلب العلم، هنا المشكلة، هذه الطاولة جماد، شيء مادي له وزن، وله أبعادٌ ثلاث، النبات يزيد على الجماد بالنمو، له وزن، و له أبعادٌ ثلاث، النبات ينمو، والحيوان يزيد عليهما بالحركة، له وزن، وله أبعادٌ ثلاث، وينمو، ولكنه يمشي، الهرة تمشي، الإنسان، هو كيان مادي، وزن، طول، عرض، ارتفاع، وينمو مثل النبات، ويتحرك كبقية المخلوقات، يزيد عليها جميعاً بالعقل، الله عز وجل أعطاه قوة إدراكية، هذه القوة الإدراكية إذا لباها بطلب العلم هنا ارتقى عند الله، إن لم يلبها هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، صار إما حيواناً ناطقاً كما يقولون في أوروبا، أو صار كتلة شهوات أو صار بخبر كان.
المذيع:
 نختم بالمحور الأخير الذي اعتدنا أن نتحدث به في حلقاتنا كيف للمستمع والمستمعة أن يترجم ما ذكرتموه في واقع الحياة؟

طلب العلم فريضة على كل مسلم :

الدكتور راتب:
 لا بد من طلب العلم، لابد من درس أسبوعي، لا بد من قراءة القرآن، لا بد من حضور الدروس في المساجد، طلب العلم فريضة على كل مسلم، والعلماء قالوا: على كل شخص مسلم، أي على كل مسلم ومسلمة، ما معنى فريضة؟ أنت ممكن ألا تأكل أفوكادو، أو كرزاً، وتبقى على قيد الحياة، لكن الهواء غير الأفوكادو، الهواء والماء أساسيات، أنت مفروض عليك أن تشرب الماء كل يوم، وتستنشق الهواء، فإذا فهمت العلم فاكهة نادرة فهذه غلطة كبيرة، العلم هواء تستنشقه، إن لم يستنشق فالموت محقق، قال تعالى:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[سورة النحل: 21]

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ* فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾

[ سورة المدثر: 50-51]

خاتمة و توديع :

المذيع:
 بارك الله بكم شيخنا، شكراً لكم شيخنا.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم..
المذيع:
 والشكر موصول لكم أخواني على طيب المتابعة، وجميل الاستماع، نلقاكم غداً حتى ذلكم الوقت نترككم في حفظ الله ورعايته.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018