إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 05 - ذكر المؤمن لربه يؤدي واجب العبودية وذكر الله له يمنحه القرب والسكينة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

إذاعة القرآن الكريم من الدوحة - برنامج ربيع القلوب 1 - الحلقة : 05 - ذكر المؤمن لربه يؤدي واجب العبودية وذكر الله له يمنحه القرب والسكينة.


2019-05-10

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستن بسنته، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
 أما بعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم أينما كنتم بكل خير، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي: "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً، وتأملاً، وعملا، "ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة، نسعد باسمكم جميعاً أن أرحب بضيفنا الدائم فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا..
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم..
المذيع:
 يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 شيخنا بارك الله بكم بداية نريد أن نقف كالمعتاد على وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها.

 

الاتصال بالله يولّد السلامة و السعادة و الاستمرار :

الدكتور راتب:
 الله عز وجل يقول:

﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾

[ سورة البقرة: 283 ]

 لذلك تطبيق هذا المنهج القويم منهج خالق السماوات والأرض يحتاج إلى اتصال بالله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 والذكر أوسع كلمة، فالصلاة ذكر، وتلاوة القرآن ذكر، والتفكر في خلق السماوات والأرض ذكر، الكلمة الواسعة الجامعة لكل النشاطات الدينية تنضوي تحت كلمة الذكر، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 والحقيقة أقول هذه الكلمة وأرجو أن تكون دقيقة جداً: كل ما يعانيه المسلمون في عصورهم المتأخرة هي أعراض لمرض واحد هو الإعراض عن الله، هي أعراض الإعراض، إذا كان هناك إقبال، ورحمة، وإنصاف، وعدل، كان هناك بيت إسلامي، وسعادة زوجية، وتوفيق بالعمل، و تألق، وإذا لم يكن هناك اتصال بالله فهناك شقاء، هي كلمة واحدة، إن كان هناك اتصال فهناك سلامة وسعادة واستمرار.
 في الأرض الآن تقريباً ثمانية مليارات إنسان، أنا أؤكد أن جميعهم عندهم حرص لا حدود له على سلامتهم وسعادتهم واستمرارهم، فالإنسان أعقد آلة في الكون، و للكون صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرصه اللامحدود على سلامته، ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع، والسلامة أساسها الاستقامة، الاستقامة معناها سلبي، أنا ما أكلت مالاً حراماً، أنا ما كذبت، أنا ما غششت، أنا ما آذيت مسلماً، الاستقامة معناها سلبي، العمل الصالح معناه إيجابي، بذلت وقتي، بذلت مالي، بذلت علمي، بذلت جاهي، أي إنسان على سطح الأرض حريص على سلامته، وسلامته باتباع تعليمات الصانع، وسعادته بالاتصال بالله، ذات كاملة، أصل الجمال والكمال والنوال، فالإنسان إذا اتصل به اشتق منه الرحمة، اشتق منه الإنصاف، اشتق منه اللطف، اشتق منه الحكمة، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم آتاه الله مئات الخصائص الاستثنائية لكن حينما مدحه مدحه بأخلاقه، لأن الأخلاق منه، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم: 4 ]

 ابن القيم الجوزية له كلمة رائعة جداً قال: الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
 إذاً هذا المنهج القويم، هذا الصراط المستقيم، هذا منهج خالق السماوات والأرض، لا يمكن أن تطبقه إلا إذا اتصلت به، باتصالك به تشتق النور، ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

[ سورة الحديد: 28 ]

 المؤمن معه ضوء شديد وهاج، يرى به الحق حقاً، والباطل باطلاً، وغير المؤمن من كان في هذه أعمى، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾

[ سورة الإسراء: 72 ]

 فالقضية قضية إيمان بالله، واتصال به، الآن صار في القلب نور، هذا النور يرى به الحق حقاً، والباطل باطلاً، والخير خيراً، والشر شراً، والكمال كمالاً، والنقص نقصاً.
المذيع:
 تحدثت الآيات التي قبلها عن أحكام المعاملات؛ الدين والرهن، فناسب أن تأتي هذه الآية أن تتحدث عن ملك الله، وعلم الله، من يعلم أنه في ملك الله وعلم الله فلا بد من أن يستقيم على أمره، لو تحدثنا عن هذا.

