برنامج منهج التائبين - الحلقة : 30 - ثمرات التوبة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠45برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 30 - ثمرات التوبة.


2019-06-04

مقدمة :

الدكتور بلال:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله لله رب العالمين، غافر الذنب، وقابل التوب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي، أخواتي؛ نحن معاً في لقاءٍ جديد من برنامجنا: "منهج التائبين" نبحر في مفردات هذا المنهج بصحبة ومعية شيخنا الفاضل، فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمه الله وبركاته، بارك الله بكم.
الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً، سيدي اليوم نهاية المطاف، ومسك الختام، وكل الحلقات بصحبتكم مسك الختام.
الدكتور راتب :
 إن شاء الله، بارك الله بك.
الدكتور بلال:
 لكن اليوم نتحدث عن ثمرات التوبة:

(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادِ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

 ما الذي سيشعر به الآن التائب؟ ما ثمرات التوبة على نفسه وعلى أسرته ومجتمعه؟

الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :

الدكتور راتب :
 قبل أن أجيب عن هذا السؤال الرائع والأخير.
 الحقيقة أن الإمام الحسن البصري، سيد التابعين، وصف الإنسان وصفاً مذهلاً، ما سمعت وصفاً أدق منه، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، فهو زمن، ولأنه زمن أقسم الله له بمطلق الزمن، قال:

﴿ وَالْعَصْرِ﴾

[ سورة العصر: 1]

 الواو واو القسم.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

 أي مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان، أنت بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، هذه السورة دقيقة جداً.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 2]

 خاسر، من يقسم؟ خالق الأكوان، خالق الإنسان، أنت خاسر، لأن مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان، يا ترى هل من تلاف لهذه الخسارة؟ عند قوله:

﴿ إِلَّا ﴾

[ سورة العصر: 3]

 إلا، ما بعد إلا قال عنها الإمام الشافعي: أركان النجاة.

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة العصر: 3]

 بحثوا عن الله في آياته الكونية - كما قلنا في لقاء سابق- وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، وبحثوا عنه في الصحبة الصالحة، في المؤمنين.

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾

[ سورة الكهف الآية : 28]

 آمنوا، لا يكفي، أيديولوجياً، فكرياً، عقدياً، آمن لهذا الكون خالق عظيم، ورب رحيم، ومسير كريم، لا بد من سلوك عملي يؤكد إيمانهم، بحثوا عن منهج الله، أنت بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، بحث عن الحق والباطل، والحلال والحرام، والله عز وجل ينتظرنا، ولو يعلم العاصي انتظار الله له لمات خجلاً من ربه.

سعادة الإنسان تكون عند مطابقة حركته في الحياة لهدفه :

 الآن:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة العصر: 3]

 يجب أن تأتي حركتهم في الحياة مطابقة لهدفهم، أنت بحاجة إلى طعام وشراب، البحث عن الطعام والشراب سلوك، ممكن أن تأكل المال الحرام بغش الناس، أو الحلال، أن تقيم علاقة لا ترضي الله، علاقة شرعها الله، أي بالعرس يطلقون أبواق السيارات، لا يستحون، هذا منهج الله، أما لو كان هناك لقاء خاطئ فهناك خجل شديد، وخزي وعار.

﴿ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة العصر: 3]

 أي جاءت حركتهم اليومية مطابقة لهدفهم.
 لو أن طالباً عنده امتحان مهم جداً، أخذه أصدقاؤه جبراً له إلى مكان جميل، أطعموه أطيب الطعام، رأى أحلى المناظر، يحس بكآبة شديد، هذه الحركة تتناقض مع يوم الامتحان، لو قبع في غرفة مظلمة، وباردة، ورطبة، وقرأ الكتاب المقرر، وفهمه، يشعر براحة نفسية كبيرة.
 فالإنسان يسعد حينما تأتي حركته اليومية مطابقة لهدفه، يسعد كثيراً.

التواصي بالحق فرض عين على كل مسلم :

﴿ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ * وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر: 3]

 التواصي بالحق فرض عين على كل مسلم، أي أنت سمعت آية من خطيب المسجد، سمعت آية من ندوة دينية، قرأت تفسير آية تأثرت به، من جميع مصادر العلم، ذكرتها لزوجتك، لأولادك أثناء الطعام، لزملائك، لجيرانك أحياناً، بسهرة مشتركة.

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر: 3]

 هذه الدعوة فرض عين على كل مسلم، في حدود ما يعلم، ومع من يعرف.

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

[ سورة العصر: 3]

 صبر على معرفة الله أولاً، وعلى استقامته ثانياً، وعلى الدعوة إليه ثالثاً، هذه السورة الصحابة الكرام ما تفرقوا إلا عليها.
الدكتور بلال:
 سيدي، نعود إذاً إلى ثمرات التوبة، تاب العبد، ورجع إلى الله، وأقبل على الله، ما الذي سيجده الآن؟

ثمرات التوبة :

الدكتور راتب :
 قبل، التوبة ندم، الندم يسبقه علم، وإقلاع، وعزم، علم سبق الندم، والندم حالة نفسية، سببت إقلاعه عن هذا الذنب، وعزم في المستقبل ألا يعود إليه، هذه التوبة، فالتوبة هي صمام الأمان، هي الخلاص، لولا التوبة تفاقمت الذنوب، وهلك الناس جميعاً.