 

من أدرك أن علم الله يطوله و قدرته تطوله لا يمكن أن يعصيه :

الدكتور راتب:
 مثل بسيط من واقعنا، أنت تمشي بسيارتك، والإشارة حمراء، لماذا تقف؟ ليقينك الثابت أن واضع قانون السير علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، أو من خلال هذه الكاميرا، كلاهما واحد، وأنت مؤمن إيماناً يقينياً أن قدرته تطولك، مخالفة كبيرة، سحب إجازة، لمجرد أن تعلم أن علم واضع القانون يطولك، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، لا تعصي شرطياً، يقول الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

 نقطتان بعد تعلموا، شيء دقيق:

﴿ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

 اختار من كل أسمائه العلم والقدرة، أنت إذا آمنت أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، لذلك ما أزمة أهل النار في النار؟ قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 أزمتهم أزمة علم فقط، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، طالبُ العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 متى هذه المعيشة وما المراد؟

 

المعيشة الضنك إما ضيق مادي أو ضيق معنوي :

الدكتور راتب:
 الشيء الضنك الشيء الضيق، ضيق، الضيق قد يكون في صحته، وقد يكون في بيته، وقد يكون في زواجه، وقد يكون مع أولاده، وقد يكون في نفسه، هذا الضيق إما مادي أو معنوي، لذلك أهل الدنيا مهما بلغوا منها، بيل غيتس جمع ثمانية وتسعين مليار دولار يمكن أغنى أغنياء أهل الأرض بالعصر الحديث، قال على فراش الموت: هذا الرقم لا يعني عندي شيئاً، تعنيني علاقة إنسانية، لذلك:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 أخي الكريم؛ الإنسان يولد يمشي، يتكلم، يدخل حضانة، ابتدائي، متوسط، ثانوي، جامعة، خطه البياني صاعد، يتعين، يتزوج، ينجب، المؤمن خطه البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، بينما غير المؤمن مات، انتهى كل شيء، رجع إلى الصفر، إلا أن المؤمن خطه البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، هذه المعيشة الضنك الضيقة، إما ضيق مادي، أو ضيق معنوي، أكبر غني في العالم روتشيلد أمواله لا تسعها الصناديق، تسعها غرف، دخل على إحدى غرف أمواله، أغلق الباب خطأ، والغرفة بعيدة عن مكان سكنه، وهو كثير السفر، فظن أهله أنه مسافر، صرخ، ضرب، خبط، إلى أن جرح يده وكتب على الحائط: أغنى أغنياء العالم يموت جوعاً، فلذلك نحن في قبضة الله، ونحن في رحمة الله، فإذا أعرضنا عن الله المتاعب لا تعد ولا تحصى، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 124 ]

الحكمة أكبر عطاء إلهي للإنسان :

 والذكر كما قلت قبل قليل الصلاة ذكر، تلاوة القرآن ذكر، الاستماع إلى خطبة جمعة ذكر، التفكر في خلق السماوات والأرض ذكر، كلمة واسعة جداً، قال تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 14]

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[سورة البقرة:125]

 أنتم إذا ذكرتموني في الصلاة أديتم واجب العبودية، لكنني إذا ذكرتكم منحتكم الحكمة، والحكمة أثمن عطاء إلهي على الإطلاق، أنت بالحكمة تجعل العدو صديقاً، وبالحكمة تسعد بأي زوجة، ولو أنها من الدرجة العاشرة، وبالحكمة تتدبر أمرك بالمال المحدود، من دون حكمة، تشقى وأنت في أعلى درجة من المال، لذلك الحكمة أكبر عطاء إلهي، إلا أن الملمح الدقيق في الآية ما قال الله عز وجل: من يكن حكيماً، ما قال: من يأخذ الحكمة، قال تعالى:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 الحكمة تؤتى ولا تؤخذ، وهي أكبر عطاء إلهي للمؤمن، يقول لك: بالحكمة أنا أسعد الناس، وأنا لا أصدق أبداً إلا أن يقول المؤمن: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، لأنك أنت مع الخالق، مع الرب، مع المسير، مع الرحيم، مع الغني، مع القوي، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟
المذيع:
 هل النعيم الظاهر دليل على سعادة الباطن؟