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

[ سورة الزمر: 53]

 أنا أقول لبعض الأخوة: أنت وكل ذنوبك في رحمة الله، رحمة الله تسع الإنسان وذنوبه.
الدكتور بلال:
 إذاً يشعر بعد التوبة بالسكينة.
الدكتور راتب :
 إن لم يقل: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني عنده إشكال بالتوبة، أنت مع الله، مع الخالق، مع الغني، مع القدير، مع الجميل.
الدكتور بلال:
 يقول تعالى:

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان: 20]

 ما الفرق بين النعم الظاهرة والباطنة؟

الفرق بين النعم الظاهرة والباطنة :

الدكتور راتب :
 الظاهرة صحة، الباطنة مرض، المرض قد يسبب توبة نصوحة.
 لو فرضنا ابناً نشأ في بيت، والده ما حاسبه أبداً، فلم يدرس، كبر لا يوجد عنده وظيفة، ولا تجارة، ولا بيت، ولا زوجة، ولا مركبة، فحقد على والده، لِمَ لم تعاقبني؟ أما لو أن والده انتبه له، وعاقبه على التقصير، فدرس وصار طبيباً بعيادة، أصبح له دخل جيد، مكانة اجتماعية، بيت، سيارة، زوجة، يشكر أباه من أعماقه على تأديبه الشديد حينما قصر بالدراسة.
الدكتور بلال:
 هذه نعمة باطنة.

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾

[ سورة القصص: 47]

الدكتور راتب :
 التأديب نعمة باطنة، أما العطاء فنعمة ظاهرة.
الدكتور بلال:
 وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

[ سورة القصص: 47]

 فالمصائب رسل من الله ليتوب العبد.
الدكتور راتب :
 لكن هذه رسل مطلقة.
 أذكر شخصاً عليه زكاة مال لم يدفعها بضغط من زوجته، أنه بحاجة إلى طلاء البيت، ركب سيارته عمل حادثاً، قال لي شيئاً لا يصدق، قال لي: زكاتي كانت اثنتي عشرة و أربعمئة و خمسين ليرة، كلفتني السيارة اثنتي عشرة و أربعمئة و خمسين ليرة.
 هذه رسالة من الله، الله كبير، بطولتك أن تعرفه، وأن تلتزم منهجه، وتحسن إلى خلقه.
الدكتور بلال:
 الآن سيدي، تاب إلى الله، ما الذي يفعله في ماضيه، ماضية الأسود؟

ضرورة ترميم الماضي عند التوبة :

الدكتور راتب :
 والله إذا كان الماضي فيه شيء يرمم، عليك دين؟ ادفعه، حتى لو آكل أموالاً لا تجوز قدرها أنت، وادعم الجمعيات الخيرية مقابلها، إن كنت لا تعلم صاحبها، هناك حل أيضاً.
الدكتور بلال:
 تصدق بها إلى الجمعيات. الآن:

﴿ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة البقرة: 160]

البيان يطرد الشيطان :

الدكتور راتب :
 هو عند أخطأ أمام مجموع، واعتد بغلطه، أوهم الناس أن هذا هو الصح، عندما تاب يبلغهم، أنا كنت مخطئاً في هذا، هذا من باب تمام التوبة، هو مدرس مثلاً، ألقى كلاماً غير صحيح عن التاريخ الإسلامي، يجب أن يبلغهم.
الدكتور بلال:
 هذا يبين:

﴿ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ﴾

[ سورة البقرة: 160]

الدكتور راتب :
 أيضاً التبيين هل هناك أوضح من هذا؟! النبي الكريم يمشي مع زوجته، مر صحابيان، قال: على رسليكما هذه زوجتي.
 البيان يطرد الشيطان، البيان ضروري جداً.
الدكتور بلال:
 سيدي في ختام هذه الحلقات التي طابت بكم، جزاكم الله خيراً، أكرمكم الله سيدي، أريد رسائل سريعة في دقيقة، الرسالة الأولى للعاصي الذي ما زال مقيماً على معصيته؟

رسائل للعاصي المقيم على معصيته :

الدكتور راتب :
 أولاً: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك.
 فلابد من العلم، هذا الجانب العقدي، هذه كليات الدين، الجانب السلوكي الاستقامة، ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، إسلام بلا استقامة فولكلور إسلامي، أقواس إسلامية، بطاقة معايدة إسلامية، زخرفة إسلامية، ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار هذا الدين شيئاً.
 نحتاج أول شيء إلى عقيدة صحيحة، واستقامة، حركة سلبية، امتناع، ما أكلت مالاً حراماً، ما كذبت، ما غششت، نحتاج إلى عمل إيجابي، أن تنفق من علمك، من مالك، من جاهك لخدمة الخلق، لأن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والعمل الصالح يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً وصواباً، لا يكفي، عقيدة صحيحة، استقامة سلوك سلبي، عمل صالح سلوك إيجابي اتصال بالله.

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 14]

 الشيء الذي يلفت النظر:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام: 82 ]

 إن ذكرتموني أديتم واجب العبادة، العبودية والعبادة، أما إذا ذكرتكم فمنحتكم الأمن ولا يتمتع به إلا المؤمن، السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 نعم، جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم.
 أخوتي الأكارم؛ في ختام هذه الحلقات التي استمتعنا بها في صحبة شيخنا الفاضل، واستمتعنا بها بمتابعتكم الطيبة، تلك كانت ومضات من منهج التائبين، باب التوبة مفتوح على مصراعيه، لا يغلق إلا في حالتين؛ الأولى: عند قيامة الإنسان الصغرى، الموت، فإن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر.
والثانية: عند القيامة الكبرى، فإن الله تعالى لا تنقطع عنده التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.
 فلنبادر إلى باب الله تعالى، ولنقبل عليه، ولنلتزم منهجه قبل فوات الأوان، وأن نقبل عليه بقلوبنا، فما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا.

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة هود: 107]

 شكر الله لشيخنا، شكر الله لكم، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018