 

النعيم الظاهر ليس دليلاً على سعادة الباطن :

الدكتور راتب:
 لا، إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، أعطاها لقارون وهو لا يحبه، أعطاها لفرعون، أما الآخرة فلا يعطيها إلا لمن يحب، هذه السكينة أخي الكريم تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، فالدنيا ليست مقياساً، لأن فرعون آتاه الله الملك، فرعون كان جباراً في الأرض وآتاه الله الملك لكن ما آتاه الرحمة، لذلك الرحمة هي مطلق عطاء الله:

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ الديلمي عن أبي بكر]

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 56]

 المحسن يؤتى الرحمة ويسعد بها ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء.
المذيع:
 ذكرتم قبل قليل أن المقصود بالضنك الشيء الضيق.

 

المصائب معالجة من الله أو لفت نظر العبد :

الدكتور راتب:
 إما ضيق نفسي، قبض، سئل أحد العلماء الكبار:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

 فما بال الأغنياء والأقوياء؟ الذي يملك ثلاثة وثمانين ملياراً أي ضنك هذا؟ فأجاب عن هذا السؤال الدقيق قال: ضيق القلب. في القلب حالة مؤلمة جداً هي ضيق القلب، معه أموال طائلة، معه ملايين مملينة، أو بأعلى درجة من القوة، ومع ذلك ما منحه الله سعادة القلب، القلب مركز الإحساس، يسعد بهذا القلب ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقد هذه السعادة ولو ملك كل شيء.
المذيع:
 المقصود بالضيق هنا ضيق النفس؟
الدكتور راتب:
 والمادي أيضاً، الله عز وجل يسوق بعض المصائب من أجل أن يلفت نظر هذا العبد الشارد، يكون عبداً شارداً تأتيه بعض المصائب، لذلك هناك يقين حسي، ويقين عقلي، ويقين إخباري، المصيبة أحياناً معالجة من الله عز وجل، أو لفت نظر، أذكر أن إنساناً عليه زكاة، المبلغ بالضبط كان أحد عشر ألفاً وأربعمئة وخمسين، ضغطت عليه زوجته ضغطاً شديداً كي يصلح البيت، ويطلي هذا البيت، ويجدد أثاث البيت، فاستجاب لها، ونفذ رغبتها، ولم يدفع زكاة ماله، ارتكب حادث سير، الذي لا يصدق أن كلفة إصلاح السيارة كانت أحد عشر ألفاً وأربعمئة وخمسين، نفس الرقم الذي أصلح فيه البيت، وكان هذا زكاة ماله، فالله عمل له رسالة، إذا أحب الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه، أنا أضرب مثلاً دقيقاً؛ مريضان زارا طبيباً، الأول معه التهاب معدة حاد، فالطبيب أخضعه لحمية قاسية جداً، على الحليب ستة أشهر، وبعدها شفاء تام، ووجد مع الثاني مرضاً خبيثاً منتشراً بكل جسمه، فالأول سأله: ماذا آكل؟ قال له: حليب فقط، لستة أشهر أخضعه لحمية قاسية جداً، والثاني الذي معه مرض خبيث سأله: ماذا آكل؟ قال له: كُلْ ما شئت، أيهما أفضل أن تخضع لحمية قاسية تنتهي بالجنة أم أن تطلق على ما تريد على هواك وأن تستحق النار؟ لذلك البطولة إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه.
المذيع:
 شيخنا في قوله تعالى:

﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 هل العمى المقصود في الآية عمى حسي أم معنوي؟ بصر أم بصيرة؟ أم كلاهما معاً؟

 

القلب الأعمى قلب يرى أن المال الحرام مكسب :

الدكتور راتب:
 قال تعالى:

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾

[ سورة الحج: 46]

 هذا الجواب، قلب أعمى رأى المال الحرام مكسباً، فرح به، قلب أعمى رأى أن تكون قوياً وأن تظلم الناس وأنت قوي هذا تفوق، هذا هو العمى الحقيقي أن ترى المعصية مغنماً، أن ترى الظلم قوة، أما المستنير بنور الله فيجبن أمام أقل شيء، سيدنا عمر أراد أن يمتحن راعياً، فقال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟! هذا الراعي ثقافته محدودة جداً، وضع يده على جوهر الدين عندما قال: أين الله؟ فهو فقيه، لذلك قالوا: كفى بالمرء جهلاً أن يعصيه و كفى بالمرء علماً أن يطيعه.
المذيع:
 وكذلك مقولة الفتاة لأمها إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا، في نفس هذا المقطع في قوله تعالى:

﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 هل السؤال هنا سؤال استعتاب أم سؤال استظهار؟

 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء :

الدكتور راتب:
 لا سؤال تقرير، قال تعالى:

﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

[ سورة طه: 125-126 ]

 كنت أعمى في الدنيا، كنت أعمى البصيرة لم تكن أعمى العينين، هذه نقطة مهمة جداً هناك عمى القلب، عمى البصيرة، ما هي البصيرة؟ أن ترى المآلات، هذا المال الحرام سينتهي، ويبقى الإثم، والحساب، والعذاب، والنار، وهذا الدخل المشروع، الحقيقي، الصالح، الحلال قليل، لكن ستنتهي هذه الضائقة، لذلك الله عز وجل أعطى الحظوظ للدنيا، المال حظ، الوسامة حظ، الذكاء حظ، الأولاد حظ، المكانة الاجتماعية حظ، المنصب حظ، وزع الحظوظ توزيع ابتلاء في الدنيا، وسوف توزع توزيع جزاء، الحظوظ في الدنيا مؤقتة، إنسان جعله الله غنياً ولم ينجح في امتحان الغنى، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 30]

 الإنسان يبتلى بالغنى أحياناً، يبتلى بالفقر، يبتلى بالقوة، يبتلى بالضعف، نجح في امتحان الفقر، والثاني لم ينجح في امتحان الغنى، عاش الاثنان ستين عاماً، انتهت حياتهم، الذي نجح في امتحان الفقر له الجنة إلى أبد الآبدين، والذي لم ينجح في امتحان الغنى له جهنم، فالدنيا ساعة اجعلها طاعة.
المذيع:
 شيخنا في مطلع هذه الآية:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 قال جماعة من أهل السنة: إن معرفة الله واجبة بالعقل فما المقصود من ذكرها في القرآن الكريم؟

 

أصل الدين معرفة الله عز وجل :

الدكتور راتب:
 أصل الدين معرفة الله عز وجل، إنك إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك المعرفة فاتك كل شيء، لذلك إن عرفت الله عرفت أمره ونهيه، أعطاك الحكمة، أعطاك النظر الثاقب الحديد، قال تعالى:

﴿ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَديدٌ ﴾

[ سورة ق: 22 ]

 هو في الدنيا كان بصره حديداً، رأى مآل المال الحرام، رأى مآل الزنا، رأى مآل التفلت، رأى مآل ترك العبادات، فالإنسان بطولته أن يعرف الحق في وقت مبكر، طبعاً فرعون الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

 والذي قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38 ]

 فرعون عندما أدركه الغرق قال :

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس: 90 ]

 فماذا قال الله له؟

﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

[سورة يونس: 91]

 فالبطولة أن تؤمن قبل فوات الأوان، لذلك قال تعالى:

﴿ يَومَ يَأتي بَعضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت في إيمانِها خَيرًا﴾

[سورة الأنعام: ١٥٨]

المذيع:
 ما الذي ترشد إليه هذه الآية:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

من ذكر الله أدى واجب العبودية :

الدكتور راتب:
 لا بد من أن تذكر الله الكلمة الجامعة المانعة، فالصلاة ذكر، والدعاء ذكر، والإقبال على الله ذكر، وأداء الفرائض ذكر، ورحمة الأهل ذكر، وذكر الله في البيت مع أولادك ذكر، والنصح ذكر، وإلقاء خطبة ذكر، أوسع كلمة في الدين تدور مع الإنسان حيثما دار الذكر، والله قال:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[سورة البقرة:125]

 إن ذكرتموني أديتم واجب العبودية، لكنني إذا ذكرتكم منحتكم الحكمة، منحتكم الرضا، منحتكم الغنى النفسي، منحتكم القول السديد، منحتكم أشياء لا تعد ولا تحصى، ابن آدم اطلبني تجدني، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قَالَ كَذَلِكَ ﴾

[ سورة طه: 124-126 ]

 كنت أعمى في الدنيا أعمى البصيرة.
المذيع:
 من خلال ما سمعنا منكم بارك الله بكم الذكر هنا هل يشمل القرآن؟
الدكتور راتب:
 أوسع كلمة، أي نشاط متعلق بالله فهو ذكر، التفكر في خلق السماوات والأرض ذكر، النصح ذكر، الأمر بالمعروف ذكر، النهي عن المنكر ذكر، أن تجلس مع أولادك وتحدثهم عن الله ذكر، أن تتلو القرآن ذكر، أن تحضر خطبة جمعة ذكر، الكلمة الجامعة المانعة التي تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته، وقال لك الله عز وجل:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[سورة البقرة:125]

 إن ذكرتموني أديتم واجب العبودية، لكنني إذا ذكرتكم والله شيء لا يعد ولا يحصى منحتكم الحكمة، التوفيق، السعادة، القول السديد، العمل الرشيد، منحتكم بيتاً مؤنساً، زوجة صالحة، أولاداً أبراراً:

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 لن تحصوا الخيرات.
المذيع:
 لو نختم بهذه العبارة النبوية:

(( ...فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ..))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

من ذكره الله رفع له ذكره :

الدكتور راتب:
 إذا الشخص جلس صباحاً ذكر الله، الله ذكره، ذكره منحه الرضا، منحه القرب، منحه السعادة.
المذيع:
 نحب أن نوضحها للمستمعين ذكرته في نفسي.
الدكتور راتب:
 هو تفكر في خلق السماوات والأرض ذكره في نفسه، قرأ القرآن ذكره في نفسه، منحه الله الرضا والسعادة، أما إذا ذكرني في ملأ من خلقي، ذكرته في ملأ خير منه، يرفع مكانته، قال تعالى:

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[سورة الشرح: 4]

 النبي صلى الله عليه وسلم الأرض كلها تذكره، إذا ذكرته في نفسك ذكرك في نفسه، فيما بينك وبينه أسعدك، إن ذكرته في ملأ ذكرك الله في ملأ خير منه، هذه المكانة التي ينالها المؤمن، هذه معنى قوله تعالى:

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[سورة الشرح: 4]

 وأنا هنا لي رأي دقيق جداً، أية آية تخص النبي صلى الله عليه وسلم وحده لكل مؤمن منها نصيب بقدر إيمانه وإخلاصه، والشاهد: ورفعنا لك ذكرك، العالم له مكانة كبيرة في المجتمع، لأن الله رفع ذكره، لأنه ذكره في ملأ.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 جعلنا الله وإياكم والمستمعين من الذاكرين لله والذاكرات، شكراً لكم شيخنا.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم..
المذيع:
 والشكر موصول لكم إخواني على طيب المتابعة وجميل الاستماع، نلقاكم غداً حتى ذلكم نترككم في حفظ الله ورعايته.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018